Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish
دخول المدونة تسجيل جديد

دخول المدونة

 

أخر مقال نشر للكاتب

  الثلاثاء، 18 نيسان 2017
  2944 زيارات

اخر التعليقات

اسعد كامل فرصة الدكتور حيدر العبادي النادرة ! / ادهم النعماني
19 تشرين1 2017
نعم كانك في قلبي فانها فرصة تاريخية للسيد العبادي ان يتخلى عن حزبيته و...
زائر حسينية الشيخ بشار كعبة البهائيين في العراق وهي من مسلسل الهدم الذي يطال التراث العراقي
15 تشرين1 2017
البيت في الاساس كان لسليمان الغنام السني وسكنه البهائي بعد مقتل سليمان...
الأكدي ماتيس: نعمل على ضمان عدم تصاعد التوتر حول كركوك
14 تشرين1 2017
أمريكا لاتشعل النار أن كانت تعرف أنها لن تحرق فالدواعش وتنظيمات ماي...
حسين يعقوب الحمداني نتنياهو : ننفي كافة الاتهامات بشأن تورط اسرائيل في استفتاء كردستان
02 تشرين1 2017
كذب كذب حتى تصدق نفسك وهي مؤوسسات قائمة بذاتها لتحقيق ذات الكذبه حتى أ...

مدونات الكتاب

محرر
19 كانون2 2017
متابعة : شبكة الاعلام في الدنمارك - أعلن موقع "فيسبوك" عن حظر نشر مواد قناة RT الروسية بنسختها
1411 زيارة
زكي رضا
11 كانون1 2016
هل الجيش العراقي الحالي جيش وطني، أي هل هو جيش العراق بطوائفه وقومياته المتعددة؟ وهل هناك إمكان
1442 زيارة
زيد الحلي
24 أيار 2016
حين يكون الاقتصادي ، صدى للمواطن ويتحسس معاناته ، فأنه يصل بإنسانيته الى مدى شاسع من الصدق ، فا
1830 زيارة
حسام العقابي
07 تموز 2017
 حسام هادي العقابي - شبكة اعلام الدانمارك صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الحكومة الألماني
1049 زيارة
محرر
08 تموز 2017
متابعة : شبكة الاعلام في الدنمارك -أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو
1598 زيارة
بأشد عبارات الإدانة والاستنكار، ندين ونشجب ونستنكر ونرفض كل ما تقوم به الأجهزة الأمنية التابعة
2010 زيارة
ما أن اقبل موسم الحج, حتى تسابق الساسة للمشاركة بالحج لبيت الله, فقط كان عدد المشاركين من البرل
1635 زيارة
محرر
26 تشرين1 2016
متابعة : شبكة الاعلام في الدنمارك -قالت مصادر في الحكومة الأمريكية إن واشنطن تستخدم حاليا قاعدة
1826 زيارة
فلاح المشعل
13 شباط 2017
 فضيحة تلو أخرى عن الفساد والموت والكواتم والهروب من السجون واللاصقات والعبوات وأجهزة كشف
3055 زيارة
الشاعرعباس طريم
13 تشرين1 2014
الباحثون والمتخصصون بالشان العسكري يدركون اكثر من غيرهم , بان الضربات الجوية لا تكفي لاحتلال وت
1773 زيارة

20 معلومة عن الدكتور “عدنان إبراهيم”

-ولد عدنان ابراهيم سنة 1966 في غزة، فلسطين.

2-درس بمدارس الإونروا ثم هاجر إلى يوغوسلافيا، حيث بدأ بدراسة الطب ثم غادرها للنمسا لاحقاً بسبب اندلاع الحرب.

 

 

3-لم يكمل دراسة الطب، بل بدأ بدراسة الشريعة في كلية الإمام الأوزاعي في لبنان

 

A3

 

4-أخذ شهادة الماجستير بعنوان ”عمر السيدة عائشة عندما بنى بها الرسول“

 

عدنان ابراهيمما هو أول ما يلفت نظر المرأة في الرجل؟

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

5-رغم تعريفه عن نفسه بأنه دكتور إلا أن عدنان قدم بحثه للدكتوراة مؤخراً (سنة 2014) تحت عنوان ”حرية الاعتقاد في الإسلام ومعترضاتها“

 

عدنان ابراهيمهل نظرية التطور تدعو إلى الإلحاد؟

مستوى الدّعم الذي تحظى به نظريّة التطوّر عند المؤسّسات الدّينيّة والعلماء المؤمنين: هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟


يزعم بعض الخلقيين ومحاربي نظريّة التطوّر العلميّة أنّ النّظريّة تهدف إلى نشر الإلحاد، محاربة الأخلاق، وسلخ الشّباب عن القيم الإنسانيّة التي نشأوا عليها. هذه الهجمات الأيديولوجيّة المتكرّرة ضدّ النّظريّة جعلت الكثير من الشّباب غير المتعلّم يساوي، ظلمًا وبغير حقّ، نظريّة التطوّر مع الفلسفة المادّيّة، وحتّى أحيانًا داروين مع الشّيطان الأكبر. ولكن هل تدعم الحقائق هذه الدّعاوى والإتّهامات؟ هل تنفي نظريّة التطوّر وجود الخالق؟ هل كلّ المؤمنين بصحّة نظريّة التطوّر هم ملاحدة يحاربون الأديان ويتمنّون بوارها؟

بدايةً، ليس في نظريّة التطوّر أو في أيّ من إفتراضاتها ما ينفي وجود الخالق أو المدبّر. على العكس، نظريّة التطوّر هي نظريّة علميّة تحاول تفسير التنوّع الهائل عند الكائنات الحيّة بآليّات طبيعيّة بإمكاننا دراستها وفهمها بأسلوب تجريبي خاضع للإختبار والتّكرار. ولهذا السّبب بالذّات سمّى داروين كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي – أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من اجل الحياة”. نظريّة التطوّر الحديثة، والتي تختلف بعض الشّيء عن النّظريّة الأصليّة التي تقدّم بها داروين، تقوم على قوانين علم الوراثة (Genetics) وقوانين علم البيئة (Ecology)، وتهدف إلى شرح وتفسير الظّواهر البيولوجيّة من منظور علمي وتاريخي.

وليس هنالك في تقنين الظّواهر الطّبيعيّة في علم الأحياء وفهم أنماطها ما ينفي وجود الخالق أو المدبّر، كما أنّ فهم وتقنين الظّواهر الطّبيعيّة في علم الفيزياء أو الكيمياء لا ينفي وجود الخالق بأيّ حال. ولذلك كتب داروين ذات مرّة في دفتره الشّخصيّ معبّرًا عن دهشته من ردّة فعل الخلقيين تجاه نظريّته قائلاً: “يمكننا أن نسمح للأقمار، الكواكب، الشّموس، الكون، لا وبل حتّى نظم كاملة من الأكوان أن تكون محكومة بقوانين، ولكن أصغر الحشرات نودّ أن تكون قد خلقت فورًا بفعل خاصّ.”

في هذه المقالة، نودّ أن نستعرض مواقف المؤسّسات الدّينيّة والعلماء المؤمنين من نظريّة التطوّر ومن حقائقها المركزيّة. وسنثبت بالأدلّة والبراهين أنّ النّظريّة ليس لها علاقة بالإلحاد أو الكفر بالخالق، إنّما هي نظريّة علميّة – كغيرها من النّظريّات العلميّة – تحاول تفسير بعض الظّواهر الطّبيعيّة في الكون. ولكن قبل أن نشرع بإستعراض الأدلّة، نودّ أن نتعرّض لمسألة عامّة عادة ما تُثار في إطار حديثنا عن نظريّة التطوّر: مسألة خلق آدم وحوّاء.

عادة ما يهاجم الخلقيّون نظريّة التطوّر لأنّها – بحدّ زعمهم – تعارض النّصوص الواردة في الكتب السّماويّة عن خلق آدم وحوّاء – ولذلك فإنّها تدعو إلى هدم الأديان أو تدمير مصداقيّة القصص الدّينيّة. بدايةً، لا بدّ لنا أن نذكر أنّ نظريّة التطوّر لا تفسّر نشأة الإنسان فحسب، ولكنّها نظريّة جامعة تحاول تفسير نشأة جميع الأنواع الحيّة، والإنسان ليس إلاّ نوعًا واحدًا من بين الأنواع الحيّة الأخرى. ثانيًا، نظريّة التطوّر بالفعل تتعارض مع التّفسيرات التّقليديّة والحرفيّة لهذه القصّة الدّينيّة، ولكنّها لا تتعارض مع التّفسيرات المعنويّة لتفاصيل خلق آدم وحوّاء. الخلقيّون أنفسهم، على سبيل المثال، لا يعارضون مسألة تفسير خلق السّماوات والأرض في 6 أيّام بتفسيرات معنويّة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بنشأة الجنس البشري – عادة ما يُصرّون على التّفسيرات التّقليديّة التي تتعارض ظاهرًا مع العلم الحديث. ثالثًا، سنشير في الأدلّة التي سنستعرضها بعد قليل إلى أنّ بعض العلماء والمؤسّسات الدّينيّة في كلّ من اليهوديّة، النّصرانيّة، والإسلام ذهبوا بالفعل إلى تفسير (أو حتّى إمكانيّة تفسير) قصّة آدم وحوّاء بتفسيرات معنويّة لا تتعارض مع نتائج نظريّة التطوّر.


هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟

هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟


الأدلّة على حياديّة نظريّة التطوّر بما يتعلّق بمسائل الدّين والإيمان:

1) 40% من العلماء الذين يؤمنون بالتطوّر يؤمنون بتدخّل الله في عمليّة التطوّر أيضًا: في إستطلاع علمي هام أجري في العام 1997، واستهدف عيّنة مكوّنة من 1000 عالم كانوا على قائمة (رجال ونساء العلم الأمريكان – American Men and Women of Science)، تبيّن أنّ 40% من العلماء يعتقدون أنّ الإنسان وغيره من الكائنات الحيّة تطوّروا عبر الزّمن، ولكنّهم يعتقدون أيضًا انّ الخالق أرشد ووجّه عمليّة التطوّر. على الجهة الأخرى، 55% من العلماء يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر في العمليّة.

في إستطلاعٍ مماثل أجراه معهد Pew Research الإحصائي في الـ 2009، والذي استهدف علماء من الرّابطة الأمريكيّة لتقدّم العلوم (American Association for the Advancement of Science)، وهي أكبر تجمّع علمي في العالم، تبيّن أنّه على الأقلّ 8% من العلماء أيضًا يعتقدون أنّ التطوّر حدث ولكن برعاية أو توجيه إلهي. بينما 87% يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر في العمليّة.

بالإضافة إلى ذلك، الرّابطة الأمريكيّة لتقدّم العلوم نشرت فيديو على قناتها على اليوتيوب يتحدّث عن التّوافق بين نظريّة التطوّر والأديان، ويردّ على الفيلم الوثائقي الأيديولوجي (Expelled) الذي نشره أصحاب فرضيّة “التّصميم الذّكي” – الفيديو يستضيف العالم الشّهير فرانسيس كولينز، المشرف على مشروع الجينوم البشري:


لا بدّ لنا أن ننبّه أنّ العلماء الذين يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر ليسوا بالضّرورة ملاحدة أو لا يعتقدون بوجود خالق، ولكنّهم يعتقدون أنّ التطوّر حدث وفقًا لقوانين الطّبيعة، ولم يكن هنالك معجزات غيّرت في توجّه عمليّة التطوّر.المصادر: مصدر1 | مصدر2 | مصدر3

2) 25 مؤسّسة دينيّة وروحانيّة عالميّة تصرّح بدعمها لنظريّة التطوّر: في العام 2008، نشر المركز الوطني لتعليم العلوم (NCSE) النّسخة الثّالثة من كتيّب (Voices for Evolution)، حيث جمع فيه تصريحات داعمة لنظرية التطور من قبل قرابة الـ 25 مؤسسة دينيّة وروحانيّة عالميّة مختلفة. هذه القائمة شملت تصريحات داعمة من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة (أو الفاتيكان)، الكنيسة الأرثوذكسيّة الشّرقيّة، المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكان، مركز اللاهوت (علوم الأديان) والعلوم الطّبيعيّة، وغيرها الكثير من المراكز والمؤسّسات الدّينيّة الهامّة.

لا بدّ لنا أن نستعرض بالذّات بعض المقتطفات والإقتباسات من موقف الكنيسة الكاثوليكيّة (أكبر مؤسّسة دينيّة في العالم) من نظريّة التطوّر كدليلٍ على حياديّتها في مسألة الدّين والإيمان:

في رسالته إلى الأكاديميّة البابويّة للعلوم، صرّح البابا يوحنّا بولس الثّاني أنّ الحقيقة “لا يمكن أن تعارض الحقيقة”، واقتبس موقف البابا السّابق (بيوس الثّاني عشر) الذي يوضّح أنّه ليس هنالك تعارض بين نظريّة التطوّر والعقيدة الإيمانيّة المتعلّقة بالإنسان وهدفه في هذا الوجود. وبعدما إستعرض مدى القبول الذي تحظى به النّظريّة في المؤسّسات العلميّة والأكاديميّة، فرّق البابا بين التّفسيرات الماديّة التي قد تنبني على حقيقة التطوّر وبين الحقائق البحتة التي يحصّلها هذا العلم بآليّاته التّجريبيّة الدّقيقة.

المصادر: مصدر4 | مصدر5
3) علماء مسلمون يلمّحون لإمكانيّة تفسير الآيات القرآنيّة بما يتوافق مع نظريّة التطوّر: لقد كتب، تحدّث، وألّف بعض علماء المسلمين حول إمكانيّة التّوفيق بين أصول نظريّة التطوّر المركزيّة وبين الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن خلق الإنسان والكائنات الحيّة عمومًا. أحد أشهر هؤلاء هو الدّكتور عبد الصّبور شاهين في كتابه “أبي آدم” الذي يدّعي أنّ البشر تطوّروا من غيرهم من الكائنات الحيّة – كما تصوّر نظريّة التطوّر -، ولكنّ الله اصطفى آدم من بينهم ونفخ فيه الرّوح ليكون أبو الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك، الدكتور يوسف القرضاوي، أحد أهمّ العلماء المسلمين وأكثرهم تأثيرًا في العصر الحديث، صرّح في برنامج “بداية الخلق ونظريّة التطوّر” على قناة الجزيرة: “ونحن المسلمين نقف على أرض صلبة ليس عندنا، ليس هناك قضية واحدة تتناقض مع نصوص القرآن أو النصوص القطعية في السنة النبوية ليس هناك، حتى لو ثبتت قضية، نظرية داروين، عندنا من الآيات ما يمكن أن يدخل فيها.” وبعد ذلك، نفى الدّكتور القرضاوي وجود أيّ علاقة مباشرة بين الإلحاد ونظريّة التطوّر بقوله: ” فليس من ضرورة النظرية الإلحاد، إنما استغلها الملحدون، يعني النظرية في إيحاءاتها للعامة يستغلها الملحدون.”

وبعد ذلك صرّح القرضاوي أنّ معارضة علماء المسلمين للنّظريّة ليس لها علاقة بإيحاءاتها الفلسفيّة، إنّما بقبولها العلميّ وبقوّة الأدلّة العلميّة التي تسوّق لها، حيث قال: “حينما تصبح النظرية دي حقيقة واقعة ممكن نؤول يعني كما قال الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص القرآن حينما تصبح القضية، نظرية داروين مثل السماء فوقنا والأرض تحتنا، يعني حقيقة قطعية، نضطر في الحالة دي نؤول آيات القرآن.”

ليس الهدف من هذه الإقتباسات بيان موافقتنا أو معارضتنا لها، ولكنّها تشير بشكلٍ واضح إلى أنّ هنالك إمكانيّة حقيقيّة للتّوفيق بين نصوص القرآن والسنّة وبين نظريّة التطوّر، ممّا يعني أنّ النّظريّة ليست إلحاديّة، ولا تدعو إلى “هدم الأخلاق” و”سلخ القيم” كما يدّعي معارضي النّظريّة من الخلقيين.

مصدر6
4) بعض العلماء المؤمنين من أنصار فرضيّة “التّصميم الذّكي” يعترفون بحقيقة التطوّر المركزيّة (السّلف المشترك): عادة ما يعترف الخلقيّون بأنّ رؤية داروين العلميّة بما يتعلّق بالإنتقاء الطّبيعي للأصلح في البيئة المتغيّرة صحيحة، ولكنّهم يختلفون معه فيما يتعلّق بالأصل أو السّلف المشترك لجميع الأنواع الحيّة – وهذا يشمل الإنسان. ولكن في واقع الأمر، بعض العلماء الذين يناصرون فرضيّة “التّصميم الذّكي” يعترفون بحقيقة السّلف المشترك أيضًا. على سبيل المثال، العالم الشّهير مايكل بيهي (Michael Behe)، أحد أشهر المدافعين عن فرضيّة “التّصميم الذّكي” صرّح في كتبه الكثيرة أنّه يقبل بحقيقة التطوّر المركزيّة “السّلف المشترك”، حتّى بين الإنسان والقردة. سنقتبس هنا بعض المقتطفات من كتبه والتي تبيّن مواقفه الحقيقيّة من مسألة التطوّر والسّلف المشترك:

“أنا أجد فكرة السّلف المشترك (أنّ جميع الكائنات الحيّة انحدرت من سلف مشترك) مقنعة تمامًا، وليس لديّ أيّ سبب للتّشكيك فيها. أنا أحترم بشدّة عمل زملائي الذين يدرسون نموّ وسلوك الكائنات الحيّة في إطارها التطوّري، وأنا أرى أنّ علماء التطوّر ساهموا بشكلٍ مذهل لفهمنا للعالم. ومع أنّ آليّة داروين – الإنتقاء الطّبيعي يعمل على تنوّع [في الصّفات] – من الممكن أن تفسّر الكثير من الأشياء، ولكنّي لا أؤمن أنّ بإستطاعتها تفسير الحياة الجزيئيّة.” (مايكل بيهي، صندوق داروين الأسود، صفحة 5-6).

“عند البشر وقردة الشامبانزي هنالك نسخة معطّلة من جين يساعد على صناعة فيتامين سي عند الثديّات الأخرى. من الصّعب أن نتخيّل أن يكون هنالك دليل أقوى من هذا على صحّة السّلف المشترك بين قردة الشامبانزي والبشر. […] على الرّغم من بقاء بعض الألغاز المحيّرة، إلا أنّه ليس هنالك أيّ سبب للتّشكيك في أنّ داروين أصاب في هذه النّقطة، أنّ جميع الكائنات الحيّة على الأرض هي أقارب بيولوجيًّا” (مايكل بيهي، حافّة التطوّر، صفحة 71-72).

مصدر7
5) علماء مؤمنين مشاهير دافعوا علنًا عن نظريّة التطوّر وصرّحوا بقبولهم لحقائقها المركزيّة: هذه قائمة بأهمّ وأشهر العلماء المؤمنين الذين دافعوا عن نظريّة التطوّر ضدّ الهجمات الأيديولوجيّة التي يمارسها الخلقيّون تجاه النّظريّة العلميّة.

الدّكتور فرانسيس كولينز (Francis Collins)، المشرف على مشروع الجينوم البشري، ومدير المعهد الوطني للصحّة في أمريكا (الدّيانة: مسيحي إنجيلي).

الدّكتور كينيث ميلر (Kenneth Miller)، بروفيسور علم البيولوجيا الجزيئيّة والخلويّة في جامعة براون الأمريكيّة، وأحد أشهر المدافعين عن نظريّة التطوّر في أمريكا. (الدّيانة: مسيحي كاثوليكي).

الدّكتور فرانشيسكو أيالا (Francisco J. Ayala)، برفيسور علوم الأحياء والتطوّر في جامعة كاليفورنيا إرفاين، وقسّيس دومينيكاني سابق. (الدّيانة: مسيحي).

الدّكتور سايمون موريس (Simon C. Morris)، عالم الأحياء القديمة والمستحاثّات، ومكتشف أهمّ موقع أحفوريّات في العالم (Burgess Shale). الدّكتور موريس معارض جدًّا للتّفسيرات الماديّة لنظريّة التطوّر ولا يرى تعارض ما بين النّظريّة والإيمان بالخالق (الدّيانة: مسيحي).

الدّكتور روبرت بيري (R. J. Berry)، مختصّ في علم الوراثة وعالم طبيعة مشهور. (الدّيانة: مسيحي).


الخلاصة: ولذلك نستنتج من جميع الدّلائل التي استعرضناها في هذه المقالة أنّه ليس هنالك في نظريّة التطوّر العلميّة ما يدعو إلى الإلحاد، “هدم الأخلاق”، “سلخ القيم”، أو محاربة الأديان. تفسيرك لحقائق النّظريّة وتفسيرك للحقائق المستقاة من الإيمان الدّيني هو ما يحدّد موقفك العلمي والموضوعي من النّظريّة. أو بمعنى آخر، إذا أردت أن تكون ملحدًا، فستجد في النّظريّة ما تريد أن تجد فيها إبتداءً، وإذا كنت مؤمنًا فستجد في النّظريّة ما تريد أن تجد فيها إبتداءً.

نظريّة التطوّر هي نظريّة علميّة حياديّة تسعى لفهم، تفسير، وشرح الحقائق المشاهدة في عالم الأحياء. ودعمها وتقبّلها من قبل العلماء المؤمنين والملاحدة على حدّ السّواء لا يؤكّد إلاّ على حياديّتها في مسائل الإيمان والدّين. ولهذا السّبب، الهجمات الأيديولوجيّة التي يمارسها الخلقيّون ضدّ النّظريّة هي هجمات غير مبرّرة. ونتمنّى أن تدفعنا هذه المقالة نحو دراسة النّظريّة، أصولها العلميّة، والأدلّة التي تساق في صالحها بشكل علمي وموضوعي، بدلاً من مناقشتها على أنّها دين أو أيديولوجيّة سياسيّة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

6-يعمل كشيخ في مسجد الشورى في فيينا، كما يترأس جمعية لقاء الحضارات التي أنشأها مع بعض إخوانه.

 

عدنان ابراهيمأكثر الأشياء الخاطئة التي ترتكبها المرأة بعد الزواج!

ربما تبدو بعض الأشياء بسيطة، لكنها خطيرة في آثارها السلبية. 

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

7-يعتبر الكثيرون عدنان إبراهيم الرجل الديني الانفتاحي الذي يحاول أن يغير الركود الحاصل في الإسلام، ويحارب التشويه الذي ينتهجه ”شيوخ الجهل“ حسب وصفهم.

 

عدنان ابراهيمصواب سبينوزا : عن الشهوات والعواطف – أنتونيو داماسيو / ترجمة : إخلاص الصاعدي، مراجعة: يوسف الصمعان

الفصل الثاني :  عن الشهوات والعواطف 

 ثِــق بـِشكسبير 

ثِـق بِشكسبير؛ فــلقد طرق هذه الدرب حتى خَبرها. قبيل نهاية مسرحيته الملك ريتشارد الثاني، و بعد خسارة المُلْـك و مصير بالسجن يتهدده بالأفق، يخبر ريتشارد بولينغبروك عفويا عن تمييزٍ محتملٍ بين تصوره عن العاطفة و تصوره عن المشاعر. يطلب ريتشارد مرآةً، يقابلُ فيها وجهه، و يدرس مشهد الانكسار على قسماته. ثم يلاحظ أن ” نسق العويل الخارجي” المتجلِّ على وجهه ما هو إلا ” ظل الفجيعة المستترة”، فجيعةٍ تتورّم بصمتٍ في روحه المعذّبة. فجيعته ” تكمنُ داخلا ” ؛ كما يقرر. يعلن شكسبير، و في أربعة أبياتٍ فقط، بأن العملية الوجدانية الموحدة و المنفردة ظاهريا، و التي كثيرا ما نشير إليها عرضيا بالعاطفة أو المشاعر بلا اكثراث، يمكن تحليلها إلى أجزاء.

      إن استراتيجيتي في شرح المشاعر تنتفع من هذا التمييز. يميل الاستخدام الدارج لكلمة العواطف لأن يشمل تصور المشاعر، لكننا سنتلقى العون في محاولتنا هذه لفهم سلسلة الأحداث المعقدة التي تبدأ بالعواطف و تنتهي بالمشاعر من الفصل ذي المبدأ بين الجزء المشاع علنا من هذه العملية و الجزء المحتفظ به سرّا. و لأغراض عملية؛ أدعو الجزء الأول بالعاطفة و الآخر بالمشاعر، تماشياً مع معنى مصطلح العاطفة الذي أوجزته سابقا. أسأل القارئ أن يرافقني في اختيار الكلمات و المفاهيم هذا لسبب وجيه، فـلعلّه يسمح لنا بسبر أغوار البيولوجيا الكامنة تحته. أعد بأن أجمع شمل العاطفة و الشعور معا مجددا بنهاية الفصل الثالث.

      إذن؛ فالعواطف، في سياق هذا الكتاب، أفعالّ أو حركات، العديد منها علني و ظاهرٌ للعيان، إذ تتجلى في الوجه، أو الصوت، أو سلوكياتٍ محددة. من المؤكد بأن بعض مكونات العملية العاطفية غير مرئي بالعين المجردة، لكنها “تصبح مرئية” بالمسابر العلمية الحديثة كالمقايسة الهرمونية و أنماط موجات الفيسيولوجيا الكهربية. أما المشاعر، فــمحتجبةٌ دوما، شأنها شأن كل الصور العقلية؛ مستترة عن الكل سوى مالكها الحقيق، الممتلكات الأكثر خصوصية للكائن ذي الدماغ الحَوِيّ.

      تتخذ العواطف من الجسد مسرحا لها، أما المشاعر، فمسرحها العقل.  و كما سنرى، فالعواطف و طيف الانفعالات الكامنة تحتها جزء من الآليات الأولية لتنظيم الحياة. life regulation  تساهم المشاعر أيضا في تنظيم الحياة و لكن على مستويات أعلى. يبدو بأن العواطف و الانفعالات المرتبطة بها سبقت المشاعر في تاريخ الحياة كذلك. إذن، تشكل العواطف و الظواهر اللصيقة أساسا للمشاعر، و هذه بدورها حجر الزاوية لعقولنا و هي ما ننوي توضيح طبيعته.

     تتصل العواطف و المشاعر مع بعضهما بحميمية عبر عملية مستمرة مما يجعلنا – و بشكل مفهوم- نميل للتفكير بهما ككيان واحد. و مع ذلك، يمكننا في الأحوال العادية التقاط أجزاء متفرقة من هذه العملية المتصلة، كما يحق لنا فصل جزء عن الآخر تحت مجهر العلوم العصبية الإدراكية. بالعين المجردة و بعدد من المسابر العلمية، يمكن لمراقب ما أن يفحص السلوكيات التي تصنع العاطفة موضوعيا. و بالفعل؛ يمكن أن يُدرَس استهلال عملية الشعور. يساعدنا تحويل العواطف و المشاعر إلى موضوعات بحثٍ منفصلة على أن نكتشف كيف يتأتّى لنا أن نشعر.

       هدف هذا الفصل هو شرح آليات الجسد و الدماغ المسؤولة عن إثارة triggering  و تفعيل execution  عاطفة ما. “ماكينة العاطفة” الداخلية هي محط الاهتمام هنا و ليس الظروف المنتهية بالعاطفة. أتوقع أن توضيح العواطف سيخبرنا كيف تنشأ المشاعر.

العواطفُ سوابقُ المشاعر 

في معرض نقاشنا عن أسبقية العواطف على المشاعر، دعوني أبدأ بلفت انتباهكم لما تركه شكسبير مبهما في السطور التي كتبها على لسان ريتشارد. إنه يتعلق باستخدام كلمة ظل و بالاحتمالية التي تثبت للعواطف و المشاعر تمايزهما بالوقت الذي ترى فيه أسبقية الأخرى للأولى. يقول ريتشارد: العويل الخارجي ظل فجيعة مستترة، هذا أشبه ما يكون بانعكاس مرآة للغرض الرئيس – شعور الفجيعة- تماما كما كان وجه ريتشارد في المرآة انعكاسا لبطل المسرحية الرئيس؛ ريتشارد. هذا الالتباس رجعُ صدى لبديهتنا الغرّة، إذ نميل إلى الاعتقاد بأن الخفيّ منبعُ الجليّ. بالإضافة إلى ذلك، نحن نعرف أن المشاعر هي ما يهم حقا. يقول ريتشارد متحدثا عن فاجعته المستترة: ” هناك يكمن الجوهر”، و نحن نوافقه في ذلك. إننا نعاني أو نبتهج من مشاعر حقيقية. العواطف، بمعناها الضيق، آثارٌ خارجية. لكن “الرئيس” لا تعني “الأول” و لا “المُسبِّب”. تعُـتّـم مركزية الشعور على كيفية نشوء الشعور و تفضل الرأي القائل بأن المشاعر تحصل أولا، بشكل ما، ثم يعبر عنها تاليا بالعاطفة. هذا الرأي غير صحيح، و هو الملام، و لو جزئيا، في تأخر إيجاد تفسير نيوروبيولوجي مقبول للمشاعر.

       يبدو بأن المشاعر بمجملها هي ظلال النسق العاطفي الخارجي؛ لا العكس. هاكم ما كان ينبغي لـريتشارد قوله، مع بالغ الاعتذار لشكسبير: ” آهٍ .. كم يلقي نسقٌ العويل الخارجي هذا من ظلالِ فجيعةٍ  مستترة و لا محتملةٍ في سكون روحي المعذبة”. ( و هذا بدوره يذكرني بـ جيمس جويس James Joyce حين قال في اوديسوس؛ ” شكسبير مربع قنصٍ زاخر بكل العقول التي فقدت توازنها” ).

      هنا، يحق لنا أن نسأل لماذا تسبق العواطف المشاعر. إجابتي بسيطة: نملك عواطفا أولا و تتلوها المشاعر لأن التطور  evolution أتى بالعواطف أولا و المشاعر لاحقا. تبنى العواطف من انفعالات reactions  بسيطة ترعى نجاة الكائن الحيّ بسهولة، و لذا من السهل لها أن تسود في التطور.

       بإيجاز، هؤلاء الذين أرادت الآلهة لهم النجاة؛ جعلتهم أذكياء في البدء، أو هكذا يبدو. كأنما قررت الطبيعة بأن الحياة غالية للغاية و متداعية للغاية بنفس الوقت، و هذا قبل أن تمتلك الكائنات الحية شيئا كالذكاء الخلاق بوقت طويل، و قبل أن تمتلك أدمغة. الطبيعة لا تعمل بالتصميم و لا تقرر بالطريقة ذاتها التي يقرر بها الفنانون و المهندسون، لكن التشبيه يوصل الفكرة المرادة. تولد كل الكائنات الحية، من أكثرها تواضعا كالأميبا إلى الإنسان، بأجهزة مصممة لتحلّ المشاكل الأولية للحياة اوتوماتيكيا و بلا تفكير فعليّ. هذه المشاكل هي: إيجاد مصادر للطاقة، دمجها و تحويلها، الحفاظ على اتزان كيميائي داخلي مؤاتٍ لإتمام العمليات الحيوية، الحفاظ على بنية الكائن بترميمها حل البلى و التمزّق؛ و تلافي عوامل المرض أو الأذى البدني الخارجية. الاستتباب[1]  homeostasis   كلمةٌ واحدة تشكل اختصارا ملائما لمجموعة التنظيمات هذه و حالة الحياة المنظمة الناتجة عنها.

      خلال العملية التطوّرية، أصبحت آلة إدارة الحياة التلقائية و الجِـبْـلِــيّة – آلة الاستتباب-  دقيقة للغاية. إذ نجد في قاع منظومة  الاستتباب استجاباتٍ بسيطة كإقبال الكائن الحي ككل نحو شيء ما أو انسحابه عنه، أو زيادات في النشاط (تيقـّظا arousal ) أو انخفاضات (همودًا quiescence). و صعودا في هذه المنظومة، نجد استجابات تنافسية أو تعاونية. يمكننا تخيل آلةِ الاستتباب كشجرة كبيرةٍ عديدة الأفرع من الظواهر المسؤولة عن تنظيم الحياة التلقائي. حين نرقى من القاع لأعلى في الكائنات عديدة الخلايا، إليكم ما سنجد في الشجرة.

الفروع الدنيا 

عملية الأيض metabolism: و هذه تشمل مكونات كيميائية و ميكانيكية ( الإفرازات الهرمونية، التقلصات العضلية بالهضم و ما إلى ذلك ) تهدف للحفاظ على الكيمياء الداخلية. تحكم هذه الانفعالات reactions، على سبيل المثال، نبض القلب و ضغط الدم (و اللذين يتحكمان بدورهما بالتوزيع الملائم لجريان الدم في الجسد)، تعديل حموضة و قلويّة الوسط الداخلي (نعني بالوسط الداخلي سوائل الدم و الأحياز ما بين الخلايا)، و تخزين و نقل البروتينات و الدهون و الكربوهيدرات المطلوبة لتزويد الكائن بالطاقة (و هي ضرورية للحركة، تصنيع الإنزيمات الكيميائية و الحفاظ على البنية و تجديدها).

      منعكسات[2] أولية: و تشمل هذه منعكَس الإجفال، و الذي يستغله الكائن في انفعاله للمس أو الضجيج، أو الانتحاءات التي تقود الكائنات نحو الضوء، بعيدا عن العتمة، أو بعيدا عن البرد والحر الشديدين.

     الجهاز المناعي: و هو معدٌّ لصدّ الفيروسات الغازية و الباكتيريا و الطفيليات و الجزيئات الكيميائية السامة. من المثير للاهتمام ملاحظة أنه قادر أيضا على التعامل مع الجزيئات الكيميائية المحبوسة داخل جدران الخلايا الطبيعية بالعادة و التي يمكن أن تضر الكائن ما إن سُرِّحت من الخلايا المحتضرة إلى الوسط الداخلي ( مثلا الهيالورونات و الغلوتاميت). بإيجاز، الجهاز المناعيُّ خطُّ الدفاع الأول للكائن الحي إن هُدِّدت سلامته من الداخل والخارج.

1

الفروع الوسطى

هذه السلوكيات المرتبطة عادة بتصور المتعة (pleasure والثواب) أو الألم (و العقاب). إنها تشمل انفعالات إقبال أو انسحاب الكائن ككل من شيءٍ أو حدث. بالنسبة البشر الذين يشعرون و يبلّغون بما يشعرون به؛ فيمكن وصف الانفعالات المثيلة بكونها ممتعة أو مؤلمة، مجزيةً أو مُقتَــصَّة. على سبيل المثال، عندما يتهدد الجسد و أنسجته خلل أو خطر وشيك – كما هو الحال مع الحروق أو العدوى- ، ترسل خلايا المنطقة المتضررة إشارات كيميائية تسمى دلالات الأذيّة. nociceptive   يرد الكائن تلقائيا بسلوكيات الألم أو سلوكيات المرض كاستجابةٍ لذلك. هذه حزمة من الأفعال التي تجابه بها الطبيعة الضرر تلقائيا، منها الجليُّ و منها الخفيّ. تتضمن هذه الأفعال أيضا سحب الجسد بأكمله أو جزء منه بعيدا عن مصدر الأذى إن كان خارجيا و يمكن تعيينه ، أو حماية الجزء المصاب من الجسد (كحمل اليد الجريحة أو الانكفاء على الجذع) و تعابير الوجه الموشية بالرّوع أو المعاناة. و هناك أيضا عدد من الاستجابات الغير مرئية بالعين المجردة و التي ينظمها الجهاز المناعي. إنها تشمل زيادة فئات معينة من خلايا الدم البيضاء، و إرسالها على عجل إلى المناطق المهدَّدة، و إنتاج مواد كيميائية كالسيتوكينات[3] cytokines و التي تساعد الجسم على حل المشكلة التي تواجهه (محاربة ميكروب معتد أو إصلاح نسيج متضرر). يشكل مجموع هذه الأفعال و الإشارات الكيميائية المؤدية إليها أساس ما نحسّه كألم.

     يستجيب الدماغ للأداء الوظيفي الجيد للجسد بالطريقة نفسها التي يستجيب بها لمشكلة واجهت هذا الجسد. فعندما يعمل الجسم بسلاسة، بلا عقبات و بسهولة في تحويل الطاقة و استغلالها، فإنه يتصرف وفق نمطٍ محدد. إقباله على الآخرين ميسّرٌ، قـدّه منبسطٌ و مسترخٍ، تعابير وجهه تفيض ثقة ًو عافية؛ منتجا فئات محددة من المواد الكيميائية كالإندورفينات endorphins، و هي غير مرئية بالعين المجردة تماما كبعض الانفعالات المميزة لسلوكيات الألم و المرض. يشكل مجموع هذه الأفعال و الإشارات الكيميائية المرتبطة بها أساس ما نحسّه كـمتعة.

     للألم و المتعة دوافع عدة — عللٌ تعتري بعض وظائف الجسد، تنظيمُ أيضٍ مثاليّ الآداء، أو أحداث خارجية تضر بالكائن أو تحميه. لكن تجربة الألم أو المتعة ليست سببا لسلوك الألم أو المتعة و ليست ضرورية بأي حال من الأحوال لحصول هذا السلوك. و كما سنرى في المقطع التالي، يمكن لبعض المخلوقات البسيطة جدا أن تقوم ببعض هذه السلوكيات العاطفية أو الانفعالية حتى و إن كان احتمال شعورها بهذه السلوكيات منخفضا أو منعدما.

في المستوى العلوي التالي

يكمن هنا عدد من البواعثِ  drives و الدوافع motivations . من الأمثلة الكبرى: الجوع، العطش، الفضول و الاستكشاف، اللعب و الجنس. جمعهم سبينوزا سويّـا تحت مظلة كلمة سديدة؛ الشهوات appetites، و بإجادةٍ مبهرةٍ؛ استخدم كلمة أخرى لوصف الحالة التي يعي فيها الفرد شهواته و يحيط بها: الرغباتdesire .  تشير كلمة الشهوات إلى الحالة السلوكية للفرد المنشغل بباعثٍ محدد بينما تدل كلمة الرغبة على شعورنا المُـوعِي conscious  بامتلاكنا لشهوةٍ وإتمامنا لها أو فشلنا في ذلك نهاية الأمر. إن هذا التمييز السبينوزي نظيرٌ لطيفٌ للتمييز بين العاطفة و الشعور و الذي افتتحنا به هذا الفصل. يظهر أن للبشر شهواتٍ و رغبات متصلةً بسلاسة، كحال العواطف و المشاعر.

قُـرب القمة

العواطف المخصوصة emotions- proper .

هنا واسطة عقدِ تنظيم الحياة التلقائي: العواطف بمعناها الضيق— ابتداءا من الفرح و الأسى و الخوف و مرورا بالزهو و الخزي و التعاطف sympathy . و في حال كنت تتساءل عمّـا يوجد في القمة تماما، فالإجابة بسيطة؛ المشاعر، و التي سنناقشها الفصل القادم. يحرص الجينوم على أن تكون هذه الأدوات نشطة و فعالة منذ الولادة أو بعدها بقليل، بلا اعتمادٍ أو بقليل اعتماد على التعلّم، إلا أنّ التعلم سيلعب دورا مهما لاحقا في تحديد آنِ تفعيل هذه الأدوات. و بقدر ما يزيد تعقيد الانفعال، بقدر ما تكون هذه العلاقة أكثر صوابا.

     حزمة الانفعالات المكونة للبكاء و النشيج معدَّةٌ و نشطٌ وقت الولادة، أمّا ما نبكي من أجله خلال حياتنا؛ فيتغيّر بتغيُّر خبراتنا. كل هذه الانفعالات تلقائية و مُقولَبة stereotyped  إلى حد كبير كما أنها تُفعّل تحت ظروف معيّنة. (لكن للتعلّم القدرة على تعديل تفعيل execution  هذه الأنماط المقولبة. يلعب ضحكنا و بكاؤنا أدوارا تتفاوت بتفاوت الظروف مثلما يمكن عزف النوطات المؤلفة للحن واحد في حركة موسيقية ما بطرقٍ شتى.) تهدف كل هذه الانفعالات لتنظيم عمليات الحياة و تغليب البقاء؛ بطريقة أو بأخرى، مباشرة أو غير مباشرة. يُشار أحيانا إلى مجموع سلوكيات الألم و المتعة و البواعث و الدوافع و العواطف المخصوصة بالعواطف ؛ في معنها الأعم و الأوسع، و هذا مفهوم و معقول إن أخذنا بعين الاعتبار هيئتها المشتركة و دورها التنظيمي.

     عنَّ للطبيعة الغير قانعة بهبة البقاء المجرد خاطرةٌ لاحقةٌ لطيفة: لا تصبو تجهيزات تنظيم الحياة الجِبلِّية لحالة محايدةٍ وسطٍ ما بين الحياة و الموت، لا إلى هذه و لا إلى تلك. بالواقع، تهدف مساعي الاستتباب إلى توفير ما هو أفضل من حالة الحياة على الحياد، أي توفير ما نسميه – ككائنات مفكرة و مترفة- بالعافية well-being  و الصحة.

     تحكم مجموعة العمليات الاستتبابية هذه حياتنا لحظة بلحظة ، داخل كل خلية بأجسادنا. تنفَّـذُ هذه الحوكمة بواسطة تسوية بسيطة: أولا، يتغير شيء ما في بيئة الكائن الحي داخليا أو خارجيا. ثانيا، لهذه التغيرات القدرة على تحويل مجريات حياة الكائن ( تمثل تهديدا لسلامته أو فرصة للتحسّن). ثالثا، يرصد الكائن هذا التغير و يتعامل مع الأمر بما يقتضيه، و ذلك بنحو يخلقُ الحال الأكثر نفعا لـصون ذاته و فعالية آدائه. تعمل كل الانفعالات وفق هذه التسوية و لذا فهي وسائل الكائن ليقدّر الظروف الداخلية و الخارجية و يتصرف وفقا لها. ما إن يرصد شائبةً أو يرصد فرصةً، يحلها – بفعله – بالتخلص من الشائبة أو السعي لإدراك الفرصة. و سنرى لاحقا بأن هذه التسوية صحيحة حتى عند الحديث عن العواطف المخصوصة – عواطف كالحزن أو الحب أو الإحساس بالذنب- لكن تشابك التقدير و الاستجابة في حال العواطف المخصوصة أبلغ بكثير من تقدير و استجابة الانفعالات البسيطة المؤلفة لها تطوريا.

     الكفاح أو الكبَد و السعي هنّ أقرب الكلمات لما يحيل إليه المصطلح اللاتيني كوناتوس كما استخدمه سبينوزا في المسائل ٦، ٧، و ٨ من الفصل الثالث بكتاب الأخلاق. بتعبير سبينوزا نفسه: ” يكابد كل شيء ليصون كينونته باذلا كل ما بوسعه و كل ما يطيق” و ” ما كَبـَدُ الشيء لصون كينونته إلا جوهرُه”. بفضل مزية الاستبصار الرجعي الحالية، يمكننا تأويل تصور سبينوزا باعتباره ملمحا لأن الكائن الحي مُركَّب على نحوٍ يحافظ به على تماسك تركيبه و وظائفه أمام الاحتمالات المتعددة المهددة لحياته.

     يتضمن الكوناتوس كلا من باعثِ صون النفس حين تواجه الأخطار و الفرص و أفعال صون النفس اللامحصورة و التي تضم أجزاء الجسد بعضها على بعض. و بالرغم من التحولات التي يمر بها الجسد إبّان نشأته و تجديده ما يؤلّفه من أجزاء و هرمه، تبقى الكوناتوس مشكلةً نفس الفرد و متبعةً نفس التصميم الهيكلي.

     ما مرادف كوناتوس سبينوزا بالمصطلحات البيولوجية الحالية؟ إنها مجموع النزعات المستقرة في الدارات العصبية brain circuitry  و التي تسعى لكل من النجاة و العافية ما إن تتعهدها الظروف الداخلية أو البيئية. و سنرى في الفصل القادم كيف يُـنبَّـأ الدماغ بهذا الطيف الواسع من نشاطات الكوناتوس؛ كيميائيا و عصبيا. يتم ذلك بواسطة جزيئات كيميائية منقولة في مجرى الدم و إشارات كهربائية كيميائية تجري عبر السبل العصبية nerve pathways . يرسل إلى الدماغ إشارات لجوانب متعددة من العملية الحيوية ثم تُـمَثَّل هنالك في عدة خرائط؛ مادتُّها دارات من الخلايا العصبية في مواضع دماغية محددة. و بذلك نكون قد بلغنا رؤوس شجرة تنظيم الحياة و هو المستوى الذي تتآلف عنده المشاعر.

2

مبدأ تداخلي 

حين نقف على قائمة الانفعالات التنظيمية المنوطة بالاستتباب، نلمح خطة بناء مثيرة. إذ تُحتوى أجزاء الانفعالات الأبسط متراكبةً لتكون أجزاءا من الانفعالات الأكثر استفاضة، أي يتداخل البسيط  في حشا المُـركَّب. فـبعض آليات الجهاز المناعي و تنظيم الأيض مُدغمةٌ في آليات سلوكيات الألم و المتعة. هذه الأخيرة مُضمَّنةٌ بدورها في آليات البواعث و الدوافع ( و أغلب البواعث و الدوافع تدور حول تصحيح حال الأيض و كلها تتضمَّن ألما أو متعةً). تدمج بعض الآليات من كل المستويات السابقة – المنعكسات، الاستجابات المناعية، الاتزان الأيضي، سلوك الألم أو المتعة و البواعث – في آليات العواطف المخصوصة. و كما سنرى، فإن أدوار العواطف المخصوصة مركبة وفق المبدأ ذاته. لا يطابق منظر هذه المجموعة منظر الدمية الروسية – دمية ماتريوشكا- المصفوفة بالضبط, لأن الجزء الأكبر ليس مجرد تضخّمٍ للجزء الأصغر المعشِّش فيه. ليست الطبيعة مرتبة إلى هذا الحد، لكن يظل مبدأ التداخل صحيحا. لا تشكل أي واحدة من الانفعالات التنظيمية التي استعرضناها هنا عملية مختلفة جذريا؛ بُنيت من الصفر لتخدم هدفا معينا. بل على العكس، يتكون كل انفعال من إعادة تنظيم rearrangement مسكوكٍ من أجزاء العمليات الأبسط أدناه. لها كلها الغاية العامة نفسها – النجاة مع العافية- و لكنّ يخدم كل تنظيم معاد هدفا ثانويا متعلقا بمشكلة جديدةٍ؛ حلُّها ضروري أيضا للنجاة بعافية. حل كل مشكلة جديدة متطلب مهم لتحقيق الغاية العامة.

      لا يمكن تشبيه مجموعة الانفعالات بهيكل هرمي خطي. و لذا نجد أن استعارة المبنى متعدد الطوابق لا تصوّر إلا شيئا يسيرا من الواقع البيولوجي. و بالمثل، تشبيه السلسلة الضخمة ليس ملائما. إن التشبيه الأفضل لهو صورة الشجرة العظيمة الفوضوية و التي ينشق جذعها عن أفرع تعلو و تستفيض بإطراد و تحافظ على اتصال ثنائي الاتجاه مع جذورها. تاريخ التطور مدوّنٌ بكل بقعة من تلك الشجرة.

المزيد عن الانفعالات المتعلقة بالعواطف: من التنظيم الاستتبابي البسيط إلى العواطف المخصوصة

يشكل بعض ما أوردناه من انفعالات تنظيمية استجابةً لشيء ما أو حالة ما في البيئة المحيطة — حالة تحتمل الخطر أو فرصة للتغذية أو التزاوج. لكن يستجيب البعض الأخر منها لشيء أو حالة داخل الكائن. قد يكون انخفاضا في مخزون المواد الغذائية اللازمة لإنتاج الطاقة؛ مسببة سلوكيات مُـشهـِّية appetitive  تعرف بالجوع و تشمل أيضا البحث عن غذاء. أو قد يكون تغيرا هرمونيا يحفز البحث عن قرين أو يكون جرحا مسببا للانفعال الذي نسميه ألما. لا يتضمن هذا المدى عواطف ظاهرة للغاية كالخوف أو الغضب فحسب، بل يشمل أيضا البواعث، الدوافع و السلوكيات مرتبطة بالألم أو المتعة. يحصل هذا كله ضمن كائن، جسدٍ محدود بِحد، جسد لا تتوقف عقارب ساعته عن الدوران. تعرض كل هذه الانفعالات هدفا واضحا، بشكل مباشر أو غير مباشر، و هو تسيير اقتصاد الحياة الداخلي بسلاسة. يجب المحافظة على كمية جزيئيات كيميائية محددة ضمن مدى محدد، لا تفوقه و لا تدنو عنه، لأن الحياة مهددة ما إن نغادر هذا المدى. يجب كذلك المحافظة على درجة الحرارة ضمن معايير ضيقة. لا بد من توفير مصادر للطاقة — و الفضول و الاستكشاف استراتيجيات مساعدة في تحديد هذه المصادر. ما إن وجدت، فلا بد من إدراجها ضمن دواخلنا حرفيا، و تعديلها لتناسب الاستهلاك الفوري أو التخزين و يجب التخلص من كل الفضلات الناتجة عن التعديلات و يتعين أيضا إصلاح الأنسجة من البلى و التمزق ليبقى الكائن سليما.

     و كذلك تهدف العواطف المخصوصة – الاشمئزاز، الخوف، السعادة، الحزن، التعاطف  sympathy و الخزي- لتنظيم الحياة مباشرة بدرء الأخطار أو دفع الكائن لقنص فرصة نافعة، أو تعمل بشكل غير مباشر بتسهيل العلاقات الاجتماعية. أنا لا أقترح أننا نعزز النجاة و العافية في كل مرة تخالجنا فيها عاطفة. فليست كل العواطف سواءٌ في قدرتها على تعزيز النجاة و العافية، كما أن كلا من حدة العاطفة و سياق تفعيلها عامل مهم لتحديد القيمة المحتملة  للعاطفة في حادثة معينة. لكن حقيقة استغلالنا لبعض العواطف في ظروفنا البشرية الحالية بشكل غير مهايىء للتكيف maladaptive لا تنفي دورها التطوري في تنظيم الحياة النافع.

      غالبا ما يأتي الغضب بنتائج عكسية في مجتمعاتنا الحديثة، و ينطبق الشيء نفسه على الحزن. الرهاب phobia عقبة كبيرة أيضا. و بالرغم من ذلك، فكر بـعدد الأرواح التي أنقذها الخوف أو الغضب في الموقف المناسب. من المحتمل أنها سادت في التطور لدعمها النجاة تلقائيا. إنها ما تزال تدعمه، و لعل ذلك ما يجعلها جزءا لا يتجزأ من الوجود اليومي للإنسان و الفصائل الأخرى.

      كملاحظة عملية، يوفر فهمنا لبيولوجيا العواطف و لحقيقة أن قيمة كل عاطفة تختلف كثيرا في بيئة الإنسان الحالية فرصا هامة لفهم سلوك الإنسان. نتعلم مثلا أن بعض العواطف مستشارون مريعون, فنضع في حسباننا كتمها أو تقليل تبعات نصائحهم. أتأمل مثلا بعض الانفعالات المؤدية إلى التعصب العرقي و الثقافية و أجدها تستوطن ، جزئيا، الاستغلال التلقائي لعواطف اجتماعية معنيّة تطوريا برصد تباين الآخرين, لأن التباين و التفاوت قد يشير إلى الخطر و المخاطرة و يحفز الانسحاب أو العدوان. من المرجح أن هذا النوع من الانفعالات حقق أهدافا مفيدة في المجتمع القبلي لكنه لم يعد مفيدا و لا ملائما لنا. بإمكاننا أن نعي حقيقة إبقاء أدمغتنا على الآلية التي تنفعل بنحو مشابه لانفعالها في سياق مختلف منذ آجال بعيدة. نستطيع أن نتعلم نبذ هكذا انفعالات و نقنع الآخرين حولنا ليفعلوا المثل.

عواطف المخلوقات البسيطة

تدعم أدلةٌ وافرةٌ امتلاك المخلوقات البسيطة لانفعالات “عاطفية”. خذ وحيد البراميسيوم (أو المتناعلة( paramecium، كائن بسيط أحاديُّ الخلية، كُـلُّه جسدٌ، لا دماغ له و لا عقل، يسبح متسارعا بعيدا عن خطر محتمل في طريقه — قد يكون إبرةً تخِزه، أو اهتزازات كثيرة، أو حرارة مرتفعة أو منخفضة للغاية. و قد يسبح البراميسيوم متسارعا، عبر تدرّج كيميائي من المغذيات، متجها نحو قِطَع من الطريق حيث يمكنه أن يتغدى.

      هذا المخلوق البسيط مصمم ليرصد علامات محددة للخطر— تغيرات الحرارة الحادة، الاهتزازات المفرطة، أو تماسه مع جسم ثاقب قد يمزق غشاءه— و ينفعل بالمضي لمكان آمن، أهدأ و أكثر اعتدالا. و بالمثل، فالبراميسيوم يسبح متقفيا أثر الطحالب الأكثر خضرة بعدما رصد وجود الجزيئات الكيميائية التي يحتاجها لتوفير الطاقة و للتوازن الكيميائي. إن لهذه الأحداث التي أصف و الحاصلة في كائن بلا دماغ نفس جوهر عملية العاطفة لدينا نحن البشر — رصد وجود جسم أو حدث يشي بضرورة التجنب و المرواغة أو الاقتراب و المصادقة. إن الانفعال على هذا النحو قدرة غير مدرَّسة— فمدرسة البراميسيوم لا تهتم كثير بأصول التدريس و التربية. إنها قدرة محتواة في الآلية المعطاة جينيا و البسيطة ظاهريا و المعقدة فعليا داخل البراميسيوم عديم الدماغ. لطالما كانت الطبيعة مهتمّةً بتجهيز الكائنات الحية بالوسائل اللازمة لتنظيم حياتها و الحفاظ عليها أوتوماتيكيا، دون الحاجة لطرح أسئلة أو حتى التفكير.

    و بالطبع فإن امتلاك دماغ، و إن كان متواضعا، مفيد للنجاة و لا يمكن الاستغناء عنه لا سيما إن كان للبيئة تحديات تفوق تحديات بيئة البراميسيوم. فكِّر بذبابة ضئيلة— كائنٌ صغير بجهاز عصبي صغير و بلا حبل شوكي. ستغضب الذبابة إن هششتها مرارا مُخفِقا. ستئز حولك في اندفاعاتٍ متهورةٍ  فوق صوتية و تتجنب ضربتك القاضية. يمكنك أيضا إسعاد الذبابة بإطعامها السكر. سترى حينئذ كيف تهدأ حركاتها و تستدير استجابةً للغذاء المرضي. كما يمكنك جعل الذبابة سعيدةً منتشيةً إن سقيتها الكحول. لم أختلق هذا، فلقد أجريت التجربة على فصيلة ذباب تعرف بالدروسوفيلا (ذبابة الفاكهة( Drosophila Melanogaster  . فبعد التعرض لأبخرة الإيثانول، كان الذباب غير متزن تماما كما كنا سنكون لو تعرضنا لجرعة مقاربة. يمشي الذباب باسترسال انتشاءٍ قنوع ثم ينحدرون أسفل أنبوب الاختبار.

      كما يترنح الثمل عند عمود الإنارة. للذباب عواطفٌ، بيد أني لا أقترح أنه “يشعر” بعواطفه، ناهيك عن التبصّر فيها. و إن اعتراك شكّ في رقي آليات تنظيم الحياة في هكذا كائنات بسيطة، فتأمل آليات نوم الذبابة التي وصفها رالف غرينسبان Ralph Greenspan  و زملاؤه . للدروسوفيلا الضئيلة ما يكافئ دورات النهار-الليل عندنا، فترات من النشاط الكثيف و النوم المجدد و حتى نفس الاستجابة للحرمان من النوم حينما ينتابنا إرهاق السفر، إذ تحتاج نوما أطول، مثلنا.

     أو فكّر بالبـزّاقة البحرية Aplysia Californica  — و هي أيضا تملك دماغا صغيرا بلا حبل شوكي، و الكثير من الكسل. المس خيشومها و ستنطوي على نفسها و ترفع ضغط  دمها و نبضها. تنتج البزاقة مجموعة من الانفعالات المتناغمة و التي إن نُقِلت إليك أو إلي، فستُعرف كمكونات مهمة من عاطفة الخوف. عاطفة؟ بلى. شعور؟ لا، على الأغلب.

     لا يأتي أيُّ هذه الكائنات انفعالاته عامدا مترويا. كما أنها لا تبني انفعالها شيئا فشيئا، مع تذوق مبتكر لكل حالة يعرض فيها الانفعال. تنفعل المخلوقات انعكاسيا و تلقائيا بشكل مقولب. إنها “تختار” استجابة ما بين الاستجابات الجاهزة للاستعمال و تمضي مثلما يختار المتسوّق المشتت التركيز غرضا من معرض الألبسة الجاهزة. إطلاق لفظ منعكسات على هذه الانفعالات غير صحيح لأن المنعكسات الكلاسيكية استجابات بسيطة أما هذه الانفعالات فحزمٌ مركّبة من الاستجابات. ما يميز الانفعالات المتعلقة بالعواطف emotion-related reactions  من المنعكسات هو تعدد مكوناتها و تنسيقها. من الأفضل وصفها بأنها مجموعات من الاستجابات الانعكاسية، بعضها مسهب جدا، و كلها منسقة للغاية. إذ تسمح للكائن بأن يستجيب لمشاكل معينة بحل فعال.

العواطف المخصوصة

هناك تقليد عريق يقضي بتصنيف العواطف في فئات منوعة. و بالرغم من أن التصنيفات و الوسوم قاصرة بوضوح، فإنه لا بديل لها في هذه المرحلة باعتبار الوضع التمهيدية لمعرفتنا. من المحتمل أن تتغير الوسوم و التصنيفات بتراكم المعرفة. في هذه الأثناء، علينا أن نتذكر أن الحدود الفاصلة بين الفئات مسامية. حاليا، أجده مفيدا أن نصنف العواطف المخصوصة في ثلاثة أدوار: عواطف الخلفية background emotions ، العواطف الأولية primary emotions  و العواطف الاجتماعية social emotions.

      و كما يشي المصطلح، فعواطف الخلفية غير بارزة في سلوك الفرد إلا أنها بالغة الأهمية. حتى و إن لم تعر الأمر كثير انتباه، فإنك غالبا ما تكون قارئا جيدا لعواطف الخلفية إن لمحت مصيبا طاقةً أو حماسا في شخص قابلته للتو أو كنت قادرا على تشخيص الطفيف من الوعكات أو الهياج أو الحدة أو الهدوء و الدعة في أصدقائك و زملائك. و لو كنت بارعا في ذلك، فستستطيع أداء عملك التشخيصي دون أن يتفوه ضحيتك بكلمة واحدة. إذ تستطيع تقييم انحناءات حركة أطرافه و كامل جسده؛ ما قوتها؟ ما دقّتها؟ ما اتّساعها؟ و. ما تكرارها؟ تلاحظ أيضا تعابير الوجه. و حين تنطق الكلمات، فإنك لا تكتفي بسماعها و تصور معناها القاموسي، بل تسمع موسيقى الصوت كذلك؛ تسمع الـتّصاوت[4] prosody.

     و منذ أن طورت هذا التصور، تراءت لي عواطف الخلفية كحصيلة لاستغلال تراكيب محددة من التفاعلات التنظيمية الأبسط (العمليات الاستتبابية الأساسية، سلوكيات الألم  و المتعة و الشهوات على سبيل المثال)، وفق مبدأ التداخل الآنف الذكر. عواطف الخلفية تعبيرات مركبة من هذه الأفعال التنظيمية و إذ تنفرج و تتقاطع لحظة بلحظة. أتخيل عواطف الخلفية كنتيجة عصية على التنبؤ لعدد من العمليات التنظيمية المتزامنة و الجارية بأجسادنا الشبيه بالملاعب الفسيحة. يشمل هذا تعديلات أيضية مرتبطة بأي حاجة داخلية تطفو للسطح أو أي حاجة أرضيت للتو، و مرتبطة بأي وضع خارجي تُقدِّره عواطفنا أو شهواتنا أو حساباتنا الفكرية. نتيجة مرجل التفاعلات دائم التغير هذا هو “حالة كينونتنا أو وجودنا” state of being ، قد تكون جيدة أو سيئة أو وسطا بينهما. حين نُسأل ” كيف نشعر”، نستشير ” حالة كينونتنا” و نجيب وفقا لما تمليه.

     من الملائم أن نتساءل إن كان هنالك أي انفعالات تنظيمية لا تسهم في تكوين عواطف الخلفية، أو نتساءل عن أكثر الانفعالات التنظيمية تكرارا في تكوين عواطف خلفية كالفتور أو الهياج، أو نسأل عن كيف تتفاعل الحالة الصحية و الحالة المزاجية  temperamentمع عاطفة الخلفية. الإجابة المباشرة هي أننا لا ندري بعد؛ لم تُجر الفحوصات اللازمة.

     تعريف العواطف الأولية أو الأساسية أيسر لأن تقليدا عريقا قضى بتكويم عواطف محددة بارزة في هذه المجموعة. القائمة الشائعة تضم الخوف، الغضب، الاشمئزاز، الدهشة، الحزن و السعادة — أو ما يتناهى إلى ذهنك حينما يذكر مصطلح عاطفة. هناك أسباب وجيهة لهذه المركزية. فهذه العواطف سهلة التمييز بين البشر من مختلف الثقافات و بين الفصائل الحيوانية أيضا.

3

     أيضا، أنماط السلوك المُعـرِّفة للعواطف الأولية و الظروف المسببة لها ثابتة لحد بين الثقافات و الفصائل. استقينا

     معظم ما نعرفه عن نيوروبيولوجيا العواطف من دراسة العواطف الأولية، و لا عجب. يقود الخوف الطليعة، كما قد يخمن ألفريد هيتشكوك، و لكن أشواطا واسعة قطعت باتجاه فهم الاشمئزاز، الحزن و السعادة.

    تشمل العواطف الاجتماعية التعاطف، الحرج، الخزي، الإحساس بالذنب، الزهو، الغيرة، الحسد، الامتنان، الإعجاب، الاستياء و الازدراء. ينطبق المبدأ التداخلي عليها أيضا. يمكن التعرف على حاشية كاملة من الانفعالات التنظيمية جنبا إلى جنب مع عناصر من العواطف الأولية, يخدمون جميعا كمكونات جزئية للعواطف الاجتماعية في تراكيب منوعة. الدمج التداخلي لمكونات الأدوار الدنيا واضح. تأمل كيف تستعير عاطفة “الازدراء” الاجتماعية تعابير الوجه من “الاشمئزاز” و هو عاطفة أولية تطورت بمعية الرفض التلقائي  و النفعي للأغذية المحتمل تسممها. و حتى الكلمات التي نستخدمها لوصف مواقف الازدراء و الهلع الأخلاقي – نعترف بأننا مشمئزون – تدور في فلك التداخل و العشاعش. يمكن أن نستجلي أثر مكونات الألم و المتعة تحت سطح العواطف الاجتماعية، ولو كان أخفت من تواجدها في العواطف الأولية.

      لقد بدأنا للتو بفهم كيف يثير الدماغ العواطف الاجتماعية و يفعلها. و بما أننا نستحضر لزاما فكرة المجتمع و الثقافة الإنسانية عند ذكر مصطلح “اجتماعي”، فمن المهم أن نلاحظ أن العواطف الاجتماعية ليست محصورة على البشر بأي حال من الأحوال. انظر حولك و ستجد أمثلة لها في الشمبانزي، البابون و القردة العادية، في الدلافين و الأسود، و في قطتك و كلبك بالطبع. الأمثلة وفيرة — المشي الفخور لقردٍ مهيمن، الهيئة الملكية حرفيا للذئب أو القرد الأعلى و المستدعية لاحترام بقية المجموعة، السلوك الذليل للحيوان الغير مهيمن و الذي يتنحى لزاما عن الحيّز و الأسبقية عند الطعام، التعاطف الذي يبديه الفيل تجاه آخر ينوح متألما، و حرج الكلب حين يفعل ما نُهي عن فعله .

     يبدو نزعة الكائن لإظهار عاطفة اجتماعية مغروسة عميقا في دماغه و جاهزة لأن تُستغَل ما إن ينجح الموقف الملائم بإثارتها، إذ أنه من الغير المحتمل أن تكون هذه الحيوانات قد لُقِّـنت مخالجة العواطف. لا شك بأن التسوية الدماغية العامة التي تعطي سلوكا معقدا كهذا دون أي لغة أو أدوات ثقافية هي هدية من جينوم فصائل محددة. إنه جزءٌ من دليل أجهزتهم لتنظيم الحياة التلقائية و الجبليّة لحد كبير، و هي ليست بأدنى مما تناولناه حتى الآن.

      أيعني هذا أن العواطف جِبليّة حرفيا و معدة لأن تُستغَل منذ الولادة مباشرة بنفس وضوح عمل التنظيم الأيضي؛ بعد أنفاسنا الأولى؟ على الأرجح أن الإجابة تختلف باختلاف العاطفة. قد تكون الاستجابات العاطفية جبليّة كليا في بعض الحالات، و في بعضها الآخر؛ تتطلب مساعدة بسيطة من التعرّض البيئي المناسب. بحث روبرت هيندي Robert Hinde مؤشر ٌجيد على ما قد يحصل حال الانخراط بعواطف اجتماعية. لقد وضح خوف القرود الجبلي من الأفاعي لا يستلزم تعرضا لأفعى فحسب بل تعرضا لتعبير أمه الخائف من الأفعى أيضا. مرة واحدة كافية ليباشر السلوك عمله، لكنه لا ينخرط في السلوك “الجبلي” دون هذه “المرة” . يسري مثيل ذلك على العواطف الاجتماعية. مثال ذلك؛ ترسيخ أنماط الهيمنة و الخضوع في الرئيسات primates  اليافعة جدا خلال اللعب.

     للفصائل الحيوانية البسيطة و الغير مشتهرة بحضارتها القدرة على إظهار سلوكيات اجتماعية ذكية. تبقى هذه المسألة عصية على التقبل، و هذا لأن الجميع درجوا على الاعتقاد بأن السلوكيات الاجتماعية وليدة التعليم بالضرورة. لكنها تستطيع  ذلك حقا، و سنرى مجددا أنها لا تحتاج دماغا كبيرا لتذهلنا. تمتلك الديدان المتواضعة المسماة بالربداء الرشيقة C. elegans  ٣٠٢ خلية عصبية على وجه التحديد و قرابة ٥٠٠٠ صلة عصبية وسطية. ( و على سبيل المقارنة، فالبضر يملكون مليار خلية عصبية و عصدة تريليونات من صلات العصبية الوسطية). عندما تجوب هذه الوحوش الجنسية الصغيرة ( إنها ديدان خنثى!) في بيئة خالية من المنغصات و بموارد غذائية كافية، فإنها تنطوي و تتغذى منعزلة. أما إن فاحت رائحة كريهة أو كان الغذاء شحيحا— ستفهمه كـخطر فيما لو كان لك وجود دودةٍ و اتصلت بالعالم من خلال أنفك — فستجتمع الديدان في بقعة واحدة و تتغذى سويةً؛ تحسُّـبا لأي طاريء. يشي هذا السلوك البدائي الجنيني و بعيد المدى في الوقت ذاته بعدة مفاهيم اجتماعية مثيرة: الأمان بالكثرة، التعاون قوة، الإيثار، التّقشف، و نقابات العمال الأولية. هل ظننت يوما أن هذه الحلول السلوكية صنيعة الإنسان؟ خذ النحلة، كائن صغير و اجتماعي للغاية في مجتمع الخلية. للنحلة الواحدة ٩٥٠٠٠ خلية عصبية. هذا دماغ بلا شك.

      يحتمل جدا أن يكون لوجود هذه العواطف الاجتماعية دور في تكوين آليات الضبط الاجتماعي الثقافية المعقدة (طالع الفصل الرابع). من الواضح أيضا أن بعض الانفعالات العاطفية الاجتماعية مستدعاة في المواقف الإنسانية دون أن يكون محفز الانفعال ظاهرا بجلاء لا للمتفاعل و لا المراقب. استعراضات الهيمنة و التبعية الاجتماعية مثال على ذلك — فكر بكل طرائف و غرائب السلوك البشري في الرياضة، السياسة و مكان العمل. ما يجعل البعض قادة و البعض الآخر أتباعا و يجعل بعضهم يفرض احترامه حين يجبن الآخرين مرتبطٌ قليلا بالمعرفة و المهارة, و كثيرا بصفات جسدية محددة و بالطريقة التي يبث فيها الشخص استجابات عاطفية محددة في الآخرين. تظهر بعض الاستعراضات غير مدفوعة لمراقبيها و لمن أبداها، هذا لأن منبعها جهاز العاطفة الاجتماعية و حفظ الذات الجِبلّي و اللامَوعِي. علينا أن ننسب الفضل لِـمُسـتحقِّه، داروين، و الذي قادنا للأثر التطوري لهذه الظواهر.

       هذه ليست الانفعالات العاطفية الوحيدة ذات الأصل الغامض. هناك طائفة إضافية من الانفعالات لها أصل غير مَوعي يُشكَّله التعلم خلال التطور الفردي للشخص. إني أشير إلى التآلف و التباغض الذي نحصله بحرص و تكتم عبر حياةٍ زاخرة بالعواطف و المُدرَكَات الحسية  perceptions فيما يتعلق بتفاعلنا مع الأشخاص، المجموعات، الأشياء، الأنشطة و الأماكن و هذا ما أراد فرويد لفت انتباهنا إليه. من المثير أن هاتين المجموعتين من الانفعالات الغير المتعلَّـمة و اللامُوعِية — الانفعالات المتعلَّمة و الجِبليّة— قد تكونان مرتبطتين في هوة لا وعينا السحيقة. هذا يغرينا لنقول أن تفاعلهما اللاموعي المحتمل إشارةٌ إلى تقاطع الإرث الفكري لكل من داروين و فرويد؛ و كلاهما سخر مسيرته لدراسة التأثيرات للجبلي و المكتَسب.

     تدور كل ظواهر تنظيم الحياة بلا استثناء، من العمليات الكيميائية الاستتبابية إلى العواطف المخصوصة، حول الحفاظ على سلامة المخلوق و صحته بشكل مباشر أو غير مباشر. ترتبط جميع هذه الظواهر بتعديلات تكيفية في حالة الجسد و تؤدي بعدئذ إلى تغييرات في خرطنة الدماغ brain mapping  لحالات الجسد body states؛ تشكل هذه بدورها أساس المشاعر. يضمن تداخل البسيط ضمن المُّركَّب بقاء الغاية التنظيمي في الدرجات العُـلى من السلسلة. تـثبت الغاية رغم تغير التركيب و تشابكه. فالعواطف المخصوصة أكثر تشابكا من المُـنعكسات بلا شك، كما أن ما يثيرها من محفزات و هدف استجاباتها متنوع أيضا. يختلف قصد العمليات و المواقف المؤذنة ببدايتها على وجه التحديد.

      نكتشف أيضا تفاعلات تبادليّة مثيرة ما بين صنوف التفاعلات التنظيمية. إذ تؤثر العواطف المخصوصة على الشهوات؛ و العكس صحيح. يثبّط الخوف مثلا بواعثَ الجوع و الجنس و يحصل الشيء نفسه حال الحزن أو الاشمئزاز. و على العكس من ذلك، تعزّز السعادة باعثي الجوع و الجنس. إرضاء البواعث — أي الجوع، العطش و الجنس و غيرها— سببٌ للسعادة لكن العجز عن إرضاءها يؤدي إلى الغضب أو اليأس أو الحزن. و كما لاحظنا سابقا، تنفرج توليفة الانفعالات التكيفية يوميا، كالتعديلات الاستتبابية و البواعث، مشكلةً عواطف الخلفية الحالية و محددة المزاج عبر فترات ممتدة من الزمن. إنك حين تتأمل هذه المستويات المختلفة من الانفعالات التنظيمية عن بعد، يصعقك تشابهها التنظيمي البالغ .

      على حد علمنا، فمعظم الكائنات الحية المزودة بما يعينها على مخالجة العاطفة لصون حياتها قاصرةٌ عن امتلاك معدات الشعور بهذه العاطفة كقصورها عن التفكير بامتلاكها لهذه العواطف من الأساس. فهي ترصد وجود محفّـزات معينة في البيئة و تستجيب لها بعاطفة. كل ما تحتاجه هو جهزٌ إدراك حِسِّـي بسيط— مصفاةٌ تنقّي المحفّزات المختصة بالعاطفة (المحفزات ذات الاختصاص العاطفي ) و قدرةٌ تخالج بها العاطفة. معظم الكائنات الحية تؤدي ما يتعين عليها من أداء. إنها لا تشعر كما نشعر ناهيك عن أن تفكر كما نفكر. هذا افتراض بالطبع، لكنه افتراض تبرره فكرتنا عما يستلزمه الشعور كما سنشرح الفصل القادم. تفتقد الكائنات الأبسط للتراكيب الدماغية اللازمة لعرض التغيرات الحاصلة في الجسم أثناء الانفعال العاطفي في خرائط حسية؛ الشعور هو النتيجة. تفتقد أيضا لدماغ مؤهل لتمثيل المحاكاة المترقبة لهذا النوع من التغيرات الجسمانية، و هو ما قد يشكّل أساس الرغبة أو القلق.

      من الواضح أن الانفعالات التنظيمية أعلاه نافعة لمن يمتلكها من الكائنات و أن الحكم “بجودة” أو “سوء” مسبباتها— الأشياء أو المواقف المثيرة لها— يقف على أثرها على نجاة الكائن و عافيته. لا البراميسيوم و لا الذبابة و لا السنجاب قادرون على معرفة الصفات الخيرة من الشريرة لهذه المواقف و لا على العمل من أجل “الجيد” ضد” السيء” من باب أولى. و لا ننزع – نحن البشر- للخير حين نوازن الأس الهيدروجيني لوسطنا الداخلي أو ننفعل بسعادة أو حزن لأشياء حولنا. تميل أجسادنا للنتيجة “الجيدة” من تلقاء نفسها، إما بشكل مباشر كإعطاء استجابة سعادة أو غير مباشر باستجابة خوف و التي تتفادى “الشر” باديء الأمر ثم تنتهي “بالخير”. أقترح أن بمقدور الكائنات إتيان انفعالات نافعةٍ مفضيةٍ إلى نتائج جيدة دون أن تقرر إتيانها و دون الشعور بتكشف هذه الانفعالات؛ و سأعود لمناقشة هذه الفكرة في الفصل الرابع. و كما يظهر من بنية هذه الانفعالات، يتحرك المخلوق لفترة ما أثناء حصولها باتجاه حالات توازن فسيولوجي أبلغ أو أقل.

      أهدي تبريكاتي المُستحَقة لنا البشر لسببين. أولا، في الظروف المماثلة؛ تخلق هذه الانفعالات التلقائية أحوالا في الجسم البشري تتمثّل لنا كممتعة أو مؤلمة ما إن تموضعت في الجهاز العصبي، و هي ما يعرف بالمشاعر آخر الأمر. فلنقل بأنه هذا هو المصدر الحقيقي للبهاء الإنساني و المأساة الإنسانية. فلنتناول السبب الثاني الآن. نسعى نحن البشر للتحكم بعواطفنا عن قصد، إلى حد ما. على الأقل، و ذلك لوعينا للعلاقة بين أهداف محددة و عواطف محددة. يمكننا أن نقرر أيّ نوع من المواقف و الأشياء مسموح  له بالتواجد في بيئتنا و على أيّ نوع من الأشياء و المواقف نصرف اهتمامنا و وقتنا. بإمكاننا أن نقرر مثلا ألا نشاهد الإعلانات المتلفزة و أن نؤيد طردها الأبدي من منازل المواطنين الأذكياء. و بتحكمنا في تفاعلنا مع ما يسبب العاطفة، فإننا فعليا نمارس نوعا من التحكم على عمليات الحياة و نقود أنفسنا لانسجام أقل أو أكثر، كما كان سبينوزا ليرغب. نتجاوز فعليا طغيان التلقائي و غفلة الآلة العاطفية. من المثير للفضول هو أن البشر قد اكتشفوا هذه الاحتمالية منذ زمن بعيد بدون أن يعرفوا الأساس الفسيولوجي للاستراتيجيات المستعملة على وجه الدقة. فهذا ما نفعله حين اتخاذ خياراتنا حيال ما نقرأ و من نصاحب. و هذا ما فعله البشر لقرون باتباعهم المدركات الاجتماعية و الدينية و التي تعدل البيئة و علاقتنا بها فعليا. هذا ما نحاول فعله حينما نداعب برامج العيش الصحي و التي تجعلنا نتريض و نتبع حمية.

      من غير الدقيق أن نقول أن كل الانفعالات التنظيمية، حتى العواطف المخصوصة، مقولبة حتما و بلا محالة. بعض انفعالات “الفروع الدنيا” مقولبة و هذا ما ينبغي أن تكونه— علينا ألا نتدخل بحكمة الطبيعة حينما يتعلق الأمر بتنظيم وظيفة القلب أو الهرب من الخطر. لكن بإمكاننا التحكم بتعرضنا للمحفزات الجالبة للانفعالات. نستطيع أن نتعلم تعديل كوابح هذه الانفعالات عبر الدهر. بإمكاننا ببساطة أن نستعمل قوة الإرادة المطلقة و نقول لا فحسب؛ أحيانا.

فرضية في صيغة تعريف

بأخذ الأنواع المتعددة للعاطفة في الحسبان، بإمكاني الآن تقديم فرضية عملية للعواطف المخصوصة في صورة تعريف.

١- العاطفة المخصوصة، كالسعادة و الحزن و الحرج و التعاطف، حصيلةٌ مركَّبَةٌ من الاستجابات الكيميائية و العصبية مكوِّنَـةً نمطا مميزا.

٢- تنتج الاستجابات عن الدماغ الطبيعي حين يرصد “محفزا مختصا بالعاطفة”  “emotionally competent stimulus”  ؛ أي ما يثير trigger العاطفة من أشياء أو أحداث حال وجودها حقيقة أو بالاستدعاء العقلي. الاستجابة تلقائية.

٣- الدماغ معدٌّ بالتطور ليستجيب لمحفزات محددة مختصة بالعاطفة وفق تعليمات محددة، مع ذلك، قائمة المحفزات المختصة بالعاطفة ليست محصورةً بما فرضه التطور، بل تشمل محفزات عدة متعلَّمـة خلال عمر من التجارب.

٤- النتيجة الفورية لهذه الاستجابات هي تغير مؤقت في حالة الجسم المخصوص و في حالة تراكيب الدماغ المخرطنة للجسم و الداعمة للتفكير.

٥- النتيجة النهائية للاستجابات هي وضع المخلوق في ظروفٍ موصلة إلى النجاة و العافية بشكل مباشر أو غير مباشر.

     يشمل هذا التعريف المكونات الكلاسيكية للانفعال العاطفي إلا أن فصل مراحل العملية و الوزن المعطى لهذه المراحل قد يبدو غير تقليدي. تبدأ العملية بمرحلة تقدير- تقييم appraisal-evaluation، منذ لحظة رصد المحفز المختص بالعاطفة. بحثي معنيٌّ بما يحدث في العملية العقلية بعد رصد المحفز— نهاية مرحلة التقدير. بالطبع، استبعدت المشاعر أيضا من تعريف العواطف نفسها، باعتبارها المرحلة التالية من دائرة العواطف-المشاعر.

     قد يجادل البعض بوجوب استبعاد مرحلة التقدير أيضا لدواعي الوضوح الوظيفي— باعتبار التقدير العملية المؤدية للعاطفة و ليس العاطفة ذاتها. لكن الإبعاد الجذري لمرحلة التقدير سيحجب القيمة الحقيقية للعواطف عوضا عن إيضاحها: وصلها الذكي للغاية بين المحفز المختص بالعاطفة و بين مجموعة الانفعالات القادرة على تغيير وظائف جسمنا و تفكيرنا بعمق. استبعاد التقدير سيجعل الوصف البيولوجي لوظيفة العاطفة معرضا أمام السخرية الكاريكاتورية التي تعتبر العواطف بلا تقدير عديمة المغزى. سيستعصي علينا أيضا أن نلحظ كيف يمكن للعواطف أن تكون بديعة و مبهرة الذكاء و كيف يمكنها أن تحل لنا المشاكل.

آلية العواطف الدماغية 

توفر العواطف وسيلة طبيعية تمكن الدماغ و العقل من تقييم البيئة داخل المخلوق و حوله و الاستجابة وفقا لذلك بشكل تكيّـفي. و بالفعل، نقيم بوعي ما يسبب عواطفنا في كثير من الظروف، بالمعنى الفعلي لمصطلح “التقييم”. لا نعالج حينها وجود المسبب فحسب، بل علاقته بالأشياء و المسببات الأخرى و صلته بالماضي أيضا. و في هذه الظروف، يقيم جهاز العواطف بشكل طبيعي و يشارك جهاز العقل الواعي مفكّرا بالتقييم. بإمكاننا تعديل استجابتنا العاطفية. و بالفعل، فإن من أهم غايات تطورنا التعليمي هو أن نحول بين المسببات و الاستجابات العاطفية بخطوة تقييمية غير تلقائية. نأمل أن يسهم ذلك في تشكيل استجاباتنا العاطفية الطبيعية لتتفق مع متطلبات ثقافة ما. كل هذا صحيح للغاية لكن ما أود الإشارة إليه هنا هو أن حدوث العواطف  لا يستلزم تحليل مسببها بوعي، ناهيك عن تقييم موقف حدوثها. إذ تعمل العواطف وفق إعدادات مختلفة.

     تشير العاطفة إلى نتيجة تقدير الكائن للموقف؛ حتى في الحالة التي يحصل فيها الانفعال العاطفي دون معرفة واعية بالمحفز المختص بالعاطفة. لا تهتم لكون التقدير غير معلوم للنفس بوضوح. بشكل ما، فُهِـمَت فكرة التقدير حرفيّا على أنها تقييم مَوعي، كما لو كان تقييمك المبهر لوضع و استجابتك التلقائية له إنجازا بيولوجيا ضئيلا.

      يتعلق أحد أهم جوانب تاريخ التقدم الإنساني بالكيفية التي تتمكن بها معظم الموجودات المحيطة بأدمغتنا من إثارة عاطفة ما؛ قوية أو ضعيفة، جيدة أو سيئة و بشكل موعي أو غير موعي. بعض هذه المثيرات triggers مهيّأ بواسطة التطور، البعض الآخر فأصبح مقترنا ،عبر أدمغتنا، بموجودات مختصة بالعاطفة بفعل تجاربنا الفردية. تذكّر منزلا اختبرت فيه طفلا تجربة خوف بالغ. عندما تعاود زيارة هذا المنزل اليوم، ستشعر بالانزعاج دونما أي سبب سوى تجربتك لمشاعر سلبية قوية في المكان نفسه منذ زمن. و قد يحصل أن يزورك الانزعاج نفسه عندما تزور منزلا آخر يشابهه بعض الشيء، و لا تجد مبررا هنا أيضا سوى رصدك السجل الدماغي لموقف مقارب.

      لا تملي عليك تراكيب دماغك الأساسية استجابةً مستاءة عند زيارتك لنوع معين من المنازل. لكنها التجربة الحياتية التي دفعت بدماغك ليربط هكذا منازل بالاستياء الذي جربته يوما. لا تعبأ لكون سبب الاستياء غير متعلق بالمنزل نفسه أصلا. سمِّه ذنبا بالارتباط، فالمنزل مجرد متفرجٍ بريء. لقد كُـيِّـفت على الشعور بالاستياء في منازل معينة و ربما على بغض منازل معيّنة دون أن تعرف السبب الفعلي. أو لربما كُـيِّـفت على الشعور بالرضا في منازل معينة بالآلية ذاتها. نشأ العديد مما نحب و نكره، العادي منه و المبتذل، بهذه الطريقة. لاحظ أيضا أن الرهاب قد يكتسب بنفس الآلية؛ و هو ليس عاديا و لا مبتذلا. و على أي حال؛ بالوقت الذي نغدو فيه بالغين بما يكفي لكتابة الكتب ، يبقى – إن بقي- القليل من الأشياء المحايدة عاطفيا في هذا العالم. التمييز العاطفي بين الموجودات تمييزٌ ذو درجات: يبثّ بعضها انفعالات عاطفية ضعيفة بالكاد تحس و يبعث بعضها انفعالات قوية و يتوسط بينهما درجات شتى. لقد ابتدأنا بكشف الآليات الخلوية و الجزيئية الضرورية لحصول التعلم العاطفي.

     تتعلم المخلوقات المركَّبة أيضا أن تعدل تفعيل  execution عواطفها بما يتّـسق مع كل ظرف على حدة— مصطلحي التقييم و التقدير هما الأكثر ملائمة هنا. تضبط أجهزة التعديل العاطفي مدى التعبير العاطفي دون الحاجة للمداولة المـوعية من الكائن. كمثال بسيط؛ إن قُصصـت عليك ذات القصة المسلية مرتين على التوالي، فستبتسم أو تضحك بشكل مختلف للغاية حسب السياق الاجتماعي لتلك اللحظة— عشاء دبلوماسي أو لقاء عابر في الرواق أو عشاء عيد الشكر مع الأصدقاء المقربين أو غيرها. و لو أحسن والداك صنعا في تنشئتك، فلن يتعين عليك التفكير بالسياق. الضبط تلقائي. مع ذلك، تعكس بعض الأجهزة الضابطة حكما نابعا من نفس الكائن و قد يحاول كبت العاطفة أو تعديلها نتيجةً لذلك. قد تختار أن تكتم جذلك أو اشمئزازك من عبارة تفوه بها زميلك أو محاورك مدفوعا بأسباب تتراوح ما بين الشريف إلى الوضيع. تساعدك معرفتك الواعية بالسياق و درايتك بالتبعات المستقبلية لكل جانب من جوانب سلوكك على أن تقرر كبت التعبير الطبيعي عن العاطفة. لكن حاول تجنب ذلك كلما كبرت؛ إنه مستهلك كبير للطاقة.

      قد تكون الأشياء المخصوصة بالعاطفة emotionally competent objects  حاضرةً أو مستدعاةً من الذاكرة. و لقد رأينا كيف انتهت الذاكرة الشرطيّة اللاموعية بعاطفةٍ حاضرة. و قد تحتال الذاكرة علانية بنفس الحيلة. فمثلا؛ قد تستدعى من ذاكرتك تلك الحادثة البعيدة التي دنت منك و روعتك؛ لترتاع بسببها مجددا. للصورة الأثر نفسه سواء كانت حاضرة حالا أو صورة مصوغة للتو أو صورة مُـجدَّدة و مستدعاة من الذاكرة. تنشأ عاطفة إن وجد محفز مختص بالعاطفة , و لا تختلف إلا حدتها. تعتمد حرفة الممثلين، على اختلاف مللهم، على ما يسمى بالذاكرة العاطفية. إذ يمكنون أحيانا ذاكرتهم بوضوح؛ فتسوقهم للعاطفة المنشودة. و في مرات أُخر؛ تتخل الذاكرة أدائهم برويةٍ بينما يعدون أنفسهم ليسلكوا مسلكا معينا. ما فاتت على سبينوزا ملاحظة هذا الأمر و هو اليقظ دوما: يتأثر المرء متعةً و ألما بصورة الحالي قدر ما يتأثر بصورة ما هو ماض أو آت (كتاب الأخلاق، الفصل الثالث، المسألة ٢٨).

إثارة و تفعيل العواطف 

يعتمد ظهور العواطف على سلسلة معقدة من الأحداث. أراها على النحو التالي: تبدأ السلسلة بظهور المحفز المختص بالعاطفة. يتناهى للعقل محفزّ ما؛ شيء أو موقف موجود فعليا أو مُتَـذكَّر. فكر بـدبٍّ صادفته في رحلتك لألاسكا ( أوردته تقديرا لـ ويليام جيمس William James  و الذي نسج مناقشته للخوف من خيوط ذكرى دبٍّ مماثل) أو بلقاءٍ مرتقب مع شخص تفتقده.

      و نقول بمصطلحات محايدة بأن الصور المرتبطة بالأشياء المختصة بالعاطفة لا بد و أن تمثل في واحدة أو أكثر من أنظمة المعالجة الحسية بالدماغ، كمناطق الإبصار و السمع. لِـنسمّها مرحلة العرض. و بغض النظر عن سرعة زوال العرض، فلا بد من عرض الإشارات الدالة على وجود المحفز على مواضع زنادية لإثارة العاطفة   emotion-triggering sites أيضا و الموجودة في أماكن دماغية آخرى. يمكن تصورها كأقفال لا تفتح إلا إن طابقتها مفاتيحها الملائمة. بالطبع، فالمحفزات المختصة بالعاطفة هي المفاتيح. لاحظ هنا بأنها تختار قفلا من أقفال موجودة مسبقا عوضا عن تلقين الدماغ كيف يصنع قفلا. تنشّط مواضع إثارة العاطفة بعدها عدة مواضع أخرى لتفعيل العاطفة  emotion-execution sites, و هذه الأخيرة هي السبب المباشر للحالة العاطفة الحاصلة في الجسد و في المناطق الدماغية الداعمة للشعور بالعاطفة. بالنهاية، قد تتضخم العملية مدويةً أو تنكمش ذاوية و تنتهي. بلغة الفسيولوجيا العصبية و تشريح الدماغ؛ تبدأ العملية عندما ترتحل إشارات عصبية ذات هيئة معينة ( و الناشئة من القشرة البصرية الحاملة لأنماط بصرية تقابل الاقتراب السريع لجسم خطر) على التوازي عبر سبلٍ عدة قاصدةً تراكيب دماغية عدة. ستصبح بعض التراكيب المستقبِلة ، كاللوزة مثلا amygdala، نشطةً عندما ترصد هيئةً معينة – عندما يدور المفتاح في القفل- و تشرع بإرسال إشارات تستهدف مناطق أخرى مكونةً تسلسلا من الأحداث التي ستصبح عاطفة.

      يشبه هذا الوصف حال المـُستَٓضِدّ  [5] antigen ( كفيروس مثلا) مقتحما مجرى الدم و مؤديا إلى استجابة مناعية (مكونة من عدد كبير من الأجسام المضادة – أو الأضداد- القادرة على تعطيل المستضد). و ينبغي عليهما أن يتشابها، فعملياتهما متشابهة منهجيا. في حالة العاطفة؛ يعرَض ” المـستَضَد” خلال النظام الحسي و الاستجابة العاطفية هي “الضّد”. يحصل “الانتقاء” في واحدة من عدة مواضع دماغية معدّة لإثارة عاطفة. تتم العمليتان في ظروف متقاربة و لهما نفس المعالم و نتائجهما متماثلة النفع. الطبيعة ليست خلاقة فيما يتعلق بابتكار الحلول الناجعة. ما إن ينجح أحدها، تعاود استخدامه مرارا و تكرارا. لو كان لمنتجي هوليوود نجاح مثيل ، لأدرّت كل تتمة للأفلام مالا على الدوام.

      من المناطق الدماغية المعروفة الآن باعتبارها مواضع إثارة للعاطفة: اللوزة، مستقرة عميقا في الفص الصدغي؛ جزء من الفص الجبهي معروف باسم قشرة المقدَّم الجبهيّ البطني الإنسي  ventromedial prefrontal cortex؛ و منطقة جبهية أخرى في الباحة الحركية الإضافية  supplementary motor area و القشرة الحزامية cingulate . هذا ليس حصرا لكل مناطق الإثارة، لكنه تعداد للمفهوم منها. تستجيب مناطق الإثارة للمحفزات الطبيعية، أي الأنماط الكيميائية الكهربائية الداعمة للصور في أدمغتنا، و الغير طبيعية بالمرة؛ كتيار كهربائي يلامس الدماغ. لكن لا ينبغي النظر لهذه المواضع باعتبارها ثابتة صارمة؛ تنتج ذات الأداء المقولبة المرة تلو المرة، لوجود عدة مؤثرات تعدِّل نشاطها. و مجددا، تفعل الصور العقلية البسيطة ما يستطيع التحفيز الدماغي المباشر فعله.

     وافتنا دراسة اللوزة عند الحيوانات بمعلومات جديدة، أبحاث جوزيف ليدو Joseph LeDoux  على وجه الخصوص، كما جعلت تقنيات تصوير الدماغ الحديثة من دراسة لوزة الإنسان أمرا ممكنا، ممثلة بدراسات رالف ادولفز  Ralph Adolphs و ريموند دولان Dolan Raymond #٢٤. تقترح هذه الدراسات أن اللوزة صلة هامة بين المحفزات السمعية و الإبصارية المختصة بالعاطفة و إثارة العواطف، كالخوف و الغضب؛ على وجه الخصوص لا الحصر. لا يستطيع مرضى الأمراض العصبية المصابون بأذى في اللوزة إثارة هذه العواطف و بالتالي ؛لا يملكون ما يقابلها من مشاعر. أي أن أقفال خوفهم و غضبهم تبدو كما لو كانت مفقودة، على الأقل فيما يتعلق بالمثيرات السمعية و الإبصارية المفعلة تحت ظروف معينة. بالإضافة لذلك، تسفر الدراسات الحديثة المعنية بالتسجيلات المباشرة لنشاط الخلايا العصبية المنفردة من اللوزة البشرية عن وجود قدر أكبر من الخلايا العصبية المضبوطة للاستجابة للمحفزات الغير سارة مقارنة بالمحفزات السارة.

      بشكل مثير للفضول، تؤدي اللوزة الطبيعية بعض وظائف الإثارة بغض النظر عن درايتنا بوجود المحفز المختص بالعاطفة. يقدم بحث بول ويلن Whalen Paul أول الأدلة على قدرة اللوزة على الرصد اللامَوعِي للمحفزات المختصة بالعاطفة. عندما عُرض هذا النوع من المحفزات بسرعة بالغة على أشخاص طبيعيين مما جعلهم غير مدركين بتاتا لطبيعة ما يرون، كشفت صور الدماغ عن نشاط باللوزة. أوضح بحث حديث لآرني اومان Ohman Arnie و ريموند دولان أن الأشخاص الطبيعيين بمقدورهم أن يتعلموا خفيةً أن محفزات معينة، دون غيرها، (وجه معين غاضب دونا عن الوجوه الغاضبة الأخرى) مرتبطة بأحداث غير سارة. يعزز التمثيل المتوارِ للوجه المرتبطِ بحدثٍ سيء نشاطَ اللوزةِ اليمنى بينما لا يحصل الشيء نفسه مع التمثيل المتوار للوجه الآخر.

      تُـرصَد المحفزات المختصة بالعاطفة بسرعة فائقة تسبق الانتباه الانتقائي selective attention، كما يبين هذه الاكتشاف المبهر: تسبب إصابات الفص القذالي occipital lobe أو الجداري lobe parietal ساحة رؤية عمياء (أي ساحة رؤية لا يمكن رصد محفزاتها نتيجة الإهمال أو انعدام الانتباه)، و بالرغم من ذلك؛ “تجتاز” المحفزات المختصة بالعاطفة ( كالوجوه السعيدة أو الغاضبة) حاجز العمى أو الإهمال و ترصد بلا شك. تلتقط آلية الإثارة العاطفية هذه المحفزات المهملة لقدرتها على اجتياز قنوات المعالجة الطبيعية— و التي كانت ستقود إلى تقدير معرفي لولا العمى أو الإهمال. قيمة تسوية “المجاز الجانبي” البيولوجية بيّنة: يرصد المحفز المختص بالعاطفة بغض النظر عن إعارته انتباهك. نتيجًة لذلك، يحوَّل الانتباه و الفكر لهذه المحفزات.

     يوجد موضع إثارة آخر مهم في الفص الجبهي، تحديدا في منطقة مقدَّم الجبهي البطني الإنسي. هذه منطقة مضبوطة لرصد الأهمية العاطفية لمحفزات أكثر تعقيدا مختصة بإثارة عواطف اجتماعية،  سواءا كانت أشياءا أو مواقفا ؛ طبيعية أو مُتعلَّمة. التعاطف الناجم عن معاينة مصيبة أحدهم أو الحزن المثار بخسارتنا الشخصية يتطلبان واسطة هذه المنطقة. تكتسب عدة محفزات أهميتها العاطفية عبر تجربتنا الحياتية — كمثال المنزل مصدرِ الاستياء— و تثير عاطفةً ملائمة من هذه المنطقة.

      فيما يتعلق بإصابات الفص الصدغي، أوضحت و زملائي، انطوان بشارة Bechara Antoine و حنة داماسيو Damasio Hanna  و دانييل ترانيل Tranel Daniel ، تغير القدرة على مخالجة العواطف لما يكون محفزها المختص بالعاطفة اجتماعيا و لما تكون استجابتها الملائمة عاطفة اجتماعية كالحرج أو الإحباط أو الإحساس بالذنب. يخل التلف المماثل بالسلوك الاجتماعي الطبيعي.

في سلسلة دراسات حديثة من مجموعتنا البحثية، بيّن رالف ادولف أن مقدَّم الجبهي البطني الإنسي يستجيب بسرعة و بشكل مختلف بحسب ما إذا كان محتوى الصور العاطفي سارا أو غير سار. إن تسجيلات الخلية العصبية الواحدة من مقدَّم الجبهي البطني الإنسي في المرضى المزمع معالجة تشنجاتهم جراحيا تشي بالاستجابة البالغة للعديد من عصبونات هذه المنطقة ، اليمنى أكثر من اليسرى، للصور الباعثة للعاطفة الغير سارة. كما تبدأ بالانفعال سريعا بعد مضي ١٢٠ ميلّي ثانية فحسب عقب عرض المحفز. أولا، تعلق عصبونات المنطقة نمط حَـفْزِها firing الذاتي، ثم تَحْفِز بتواتر أبلغ و بشدة أبلغ بعدما سكنت لـهنيهة. يستجيب عدد أقل من الخلايا العصبية للصور الباعثة على العواطف السارة كما يفتقدون أيضا لنمط التوقف و الإنطلاق السالف الذكر. اللاتناظر بين شقي الدماغ الأيمن و الأيسر أكثر تطرفا مما توقعت لكنه متفق مع مقترح قدمه ريتشارد دافيدسون Richard Davidson  قبل سنوات. و بناء على دراسات تخطيط المخ المجراة في الأشخاص الطبيعيين، اقترح دافيدسون ارتباط القشرة الجبهية اليمنى بالعواطف السلبية أكثر من اليسرى.

4

      لخلق حالة عاطفية ما، لا بد من نقل نشاط المواضع المثيرة إلى مواضع تفعيل العاطفة بصلاتٍ عصبية. تشمل مواضع تفعيل العاطفة المعروفة إلى الآن: الوطاء، مقدم الدماغ القاعدي، و بعض الأنوية في جذع المخ. الوطاء هو المـُفعِّل الرئيس لاستجابات كيميائية عدة تمثل جزءا لا يتجزأ من العواطف. إذ يرسل جزيئات كيميائية لمجرى الدم، مباشرةً أو عبر الغدة النخامية، مغيرةً بذلك الوسط الداخلي، وظيفة الأعضاء و وظيفة الجهاز العصبي المركزي نفسه. ببتيدات كالأوكسيتوسين oxytocin و الفازوبرٍسّين vasopressin  أمثلة على جزيئات مطلقة بفعل الأنوية الوطائية و بمساعدة الجزء الخلفي من الغدة النخامية. يعتمد طيف واسع من السلوكيات العاطفية (كالتعلّق و الحضانة) على وجود هذه الهرمونات في التراكيب الدماغية الآمرة بتفعيل السلوكيات. بالمثل، تؤدي الوفرة المحلية لجزيئات كالدوبامين dopamine و السيرُوتونين serotonin، و اللذان يعدلان النشاط العصبي، إلى حصول سلوكيات معينة. و على سبيل المثال، يبدو بأن مجموع ما نَـختبره كمثيب أو ممتع من السلوكيات معتمد على إطلاق الدوبامين من منطقة محددة (الباحة البطنية السقيفية من جذع الدماغ) و تواجده ( النواة المتكئة nucleus accumbens  في مقدم الدماغ القاعدي) بمنطقة أخرى. جملةُ القول أن مواضعا كمقدم الدماغ القاعدي، الأنوية الوطائية، بعض أنوية سقيفة جذع الدماغ و أنوية جذع الدماغ المسؤولة عن حركات الوجه و اللسان و البلعوم و الحنجرة هي المـُفعِّل النهائي للعديد من السلوكيات المـُعرِّفة للعاطفة؛ بسيطها و مُركَّبُها. و المتراوحة من التودد أو النفور إلى الضحك و البكاء. إن حصيلة الأفعال المركبة البادية على محيانا نتيجةُ التنسيق المذهل بين أنشطة هذه الأنوية و التي تسهم كل واحدة منها بجزء من التفعيل في نظام و وفاق متناغمين. لقد سخّر ياك بانسيب  Jaak Panksep عمره البحثي لعملية التفعيل هذه.

      في كل العواطف، يغير وابل الاستجابات الكيميائية و العصبية الوسطَ الداخلي و الأعضاء و الجهاز العضلي الهيكلي، و ذلك لمدة معينة و وفق نمط معين. تصدر عنا بعدها تعبيرات الوجه و النطق و وضعيات الجسد و أنماط سلوك محددة (الجري، الانعقاد، التودد أو الأبوة). كيميائيات الجسم و الأعضاء الداخلية كالقلب و الرئة تلعب دورا مساعدا أيضا. تدور العاطفة حول التبدّل و و التقلقل و ربما الاضطراب البدني الفعلي في بعض الأحيان. تتغير التراكيب الدماغية المسؤولة عن الانتباه و إنتاج الصور على التوازي بفعل أوامر دماغية؛ نتيجة لذلك، تبدو بعض مناطق القشرة الدماغية أقل نشاطا بينما تنشط مناطق أُخر.

     إليكم، في أبسط رسم توضيحي ممكن، الكيفية التي يثير بها محفز بصري مُهدِّد عاطفة الخوف و يُفعِّـِـلها (الشكل ٥.٢)

      من أجل عرض وصف ميسّر لعمليات العاطفة و الشعور، بسطتها بما يكفي لعرضها في سلسلة أحداث واحدة، تبدأ بمحفز وحيد و تنتهي بتوثيق ركائز شعوره. واقعيا، تنتشر العملية جانبيا، كما هو متوقع، مولدةً سلاسل أحداث موازية و مضاعفةً نفسها، و هذا لأن المحفز الأولي المختص بالعاطفة غالبا ما يقود إلى استرجاع محفزات أخرى مماثلة؛ و هي بدورها مختصة بالعاطفة أيضا.

     و بمرور الوقت، تعمل هذه المحفزات الإضافية على استدامة إثارة العاطفة نفسها أو إثارة تعديل عليها أو تحفيز مشاعر مناقضة لها. و بالتالي؛ تتوقف استمرارية و حدة الحالة العاطفية المرتبطة بالمحفز الأولي على العملية الإدراكية الجارية حينئذ. إما أن تمنح محتويات العقل الانفعال العاطفي مزيدا من المحفزات أو تطرد هذه المحفزات؛ مما يؤدي إلى استدامة أو مضاعفة العاطفة من جهة أو تحجيمها من جهة أخرى.

      تُعالج العواطف وفق هذا المسار المزدوج: انسياب المحتويات العقلية المصطحب معه محفزات الاستجابة العاطفية و الاستجابات الًـمُـفعَّلة نفسها، أي العواطف، و المؤدية إلى المشاعر بالنهاية. تتابع السلسلة البادئةُ بإثارة العواطف و المستمرة ُحال تفعيل العواطف توثيقَ مادة الشعور في مناطق استشعار الجسد body-sensing regions  الملائمة.

5

      لعله من المثير للاهتمام أننا نعود إلى المجال عقلي بمجرد أن تبلغ العملية مرحلة تجميع المشاعر— نعود إلى حبل الأفكار حيث بدأ المنعطف العاطفي بأسره. إّن المشاعرَ عقليةٌ بقدر مماثل للأحداث و الأشياء المثيرةِ لعاطفتها. ما يميز المشاعر كظواهر عقلية هو منشأها و محتواها الخاص؛ أي حالة جسم الكائنِ فعليةً كانت أو مخرطنة  mapped في مناطق استشعار الجسد.

بـَـغــتة

مؤخرا، قدمت بعض الدراسات العصبية منظورا أوضح للآلية المتحكمة بتفعيل العواطف. أتت أبلغ الملاحظات تبيانا من امرأة تبلغ الخامسة و الستين من العمر أثناء خضوعها لعلاج لمرض الباركنسون (الشلل الرعاش) Parkinson’s disease . ما دار بـِخلدنا أننا سنُمنَح لمحةً عابرة لكيفية ظهور العواطف إلى حيز الوجود و كيفية ارتباطها بالمشاعر في الحين الذي حاولنا فيه تخفيف أعراضها.

     الباركنسون هو اضطراب عصبي شائع يُخل بالقدرة على الحركة بشكل طبيعي سلس. رغم أنه لا يسبب الشلل، إلا أنه يسبب الـصَـمَل ( التيبس) العضلي و الرُعاش و تعذر الحركة؛ و لعل هذه هي الأهم بينهم. تشير الأخيرة إلى صعوبة استهلال الحركة. هادة ما تكون الحركات بطيئةً و هو عرضٌ آخر يعرف ببطء الحركة. اعتدنا على اعتباره مرضا عضالا إلا أن تخفيف أعراضه صار ممكنا في العقود الثلاثة الأخيرة بواسطة دواء محتوٍ على الليفودوبا levodopa؛ سلفٌ كيميائي للناقل العصبي الدوبامين. فالدوبامين غائبٌ عن دارات عصبية محددة في مرضى الباركنسون مثلما يغيب الإنسولين عن مرضى السكري. (تموت الأعصاب المنتجة للدوبامين في الجزء المُكتَنِز  pars compactaمن منطقة المادة السوداء substantia nigra فــيقصُر عن منطقة أخرى تعرف بالعُقَد القاعدية  (basal gnaglia. للأسف، فالدواء المصمم لزيادة الدوبامين في الدارات الدماغية الـمُعوزة لا يساعد كل المرضى.

     بالإضافة إلى ذلك، قد تفقد الأدوية فعاليتها تدريجيا على من نجحت بمساعدتهم بادئ الأمر أو تسبب تغيرات حركية أخرى ليست بأقل إعاقة من المرض نفسه. لهذا السبب، هناك وسائل علاجية أخرى عديدة قيد التطوير، يبدو أحدها واعدا على وجه الخصوص. يتضمن أحدها زرع مسارٍ (أقطاب) ضئيلة في جذع مخ مرضى الباركنسون بحيث يغير مرور التيار الكهربائي عالي التردد و خفيض الشدة طريقة عمل بعض الأنوية الحركية. النتائج مبهرة غالبا، إذ تتلاشى الأعراض بأعجوبة بمجرد مرور التيار الكهربائي. فيحرّك المرضى أيديهم بدقة و يمشون بأريحية بالغة لا يُـخَمـّن معها الغريب وجود اعتلال سابق.

     أساس نجاح العلاج هو التثبيت الدقيق لٓنٓسٓق مُمـاسّات الأقطاب. و لتحقيق ذلك؛ يستخدم الجراح جهاز موضعة تجسيمية device stereotacic (و هو جهاز يسمح بتحديد تركيب دماغي ما في الفراغ الثلاثي الأبعاد) و يقود القطب بحذر إلى الجزء المسمى بالدماغ المتوسط mesencephalon  في جذع الدماغ. هناك قطبان طويلان عموديان؛ أحدهما في الجانب الأيسر من جذع الدماغ و الآخر في الجانب الأيمن و لكل واحد منهما أربع مُماسّات. يبعد كل مماس عن الآخر بنحو ميليمترين و يمكن تحفيز كل مماس على حدة بتمرير تيار كهربائي. و بتجربة تحفيز كل مماس ، يصبح من الممكن معرفة أي المماسات يعطي التحسن الأعلى دون أي مضاعفات جانبية.

     القصة المثيرة الني سأقصها عليكم تتعلق بمريضةٍ درس حالتها زميلي إيف آجيد Agid Yves و فريقه في مشفى سالبيتغيغ  Salpetriere Hospital بباريس. كانت امرأة في الخامسة و الستين من العمر و لها تاريخ طويل من مكابدة أعراض الباركنسون و الذي لم يعد يجد معه الليفودوبا نفعا. لم تعان المريضة من الاكتئاب لا قبل و لا بعد حدوث المرض، و لم تشتكِ حتى من تقلبات المزاج؛ أحد الأعراض الجانبية لليفودوبا. ليس للمريضة أي تاريخ شخصي أو عائلي من الأمراض النفسية.

     وضعت الأقطاب في موضعها و مضى الإجراء على نحو مماثل للتسعة عشر مريضا الذين عولجوا من قبل الفريق الطبي ذاته. وجد الأطباء المماس الذي حقق لأعراض المريضة التحسن الأكبر. لكنَّ أمرا مفاجئا حصل حين مر التيار الكهربائي خلال إحدى نقط التماس الأربعة في الجانب الأيسر، و تحديدا؛ أدنى من المماس الذي خفف أعراضها بمليمترين. أمسكت المريضة عن الكلام بغتةً، أرخت بصرها و وجهته يمينا ثم انحنت قليلا لليمين و كَـسَت تعابيرها مسحة الحزن. و بعد ثوانٍ؛ شرعت بالبكاء فجأة. جرت دموعها فيّاضة و اعتراها أسى بالغ. ما لبثت أن نشجت بعده. استمر بعدها عرضٌ حزين ظلت تتحدث خلاله المريضة عن الحزن العميق الذي ينتابها عن عـَوَزها الشديد للطاقة بالشكل الذي يستحيل معه المضي قدما، و عن قنوطها و إرهاقها. حين سئلت عما بها، جاءت كلماتها كاشفةً:

إنّي أتداعى داخلا. لم أعد راغبة بأن أعيش و لا بأن أرى أي شيء أو أسمع أي شيء أو أحس بأي شيء..

سئمت الحياة و لا أحتمل المزيد.. لا أرغب بالعيش بعد اليوم، عافت نفسي هذه الحياة..

لا شيء يجدي .. أشعر بالتفاهة و الضآلة.

مُرتاعةٌ أنا من هذا العالم.

سأنتبذُ رُكـنا قصـِيّا.. أتحسر على نفسي طبعا..

لا أمل يرجى، لِـمَ أكلفك عنائي؟

     أدرك الطبيب المسؤول أنّ هذا الحدث الغير المألوف ناتجٌ عن التّيار و أنهى الإجراء. عاد سلوك المريضة إلى طبيعته بعد مضي نحو ثلاثين ثانية على انقطاع التيار. كـفّ النشيج فجأة تماما كما بدأ. تبدد الحزن عن محياها، كما انقطعت عن إقرار الحزن لفظيا. ابتسمت بسرعة و انفرجت أساريرها، و خلال الخمس دقائق التالية، كانت فكهةً و مزّاحة أيضا. تساءلت: ما شأن ذاك النحيب كله؟ لقد كانت مستاءة لكنها لم تَـدرِ ما السبب. ما الذي أثار يأسها المفرط؟ ما كانت حيرتها أقل من حيرة مراقبيها.

     مع ذلك؛ فإجابة أسئلتها على قدرٍ كافٍ من الوضوح. لم يمر التيار الكهربائي بتراكيب التحكم الحركي كما كان مزمعا، عوضا عن ذلك؛ مر التيار غبر واحدة من أنوية جذع المخ المسؤولة عن أفعال مخصوصة. تنتج هذه الأفعال مجموعةً عاطفة الحزن. يشمل هذا الدليل حركاتٍ لعضلات الوجه، حركات الفم و البلعوم و الحنجرة و الحجاب الحاجز المسؤول عن البكاء و النشيج؛ بالإضافة إلى أفعال متنوعة تنتهي بـصبِّ الدموع و ذرفها.

     يبدو الأمر مذهلا كما لو أننا أدرنا مفتاحا داخل دماغها بإدارتنا للمفتاح خارجه. انخرط دليل الأفعال هذا في حفلة موسيقية مُمرَّنةٍ لا تَعدو أي خطوة فيها عن الزمان أو المكان الملائمين لها، بحيث يظهر الأثر مسفرا عن وجود أفكار مُحزِنة أيا كانت النوايا و الأغراض؛ أي وجود محفز مختص بالعاطفة. إلا أنّ المريضة ما اختبرت ، بكل تأكيد، أفكارا مماثلة من قبل هذه الحادثة الغير متوقعة و ما كانت معرضة لاختبارها عفويا. بعدما بدأت العاطفة، تلتها الأفكار المتعلقة بالعاطفة.

    عجب هاملِت من قدرة الممثل على استحضار عاطفةٍ غير مدفوعة بسبب شخصي و ذاتي.  ” ألا تجده شنيعا أن يـُطوِّع هذا الـمؤدِّ  روحـَه، فـتـَقُصَّ خيالا و تـدَّعِي وجدًا؛ تـشحبُ لهما طـلعـته و ترثـيهما مدامِعُه، فيهدجُ صوته و يغـمرُه الـتّـيه إذ يتابعُ كل كيانِه وَهمَا تـصوَّرَهُ ؟ ” لم يكن للممثل أي سبب شخصي لينفعل — كان يتحدث عن مصير شخصية تدعى هيكوبا Hecuba و كما يقول شكسبير : ” ما شأنه بهيكوبا  و ما شأنها به ليبكي ؟”. على أية حال، يبدأ الممثل أدائه باستدعاء أفكار عقلية حزينة و التي تثير بدورها العاطفة و تساعده على تمثيلها بحرفيّـة. لكن لا يطابق هذا حالة المريضة الغريبة، إذ لم يسبق عاطفتها وهم و لا خيال.

     لم يحفز سلوكها أي أفكار على الإطلاق، لم يتناه لذهنها أفكار مؤرقة تلقائيا و لم يطلب منها استحضارها. برز عرض الحزن، بكل تعقيده البهي، من العدم حرفيا. و لا يقل عن هذا أهميةً ملاحظة أنّ مشاعر الحزن انتابت المريضة بعدما دخل عرض الحزن في حيّز التنفيذ. كملاحظة مهمة أخرى؛ بعد أن بلّغت عن شعورها بالحزن، امتلكت أفكارا متسقة مع الحزن— القلق بشأن حالتها الصحية، الإجهاد، اليأس، خيبة أمل حياتية و تمني الموت.

     يبين تتابع الأحداث عند هذه المريضة حدوث عاطفة الحزن أولا. تبعها شعور الحزن مصحوبا بجمع من الأفكار التي تسبب و تصاحب عاطفة الحزن عادةً؛ الأفكار المميزة للحالة العقلية التي نصفها بالتعبير العامي: “بالشعور بالحزن”. ما إن توقف التحفيز إلا و قد خبت هذه المظاهر. اختفت العاطفة و كذلك الشعور. لم يعد للأفكار المقلقة وجود أيضا. تساعدنا حالة هذه السيدة لنرى متجاوزين اللبس. لم تملك أي أفكار مسببة للحز أو مشاعر حزن قبل عاطفة الحزن. يدعم الدليل كلا من الاستقلال النسبي للآليات العصبية لإثارة العاطفة و اعتماد الشعور على العاطفة.

     أهمية هذه الحادثة العصبية النادرة واضحة. يصعب علينا في الأحوال العادية تحليل التتابع الفعلي للظواهر؛ نظرا لسرعة ظهور العواطف و تمهيدها للمشاعر و الأفكار ذات الصلة. حينما تقفز للذهن أفكارٌ مسببة للعواطف بطبيعتها، تحصل عواطفٌ تتبعها المشاعر، و التي تستدعي بدورها أفكارا أخرى مرتبطة موضوعيا و مسهمةً في توسيع الحالة العاطفية. قد تعمل الأفكار المستدعاة كمثيرات مستقلة لعواطف إضافية و بالتالي؛ تنشّط الحالة الانفعالية الجارية. تعطي العاطفة المتزايدة شعورا متزايدا و تستمر الدورة إلى أن يوقفها تدخل المنطق أو تشتت الانتباه. بالوقت الذي تبلغ فيه كل هذه المجموعات من الظواهر أوجها– الأفكار المسببة للعاطفة؛ سلوكيات العاطفة؛ الظاهرة العقلية التي نسميها شعورا؛ و الأفكار التابعة للشعور— يصعب علينا أن نميز بالاستبصار الداخلي لأيّها كان البدء.

     قد يسأل سائل: لِم قد يستدر دماغ المريضة الأفكار الجالبة للحزن مع الأخذ بعين الاعتبار أن العاطفة و الشعور غير مدفوعَين بالمحفزات الملائمة. الإجابة متعلقةٌ باعتماد الشعور على العاطفة و بدهاليز العاطفة المثيرة. سرعان ما يتبع شعور الحرن تفعيل عاطفة الحزن. باختصار، يستجلب الدماغ أيضا ضروبا من الأفكار المسببة عادةً لعاطفة الحزن و شعور الحزن، لأن التعلم الشرطي قد ربط العواطف في شبكة غنية ثنائية الاتجاه. تبث أفكارٌ معينةٌ عواطفا معينةً و العكس صحيح. تُربط مستويات المعالجة العاطفية و الإدراكية باستمرارٍ على هذا النحو. بمكن إثبات هذا التأثير تجريبيا كما وضحت دراسة لـبول إيكمان Ekman Paul و رفاقه. سأل إيكمان المشاركين أن يحركوا عضلات وجهية معينة في تتابع معين، بحيث يصبح التعبيرُ تعبيرَ حزن أو سعادة أو خوف دون علمهم. لم يدر المشاركين أي التعابير بادٍ على وجوههم. لم يَعرض لعقولهم أفكار من شأنها أن تسبب العواطف الظاهرة. رغم هذا؛ شعر المشاركون بشعور ملائم للعاطفة المعروضة #٣٢. كان السبق لأجزاء من نمط العاطفة دون أدنى شك. إذ كانت تحت سيطرة الباحث لا المشارك، ثم لحقها أجزاء من الشعور فيما بعد. يتماهى كل هذا مع حكمة رودجرز Rodgers و هامرستاين  Hammerstein. تذكروا بأنهم قد دفعوا بآنّـا Anna (و التي قدمت لمملكة سيام لتعليم أطفال ملكها) لتقنع نفسها و صغيرها المرتاع بأن الصفير بنغمٍ سعيد سيُـحيل خوفهما ثقةً: ” نتائج هذه الخدعة غريبة بالفعل. لأنني حين أخدع بها من أخشاهم، أخدع نفسي أيضا”. فالتعابير العاطفية الـمُمثَّلة و الغير مدفوعة بدوافع نفسية لها أن تسبب شعورا. تستدعي التعابير المشاعر و الأفكار التي تعلمنا انسجامها مع هذه التعابير.

     من وجهة نظرٍ ذاتية، يشبه حال المريضة عند تفعيل القطب “الصفر يسارا” حالنا عندما نعي بمشاعر و أمزجةِ لا نجد لها مسببا. كم مرة لاحظنا، في لحظة معينة من بوم معين، أننا سعداء و مفعمون بالأمل و الحيوية دونما أن نعرف السبب؛ أو على العكس، أننا نزقون و حزينون؟ في هذه الأحايين، يحتمل أن يكون ما أهمَّنا أو أسعدنا فكرةً تعالج خارج نطاق وعينا. لكنها افكار قادرة، بالرغم من ذلك، على إثارة آلية العاطفة و بالتالي الشعور. قد ندرك مرات منبع هذه الحالات الانفعالية و قد لا ندرك. و لأمدٍ غير قصير من القرن العشرين، هرع الكثيرون لآرائك المحللين النفسيين  psychoanalysts ليعرفوا المزيد عن أفكارهم اللامَـوعِية و عن صراعاتهم اللاموعية المؤدية لها. أما أيامنا هذه، فلا يجد أغلب الناس مناصا من التسليم باتساع عقولنا الرحبة لعدد من الأفكار المجهولة يفوق ما يستطيع هوراشيو، صديق هاملت، تصوره يوما ما في فلسفته. لما نفشل في التعرف علًى الفكرة المُسبِّبة العاطفة، تزورنا العواطف و المشاعر الغير مبررة. لحسن الحظ؛ عادة ما يكون هذا النوع أقل حدةً و أقل فجاءة.

     درست مجموعة الأطباء و الباحثين المسؤولة عن حالة المريضة حالتها الغير معتادة بشيء من التفصيل #٣٣. تحفيز أيُّ مماسّ آخر للأقطاب المزروعة في هذه المريضة لا يسفر عن أي نتيجة غير متوقعة، و كما أسلفنا؛ لم يحصل شيء مماثل في المرضى التسعة عشر الذين عولجوا بالطريقة ذاتها. تـثبّت الأطباء من الحقائق التالية بعد فحص المريضة في مناسبتين إضافيتين، بعد موافقتها. أولا، عندما أخبروا المريضة أنهم ينوون تحفيز القطب ذي المماسِ الْمـُشكِل إلا أنهم أداروا مفتاح قطب آخر، لم يحصل تغير سلوكي من أي نوع. لا شيء غيرُ اعتيادي فيما لاحظوه أو فيما بلغتهم به المريضة. ثانيا، عندما أداروا المماس المُشكِل مجددا دون إنذار، أعيد إنتاج نفس مجموعة الأحداث الحاصلة في الملاحظة الأولى المفاجئة. إذن ترتبط موضعة القطب و تفعيله بالظاهرة بكل وضوح.

     كما أجرى الباحثون أيضا دراسة تصوير دماغي وظيفي ( باستخدام التصوير المقطعي بإلإصدار البوزيتروني positron-emission tomography )  بعد تحفيز المماس الصفر يسارا. إحدى ملاحظاتها الهامة هو ملاحظة النشاط الكبير لتراكيب في الفص الجداري الأيمن، و هي منطقة ذات علاقة بتخطيط حالة الجسد، تحديدا؛ تخطيط الجسد فراغيا. على الأغلب؛ يرتبط هذا النشاط بالتغير البالغ في حالة جسد المريضة و الذي بلغت عنه مرارا خلال التحفيز، من ذلك؛ إحساسها بالسقوط في هاوية.

     القيمة العلمية لدراسات الحالة – لا سيما لمريض واحد- محدودة دائما. يشكل هذا الدليل عادةً نقطة بداية لفرضيات جديدة و استكشافات متواصلة عوضا عن كونه ختام الدراسة. مع ذلك؛ فالدليل المستقى من هذه الدراسة قيّـم للغاية. إنها تدعم التوجه الذي يرى إمكانية تحليل عمليات العاطفة و الشعور مُـكـوّنا مكونا. كما أنها ترسخ مفهوما رئيسيا في العلوم العصبية الإدراكية: تنتج أي وظيفة عقلية مُركـّبة من مساهمات مُـتناغمةٍ من عدة مناطق دماغية في مستويات منوعة من الجهاز العصبي المركزي بدلا من نشاط منطقة دماغية واحدة مفهومة بشكل تـَفـرُّسِـي.

مفتاح جذع الدماغ

من غير الواضح إطلاقا أيّ أنوية جذع الدماغ بدأت الانفعال العاطفي في هذه المريضة. يبدو بأن المماس المشكل قد مر عبر المادة السوداء مباشرة لكن يحتمل أن يمر التيار الكهربائي نفسه بأي مكان مجاور. يعد جذع الدماغ منطقة صغيرة جدا من الجهاز العصبي المركزي و هو مزدحم بالأنوية و الدارات المعنيّة بوظائف شتى. بعضها ضئيل جدا و قد يقود أي اختلاف عن التشريح المعياري إلى إعادة توجيه مسار التيّـار بشكل مؤثر. لكننا لا نشك ببدء الحدث من الدماغ المتوسط ليستدعي بعدها الأنوية اللازمة لإنتاج مكونات العاطفة العديدة تدريجيا. بل من الممكن أيضا، اعتمادا على ما عُرف من التجارب الحيوانية، أن تكون أنوية المنطقة المسماة بالمادة السّنجابية المحيطة بالمـَسَال periaqueductal gray  مرتبطة بإنتاج العاطفة المنّـسق. وعلى سبيل المثال؛ نعرف أن أعمدة مختلفة من السنجابية المحيطة بالمسال منوطة بإنتاج أشكال مختلفة من انفعال الخوف— إما الشكل المنتهي بسلوكيات الكرّ و الفر أو بسلوك الانعقاد ). قد ترتبط السنجابية المحيطة بالمسال بأفعال الحزن أيضا. و على أية حال، بدأت سلسلة انفعالات من إحدى أنوية الدماغ المتوسط المتعلقة بالعاطفة، لتشمل سريعا بعدئذ أجزاء جسدية شتى — الوجه و الصوت و التجويف الصدري و لا يفوتنا ذكر الأجهزة الكيميائية التي يصعب مراقبتها مباشرة. قادت التغيرات إلى حالة شعورية معينة. بالإضافة إلى ذلك، استحضرت المريضة أفكارا متسقة مع الحزن أثناء تكشف عاطفة الحزن و شعور الحزن. بدأت سلسلة الأحداث في منطقة تحت قشريّة عوضا عن أن تبدأ في القشرة الدماغية، إلا أن أثارها مشابهة لما قد يحصل نتيجة للتفكير بحدث أليم أو حضوره. و إن شهدها أحدهم في تلك اللحظة فحسب، فلن يكون قادرا على تمييز ما إذا كانت حالةً طبيعيًة من الشعور بعاطفة  emotion-feeling أو حالة شعور بالعاطفة خلقتها براعة ممثلة قديرة أو حالة شعور بالعاطفة أدارها مفتاح كهربائي.

ضحكٌ مفاجىءٌ

لئلا تظن بأن الحزن و البكاء مميزين للغاية، سأضيف بأن دراسة أجراها اتزاك فريد  Itzhak Fried وضحت أن الضحك قد ينتج عن ظاهرة مماثلة للحالة الآنفة الذكر. ظروفها مرتبطة أيضا بمريضة خاضعة لتحفيز الدماغ الكهربائي لكن هدفها مختلف بعض الشيء: تخطيط  وظائف قشرة الدماغ. يمكن مساعدة مرضى الصرع الذين لم تخضع نوباتهم لأي دواء، و ذلك بإزالة المنطقة الدماغية المسببة لتلك النوبات جراحيا. قبل إجراء الجراحة، لا يتعين على الجراح تحديد المنطقة اللازم إزالتها بدقة فحسب، بل يلزمه التعرف على المناطق الواجب عدم إزالتها نظرا لأهميتها الوظيفية، كالمناطق المرتبطة بالكلام. يحصل هذا بتحفيز الدماغ كهربائيا و مراقبة النتائج.

    حينما بدأ الجراحون تحفيز منطقة في الفص الجبهي الأيسر للمريضة أ.ك. ، تعرف بالباحة الحركية الإضافية supplementary motor area، لاحظوا بأن التحفيز الكهربائي لعدد من المواضع المتقاربة يثير الضحك على التحديد و على الدوام. كان الضحك أصيلا للغاية، حتى أنّ المراقبين له وصفوه بالضحك المعدي. لم يكن متوقعا بالمرة — إذ لم يُـعرَض على المريضة شيء مضحك و لم تسمع بدعابة و لم تفكِّر بشيء طريف. و مع ذلك ضحك؛ ضحكا غير مدفوع بأي شيء و لكنه واقعي. المثير للدهشة هو أنّ الضحك تلاه “إحساس بالمرح و الجذل” بالرغم من طبيعته العفوية؛ تماما كما حصل مع المريضة الدامعة. من المثير للانتباه أيضا عزو المريضة ضحكها لأي شيء صدفت مطالعتها له وقت التحفيز. فمثلا؛ إن عُـرِض على المريضة صورة حصان، ستقول ” الحصان مضحك”. و في بعض المرات؛ كان الباحثون أنفسهم محفزات مثيرة لعاطفة الضحك، مثل قولها: ” أنتم طريفون للغاية يا شباب.. واقفون هكذا”.

     كانت رقعة الدماغ الجالبة للضحك رقعةً صغيرة، لا يعدو حجمها حوالي السنتيمترين طولا و عرضا. أما المناطق المجاورة؛ فنتج عن تحفيزها ظواهر معروفة مثل حبسة الكلام أو توقف حركات اليد. مع ذلك؛ لم تسبب هذه التحفيزات الضحك مُـسبقا. علاوةً على ذلك؛ يجب أن نلاحظ أن نوبات المريضة السابقة لم تتضمن الضحك مطلقا.

     في ضوء الهيكلة السابق شرحها، آظن بأن تحفيز المواقع المذكورة بهذه الدراسة يؤدي إلى نشاط في أنوية جذع الدماغ المنتجة لأنماط الضحك الحركية. لم يُـتعرَّف على أنوية جذع المخ و تتالي أنشطتها بدقة بعد؛ لا للضحك و لا للبكاء. تعطينا هذه الدراسات مجموعةً لمحةً عن آليةٍ عصبيةٍ متعددةِ متدرجة لإنتاج العواطف. بعد معالجة محفز مختص بالعاطفة، تستهل المواضع القشرية العاطفة الفعلية بواسطة إثارة نشاطٍ في مواضع أخرى، جُـلّها تحتَ قِشريّ، و هنا، يجري تفعيل العاطفة بالأخير. بالنسبة للضحك، يبدو بأن مواضع إثارته الأولية موجودة بالمناطق الإنسية الظهرية من قشرة مقدم الجبهة؛ مواضع كالباحة الحركية الإضافية و القشرة الحزامية الأمامية. بالنسبة للبكاء، أغلب الظن أن مواضع الإثارة موجودة بمنطقة مقدم الجبهة البطنية الإنسية. مواضع التفعيل الرئيسة لكليهما موجودة بأنوية جذع المخ. و بمحض الصدفة، يتفق الدليل المكتشف في دراسة الضحك مع ملاحظاتنا للمرضى المصابين بضرر في الباحة الحركية الإضافية و الجزء الأمامي من القشرة الحزامية. إذ لاحظنا أنهم لا يبتسمون ابتسامةً “طبيعية” — كالضحكة العفوية المثارة بدعابة— بل يبتسمون ابتسامةً مصطنعةً كابتسامة مواجهة عدسة التصوير.

     تشهد هذه الدراسات بإمكانية فصل مراحل و آليات عملية العاطفة و الشعور — التقدير و التقييم المؤديان لعزل المحفز المختص بالعاطفة، الإثارة، التفعيل و الشعور الحاصل. المحفز الكهربائي المصطنع في دراسة الضحك محاكٍ للنتائج العصبية الناتجة طبيعيا عن عزل المحفز المختص بالضحك، و هذا بفضل نشاط السبل و المناطق العصبية الداعمة لمعالجة محفز مثيل و التي تنعكس على منطقة الباحة الحركية الإضافية. في حالة الضحك الطبيعي، يكون المحفز داخليا، أما في حالة المريضة أ.ك. ، فـيأتي من طرف قطب كهربي. في حالة المريضة الدامعة، تدخل التحفيز الكهربائي في مرحلة متأخرة، أثناء آلية تفعيل العاطفة، أي على بعض خطوة على الأقل من مرحلة الإثارة.

ضحكٌ و المزيد من البكاء

يعطينا نوع آخر من الحوادث العصبية نظرةً أخرى على مفاتيح جذع المخ للعواطف. إنه متعلق بحالة تدعى الضحك و البكاء المرضي. إنها مشكلة معروفة في تاريخ طب الأعصاب منذ القدم، لكن لم يُتـعرَّف عليها تشريحيا و فسيولوجيا إلا منذ عهد قريب. المريض س. مثال ممتاز على هذه المشكلة، و لقد درست حالته بالتعاون مع جوزيف بارفيزي Joseph Parvizi  و ستيفن آندرسون  Steven Anderson.

     حين أصيب س. بجلطة دماغية صغيرة في جذع المخ، عدَّه الطبيب المعالج محطوظا جدا. فبعض جلطات جذع المخ قاتل و يُـخلّف الكثير منها إعاقات مريعة. أما هذه الجلطة تحديدا؛ فقد سببت مشاكلا حركية بسيطة نسبية و من المحتمل جدا أن تزول. تبعت حالة المريض س مجراها المتوقع فيما يتعلق بهذا الشأن. أما ما لم يكن سهلا و لا متوقعا  فهو العرض الذي عانى منه المريض و عائلته و من اعتنى به مسببا خسائر فادحة. قد ينفجر المريض س. ينفجر مقهقها أو يشله البكاء دونما أي سبب ظاهر. بالإضافة لكون دافع الانفجار مجهولا، فقد تعاكس قيمته العاطفية جو اللحظة الانفعالي. يمكن أن ينفجر، حرفيا، المريض س. ضاحكا وسط محادثة جادة للغاية عن صحته أو شؤونه المالية، دون أن تجدي محاولاته الحثيثة أي نفعٍ لكبحه. و بالمثل، قد يتفطر قلبه بكاءا وسط محادثة هامشية جدا و لا يقدر أن يكبح انفعاله مجددا.

     قد تتوالى الفورات تباعا، بحيث لا يكاد س. يلقط أنفاسه ليقول بأنه فاقدٌ للسيطرة، بأن أيا من بكاءه و ضحكه لم يكن معنيا، و أنه لا يجد مبررا لهذا السلوك الغريب في أفكاره العقلية. غنيٌّ عن التوضيح أنه لم يكن متصلا بأي تيارات كهربية و لم يُـدِر أحدٌ أي مفتاحٍ. مع هذا؛ فالناتج واحدٌ. نتيجةً لضرر أصاب منطقةً في الجهاز العصبي مكونةً من أنوية في جذع المخ و المخيخ؛ تخالج س. هذه العواطف دون سبب عقلي مقنع و يصعب عليه أن يلجمها. أمر مهم آخر: تنتهي الفورة و يشعر س. بشيء من الفرح أو شيء من الحزن، رغم أنه لم يكن لا فرحا و لا حزينا بداية الأمر، و لم تؤرقه أفكار محزنة و لم تشجه أفكار سعيدة. هنا مجددا؛ أدّت عاطفة غير مدفوعة للشعور و جلبت حالة عقلية متسقةً مع خزين حركات الجسد.

     لطالما كانت الآلية الدقيقة التي تمكننا من التحكم بالضحك و البكاء وفق السياق الاجتماعي و المعرفي غامضةً. أماطت دراسة حالة هذا المريض اللثام عن جزء من الحل و بيـّنت أن أنويةً في الجسر pons  و المخيخ تلعب دورا مهما في آلية التحكم. كما وفرت دراسات لاحقة لمرضى آخرين بنفس الحالة و بإصابات مماثلة دعما إضافيا لهذه النتيجة. تخيل آلية التحكم على النحو التالي: في جذع الدماغ، توجد مفاتيح مكونة من أنظمة من الأنوية و السبل القادرة على خلق الضحك أو البكاء المقولب. يعدل نظام آخر في المخيخ أجهزة الضحك و البكاء الأساسية. يحصل التغيير، مثلا، بتغيير الحد اللازم للضحك أو البكاء و حدة و مدة بعض مكونات الحركة و هكذا. في الظروف الطبيعية ؛ يمكن لنشاط القشرة الدماغية أن يؤثر على النظام — المناطق المتعددة التي تعمل كمجموعة و تمثل في كل مناسبةٍ السياقَ الذي يغدو فيه ملائما أن يسبب المحفز المختص بالعاطفة الكثير أو القليل من الضحك أو البكاء. بالتالي؛ يؤثر النظام على القشرة الدماغية نفسها.

     تقدم حالة المريض س. أيضا لمحةً غير مسبوقة للتفاعل بين عملية التقدير السابقة للعواطف و التفعيل الفعلي للعواطف الذي كنا نناقشه. يمكن للتقدير أن يؤثر بالحالة العاطفية الحاصلة و يتأثر بها بالمقابل. عندما تنفصل عمليتي التقدير و التفعيل، تكون النتائج فوضوية؛ كما حصل مع س.

     إن وضحت الحالة السابقة اعتماد العمليات الذهنية و السلوكية على أنظمةٍ عديدةِ المكونات، فإن هذه الحالة توضح كيف تعتمد هذه العمليات على التفاعل المعقد بين هذه المكونات. نحن أبعد ما يكون عن “المراكز” المنفردة و أبعد ما يكون عن فكرة المسار وحيد الاتجاه للسبل العصبية.

نقلـةٌ من الجسد النّشط إلى العقل

تحصل الظواهر التي تناولناها في هذا الفصل — العواطف المخصوصة، الشهوات و الانفعالات التنظيمية الأبسط— في مسرح الجسد و تحت قيادة دماغٍ وُلِد حكيما ؛ صممه التطور ليساعد على إدارة الجسم. تنبّأ سبينوزا بهذه الحكمة النيوروبيولوجية و رمـَّز لهذه البديهة بعباراته عن الكوناتوس؛ و هي الفكرة الـمـُقرَّة بـسعي المخلوقات الحية كلها، لـِزاما- لحفظ أنفسها دون معرفة موعية بما تتعهده و دون قرار موعي، كنفوس منفردة، بأن تتعهد أي شيء. باختصار؛ هم لا يدركون المشكلة التي يحاولون حلها. بو بعد موضعة تبعات هذه الحكمة الطبيعية على الدماغ مجددا، تنتج المشاعر، و هي المكون التأسيسي لعقولنا. بالأخير، كما سنرى، قد تقود المشاعر سعيا مقصودا لحفظ الذات و تساعد في صنع قرارات بشأن المنحى الذي سيتخذه حفظ الذات. تترك المشاعر المجال مفتوحا لنوع من التحكم الإرادي بالأفعال التلقائية الممكننة.

    يبدو بأن الطبيعة قد جمعت آلية العاطفة و الشعور الدماغية على دفعات. كان السبق للآلية التي تنتج انفعالا موجها لموقف أو شيء كرد فعل على حدث أو شيء — آلية العاطفة. تلتها آلية تنتج خريطة دماغية متبوعةً بصورة عقلية، أو فكرة، للانفعالات أو لحالة الكائن الناتجة عن هذا كله— آلية الشعور.

     مكـّن الجهاز الأول، العاطفة، المخلوق من الاستجابة بشكل فعال و لكن غير خلاق لعدد من الظروف المهددة للحياة أو المعينة عيها — ظروف “ملائمة للحياة” أو “غير ملائمة للحياة” ، تبعات “ملائمة للحياة” أو “غير ملائمة للحياة”. أما الجهاز الثاني، الشعور، فقد أضاف تنبيها عقليا للظروف الملائمة أو غير الملائمة و أطال تأثير العواطف عير تعديل الانتباه و الذاكرة ليدوم أثرها. بالنهاية، و عبر اتحاد موفّـق مع الذكريات الماضية ، الخيال و المنطق، مهد الشعور الطريق لنشأة بعد النظر و احتمالية خلق استجاباتٍ مبتكرة و غير مقولبة.

    و كما هو الحال مع كل جهاز جديد يـُضاف، استعملت الطبيعة آلية العاطفة كبداية و ألحقتها ببضع مكونات إضافية. في البدء؛ كـانت العاطفة، إلا أن الفعل action مبدأها.


[1] استتباب: خاصية للكائن الحي ينظم بها متغيرات بيئته الداخلية للاحتفاظ بحالة من الاتزان و الاستقرار لوظائفه الحيوية المختلفة. (المترجمة)

[2]مُنعَكَس reflex: فعلٌ سريعٌ و لا إرادي يحصل كاستجابة لمحفّـز. كثيرا ما تكون المُنعكسات جزءا من أقواس انعكاسية متفاوتة التعقيد؛ مكونة من عضو حسّ متلقٍّ، عصب وارد، مركز عصبي، عصب صادر و عضو مستجيب. (المترجمة)

[3] السيتوكينات: مواد بروتينية أو ببتيدية تعمل كوسائط أو إشارات للتواصل بين الخلايا. (المترجمة)

[4] التصاوت: تطلق على جوانب الكلام المتعلقة بالخصائص الصوتية للمقاطع اللفظية، كالإيقاع و النغم و النبرة و غيرها، أي المحتوى العاطفي و ما لا يستنبط من اختيار الكلمة و قواعد اللغة. ( المترجمة)

[5] المستضد: جزيء قادر على إثارة رد فعل مناعي بإثارة أجسام مناعية مضادة. ( المترجمة)

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

8-يعتبر عدنان شيخ غير تقليدي، فهو يلتزم بالبدلة بدل الزي الديني، يحاول الظهور بصورة مغايرة للسائد. يصرح عدنان دائماً أنه يريد أن يعلي الحق على الجهل ويدعو لمقارعة الحجة بالحجة ويعرف عن نفسه بمارتن لوثر العرب

 

عدنان ابراهيم

 

9-ينتقد الفتوحات الإسلامية العدوانية وطلب الجزية والتضييق على الأقليات المسيحية واليهودية. كما يشجع على الأنظمة العلمانية والليبرالية.

 

عدنان ابراهيمهل نظرية التطور تدعو إلى الإلحاد؟

مستوى الدّعم الذي تحظى به نظريّة التطوّر عند المؤسّسات الدّينيّة والعلماء المؤمنين: هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟


يزعم بعض الخلقيين ومحاربي نظريّة التطوّر العلميّة أنّ النّظريّة تهدف إلى نشر الإلحاد، محاربة الأخلاق، وسلخ الشّباب عن القيم الإنسانيّة التي نشأوا عليها. هذه الهجمات الأيديولوجيّة المتكرّرة ضدّ النّظريّة جعلت الكثير من الشّباب غير المتعلّم يساوي، ظلمًا وبغير حقّ، نظريّة التطوّر مع الفلسفة المادّيّة، وحتّى أحيانًا داروين مع الشّيطان الأكبر. ولكن هل تدعم الحقائق هذه الدّعاوى والإتّهامات؟ هل تنفي نظريّة التطوّر وجود الخالق؟ هل كلّ المؤمنين بصحّة نظريّة التطوّر هم ملاحدة يحاربون الأديان ويتمنّون بوارها؟

بدايةً، ليس في نظريّة التطوّر أو في أيّ من إفتراضاتها ما ينفي وجود الخالق أو المدبّر. على العكس، نظريّة التطوّر هي نظريّة علميّة تحاول تفسير التنوّع الهائل عند الكائنات الحيّة بآليّات طبيعيّة بإمكاننا دراستها وفهمها بأسلوب تجريبي خاضع للإختبار والتّكرار. ولهذا السّبب بالذّات سمّى داروين كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي – أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من اجل الحياة”. نظريّة التطوّر الحديثة، والتي تختلف بعض الشّيء عن النّظريّة الأصليّة التي تقدّم بها داروين، تقوم على قوانين علم الوراثة (Genetics) وقوانين علم البيئة (Ecology)، وتهدف إلى شرح وتفسير الظّواهر البيولوجيّة من منظور علمي وتاريخي.

وليس هنالك في تقنين الظّواهر الطّبيعيّة في علم الأحياء وفهم أنماطها ما ينفي وجود الخالق أو المدبّر، كما أنّ فهم وتقنين الظّواهر الطّبيعيّة في علم الفيزياء أو الكيمياء لا ينفي وجود الخالق بأيّ حال. ولذلك كتب داروين ذات مرّة في دفتره الشّخصيّ معبّرًا عن دهشته من ردّة فعل الخلقيين تجاه نظريّته قائلاً: “يمكننا أن نسمح للأقمار، الكواكب، الشّموس، الكون، لا وبل حتّى نظم كاملة من الأكوان أن تكون محكومة بقوانين، ولكن أصغر الحشرات نودّ أن تكون قد خلقت فورًا بفعل خاصّ.”

في هذه المقالة، نودّ أن نستعرض مواقف المؤسّسات الدّينيّة والعلماء المؤمنين من نظريّة التطوّر ومن حقائقها المركزيّة. وسنثبت بالأدلّة والبراهين أنّ النّظريّة ليس لها علاقة بالإلحاد أو الكفر بالخالق، إنّما هي نظريّة علميّة – كغيرها من النّظريّات العلميّة – تحاول تفسير بعض الظّواهر الطّبيعيّة في الكون. ولكن قبل أن نشرع بإستعراض الأدلّة، نودّ أن نتعرّض لمسألة عامّة عادة ما تُثار في إطار حديثنا عن نظريّة التطوّر: مسألة خلق آدم وحوّاء.

عادة ما يهاجم الخلقيّون نظريّة التطوّر لأنّها – بحدّ زعمهم – تعارض النّصوص الواردة في الكتب السّماويّة عن خلق آدم وحوّاء – ولذلك فإنّها تدعو إلى هدم الأديان أو تدمير مصداقيّة القصص الدّينيّة. بدايةً، لا بدّ لنا أن نذكر أنّ نظريّة التطوّر لا تفسّر نشأة الإنسان فحسب، ولكنّها نظريّة جامعة تحاول تفسير نشأة جميع الأنواع الحيّة، والإنسان ليس إلاّ نوعًا واحدًا من بين الأنواع الحيّة الأخرى. ثانيًا، نظريّة التطوّر بالفعل تتعارض مع التّفسيرات التّقليديّة والحرفيّة لهذه القصّة الدّينيّة، ولكنّها لا تتعارض مع التّفسيرات المعنويّة لتفاصيل خلق آدم وحوّاء. الخلقيّون أنفسهم، على سبيل المثال، لا يعارضون مسألة تفسير خلق السّماوات والأرض في 6 أيّام بتفسيرات معنويّة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بنشأة الجنس البشري – عادة ما يُصرّون على التّفسيرات التّقليديّة التي تتعارض ظاهرًا مع العلم الحديث. ثالثًا، سنشير في الأدلّة التي سنستعرضها بعد قليل إلى أنّ بعض العلماء والمؤسّسات الدّينيّة في كلّ من اليهوديّة، النّصرانيّة، والإسلام ذهبوا بالفعل إلى تفسير (أو حتّى إمكانيّة تفسير) قصّة آدم وحوّاء بتفسيرات معنويّة لا تتعارض مع نتائج نظريّة التطوّر.


هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟

هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟


الأدلّة على حياديّة نظريّة التطوّر بما يتعلّق بمسائل الدّين والإيمان:

1) 40% من العلماء الذين يؤمنون بالتطوّر يؤمنون بتدخّل الله في عمليّة التطوّر أيضًا: في إستطلاع علمي هام أجري في العام 1997، واستهدف عيّنة مكوّنة من 1000 عالم كانوا على قائمة (رجال ونساء العلم الأمريكان – American Men and Women of Science)، تبيّن أنّ 40% من العلماء يعتقدون أنّ الإنسان وغيره من الكائنات الحيّة تطوّروا عبر الزّمن، ولكنّهم يعتقدون أيضًا انّ الخالق أرشد ووجّه عمليّة التطوّر. على الجهة الأخرى، 55% من العلماء يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر في العمليّة.

في إستطلاعٍ مماثل أجراه معهد Pew Research الإحصائي في الـ 2009، والذي استهدف علماء من الرّابطة الأمريكيّة لتقدّم العلوم (American Association for the Advancement of Science)، وهي أكبر تجمّع علمي في العالم، تبيّن أنّه على الأقلّ 8% من العلماء أيضًا يعتقدون أنّ التطوّر حدث ولكن برعاية أو توجيه إلهي. بينما 87% يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر في العمليّة.

بالإضافة إلى ذلك، الرّابطة الأمريكيّة لتقدّم العلوم نشرت فيديو على قناتها على اليوتيوب يتحدّث عن التّوافق بين نظريّة التطوّر والأديان، ويردّ على الفيلم الوثائقي الأيديولوجي (Expelled) الذي نشره أصحاب فرضيّة “التّصميم الذّكي” – الفيديو يستضيف العالم الشّهير فرانسيس كولينز، المشرف على مشروع الجينوم البشري:


لا بدّ لنا أن ننبّه أنّ العلماء الذين يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر ليسوا بالضّرورة ملاحدة أو لا يعتقدون بوجود خالق، ولكنّهم يعتقدون أنّ التطوّر حدث وفقًا لقوانين الطّبيعة، ولم يكن هنالك معجزات غيّرت في توجّه عمليّة التطوّر.المصادر: مصدر1 | مصدر2 | مصدر3

2) 25 مؤسّسة دينيّة وروحانيّة عالميّة تصرّح بدعمها لنظريّة التطوّر: في العام 2008، نشر المركز الوطني لتعليم العلوم (NCSE) النّسخة الثّالثة من كتيّب (Voices for Evolution)، حيث جمع فيه تصريحات داعمة لنظرية التطور من قبل قرابة الـ 25 مؤسسة دينيّة وروحانيّة عالميّة مختلفة. هذه القائمة شملت تصريحات داعمة من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة (أو الفاتيكان)، الكنيسة الأرثوذكسيّة الشّرقيّة، المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكان، مركز اللاهوت (علوم الأديان) والعلوم الطّبيعيّة، وغيرها الكثير من المراكز والمؤسّسات الدّينيّة الهامّة.

لا بدّ لنا أن نستعرض بالذّات بعض المقتطفات والإقتباسات من موقف الكنيسة الكاثوليكيّة (أكبر مؤسّسة دينيّة في العالم) من نظريّة التطوّر كدليلٍ على حياديّتها في مسألة الدّين والإيمان:

في رسالته إلى الأكاديميّة البابويّة للعلوم، صرّح البابا يوحنّا بولس الثّاني أنّ الحقيقة “لا يمكن أن تعارض الحقيقة”، واقتبس موقف البابا السّابق (بيوس الثّاني عشر) الذي يوضّح أنّه ليس هنالك تعارض بين نظريّة التطوّر والعقيدة الإيمانيّة المتعلّقة بالإنسان وهدفه في هذا الوجود. وبعدما إستعرض مدى القبول الذي تحظى به النّظريّة في المؤسّسات العلميّة والأكاديميّة، فرّق البابا بين التّفسيرات الماديّة التي قد تنبني على حقيقة التطوّر وبين الحقائق البحتة التي يحصّلها هذا العلم بآليّاته التّجريبيّة الدّقيقة.

المصادر: مصدر4 | مصدر5
3) علماء مسلمون يلمّحون لإمكانيّة تفسير الآيات القرآنيّة بما يتوافق مع نظريّة التطوّر: لقد كتب، تحدّث، وألّف بعض علماء المسلمين حول إمكانيّة التّوفيق بين أصول نظريّة التطوّر المركزيّة وبين الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن خلق الإنسان والكائنات الحيّة عمومًا. أحد أشهر هؤلاء هو الدّكتور عبد الصّبور شاهين في كتابه “أبي آدم” الذي يدّعي أنّ البشر تطوّروا من غيرهم من الكائنات الحيّة – كما تصوّر نظريّة التطوّر -، ولكنّ الله اصطفى آدم من بينهم ونفخ فيه الرّوح ليكون أبو الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك، الدكتور يوسف القرضاوي، أحد أهمّ العلماء المسلمين وأكثرهم تأثيرًا في العصر الحديث، صرّح في برنامج “بداية الخلق ونظريّة التطوّر” على قناة الجزيرة: “ونحن المسلمين نقف على أرض صلبة ليس عندنا، ليس هناك قضية واحدة تتناقض مع نصوص القرآن أو النصوص القطعية في السنة النبوية ليس هناك، حتى لو ثبتت قضية، نظرية داروين، عندنا من الآيات ما يمكن أن يدخل فيها.” وبعد ذلك، نفى الدّكتور القرضاوي وجود أيّ علاقة مباشرة بين الإلحاد ونظريّة التطوّر بقوله: ” فليس من ضرورة النظرية الإلحاد، إنما استغلها الملحدون، يعني النظرية في إيحاءاتها للعامة يستغلها الملحدون.”

وبعد ذلك صرّح القرضاوي أنّ معارضة علماء المسلمين للنّظريّة ليس لها علاقة بإيحاءاتها الفلسفيّة، إنّما بقبولها العلميّ وبقوّة الأدلّة العلميّة التي تسوّق لها، حيث قال: “حينما تصبح النظرية دي حقيقة واقعة ممكن نؤول يعني كما قال الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص القرآن حينما تصبح القضية، نظرية داروين مثل السماء فوقنا والأرض تحتنا، يعني حقيقة قطعية، نضطر في الحالة دي نؤول آيات القرآن.”

ليس الهدف من هذه الإقتباسات بيان موافقتنا أو معارضتنا لها، ولكنّها تشير بشكلٍ واضح إلى أنّ هنالك إمكانيّة حقيقيّة للتّوفيق بين نصوص القرآن والسنّة وبين نظريّة التطوّر، ممّا يعني أنّ النّظريّة ليست إلحاديّة، ولا تدعو إلى “هدم الأخلاق” و”سلخ القيم” كما يدّعي معارضي النّظريّة من الخلقيين.

مصدر6
4) بعض العلماء المؤمنين من أنصار فرضيّة “التّصميم الذّكي” يعترفون بحقيقة التطوّر المركزيّة (السّلف المشترك): عادة ما يعترف الخلقيّون بأنّ رؤية داروين العلميّة بما يتعلّق بالإنتقاء الطّبيعي للأصلح في البيئة المتغيّرة صحيحة، ولكنّهم يختلفون معه فيما يتعلّق بالأصل أو السّلف المشترك لجميع الأنواع الحيّة – وهذا يشمل الإنسان. ولكن في واقع الأمر، بعض العلماء الذين يناصرون فرضيّة “التّصميم الذّكي” يعترفون بحقيقة السّلف المشترك أيضًا. على سبيل المثال، العالم الشّهير مايكل بيهي (Michael Behe)، أحد أشهر المدافعين عن فرضيّة “التّصميم الذّكي” صرّح في كتبه الكثيرة أنّه يقبل بحقيقة التطوّر المركزيّة “السّلف المشترك”، حتّى بين الإنسان والقردة. سنقتبس هنا بعض المقتطفات من كتبه والتي تبيّن مواقفه الحقيقيّة من مسألة التطوّر والسّلف المشترك:

“أنا أجد فكرة السّلف المشترك (أنّ جميع الكائنات الحيّة انحدرت من سلف مشترك) مقنعة تمامًا، وليس لديّ أيّ سبب للتّشكيك فيها. أنا أحترم بشدّة عمل زملائي الذين يدرسون نموّ وسلوك الكائنات الحيّة في إطارها التطوّري، وأنا أرى أنّ علماء التطوّر ساهموا بشكلٍ مذهل لفهمنا للعالم. ومع أنّ آليّة داروين – الإنتقاء الطّبيعي يعمل على تنوّع [في الصّفات] – من الممكن أن تفسّر الكثير من الأشياء، ولكنّي لا أؤمن أنّ بإستطاعتها تفسير الحياة الجزيئيّة.” (مايكل بيهي، صندوق داروين الأسود، صفحة 5-6).

“عند البشر وقردة الشامبانزي هنالك نسخة معطّلة من جين يساعد على صناعة فيتامين سي عند الثديّات الأخرى. من الصّعب أن نتخيّل أن يكون هنالك دليل أقوى من هذا على صحّة السّلف المشترك بين قردة الشامبانزي والبشر. […] على الرّغم من بقاء بعض الألغاز المحيّرة، إلا أنّه ليس هنالك أيّ سبب للتّشكيك في أنّ داروين أصاب في هذه النّقطة، أنّ جميع الكائنات الحيّة على الأرض هي أقارب بيولوجيًّا” (مايكل بيهي، حافّة التطوّر، صفحة 71-72).

مصدر7
5) علماء مؤمنين مشاهير دافعوا علنًا عن نظريّة التطوّر وصرّحوا بقبولهم لحقائقها المركزيّة: هذه قائمة بأهمّ وأشهر العلماء المؤمنين الذين دافعوا عن نظريّة التطوّر ضدّ الهجمات الأيديولوجيّة التي يمارسها الخلقيّون تجاه النّظريّة العلميّة.

الدّكتور فرانسيس كولينز (Francis Collins)، المشرف على مشروع الجينوم البشري، ومدير المعهد الوطني للصحّة في أمريكا (الدّيانة: مسيحي إنجيلي).

الدّكتور كينيث ميلر (Kenneth Miller)، بروفيسور علم البيولوجيا الجزيئيّة والخلويّة في جامعة براون الأمريكيّة، وأحد أشهر المدافعين عن نظريّة التطوّر في أمريكا. (الدّيانة: مسيحي كاثوليكي).

الدّكتور فرانشيسكو أيالا (Francisco J. Ayala)، برفيسور علوم الأحياء والتطوّر في جامعة كاليفورنيا إرفاين، وقسّيس دومينيكاني سابق. (الدّيانة: مسيحي).

الدّكتور سايمون موريس (Simon C. Morris)، عالم الأحياء القديمة والمستحاثّات، ومكتشف أهمّ موقع أحفوريّات في العالم (Burgess Shale). الدّكتور موريس معارض جدًّا للتّفسيرات الماديّة لنظريّة التطوّر ولا يرى تعارض ما بين النّظريّة والإيمان بالخالق (الدّيانة: مسيحي).

الدّكتور روبرت بيري (R. J. Berry)، مختصّ في علم الوراثة وعالم طبيعة مشهور. (الدّيانة: مسيحي).


الخلاصة: ولذلك نستنتج من جميع الدّلائل التي استعرضناها في هذه المقالة أنّه ليس هنالك في نظريّة التطوّر العلميّة ما يدعو إلى الإلحاد، “هدم الأخلاق”، “سلخ القيم”، أو محاربة الأديان. تفسيرك لحقائق النّظريّة وتفسيرك للحقائق المستقاة من الإيمان الدّيني هو ما يحدّد موقفك العلمي والموضوعي من النّظريّة. أو بمعنى آخر، إذا أردت أن تكون ملحدًا، فستجد في النّظريّة ما تريد أن تجد فيها إبتداءً، وإذا كنت مؤمنًا فستجد في النّظريّة ما تريد أن تجد فيها إبتداءً.

نظريّة التطوّر هي نظريّة علميّة حياديّة تسعى لفهم، تفسير، وشرح الحقائق المشاهدة في عالم الأحياء. ودعمها وتقبّلها من قبل العلماء المؤمنين والملاحدة على حدّ السّواء لا يؤكّد إلاّ على حياديّتها في مسائل الإيمان والدّين. ولهذا السّبب، الهجمات الأيديولوجيّة التي يمارسها الخلقيّون ضدّ النّظريّة هي هجمات غير مبرّرة. ونتمنّى أن تدفعنا هذه المقالة نحو دراسة النّظريّة، أصولها العلميّة، والأدلّة التي تساق في صالحها بشكل علمي وموضوعي، بدلاً من مناقشتها على أنّها دين أو أيديولوجيّة سياسيّة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

10-يعتبر عدنان أن الدين الإسلامي ينزف والمجتمع العربي يتداعى فكرياً وثقافياً وعلمياً وإنسانياً وعسكرياً ودينياً واخلاقياً، وأن الدين على شفير الانقراض إذا لم يحصل تغيير.

 

عدنان ابراهيمما النقد؟ مقالة عن فضيلة فوكو – جودث بتلر – ترجمة: فاطمة الشملان

ماذا يعني إسداء نقد؟1 إنه شيء يمكنني أن أراهن بأن أغلبنا يفهمه بحس عام. لكن تصبح الأمور أكثر ارباكا إذا حاولنا التفريق بين نقد هذا أو ذاك الموقف أو النقد كممارسة عامة بشكل أكبر، أي ما يمكن وصفه دون الإشارة إلى عناصره المخصوصة. هل يمكننا حتى طرح سؤال كهذا عن الصفة العامة للنقد دون الإيماء إلى جوهر النقد؟ وإذا ما توصلنا لصورة عامة، توفر شيئا يقترب من فلسفة النقد، هل سنخسر حينها الفارق بعينه بين الفلسفة والنقد الذي يعمل كجزء من تعريف النقد ذاته؟  النقد دائما هو نقد بعض الممارسات المنشئة، الخطابية، المعرفية، المؤسساتية، وتخسر صفتها في اللحظة التي تجرد فيها من عمليتها وتُجعل واقفة لوحدها كممارسة عمومية. ولكن إذا كان هذا صحيحا، فإنه لا يعني بأن العموميات مستحيلة أو بأننا غائصين بالفعل في المخصوصات. على العكس، ندوس هنا على منطقة من العمومية المقيدة، تلك التي تنقب الفلسفي، ولكن يجب إذا ما كانت ستبقى نقدية أن تظل على مسافة من ذلك الإنجاز بعينه.

إن المقالة التي أستعرضها هنا هي عن فوكو، لكن دعوني أبدأ باقتراح ما اعتبره موازيا بشكل مهم بين ما سعى ريموند وليامز وثيودور أدورنو بطرق عدة لتحقيقه تحت اسم “الانتقاد” وما سعى فوكو لفهمه عبر “النقد.” أؤكد بأن شيئا من مساهمة فوكو نفسه إلى وبالتحالف مع الفلسفة السياسية التقدمية سيتجلى في مسار المقارنة.

قلق ريموند وليامز بأن مفهوم الانتقاد قد حصر بإفراط في مفهوم “إيجاد الخطأ”2 واقترح بأن نجد تعبيرا لأنواع الاستجابات التي نملكها، خاصة للأعمال الثقافية، “والتي لا تتخذ طبع (أو حق أو واجب) الحكم.” وما نادى به هو نوع من الاستجابة المحددة، واحدة لا تُعمم بسرعة فائقة، كتب:” ما يحتاج أن يُفهم دائما،” “هو نوعية الاستجابة، والتي ليست حكما بل ممارسة.” أعتقد بأن هذا السطر الأخير يُعلِّم مسار تفكير فوكو على الموضوع، بما أن “النقد” تحديدا ممارسة لا توقف الحكم من قبله فحسب بل توفر ممارسة جديدة للقيم مبنية على ذاك الإيقاف بعينه.

إذن لوليامز، فإن ممارسة النقد ليست مختزلة في الوصول إلى أحكام (والتعبير عنهم). يصنع أدورنو وبشكل مهم ادعاء مشابها حين يكتب عن ” خطر…الحكم على ظاهرية فكرية في صيغة جمعية، جاهلة وتنفيذية واستيعابها في كوكبة سائدة من القوى التي وجب على الفكر كشفها.”3 إذن، من المهم الكشف عن “كوكبة القوى” تلك التي يعيقها التسرع في “الحكم” كفعل تمثيلي للنقد. فلأدورنو، تخدم عملية الحكم ذاتها فصل الناقد من العالم الاجتماعي في يده، وهي حركة تعارض النتائج لعمليته، مُشَكلة ” انسحابا من التطبيق”.  يكتب أدورنو بأن الناقد” حين بكل هيمنة يدعي علما أعمق بالموضوع، أي فصل الفكرة من الموضوع عبر استقلال الحكم النقدي فإنه يهدد بالخضوع لصيغة شيء مشابه للموضوع حين يحتكم الانتقاد الثقافي إلى مجموعة من الأفكار المعروضة، كما هي وتصنيمها كفئات منعزلة.” ولكي يعمل النقد كجزء من التطبيق بالنسبة لأدورنو، فعليه أن يقبض على الطرق التي تتأسس منها الفئات كما هي، بمقومها المنغلق. تعمل الأحكام لدى كلا المفكرين كطرق لتضمين مخصوص تحت فئة منشأة مسبقا، بينما النقد يسأل عن التأسيس المنغلق لمجال الفئات نفسها. وما الذي يصبح عند فوكو مهما خصوصا في هذا الميدان، هو محاولة التفكير بمعضلة الحرية وبالطبع الأخلاق بشكل عام متجاوزة الحكم حيث يشكل التفكير النقدي هذا النوع من الجهد.

ألقى فوكو في 1978 محاضرة بعنوان “ما النقد؟”4 وهي قطعة مهدت لمقالته المعروفة جدا “ما التنوير؟” (1984). إنه لا يسأل ما النقد فحسب بل يسعى لفهم نوع السؤال الذي ينشئه النقد، عارضا بعض الطرق التجريبية لتطويق نشاطه. ولعل ما يبقى مهما عن المحاضرة، والمقالة الأكثر تطورا التي لحقته، هو صيغة السؤال التي وضع بها الأمر. حيث سؤال “ما النقد” بعينه هو نموذج للمؤسسة النقدية موضع التساؤل، ولذا لا يستعرض السؤال المشكلة فحسب-ما النقد الذي من المفترض أننا نقوم به أو حقا نتطلع لفعله؟ – ولكنه يُحدِث نمطا معينا من التساؤل سيثبت أنه مركزي لنشاط النقد نفسه.

بالطبع، سأقترح بأن ما سعى فوكو لفعله بهذا السؤال هو شيء مختلف تماما عما يمكن أن نأتي لتوقعه من النقد. لقد جعل هابرماس من عملية النقد أمرا معضلا للغاية حين اقترح بتجاوز النظرية النقدية التي نتطلبها إذا ما سعينا لملاذ بالأعراف في صنع أحكام تقييمية عن الظروف والأهداف الاجتماعية. إن منظور النقد بالنسبة له هو القدرة على استدعاء الأساسات التي هي موضع الحديث هنا، أي ليس في تجريد التراتبية الاجتماعية والسياسية فحسب بل وتحقيق منظورات حيث يمكن أخذ مسافة معينة عن العالم الطبيعي من خلالها. بيد أن ولا واحدة من تلك النشاطات تخبرنا بأي اتجاه علينا التحرك، أو تخبرنا ما إذا كانت النشاطات التي ننخرط فيها تحقق نوعا من الأهداف المبررة معياريا. ولذا في نظره يجب على النظرية النقدية أن تفسح المجال لنظرية معيارية أقوى، كالفعل التواصلي، من أجل توفير أساس للنظرية النقدية، سامحة لأحكام معيارية أن تُصنع،5 وألا يكون للسياسة هدف واضح وتطلع معياري فحسب، بل أن نكون قادرين على تقييم ممارسات جارية باعتبار قدراتها للوصول لتلك الأهداف. وفي صنع هذا النوع من الانتقاد للنقد، أصبح هابرماس بشكل مثير للفضول غير ناقد لمعنى المعياري بعينه الذي وظفه. حيث يفترض سؤال “ما الذي علينا فعله؟”  بأن “نا الفاعلين” قد تشكلت ومعلومة، وبأن عملها ممكن، وأن الميدان الذي يمكنها العمل فيه محدود. ولكن إذا كانت هذه التشكيلات نفسها والمحدودات تملك عواقب معيارية، إذن سيكون من الضروري السعي خلف القيم التي تجهز المشهد للعمل، وسيكون هذا بعدا مهما لأي تساؤل نقدي في الأمور المعيارية.

وبالرغم من أن لعل لدى هابرماس إجابة على هذه المشكلة، فإن ليس هدفي اليوم تكرار تلك المجادلات أو الإجابة عليها، بل تسجيل المسافة بين مفهوم النقد الذي يُصنف كمعيار فقير بزاوية ما، وآخر أتمنى أن أعرضه هنا، ليس أكثر تعقيدا عما يفترضه الانتقاد المعتاد فحسب بل يمتلك، كما أحاج، التزامات معيارية قوية تظهر في صيغ سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلا، قراءتها ضمن القواعد الحالية للمعيارية. أتمنى حقا أن أُظهر بأن فوكو لم يصنع مساهمة مهمة للنظرية المعيارية فحسب بل أن كلا من تجميله واعتباره للموضوع مرتبطان بالكامل مع كل من أخلاقياته وسياساته. وفي حين اعتبره البعض كجمالي أو كعدمي، أتمنى أن اقترح بأن الغزوة التي يعتركها في موضوع صنع الذات عبر الافتراض المسبق وفي التكون نفسه مهم لسياسة عدم الخضوع التي يقترحها. وبشكل متناقض فإن صنع الذات وعدم الخضوع يحصلان تزامنيا حين يُخاطر بنمط من الوجود غير مدعوم بما يسميه نظام الحقيقة.

يبدأ فوكو نقاشه بالتشديد على أن هناك قواعد لغوية لهم، أي “النقد”، مفرقا بين “المؤسسة الكانطية الرفيعة” المسماة نقد و” النشاطات الجدلية الصغيرة المسماة نقد” وبذا يحذرنا منذ البداية بان النقد لن يكون شيئا واحدا، ولن نكون قادرين على تعريفه بعيدا عن الأمور المتعددة التي يُعرّف من خلالها. “عبر وظيفته”، يكتب فوكو” يبدو [النقد] محكوما بالتبعثر، الاعتماد والمتغايرات الخالصة.” “إنه يوجد فقط عبر ارتباطه بشيء عدا نفسه.”

وبذا يسعى فوكو لتعريف النقد، ولكنه يجد بأن سلسة من التقاربات وحدها ممكنة. سيعتمد النقد على عناصره، ولكن عناصره في المقابل ستعرف معنى النقد بعينه. بالإضافة إلى أن المهمة الأولية للنقد لن تكون تقييم ما إذا عناصره- الظروف الاجتماعية، الممارسات، الصيغ المعرفية، القوة والخطاب- جيدة أم سيئة، مقدرة أو منحطة، ولكن لإجلاء هيكلة العملية ذاتها للتقييم نفسه. ما هي علاقة المعرفة بالقوة للدرجة التي تظهر بها يقيناتنا الأبستمولوجية داعمة لطريقة هيكلة للعالم تمنع الاحتمالات البديلة للتنظيم؟ يمكننا التفكير بالطبع بأننا نحتاج يقينا أبستمولوجيا من أجل الإقرار بالتأكيد بأن العالم وحري به أن يُنظم بطريقة معينة. إلى أي مدى مع هذا، تُدار هذه اليقينية من قبل صيغ معرفية تحديدا من أجل منع احتمالية التفكير بطريقة أخرى؟ الآن، يمكن للمرء أن يتساءل بحكمة، ما فائدة التفكير بطريقة أخرى، إذا لم نعلم قدما بأن التفكير بطريقة مختلفة سينتج عالما أفضل؟ إذا لم نمتلك هيكلة أخلاقية نقرر من خلالها وبمعرفة بأن احتمالات جديدة معينة أو طرق في التفكير ستقدم ذاك العالم حيث يمكننا الحكم على أفضليته بمعايير مؤكدة ومحققة مسبقا؟ بات هذا شيئا من الرد المعتاد على فوكو والعقلية الفوكوية. وهل نفترض بأن الصمت النسبي الذي رحب بهذا الطبع من إيجاد الخطأ لدى فوكو هو دلالة على أن نظريته لا تملك إجابات مطمئنة لتمنحها؟ أعتقد بأنه يمكننا الافتراض بأن الإجابات التي استعرضت لا تملك تطمينا كهدفها الرئيسي. هذا بالطبع دون القول بأن ما يمنع التطمين هو من حيث التعريف ليس الإجابة. إن الرد الوحيد بالتأكيد بالنسبة لي هو بالرجوع إلى معنى مبدئي أكثر لـ “النقد” من أجل رؤية ما الخطأ في السؤال المطروح، وبالتأكيد لطرح السؤال من جديد، ليمكن تخطيط توجه أكثر إنتاجية لمجال الأخلاقيات ضمن السياسة. يمكن للمرء أن يتساءل بالطبع عما إذا كان ما أعنيه “إنتاجي” سيُوجه بمعايير ومقاييس سأكون مستعدة لكشفها، أو تلك التي أقبض عليها جميعا في اللحظة التي اصنع فيها ادعاء كهذا. ولكني أطلب هنا صبركم حيث بدا أن النقد ممارسة تتطلب قدرا معينا من الصبر بالطريقة نفسها التي تتطلبها القراءة، بحسب نيتشه، بأن نتشبه قليلا بالأبقار أكثر من البشر ونتعلم فن الاجترار البطيء.

إن مساهمة فوكو لما يبدو كمأزق ضمن النظرية النقدية وما بعد النقدية لوقتنا، هي تحديدا في سؤالنا لإعادة التفكير في النقد كممارسة. حيث نطرح سؤال عن حدود أكثر طرقنا المؤكدة في المعرفة، والتي يشير لها وليامز كـ “طباع الذهن الغير نقدية” الخاصة بنا والتي يصفها أدورنو بالأيديولوجية (حيث “الفكرة الغير أيديولوجية هي تلك التي لا تسمح لنفسها لأن تُختزل “بمصطلحات عملية” وبدلا عنه تستبسل بشكل مطلق في مساعدة الأشياء نفسها لذاك التعبير الذي اقتطعته اللغة السائدة.” لا يتجه المرء للحدود من أجل حماس التجربة أو لأنها خطيرة وجذابة، أو لأنها تأتي بنا إلى قرب مقشعر مع الشر. يسأل المرء عن الحدود في طرائق المعرفة لأنه مر مسبقا أمام أزمة ضمن المجال الأبستمولوجي الذي يعيش فيه. تنتج الفئات التي يُنظم من خلالها المجتمع عدم اتساق أو عوالم كاملة من الغير منطوق. ومن هذا الظرف، أي الشق في نسيج شبكتنا الأبستمولوجية، تنبثق ممارسة النقد، مع الوعي بعدم وجود خطاب كفؤ هنا أو أن خطاباتنا السائدة قد أنتجت مأزقا. بالتأكيد قد ينتج الجدل نفسه، حيث يحارب فيه المنظور المعياري القوي مع النظرية النقدية، تلك الصيغة من المأزق الاستطرادي حيث ينبثق منها ضرورة وعجالة النقد تحديدا.

إن النقد لفوكو “وسيلة لمستقبل أو حقيقة لن تعرفها أو يصدف أن تحدث، إنه يشرف على حقل لا يريد ضبطه وغير قادر على تنسيقه.” إذن سيكون النقد ذلك المنظور على الطرق المحققة والمنظمة للمعرفة التي لم تُدمج على الفور في ذلك العمل التنظيمي. من المثير للاهتمام لدى فوكو أن هذا الانكشاف على حدود المجال الأبستمولوجي مربوط بممارسة الفضيلة، كما لو أن الفضيلة تضاد للتنسيق والنظام، كما لو أن الفضيلة نفسها توجد في المخاطرة في نظام قائم. وهو ليس خجلا من العلاقة هنا فيكتب ” هناك شيء في النقد مجانس للفضيلة.” ثم يقول شيئا يمكن أن يُعتبر حتى أكثر دهشة:” هذا السلوك النقدي فضيلة في العموم.”

يمنحنا فوكو إشارة إلى ما يعنيه بالفضيلة في مقدمة استخدام المتع: تاريخ الجنسانية، الجزء الثاني.6 ففي هذه المرحلة يوضح بأنه يسعى لتجاوز الاعتبار الفلسفي الأخلاقي الذي يصدر سلسلة من الأوامر. وكما يتقاطع النقد مع الفلسفة دون أن يتطابق معها تماما، كذلك فوكو في تلك المقدمة، يسعى لصنع من فكره الخاص مثالا على صيغة غير آمرة من التحقيق الأخلاقي. وبنفس الطريقة، سيتساءل عن الصيغ من التجارب الأخلاقية التي لا تُعَرّف بجمود من قبل القانون العدلي، أي حكم أو أمر حيث يُقال فيه للنفس أن تخضع ميكانيكيا أو بانتظام. يقول لنا في المقالة التي يكتبها، بأنها هي نفسها مثال على ممارسة كهذه، ” لاستكشاف ما قد يتغير، في فكرها ذاته، عبر ممارسة معرفة غريبة عليها.” تتعلق التجربة الأخلاقية بتحول ذاتي مدعوم بصيغة معرفية غريبة عما يملكها المرء. وتلك الصيغة من التجربة الأخلاقية ستكون مختلفة عن الخضوع لأمر. بالتأكيد، للمدى الذي يستجوب فيه التجربة الأخلاقية هنا أو في مكان آخر، يعتبر فوكو نفسه بأنه يصنع تحقيقا في التجارب الأخلاقية الغير منظمة بشكل أساسي أو بنيوي عبر المنع أو الحظر.

سعى في الجزء الأول من كتاب تاريخ الجنسانية 6 لإظهار بأنه لا يمكن فهم الممنوعات المفترضة من التحليل النفسي والاعتبار البنيوي للمحظورات الثقافية كثوابت تاريخية. بل بالاعتبار التأريخي، لا يمكن فهم التجربة الأخلاقية عبر اللجوء إلى سلسلة من الممنوعات الكاشفة ضمن زمن تاريخي معطى. فبالرغم من وجود نواميس   لتدرس، فإنه يجب دراسة تلك النواميس   بحسب علاقتها لأنماط وضعية تتوافق معها. ويقوم بادعاء بأن تشريع القانون يحقق نوعا من هيمنة ضمن القرن الثالث عشر ولكن إذا ما عاد المرء إلى الثقافات الإغريقية واليونانية الكلاسيكية فإنه يجد الممارسات أو” فنون الوجود” تتعلق بالعلاقة النامية للذات ومع نفسها. وبتقديم مفهوم “فنون الوجود”، فإن فوكو يعيد تقديم والتركيز على “الأفعال المقصودة والواعية”، تحديدا ” تلك الأفعال التي لا يضع من خلالها الرجال أحكاما للتصرف فحسب بل يسعون أيضا لتحويل أنفسهم لوجودهم الفردي، ولجعل حياتهم عملا فنيا.” وحيوات كهذه لا تتطابق ببساطة مع الأوامر التشريعية الأخلاقية أو الأعراف بطريقة تواءم فيها ذواتهم، التي تعتبر مصنوعة أو جاهزة مسبقا، في قالب أُعد مسبقا من قبل التشريع. على العكس، إن الذات تُفّصل نفسها عبر مفهوم العرف، تأتي لتستوطن وتندمج فيه، ولكن العرف ليس هذا الحس خارج المبدأ الذي تتشكل منه الذات. ما يعد قضية بالنسبة له ليست التصرفات أو الأفكار أو المجتمعات أو “الأيديولوجيات”، ولكن “الاستشكالية التي من خلالها يسمح المرء لنفسه أن يكون بالضرورة عبر الفكر، والممارسات على الأساس الذي تشكلت منه تلك الاستشكاليات.”

بالكاد يكون هذا الادعاء الأخير شفافا، ولكن ما يقترحه بأن أنواعا معينة من الممارسات التي صممت للتعامل مع أنواع معينة من المشكلات تنتج عبر الوقت ميدانا مستقرا من الكينونة كعاقبة لها، وهذا الميدان الكينوني في المقابل يقيد من فهمنا لما هو ممكن. وبالإشارة فقط إلى هذا الأفق الكينوني المتجلي، الذي أنشئ هو نفسه من سلسلة من الممارسات، سنكون قادرين على فهم أنواع من علاقات التشريعات الأخلاقية التي شُكلت وتلك التي ستتشكل فيما بعد. فعلى سبيل المثال، يعتبر فوكو بالتفصيل ممارسات عديدة من الصرامة، ويربط تلك بإنتاج نوع معين من الفرد الذكوري. إن ممارسات الصرامة لا تشهد على صحة منع واحد مستديم، بل تعمل في خدمة نحت نوع معين من الذات. أو إذا ما وضعت بشكل أدق، تصنع الذات نفسها نوع معين من الأفراد في دمجها أحكام السلوك التي تمثل مزية الصرامة. إن انتاج الذات هذا هو “إعداد وأسلوب لنشاط في ممارسة قوته وحريته.” لم تكن تلك ممارسة مضادة للمتعة الخالصة والبسيطة، ولكنها ممارسة متع في ذاتها، أي ممارسة المتعة في سياق التجربة الأخلاقية.

وبذا وفي القسم الثالث من مقدمته يوضح فوكو بأن عرضا تاريخيا زمنيا للنواميس الأخلاقية لن يكون وافيا، حيث لا يمكن لتاريخ كهذا إخبارنا كيف عيش بهذه النواميس وأكثر تحديدا ما هي صيغ التشكيل الفردي الذي تطلبته تلك الصيغ وسهلت له. ويصبح هنا أشبه ما يكون بظواهري. ولكن هناك بالإضافة للجوء إلى الوسائل التجريبية التي قُبض من خلالها على الفئات الأخلاقية، حركة نقدية كذلك، حيث لن تكون العلاقة الشخصانية بتلك الأعراف متكهنة أو آلية. ستكون العلاقة “نقدية” بمعنى أنها لن تتبع فئة معينة، بل تشكل عوضا عنه علاقة استجوابية مع مجال التصنيف نفسه، مشيرة بشكل ضمني على الأقل لحدود الأفق الأبستمولوجي الذي يُخلق من خلاله الممارسات. ليست النقطة هي الإشارة إلى سياق أبستمولوجي معطى مسبقا، ولكن تأسيس النقد كممارسة في ذاتها تكشف حدود ذلك الأفق الأبستمولوجي نفسه، جاعلا من محيط الأفق يظهر كما لو أنه ولأول مرة، يمكننا القول، في علاقة مع حدوده. بالإضافة إلى أنه تُظهر الممارسة النقدية هنا بأنها تستلزم التحول الذاتي بارتباطها مع حكم السلوك. إذن كيف يؤدي التحول الذاتي إلى إجلاء هذا الحد؟ كيف يُفهم التحول الذاتي كـ “ممارسة للحرية” وكيف تفهم هذه الممارسة كجزء من معجم فوكو للفضيلة؟

فلنبدأ أولا بفهم التحول الذاتي المطروح هنا، ثم نتأمل كيف يرتبط بمشكلة تسمى “النقد” التي تشكل بؤرة تداولاتنا هنا. بالطبع أن يدير المرء نفسه تحت ناموس من السلوك أمر، وصياغة نفسه كفرد أخلاقي بالعلاقة مع ناموس من السلوك هو أمر آخر (وسيكون أمر ثالث صياغة المرء لنفسه كمُخاطر بترتيب الناموس نفسه). توفر أحكام العفة مثالا مهما لفوكو. هناك فرق على سبيل المثال بين عدم الفعل تلبية لرغبات يمكنها انتهاك مبدأ يلتزم به المرء أخلاقيا وإنشاء ممارسة للرغبة، إذا جاز التعبير، معلومة بمشروع أخلاقي معين أو رسالة. إن النموذج الذي يتطلب فيه الخضوع لحكم قانوني سيتعلق بألا يفعلها المرء بطرق معينة، واضعا منعا فعّالا ضد الفعل بمقتضى رغبات معينة. لكن يأتي النموذج الذي يسعى فوكو لفهمه وبالفعل لدمجه وضربه مثالا ليأخذ الأمر الأخلاقي للمشاركة في تشكيل نوع من الفعل. يبدو أن نقطة فوكو هنا بأن الزهد والحرمان لا يفرضان ناموسا أخلاقيا مثبطا أو غير فعال، ولكن يشكلان في المقابل ناموسا أخلاقيا من السلوك وطريقة لتصميم كل من الفعل والمتعة.

أزعم بأن هذا التضاد الذي يطرحه فوكو بين الأخلاق المبنية على الأمر والممارسة الأخلاقية التي ترتبط مركزيا بتشكيل الذات، يسلط ضوءا مهما على الفارق بين الامتثال والفضيلة التي يعرضها في مقالته “ما النقد؟” ستعرف متضادات فوكو قدما عبر فهم “الفضيلة” مع الامتثال، مظهرا كيف تُنشئ هذه الصيغة من الفضيلة عبر اختلافها عن الامتثال الغير نقدي للسلطة.

تشكل مقاومة السلطة بالطبع دمغة التنوير لدى فوكو. وتمنحنا قراءة في التنوير التي لا تنشئ فقط استمرارية فوكو مع أهدافها فحسب، بل قراءة في معضلاته الذاتية في استرجاعه تاريخ التنوير نفسه. إن الاعتبار الذي يوفره لا يمكن لمفكر “تنويري” أن يقبله، لكن تلك المقاومة لن تفسخ التوصيفات الموجودة، إن ما يسعى إليه فوكو في توصيف التنوير هو بالضبط ما يبقى “غير مفكر فيه” ضمن مصطلحاته نفسها: أي أن ما يملكه هو تاريخ نقدي. ففي منظوره، يبدأ النقد بالتشكيك في المطالبة بالامتثال المطلق وإخضاع كل التزام حكومي مفروض على الرعايا لتقييم عقلاني وتأملي. وبالرغم من أن فوكو لن يتبع هذا المنعطف من المنطق، فإنه وبالرغم من هذا سيسأل عن المقياس الذي يحد أنواع الأسباب التي تأتي لتلقي بحملها على سؤال الامتثال. سيكون مهتما على وجه الخصوص بمعضلة كيف يشكل الميدان المحدود الفرد وكيف في المقابل يشكل الفرد ويعيد تشكيل تلك الأسباب. سترتبط تلك القابلية لتشكيل أسباب بشكل مهم مع علاقة التحول الذاتي المذكورة آنفا. يتطلب منك كي تكون ناقدا لسلطة تتموضع كمطلق ممارسة نقدية تحمل التحول الذاتي في كنهها.

ولكن هل ننتقل من فهم الأسباب التي نملكها للموافقة على مطلب تشكيل تلك الأسباب لأنفسنا، لتحويل أنفسنا في درب انتاج تلك الأسباب (وأخيرا، المخاطرة بمجال السبب ذاته)؟ أليست تلك معضلات مختلفة النوع، أم أن الواحدة منها تؤدي للثانية حتميا؟ هل الاستقلالية المُحققة في تشكيل الأسباب التي تخدم كأساس للموافقة على أو رفض قانون مُعطى هي نفسها تحول الذات الذي يحصل حين يصبح الحكم مندمجا في الفعل ذاته للفرد؟ كما سنرى، يُعتبر كل من تحول الذات عبر المنظور الأخلاقي وممارسة النقد صيغ من “الفن،” تصميمات وإعادة، مقترحة بأن لا مجال لقبول أو رفض حكم دون ذات مصممة كردة فعل لمتطلب أخلاقي واقع عليها.

وفي سياق حيث الامتثال مطلوب، يحدد فوكو الرغبة التي تُخطر السؤال “كيف لا يُحكم المرء؟” تشكل هذه الرغبة، والدهشة التي تعقبها، الدافع المركزي للنقد. إلا أنه من غير الواضح بالطبع كيف ترتبط الرغبة التي لا تحُكم بالفضيلة. إلا أنه يجلي مع هذا، بأنه لا يطرح احتمالية أناركية راديكالية، والسؤال ليس عن كيف تصبح غير محكوم راديكاليا. إنه سؤال محدد ينبثق فيما يتعلق بصيغة محددة من الحكومة: “كيف لا تُحكم كهذا، وبهذا، وباسم تلك المبادئ، وبكذا وكذا هدف في الذهن وبوسائل إجراءات كتلك، ليس كهذا، وليس من أجل هذا، وليس من قبلهم.”

تصبح هذه العلامة الفارقة لـ “السلوك النقدي” ومزيته المخصوصة. حيث السؤال نفسه، بالنسبة لفوكو، يولي سلوكا أخلاقيا وسياسيا، ” فن ألا يُحكم المرء، أو أفضل من هذا، فن ألا يُحكم هكذا أو مقابل تلك القيمة.” مهما تكن الفضيلة التي يرسمها فوكو هنا لنا، سيتعين عليها أن تكون متعلقة بتلك التي تعترض على فرض القوة، أو عواقبها، وعلى الطريقة التي تُقدم، وعلى أولئك الذين يقدمونها. قد ينجذب المرء للتفكير بأن فوكو يصف المقاومة ببساطة، لكن يبدو هنا أن “الفضيلة” قد استعيضت عن ذلك المصطلح، أو باتت الوسيلة التي أعيد به وصفها. علينا أن تساءل لماذا. بل أكثر، لقد وُصفت هذه الفضيلة كذلك على أنها “فن”، فن ألا يُحكم المرء “بكثرة”، إذن ما العلاقة بين الجماليات والأخلاقيات المعمول بها هنا؟

يجد فوكو أصول النقد في علاقتها مع مقاومة السلطة الكنائسية. في علاقتها مع العقيدة الكنسية، “عدم الرغبة بأن يُحكم كان حتما طريقة للرفض، تحدي، والحد من (قلها كما يحلو لك) الحكم الكنائسي. كان يعني الرجوع إلى النصوص المقدسة…كان يعني التساؤل عن أي نوع من الحقيقة أخبرتها تلك النصوص.” كان جلي بأن هذا الاعتراض قد شُنّ من أجل بديل، أو على الحد الأدنى، أرض منبثقة للحقيقة وللعدالة. أدى هذا بفوكو لصياغة تعريف ثاني للـ “النقد”: “عدم الرغبة بأن يُحكم…عدم الرغبة بقبول تلك القوانين لأنها ظالمة ولأنها…تخفي عدم شرعية جوهرية.”

إن النقد هو ما يفضح عدم الشرعية تلك، وذلك ليس لأن النقد يملك مصدرا لنظام سياسي وأخلاقي أكثر جوهرية. يكتب فوكو بأن مشروع النقد ” يتصادم مع الحكومة والامتثال الذي تشترطه” وأن ما “يُقصد بالنقد” في هذا السياق هو “ترويج الحقوق الموحدة والغير قابلة للنقض والتي على كل حكومة أيا كانت، سواء ملكية أو قضائية أو تعليمية أو أسر أبوية أن تخضع لها.” إلا أن ممارسة النقد مع هذا، لا تكشف عن تلك الحقوق الموحدة، كما يدعى منظرو التنوير، ولكنها “تروج لها.” غير أنها لا تروج لهم كحقوق ليست بإيجابية. إن “الترويج” هو فعل يحد من قوة القانون، فعل يعاكس وينافس أعمال القوة، أي القوة في لحظة تجددها. ذلك موقف محدود بعينه، ذلك الذي يأخذ الصيغة وما تؤكده كسؤال، في توكيدها ذاته، “حق” السؤال. منذ القرن السادس عشر وما بعده صار سؤال “كيف لا يُحكم المرء” محددا إلى “ما محدود حق الحكم؟” “عدم الرغبة بأن ُيحكم” هو بالطبع عدم قبول كحقيقة… ما تقوله لهم سلطة بأنه كذلك، أو على الأقل عدم قبولها لأن سلطة أخبرتكم بأنها حقيقة، لكن القبول بها فقط إذا ما اعتبر المرء الأسباب لفعل ذلك حقة. يوجد بالطبع كم لا بأس به من الضبابية في هذا الوضع، فما الذي سيشكل أرضية الصلاحية للقبول بالسلطة؟ هل تُستقى الصلاحية من الموافقة على قبول السلطة؟ أو أنها حالة تستند فقط على أساس صلاحية سابقة ومكتشفة يمنح المرء موافقته عبرها؟ وهل تلك الأسباب السابقة، في صلاحيتها، تجعل من الموافقة حقة؟ إذا كان البديل الأول صحيحا، فالموافقة إذن فيصل يُحكم من خلالها على الصلاحية، ويبدو أن موقف فوكو تقلص إلى صيغة من الطوعية. ولكن لعل ما يقدمه لنا عبر سبيل “النقد” هو فعل، بل حتى ممارسة للحرية، التي لا يمكنها التقلص إلى الطوعية بأي طريقة سهلة. حيث أن الممارسة التي وضعت من خلالها حدود السلطة المطلقة هي واحدة معتمدة جوهريا على آثار الأفق المعرفي الذي تعمل عبره. لا تستقي الممارسة النقدية معينها من بئر الحرية الفطرية للروح. بل تُعلم في المقابل في بوتقة التبادل المخصوص بين سلسلة من الأحكام أو المبادئ (الموجودة مسبقا) وتصميم الأفعال (التي تمتد وتعيد تشكيل تلك الأحكام المسبقة والمبادئ). يأتي تصميم الذات هذا بالنسبة إلى الأحكام ليُعد كـ “ممارسة.”

ففي منظور فوكو، متبعا كانط بحس واهن، فإن فعل الموافقة هو حركة انعكاسية من خلاله تُعزا أو تُسحب الصلاحية من السلطة. ولكن هذه الانعكاسية لا تدوم للفرد. هي لفوكو فعل يحوي بعض المخاطرة، حيث النقطة ليست الاعتراض على هذا أو ذاك المطلب الحكومي فحسب بل السؤال عن النظام الذي بات من خلاله مطلب كهذا شرعيا ومحتملا. وإذا ما اعترض المرء على الأوامر الأبستمولوجية التي أنشأت أحكام الصلاحية الحكومية، إذن فقول “لا” للمطلب سيحتاج مغادرة الأرضيات المنشئة لصلاحيته، مُعلِّمة حد تلك الصلاحية، وهو شيء أكثر مخاطرة بكثير من إيجاد بأن مطلبا معينا غير صالح. ويمكننا القول من هذا الاختلاف، بأن المرء يبدأ بولوج علاقة نقدية مع أوامر كهذه والمبادئ الأخلاقية التي يبعثونها. إن المعضلة في تلك الأرضيات التي يسميها فوكو بـ “غير شرعية” ليست في أنها جزئية أو مناقضة للذات أو تؤدي لمواقف منافقة أخلاقيا. إن المعضلة تحديدا هي بأنها تسعى لمنع العلاقة النقدية لتوسع قوتها لتنظيم ميدان الحكم الأخلاقي والسياسي برمته. إنها تقود جوقة الميدان وتفرغه بالتأكيد من ذاته. كيف يستدعي المرء سؤال القبضة التفريغية التي تملكها أحكام نظام كهذا على اليقينية دون المخاطرة باللايقينية، دون استيطان موقع التردد الذي يعرض المرء لتهمة اللاأخلاقية، الشر، جمالية المذهب. السلوك النقدي ليس أخلاقي وفقا للأحكام التي تحد ذات الشيء التي تسعى العلاقة النقدية لدمجه. لكن كيف يمكن للنقد دون ذلك أن يؤدي عمله دون المخاطرة بشجب أولئك الذين يكيفون ويستخلصون التجانسية من المصطلحات الأخلاقية ذاتها الموضوعة محل التساؤل في النقد نفسه؟

يسعى تفريق فوكو بين الحكومة والحاكمية أن العدة المشار إليها بالسابق تلج إلى ممارسات أولئك المحكومين، طرائقهم ذاتها للمعرفة، ووجودهم ذاته. أن ـُحكم لا يعني امتلاك صيغة مفروضة على وجود المرء فحسب، بل بمنحه شروطا حيث سيكون الوجود عبرها ممكنا أو غير ممكن. سينبثق الفرد عبر علاقته بنظام منشئ عن الحقيقة، ولكن يمكنه أن يتخذ وجهة نظر عن النظام المنشئ الذي يوقف بأثر رجعي أرضيته الأنطولوجية.

إذا كانت الحاكمية هي…تلك الحركة التي يُخضَع الأفراد عبرها لواقع من الممارسة الاجتماعية وعبر آليات القوة التي تتقيد بالحقيقة، حسنا إذن! سأقول بأن النقد هو حركة حيث يمنح الفرد نفسه من خلالها الحق

(le sujet se donne le droit) لمسائلة حقيقة تأثير قوتها ومسائلة قوة خطاباتها عن الحقيقة.

لاحظوا بأنه يقال هنا أن الفرد “يمنح نفسه ذاك الحق،” نمط من التنصيب والتخويل الذاتي الذي يبدو مُقدما انعكاسية الادعاء. هل تلك حركة متولدة ذاتيا تلقي بالفرد على ومقابل شواطئ سلطة مضادة؟ وما الفارق الذي سيصنعه، إذا كان هناك فارق، انبثاق ذاك التنصيب والتخويل الذاتي كـ “فن”؟ يكتب فوكو أن “النقد” “سيكون فن عدم الانصياع الطوعي، ذو مراس صعب منعكس [ [l’indocilité réfléchie.” “إذا كان فنا” في حسه، فلن يكون النقد إذن فعلا أوحدا، ولن ينتمي حصريا إلى ميدان شخصاني، حيث سيكون علاقة تصميمية للمطلب المفروض عليه. وسيكون التصميم نقديا للمدى الذي فيه، كتصميم، لا يمكن تحديده بالكامل مقدما، إنه يحوي احتمالية عبر الزمن تُعلِّم الحدود للقدرة النظامية في الميدان المطروح. إذن فتصميمية هذه “السوف” ستنتج فردا غير معروف بسهولة تحت اسم الحقيقة المنشأة. يعلن فوكو: ” سيضمن النقد بشكل رئيسي عدم خضوع الفرد في سياق [le jeu] ما نطلق عليه كلمة سياسة الحقيقة.

توائم سياسة الحقيقة علاقات القوة التي تحدد مقدما ما سيعتبر ولن يعتبر كحقيقة تنظم العالم في طرق معينة منتظمة وقابلة للتنظيم، والتي نأتي لقبولها كميدان معطى للمعرفة. يمكننا فهم بروز تلك النقطة حين نسأل: ما الذي يُعد شخصا؟ ما الذي يُعد جندرا متسقا؟ ما الذي يؤهل لمواطن؟ عالم مَن المُشرّع كحقيقي؟ نسأل بشكل فرداني: كيف أكون في عالم كهذا حيث معاني وحدود الفرد معدة مسبقة لي؟ بأي المعايير أُكبح ككائن من السؤال عما يمكن أن أكون؟ ماذا يحصل حين أبدأ بأن أكون حيث لا يوجد لذلك محل ضمن النظام المُعطى للحقيقة؟ أليس هذا هو تحديدا ما يُقصد بـ ” عدم خضوع الفرد في مسرحية…سياسة الحقيقة”؟

ما على المحك هنا هو العلاقة بين حدود الأنطولوجيا والأبستمولوجيا، الرابط بين حدود ما قد أصبحت وجود ما قد أخاطر بمعرفته. يطرح فوكو سؤالا مشتقا من حس النقد لدى كانط وهو سؤال عن النقد نفسه: “هل تعرف لأي حد يمكنك أن تعرف؟” “حريتنا على المحك.” وبذا، تنبثق الحرية على حدود ما يمكننا معرفته، في اللحظة ذاتها التي يحصل فيها عدم خضوع الفرد لسياسة الحقيقة، أي اللحظة حين تتخذ ممارسة مسائلة معينة الصيغة التالية:” ماذا أنا إذن، أنا الذي أنتمي إلى هذه الإنسانية، ربما لهذه الجزئية منها، في هذه النقطة من الزمن، في هذه الإنسانية الفورية المُعرّضة لقوة الحقيقة على العموم والحقائق على الخصوص؟” طريقة أخرى لوضع هذا هو في التالي:” ماذا، باعتبار النظام المعاصر للوجود، يمكن أن أكون؟” إذا الحرية على المحك بطرح هذا السؤال، فلعل المخاطرة بالحرية تتدخل بشكل ما مع ما يسميها فوكو فضيلة، مع مخاطرة معينة موضوعة في اللعب بالفكر وبالطبع اللغة حيث يأتي بالحدود التي يقف عندها النظام المعاصر للوجود.

ولكن كيف نفهم هذا النظام المعاصر للوجود الذي أخاطر في أنا نفسي؟ يختار فوكو هنا أن يصنف هذا النظام الوجودي المشروط المتكيف تاريخيا بطريقة تربطه مع النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، معرفا “العقلنة” بأنها تأثير الحاكمية على الأنطولوجيا. صافا نفسه مع التقليد النقدي اليساري ما بعد كانط حيث يكتب،

من اليسار الهيغلي إلى مدرسة فرانكفورت، كان هناك نقدا كاملا للإيجابية، العقلنة، للتقني والتقننة، نقد بأكمله للعلاقات بين المشروع الجوهري للعلم والتقنيات التي كان هدفها إظهار الصلات بين افتراضات العلم الساذجة على صعيد وصيغ الهيمنة المميزة للمجتمع المعاصر على الصعيد الآخر.

ففي منظوره، تتخذ العقلنة صيغة جديدة حين تأتي لخدمة قوة حيوية وما يستمر صعبا لأغلب الفاعلين الاجتماعيين والنقاد ضمن هذا الوضع هو تبيان العلاقة بين “العقلنة والقوة.” حيث ما يبدو مجرد نظام أبستمولوجي، طريقة لتنظيم العالم، لا يقر بسهولة بالإكراه الذي يحصل من خلاله ذاك التنظيم. كما أنه لا يظهر في أغلبه الطريقة التي تؤدي بها آثار التشديد والشمولية والعقلنة إلى تكثيف القوة. يسأل فوكو، ” كيف من الممكن أن أدت العقلنة إلى هيجان القوة؟” من الجلي بأن قدرة العقلنة الوصول إلى روافد الحياة لا تصنف أنماطا من الممارسات العلمية فحسب، “بل العلاقات الاجتماعية أيضا، منظمات الدولة، الممارسات الاقتصادية ولعل حتى السلوكيات الفردية؟”  تصل القوة لـ “هيجانها” وحدودها أثناء ما تقبض وتتخلل الفرد الذي تفردنه. تضع القوة الحدود لما يمكن للفرد أن “يكون،” والذي بعده لا يبقى “هو،” أو تقطن في ميدان من الأنطولوجيا الموقوفة. لكن تسعى القوة لإرغام الفرد عبر القوة القهرية، وتكمن مقاومة القهر في تصميم الذات والحدود الكائن المُنشئ.

أحد أول مهام النقد هي تبيان العلاقة “بين آليات القهر وعناصر المعرفة.” يبدو أننا نواجه هنا مجددا مع حدود ما هو معروف، حدود تمارس قوة معينة دون أن تُثبت بأي ضرورية، حدود يمكنها أن تُخطى أو يُحقق معها فقط عبر المخاطرة بأمان معين ضمن أنطولوجيا متاحة:

لا يمكن لعنصر معرفة أن يوجد إذا…لا يتطابق مع سلسلة من الأحكام والقيود، على سبيل المثال، التي يمتاز بها خطاب مُعطى في زمن مُعطى في كفة، وإذا في الكفة الأخرى، لا يحتوي على تأثيرات القهر أو ببساطة الدوافع المخصوصة لما هو مصدّق علميا أو عقلاني ببساطة أو مقبول ببساطة بشكل علم، إلخ.

ثم يستطرد لإظهار أن المعرفة والقوة ليستا منفصلتين في النهاية، بل تعملان سوية لتحقيق سلسلة من المعايير الحاذقة والصريحة للتفكير بالعالم:” إن الأمر بذلك ليس وصف ماهية المعرفة والقوة وكيف يمكن للأول أن يقمع الآخر أو كيف للآخر أن يعتدي على الأول، بل يجب وصف وشائج المعرفة- السلطة حتى نتمكن من القبض على ما يُشكل المقبولية لنظام ما.”

ولذا للناقد مهمتان مزدوجتان، أن يُظهر كيف تعمل المعرفة والقوة لتشكيل طريقة منتظمة بشكل ما لتنظيم العالم بما له من ” شروط المقبولية لنظام ما،” وأيضا ” تتبع النقاط القاطعة التي تشير إلى انبثاقها.” “ولذا ليس من الحاسم فقط عزل والتعرف على وشائج بين المعرفة والقوة المخصوصة التي تولد الميدان للأشياء المفهومة، ولكن لتتبع أيضا السبيل الذي يقابل من خلاله ذاك الميدان نقاطه القاطعة، أي لحظات انقطاعاته، المواقع التي يفشل فيها في تشكيل المفهومية التي يستند عليها. ما يعنيه هذا، هو أن المرء ينظر لكل من الظروف التي من خلالها يتشكل الميدان الموضوعي، ولكن أيضا لحدود تلك الظروف، أي اللحظات التي تشير إلى احتماليتها وتحولها. أي بعبارات فوكو، ” إذا ما تحدثنا من منظور تخطيطي، فإننا نملك تحركا مستديم، وهشاشة جوهرية أو التداخل المركب بين ما يكرر نفس العملية وما يحولها.”

وبالطبع فإن الطريقة الأخرى للحديث عن هذه الديناميكية ضمن النقد هو بالقول إن العقلنة تصطدم بحدودها في عدم الخضوع، حيث إذا انبثق عدم خضوع المرء في اللحظة التي تنكشف حدوده من قبل المعرفة المُشكلة عبر العقلنة، فإن عدم الخضوع إذن يدمغ تحديدا هشاشة وتحول أبستمولوجيات القوة.

يبدأ النقد بافتراض الحاكمية ومن ثَمّ إخفاقها في اشتمال الفرد الذي تسعى لمعرفته واخضاعه. ولكن الوسائل التي عُبّر بها عن تلك العلاقة ووصفت بها، بطريقة مركبة، على أنها خيالية؟ ولم تكون خيالية؟ وبأي معني هي خيالية؟ يشير فوكو إلى ” ممارسة تاريخية – فلسفية كان على المرء [من خلالها] أن يصنع تاريخا لنفسه، يختلق التاريخ، كما لو كان عبر الخيالية [de faire comme par fiction] من حيث كيف ستنتشر عبر سؤال العلاقات بين هياكل العقلانية التي تُعبّر عن خطاب حقيقي وآليات الإخضاع المربوطة بها.” إذن هناك بعدا منهجيا تشترك ذاتها مع الخيالية، والتي ترسم خطوطا خيالية بين العقلنة والإخضاع، بين وشائج المعرفة- القوة وهشاشتها وحدها. لم يقل لنا ما سيكون نوع هذه الخيالية، لكن من الجلي أن فوكو يستقي من نيتشه وتحديدا نوع الخيالية الذي أخبر عنه في أصل الأخلاق.

لعلكم تتذكرون بأنه في المجمل يبدو أن أصل الأخلاق لنيتشه هو محاولة العثور عل أصل القيم، هو يسعى في الحقيقة ليعرف كيف أُسس مغزى الأصل. والوسائل التي يسعى عبرها لشرح الأصل هي خيالية.  يُخبر عن خرافة النبل، وأخرى عن عقد اجتماعي، وأخرى عن تمرد عبد في الأخلاقية، وأخرى عن علاقات الدائن والمدين. ولا يمكن لأي من تلك الخرافات أن تُحدد في مكان أو زمان، وأي محاولة للعثور على تتمة تاريخية لأصول نيتشه ستفشل حتميا. وبالتأكيد في اعتبار يجد أصل القيم، أصل الأصل، نقرأ قصصا خيالية عن الطريقة التي نشأت منها القيم. يقول نبيل ما بأن الحالة هي كذا فتصبح كذلك: فعل الخطاب يدشن القيمة، فتصير شيئا ما كالمناسبة الغير منتبذة والسرمدية لنشأة القيم. حقا، يعكس صنع الخيالية لنيتشه ذات فعل التدشين الذي يُعزا إلى أولئك الذين يصنعون القيم. إذن هو لا يصف تلك العملية فحسب، بل يصبح ذلك التوصيف أمثلة على إنتاج القيم، ممثلة ذات العملية التي تسردها.

كيف يمكن لهذا الاستخدام الخاص للخيالية أن يرتبط لاعتبار فوكو للنقد؟ اعتبروا أن فوكو يحاول فهم احتمالية عدم الخضوع ضمن العقلنة دون افتراض أن هناك عنصر للمقاومة الذي يستوطن الفرد أو محفوظ في نمط جوهري نوعا ما. من أين تأتي المقاومة؟ هل يمكن أن يقال بأنها فيض حرية بشرية من نوع ما قُيّدت بأغلال قوى العقلنة؟ إذا كان يتكلم، كما يفعل، عن إرادة لا تُحكم، كيف يمكننا فهم وضع تلك الإرادة.

يعلق في رد لتساؤل ضمن هذه السطور،

لا أعتقد بأن الإرادة التي لا تُحكم مطلقا هي شيء يمكن للمرء اعتبارها تطلعا أصيلا

(je ne pense pas en effet que la volonté de n’être pas gouverné du tout soit quelque chose que l’on puisse considérer comme une aspiration originaire).

أعتقد في الحقيقة بأن الإرادة التي لا تُحكم هي دائما الإرادة التي لا تُحكم على هذا النحو، بالطريقة تلك، من قبل هؤلاء الشخوص، مقابل هذا الثمن.

ويمضي كي يحذر ضد مطلقية هذه الإرادة التي دائما ما تنجذب الفلسفة لفعلها.  فيسعى لتجنب ما يسميه ” الذروة الفلسفية والنظرية لشيء سيكون هذه الإرادة التي لن تُحكم نسبيا.” حيث يوضح بأنه يتورط في مشكلة الأصل في اعتباره لتلك الإرادة، ويدنو كثيرا من التخلي عن هذا الحقل، ولكن يتجلى تردد نيتشاوي معين حين يكتب،

“لم أكن أشير إلى شيء سيكون أناركيا جوهريا، أن يكون كالحرية الأصلية                                     ((qui serait comme la liberté originaire، مقاومة مطلقة وخالصة ضد أي حاكمية، إني لم أقله، ولكن ذلك لا يعني بأني أُقصيه بالمطلق

(Je ne l’ai pas dit, mais cela ne veut pas dire que je l’exclus absolument)

أعتقد أن محاضرتي تقف عند هذه النقطة، لأنها باتت طويلة جدا حتى الآن، ولأني أيضا أتساءل

(mais aussi parce que je me demande) … إذا كان المرء يريد تنقيب بعد النقد هذا، الذي يبدو لي بالغ الأهمية لأنه جزء وليس جزء من الفلسفة… إنه مدعوم بشيء قريب (qui serait ou) للممارسة التاريخية للثورة، عدم القبول بحكومة حقيقية في كفة، أو الرفض الفردي للحاكمية في الكفة الأخرى.”

مهما يكن ذلك الشيء الذي يحدده المرء حين يقاوم الحاكمية، فسيكون مشابها “للحرية الأصلية” و “وشيئا قريبا من الممارسة التاريخية للثورة.” مشابها لهم، ولكن بالتأكيد ليس نفسهم. أما عن ذكر فوكو للـ “حرية الأصلية،” فهو يعرضها ويسحبها في الوقت نفسه، حيث يعلق بـ “لم أقله” بعد أن كاد، وبعد أن أظهر لنا كيف كاد، بعد أن مارس ذلك الدنو الشديد الذي يُفضي لنا ما يمكن أن يُفهم كشيء من التشويق. ما الخطاب الذي يوشك على إغوائه هنا، مخضعا إياه لمصطلحاته؟ كيف يشتق من ذات المصطلحات التي يرفضها؟ أي شكل من الفن هذا يودي بنا لتقارب نقدي مُطبق المسافة؟ وهل تلك المسافة ذاتها التي تغذي ممارسة التساؤل، التحقيق؟ أي حدود للمعرفة يتجرأ لأن يتطرق إليها حين يجهر لنا بتساؤله؟ يتعلق المشهد الافتتاحي للنقد بـ ” فن عدم الانصياع الطوعي،” والطوعي، أو بالطبع “الحرية الأصلية” معطاة هنا، ولكن في صيغة حدس، في صيغة فن يوقف الأنطولوجيا ويأتي بنا إلى إيقاف عدم التصديق.

يجد فوكو طريقة لقول “الحرية الأصلية” وأعتقد بأن نطق تلك الكلمات تجلب له سعادة بالغة، سعادة ورهبة. يقولها لكن عبر أداء الكلمات، مخليا نفسه من ارتباط أنطولوجي، ولكن مُسرّحا الكلمات ذاتها لاستخدام معين. هل يشير إلى حرية أصلية هنا؟ هل وجد بئر الحرية الأصلية ونهل منه؟ أو أنه طرحها، ذكرها، قالها دون أن ينطق بها تماما؟ هل استحضرها حتى يمكننا أن نعيد معايشة أصدائها، وأن نعرف قوتها؟ إن أداء الكلمة ليس توكيدها، ولكن يمكن لنا القول بأن توكيدها مؤدى، ممثل بشكل فني، معرض لإيقاف أنطولوجي، تحديدا لكي تُنطق. وأن هذا الفعل الخطابي هو ما يُخلي العبارة “الحرية الأصلية” لبرهة من الزمن من السياسة الأبستمولوجية الذي تعيش ضمنها وتقوم بعدم خضوع معين للفرد ضمن سياسة الحقيقة. فحين يتحدث المرء بتلك الطريقة، فإنه مقبوض ومحرر بالكلمات التي يقولها مع ذلك. بالطبع، إن السياسة ليست مسألة حديث فقط، ولا أقصد بعث أرسطو في صيغة فوكو (بالرغم من أني اعترف بأن حركة كهذه تأسرني وأذكرها هنا كي أعرضها كاحتمالية دون أن أُلزم نفسي بها في التو.) تتمثل حرية معينة في هذه التلميحة اللفظية نحو نهاية المحاضرة، ليس بالرجوع إلى المصطلح دون ركيزة جوهرية، ولكن بالأداء الفني لإطلاقها من قيودها الاستطرادية المعتادة، خيلاء أن المرء ينطقها فقط إذا عرف مقدما ما هي ركيزتها.

سأزعم أن تلميحة فوكو شجاعة على نحو مستغرب، لأنها تدرك بأنها لا يمكنها ترسيخ ادعاء الحرية الأصلية. ويمنح عدم العلم هذا الاستخدام المخصوص الذي تملكه ضمن خطابه. إنه يواجها بشجاعة بأي حال، وكذلك يصبح ذكره، إصراره رمزا لنوع معين من أخذ المخاطرة الذي يحصل في حدود المجال الأبستمولوجي. وتصبح هذه ممارسة لفضيلة، ولعل ليس كما يصرح نقاده، علامة على القنوط الأخلاقي، وتحديدا للدرجة التي تطرح ممارسة من هذا النوع من الحديث قيمة لا تعرف كيف ترسخ أو تثبت نفسها، إلا أنها تطرحها على أية حال، وبذلك تظهر بأن مفهومية معينة تتخطى حدود المفهومية التي وضعتها القوة -المعرفة مسبقا. إن تلك فضيلة في أقل تقدير تحديدا لأنها تمنح منظورا يمكن للمرء من خلاله أن يحصل على مسافة نقدية من سلطة متأسسة. ولكنها أيضا فعل شجاع، العمل دون ضمانات، المخاطرة بالفرد على حدود تنظميها. كيف سيكون فوكو لو تفوه بكلمات كهذه؟ ما عدم الخضوع الذي سيمارسه لنا بهذا التفوه؟

لا يعني الحصول على مسافة نقدية من السلطة المتأسسة لفوكو التعرف على الطرق التي تعمل بها الآثار القهرية للمعرفة في تشكيل الفرد ذاته فحسب، بل في مخاطرة المرء بالتشكيل ذاته كفرد. ولذا في ” الفرد والقوة”8 سيزعم فوكو أن “بأن هذه الصيغة من القوة التي تُطبق نفسها إلى الفوري، الحياة اليومية التي تُصنف الفرد، وتحدده بفردانيته الذاتية، رابطة إياه لهويته الشخصية، فارضة قانون للحقيقة عليه يجب أن يتعرف ويتعرف الآخرون عليه فيه.”  وحين يتداعى أو ينكسر هذا القانون، فإن احتمالية التعرف تقع في خطر. ولذا حين نتساءل كيف يمكننا قول “حرية أصيلة”، ونقولها في خضم حيرة، فإننا نضع محل التساؤل الفرد الذي قيل بأنه متجذر في ذلك المصطلح، محررين إياه بتناقض، من أجل مغامرة يمكنها في الحقيقة أن تمنح المصطلح مادة جديدة واحتمالية.

وفي الختام، أود العودة ببساطة إلى مقدمة استعمال المتعة حيث يُعرّف فوكو الممارسات التي تعنيه، “فنون الوجود”، فيما يتعلق بإنماء علاقة المرء مع ذاته. يأتي بنا ذلك النوع من الصياغة قريبا من نوع الفضيلة التي تقدمها مناهضة المؤسساتية لفوكو. وكما كتبت آنفا، حين يقدم فوكو “فنون الوجود” فإنه يشير بأن فنون وجود كهذه كأفراد منتجين “يسعون لتحويل أنفسهم في وجودهم الفردي، وبجعل حياتهم تحفة فنية.” يمكننا الاعتقاد بأن هذا يمنح دعما لتهمة أن فوكو قد جمّل الوجود على حساب الأخلاقيات، ولكن سأقترح فقط بأنه أظهر لنا بأنه لا وجود للأخلاقيات ولا السياسة دون الالتجاء إلى هذا الحس الفردي من التكون. الفرد المصاغ بالمبادئ المؤثثة بخطاب الحقيقة ليس الفرد الذي يسعى لتشكيل ذاته بعد. مرتبطا بـ “فنون الوجود” فإن هذا الفرد يُشكّل ويتشكل، والخط بين كيف يتشكل وكيف يصير مُشكّلا نوعا ما ليس بالسهل لو خُط يوما ما. حيث ليس الأمر أن الفرد يُشكل ثم يقوم يبدأ فجأة يشكل نفسه. بل على العكس، إن تشكل الفرد هو المؤسسة ذاتها من الانعكاسية وعدم التفريق التي تتخذ عبء التشكيل. “عدم تفريق” هذا الخط هو تماما المفصل حيث تتقاطع المعايير الاجتماعية مع المطالب الأخلاقية، واللذان يُنتجان في سياق الصنع الذاتي الذي لا يكون ذاتي الابتداء مطلقا.

وبالرغم من أن فوكو يشير بشكل صريح جدا للقصد والتعمد في هذا النص، إلا أنه يقول لنا أيضا كم من الصعب فهم التصميم الذاتي بمصطلحات لأي فهم سابق للقصد والتعمد. حيث يقدم فوكو لفهم مراجعة تلك المصطلحات التي يتطلبها استخدامه لها، مصطلحات “أنماط الاخضاع أو التذويت/ subjectification”

إن تلك المصطلحات لا تتعلق بالطريقة التي يتشكل منها الفرد، ولكن كيف تصير ذاتية التشكيل. هذا التصيير لفرد أخلاقي ليس أمرا بسيطا من المعرفة الذاتية أو الوعي الذاتي؛ إنه يدلل على “عملية حيث يحد المرء الجزء من نفسه الذي سيصيغ هدف ممارسته الأخلاقية.” تحد الذات من نفسها، وتقرر المواد لصنعها الذاتي، ولكن يحصل الحد الذي تؤديه الذات عبر المعايير التي بلا شك واقعة مسبقا. وبذا إذا ما فكرنا بأن هذا النمط الجمالي للصنع الذاتي مساق ضمن الممارسة الأخلاقية، يذكرنا هو بأن هذا العمل الأخلاقي لا يمكن أن يحصل إلا ضمن سياق سياسي أعرض، سياسة المعايير. ويوضح أن لا تشكيل ذاتي خارج نمط التذويت، أي لا تشكيل ذاتي خارج المعايير التي تدير احتمالية تشكيل الفرد.

لقد انتقلنا بهدوء من الاعتبار الاستطرادي للفرد لاعتبار أكثر نفساني لـ “الذات” ولعل المصطلح اللاحق يحمل لدى فوكو وكالة عن السابق. تشكل الذات نفسها، لكنها تفعل ذلك ضمن سلسلة من الممارسات التشكيلية التي تتصف بأنماط من التذويتات بحيث أن المدى المحتمل لصيغها المحدودة قُدما بصيغ كهذه من التذويت لا يعني بأن الذات أخفقت في تشكيل ذاتها، أو أنها تشكلت بالكامل. على العكس، إنها مجبرة على تشكيل نفسها، ولكن ضمن صيغ قيد العمل أو عاملة مسبقا بشكل أو بآخر. أول لعل يمكن للمرء أن يقول، أنها مجبرة على تشكيل نفسها ضمن ممارسات حاصلة بشكل أو بآخر. ولكن إذا كان هذا التشكيل الذاتي قد عُمل في عصيان للمبادئ التي شُكّل المرء عبرها، إذن تصبح الفضيلة حينها الممارسة التي تصنع الذات نفسها في عدم خضوع، مما يمكن أن يقال بأنها تخاطر بتشويه نفسها كفرد، محتلة الموقع الغير آمن أنطولوجيا الذي يحوي السؤال من جديد: من سيكون فردا هنا، وماذا سيعتبر حياة، لحظة من التساؤل الأخلاقي التي تتطلب بأن نكسر عاداتنا في الحكم لصالح ممارسة مخاطرة أكثر تسعى إلى انتاج فني من القيود.


[1] This essay was originally delivered, in shorter form, as the Raymond Williams Lecture at

Cambridge University in May of 2000, then published in longer form in David Ingram, ed., The

Political: Readings in Continental Philosophy, London: Basil Blackwell, 2002. I am grateful to

William Connolly and Wendy Brown for their very useful comments on earlier drafts.

[2] Raymond Williams, Keywords, (New York: Oxford University Press, 1976), 75-76.

[3] Theodor W. Adorno, “Cultural Criticism and Society” in Prisms, (Cambridge, MA.: MIT

Press, 1984), 30.

[4] Michel Foucault, “What is Critique?” in The Politics of Truth, eds. Sylvère Lotringer and

Lysa Hochroth, (New York: Semiotext(e), 1997), transcript by Monique Emery, revised by

Suzanne Delorme, et al., translated into English by Lysa Hochroth. This essay was originally

a lecture given at the French Society of Philosophy on 27 May 1978, subsequently published

in Bulletin de la Société française de la philosophie 84:2 (1990) 35-63; 21

[5] For an interesting account of this transition from critical theory to a theory of

communicative action, see Seyla Benhabib, Critique, Norm, and Utopia: A Study of the

Foundations of Critical Theory (New York: Columbia University Press, 1986), 1-13.

[6] Michel Foucault, The Use of Pleasure: The History of Sexuality, Volume Two (New York:

Pantheon Press, 1985).

[7] Michel Foucault, The History of Sexuality, Volume One (New York: Random House, 1978).

[8] Michel Foucault, “The Subject and Power” in Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow,

eds., Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, (Chicago: University of

Chicago Press, 1982), 208-228.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">11-ينتقد عدنان في خطاباته الفساد العربي، الأنظمة الديكتاتورية والعنف، وكذلك العديد من الشخصيات الإسلامية التاريخية، إلّا أنه توقف عن اخيرة وصرح انه فرض ذلك عليه بعد انضمامه للعمل بشبكات التلفزة الخليجية

 



 

عدنان ابراهيم

 

12-يدّعي عدنان بأنه ألّف كتاباً كاملاً شاملاً بعمر الـ 13 وأسماه ”المرأة بين القديم والحديث“

 

A21

 

13-يؤمن عدنان بـ”الكرامات“ ويتحدث عن استخدامها بالغش بامتحانات الطب وكذلك إضاءة الأنوار من دون أسلاك. (هنا) (هنا)

 

لمبةأكثر الأشياء الخاطئة التي ترتكبها المرأة بعد الزواج!

ربما تبدو بعض الأشياء بسيطة، لكنها خطيرة في آثارها السلبية. 

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

14-يؤمن عدنان بظهور الجن والشياطين ويروي قصص عن الشيطانات الجميلات اللواتي ظهرن له وحاولن إغراءه (هنا)

 

شيطانة

 

15-يروي عدنان كتابة مؤلف كامل بقلم الحبر من دون أن ينقص منه شيء أبداً، كما يؤمن بقراءة الفنجان. وعرف أن ماله حلال من خلال رسالة وصلته من مجهول باللغة الألمانية.

 

قراءة فنجان

 

16-يعتبر عدنان إبراهيم أن ستيفن هوكينغ فيلسوف سخيف وأن لديه مشاكل نفسية لأنه “معاق” يحاول بائساً شرح أصل الكون، كما يعتبر كارل ماركس “أهبل”  (هنا)

 

ستيفن هوكينغهل نظرية التطور تدعو إلى الإلحاد؟

مستوى الدّعم الذي تحظى به نظريّة التطوّر عند المؤسّسات الدّينيّة والعلماء المؤمنين: هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟


يزعم بعض الخلقيين ومحاربي نظريّة التطوّر العلميّة أنّ النّظريّة تهدف إلى نشر الإلحاد، محاربة الأخلاق، وسلخ الشّباب عن القيم الإنسانيّة التي نشأوا عليها. هذه الهجمات الأيديولوجيّة المتكرّرة ضدّ النّظريّة جعلت الكثير من الشّباب غير المتعلّم يساوي، ظلمًا وبغير حقّ، نظريّة التطوّر مع الفلسفة المادّيّة، وحتّى أحيانًا داروين مع الشّيطان الأكبر. ولكن هل تدعم الحقائق هذه الدّعاوى والإتّهامات؟ هل تنفي نظريّة التطوّر وجود الخالق؟ هل كلّ المؤمنين بصحّة نظريّة التطوّر هم ملاحدة يحاربون الأديان ويتمنّون بوارها؟

بدايةً، ليس في نظريّة التطوّر أو في أيّ من إفتراضاتها ما ينفي وجود الخالق أو المدبّر. على العكس، نظريّة التطوّر هي نظريّة علميّة تحاول تفسير التنوّع الهائل عند الكائنات الحيّة بآليّات طبيعيّة بإمكاننا دراستها وفهمها بأسلوب تجريبي خاضع للإختبار والتّكرار. ولهذا السّبب بالذّات سمّى داروين كتابه “في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي – أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من اجل الحياة”. نظريّة التطوّر الحديثة، والتي تختلف بعض الشّيء عن النّظريّة الأصليّة التي تقدّم بها داروين، تقوم على قوانين علم الوراثة (Genetics) وقوانين علم البيئة (Ecology)، وتهدف إلى شرح وتفسير الظّواهر البيولوجيّة من منظور علمي وتاريخي.

وليس هنالك في تقنين الظّواهر الطّبيعيّة في علم الأحياء وفهم أنماطها ما ينفي وجود الخالق أو المدبّر، كما أنّ فهم وتقنين الظّواهر الطّبيعيّة في علم الفيزياء أو الكيمياء لا ينفي وجود الخالق بأيّ حال. ولذلك كتب داروين ذات مرّة في دفتره الشّخصيّ معبّرًا عن دهشته من ردّة فعل الخلقيين تجاه نظريّته قائلاً: “يمكننا أن نسمح للأقمار، الكواكب، الشّموس، الكون، لا وبل حتّى نظم كاملة من الأكوان أن تكون محكومة بقوانين، ولكن أصغر الحشرات نودّ أن تكون قد خلقت فورًا بفعل خاصّ.”

في هذه المقالة، نودّ أن نستعرض مواقف المؤسّسات الدّينيّة والعلماء المؤمنين من نظريّة التطوّر ومن حقائقها المركزيّة. وسنثبت بالأدلّة والبراهين أنّ النّظريّة ليس لها علاقة بالإلحاد أو الكفر بالخالق، إنّما هي نظريّة علميّة – كغيرها من النّظريّات العلميّة – تحاول تفسير بعض الظّواهر الطّبيعيّة في الكون. ولكن قبل أن نشرع بإستعراض الأدلّة، نودّ أن نتعرّض لمسألة عامّة عادة ما تُثار في إطار حديثنا عن نظريّة التطوّر: مسألة خلق آدم وحوّاء.

عادة ما يهاجم الخلقيّون نظريّة التطوّر لأنّها – بحدّ زعمهم – تعارض النّصوص الواردة في الكتب السّماويّة عن خلق آدم وحوّاء – ولذلك فإنّها تدعو إلى هدم الأديان أو تدمير مصداقيّة القصص الدّينيّة. بدايةً، لا بدّ لنا أن نذكر أنّ نظريّة التطوّر لا تفسّر نشأة الإنسان فحسب، ولكنّها نظريّة جامعة تحاول تفسير نشأة جميع الأنواع الحيّة، والإنسان ليس إلاّ نوعًا واحدًا من بين الأنواع الحيّة الأخرى. ثانيًا، نظريّة التطوّر بالفعل تتعارض مع التّفسيرات التّقليديّة والحرفيّة لهذه القصّة الدّينيّة، ولكنّها لا تتعارض مع التّفسيرات المعنويّة لتفاصيل خلق آدم وحوّاء. الخلقيّون أنفسهم، على سبيل المثال، لا يعارضون مسألة تفسير خلق السّماوات والأرض في 6 أيّام بتفسيرات معنويّة، ولكن عندما يتعلّق الأمر بنشأة الجنس البشري – عادة ما يُصرّون على التّفسيرات التّقليديّة التي تتعارض ظاهرًا مع العلم الحديث. ثالثًا، سنشير في الأدلّة التي سنستعرضها بعد قليل إلى أنّ بعض العلماء والمؤسّسات الدّينيّة في كلّ من اليهوديّة، النّصرانيّة، والإسلام ذهبوا بالفعل إلى تفسير (أو حتّى إمكانيّة تفسير) قصّة آدم وحوّاء بتفسيرات معنويّة لا تتعارض مع نتائج نظريّة التطوّر.


هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟

هل تدعو نظريّة التطوّر إلى الإلحاد، إنكار الإلوهيّة، محاربة الأخلاق، أو إعدام الرّوحانيّة في المجتمعات الإنسانيّة؟


الأدلّة على حياديّة نظريّة التطوّر بما يتعلّق بمسائل الدّين والإيمان:

1) 40% من العلماء الذين يؤمنون بالتطوّر يؤمنون بتدخّل الله في عمليّة التطوّر أيضًا: في إستطلاع علمي هام أجري في العام 1997، واستهدف عيّنة مكوّنة من 1000 عالم كانوا على قائمة (رجال ونساء العلم الأمريكان – American Men and Women of Science)، تبيّن أنّ 40% من العلماء يعتقدون أنّ الإنسان وغيره من الكائنات الحيّة تطوّروا عبر الزّمن، ولكنّهم يعتقدون أيضًا انّ الخالق أرشد ووجّه عمليّة التطوّر. على الجهة الأخرى، 55% من العلماء يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر في العمليّة.

في إستطلاعٍ مماثل أجراه معهد Pew Research الإحصائي في الـ 2009، والذي استهدف علماء من الرّابطة الأمريكيّة لتقدّم العلوم (American Association for the Advancement of Science)، وهي أكبر تجمّع علمي في العالم، تبيّن أنّه على الأقلّ 8% من العلماء أيضًا يعتقدون أنّ التطوّر حدث ولكن برعاية أو توجيه إلهي. بينما 87% يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر في العمليّة.

بالإضافة إلى ذلك، الرّابطة الأمريكيّة لتقدّم العلوم نشرت فيديو على قناتها على اليوتيوب يتحدّث عن التّوافق بين نظريّة التطوّر والأديان، ويردّ على الفيلم الوثائقي الأيديولوجي (Expelled) الذي نشره أصحاب فرضيّة “التّصميم الذّكي” – الفيديو يستضيف العالم الشّهير فرانسيس كولينز، المشرف على مشروع الجينوم البشري:


لا بدّ لنا أن ننبّه أنّ العلماء الذين يعتقدون أنّ التطوّر حدث بدون تدخّل إلهي مباشر ليسوا بالضّرورة ملاحدة أو لا يعتقدون بوجود خالق، ولكنّهم يعتقدون أنّ التطوّر حدث وفقًا لقوانين الطّبيعة، ولم يكن هنالك معجزات غيّرت في توجّه عمليّة التطوّر.المصادر: مصدر1 | مصدر2 | مصدر3

2) 25 مؤسّسة دينيّة وروحانيّة عالميّة تصرّح بدعمها لنظريّة التطوّر: في العام 2008، نشر المركز الوطني لتعليم العلوم (NCSE) النّسخة الثّالثة من كتيّب (Voices for Evolution)، حيث جمع فيه تصريحات داعمة لنظرية التطور من قبل قرابة الـ 25 مؤسسة دينيّة وروحانيّة عالميّة مختلفة. هذه القائمة شملت تصريحات داعمة من قبل الكنيسة الكاثوليكيّة (أو الفاتيكان)، الكنيسة الأرثوذكسيّة الشّرقيّة، المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكان، مركز اللاهوت (علوم الأديان) والعلوم الطّبيعيّة، وغيرها الكثير من المراكز والمؤسّسات الدّينيّة الهامّة.

لا بدّ لنا أن نستعرض بالذّات بعض المقتطفات والإقتباسات من موقف الكنيسة الكاثوليكيّة (أكبر مؤسّسة دينيّة في العالم) من نظريّة التطوّر كدليلٍ على حياديّتها في مسألة الدّين والإيمان:

في رسالته إلى الأكاديميّة البابويّة للعلوم، صرّح البابا يوحنّا بولس الثّاني أنّ الحقيقة “لا يمكن أن تعارض الحقيقة”، واقتبس موقف البابا السّابق (بيوس الثّاني عشر) الذي يوضّح أنّه ليس هنالك تعارض بين نظريّة التطوّر والعقيدة الإيمانيّة المتعلّقة بالإنسان وهدفه في هذا الوجود. وبعدما إستعرض مدى القبول الذي تحظى به النّظريّة في المؤسّسات العلميّة والأكاديميّة، فرّق البابا بين التّفسيرات الماديّة التي قد تنبني على حقيقة التطوّر وبين الحقائق البحتة التي يحصّلها هذا العلم بآليّاته التّجريبيّة الدّقيقة.

المصادر: مصدر4 | مصدر5
3) علماء مسلمون يلمّحون لإمكانيّة تفسير الآيات القرآنيّة بما يتوافق مع نظريّة التطوّر: لقد كتب، تحدّث، وألّف بعض علماء المسلمين حول إمكانيّة التّوفيق بين أصول نظريّة التطوّر المركزيّة وبين الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن خلق الإنسان والكائنات الحيّة عمومًا. أحد أشهر هؤلاء هو الدّكتور عبد الصّبور شاهين في كتابه “أبي آدم” الذي يدّعي أنّ البشر تطوّروا من غيرهم من الكائنات الحيّة – كما تصوّر نظريّة التطوّر -، ولكنّ الله اصطفى آدم من بينهم ونفخ فيه الرّوح ليكون أبو الإنسان.

بالإضافة إلى ذلك، الدكتور يوسف القرضاوي، أحد أهمّ العلماء المسلمين وأكثرهم تأثيرًا في العصر الحديث، صرّح في برنامج “بداية الخلق ونظريّة التطوّر” على قناة الجزيرة: “ونحن المسلمين نقف على أرض صلبة ليس عندنا، ليس هناك قضية واحدة تتناقض مع نصوص القرآن أو النصوص القطعية في السنة النبوية ليس هناك، حتى لو ثبتت قضية، نظرية داروين، عندنا من الآيات ما يمكن أن يدخل فيها.” وبعد ذلك، نفى الدّكتور القرضاوي وجود أيّ علاقة مباشرة بين الإلحاد ونظريّة التطوّر بقوله: ” فليس من ضرورة النظرية الإلحاد، إنما استغلها الملحدون، يعني النظرية في إيحاءاتها للعامة يستغلها الملحدون.”

وبعد ذلك صرّح القرضاوي أنّ معارضة علماء المسلمين للنّظريّة ليس لها علاقة بإيحاءاتها الفلسفيّة، إنّما بقبولها العلميّ وبقوّة الأدلّة العلميّة التي تسوّق لها، حيث قال: “حينما تصبح النظرية دي حقيقة واقعة ممكن نؤول يعني كما قال الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه قصص القرآن حينما تصبح القضية، نظرية داروين مثل السماء فوقنا والأرض تحتنا، يعني حقيقة قطعية، نضطر في الحالة دي نؤول آيات القرآن.”

ليس الهدف من هذه الإقتباسات بيان موافقتنا أو معارضتنا لها، ولكنّها تشير بشكلٍ واضح إلى أنّ هنالك إمكانيّة حقيقيّة للتّوفيق بين نصوص القرآن والسنّة وبين نظريّة التطوّر، ممّا يعني أنّ النّظريّة ليست إلحاديّة، ولا تدعو إلى “هدم الأخلاق” و”سلخ القيم” كما يدّعي معارضي النّظريّة من الخلقيين.

مصدر6
4) بعض العلماء المؤمنين من أنصار فرضيّة “التّصميم الذّكي” يعترفون بحقيقة التطوّر المركزيّة (السّلف المشترك): عادة ما يعترف الخلقيّون بأنّ رؤية داروين العلميّة بما يتعلّق بالإنتقاء الطّبيعي للأصلح في البيئة المتغيّرة صحيحة، ولكنّهم يختلفون معه فيما يتعلّق بالأصل أو السّلف المشترك لجميع الأنواع الحيّة – وهذا يشمل الإنسان. ولكن في واقع الأمر، بعض العلماء الذين يناصرون فرضيّة “التّصميم الذّكي” يعترفون بحقيقة السّلف المشترك أيضًا. على سبيل المثال، العالم الشّهير مايكل بيهي (Michael Behe)، أحد أشهر المدافعين عن فرضيّة “التّصميم الذّكي” صرّح في كتبه الكثيرة أنّه يقبل بحقيقة التطوّر المركزيّة “السّلف المشترك”، حتّى بين الإنسان والقردة. سنقتبس هنا بعض المقتطفات من كتبه والتي تبيّن مواقفه الحقيقيّة من مسألة التطوّر والسّلف المشترك:

“أنا أجد فكرة السّلف المشترك (أنّ جميع الكائنات الحيّة انحدرت من سلف مشترك) مقنعة تمامًا، وليس لديّ أيّ سبب للتّشكيك فيها. أنا أحترم بشدّة عمل زملائي الذين يدرسون نموّ وسلوك الكائنات الحيّة في إطارها التطوّري، وأنا أرى أنّ علماء التطوّر ساهموا بشكلٍ مذهل لفهمنا للعالم. ومع أنّ آليّة داروين – الإنتقاء الطّبيعي يعمل على تنوّع [في الصّفات] – من الممكن أن تفسّر الكثير من الأشياء، ولكنّي لا أؤمن أنّ بإستطاعتها تفسير الحياة الجزيئيّة.” (مايكل بيهي، صندوق داروين الأسود، صفحة 5-6).

“عند البشر وقردة الشامبانزي هنالك نسخة معطّلة من جين يساعد على صناعة فيتامين سي عند الثديّات الأخرى. من الصّعب أن نتخيّل أن يكون هنالك دليل أقوى من هذا على صحّة السّلف المشترك بين قردة الشامبانزي والبشر. […] على الرّغم من بقاء بعض الألغاز المحيّرة، إلا أنّه ليس هنالك أيّ سبب للتّشكيك في أنّ داروين أصاب في هذه النّقطة، أنّ جميع الكائنات الحيّة على الأرض هي أقارب بيولوجيًّا” (مايكل بيهي، حافّة التطوّر، صفحة 71-72).

مصدر7
5) علماء مؤمنين مشاهير دافعوا علنًا عن نظريّة التطوّر وصرّحوا بقبولهم لحقائقها المركزيّة: هذه قائمة بأهمّ وأشهر العلماء المؤمنين الذين دافعوا عن نظريّة التطوّر ضدّ الهجمات الأيديولوجيّة التي يمارسها الخلقيّون تجاه النّظريّة العلميّة.

الدّكتور فرانسيس كولينز (Francis Collins)، المشرف على مشروع الجينوم البشري، ومدير المعهد الوطني للصحّة في أمريكا (الدّيانة: مسيحي إنجيلي).

الدّكتور كينيث ميلر (Kenneth Miller)، بروفيسور علم البيولوجيا الجزيئيّة والخلويّة في جامعة براون الأمريكيّة، وأحد أشهر المدافعين عن نظريّة التطوّر في أمريكا. (الدّيانة: مسيحي كاثوليكي).

الدّكتور فرانشيسكو أيالا (Francisco J. Ayala)، برفيسور علوم الأحياء والتطوّر في جامعة كاليفورنيا إرفاين، وقسّيس دومينيكاني سابق. (الدّيانة: مسيحي).

الدّكتور سايمون موريس (Simon C. Morris)، عالم الأحياء القديمة والمستحاثّات، ومكتشف أهمّ موقع أحفوريّات في العالم (Burgess Shale). الدّكتور موريس معارض جدًّا للتّفسيرات الماديّة لنظريّة التطوّر ولا يرى تعارض ما بين النّظريّة والإيمان بالخالق (الدّيانة: مسيحي).

الدّكتور روبرت بيري (R. J. Berry)، مختصّ في علم الوراثة وعالم طبيعة مشهور. (الدّيانة: مسيحي).


الخلاصة: ولذلك نستنتج من جميع الدّلائل التي استعرضناها في هذه المقالة أنّه ليس هنالك في نظريّة التطوّر العلميّة ما يدعو إلى الإلحاد، “هدم الأخلاق”، “سلخ القيم”، أو محاربة الأديان. تفسيرك لحقائق النّظريّة وتفسيرك للحقائق المستقاة من الإيمان الدّيني هو ما يحدّد موقفك العلمي والموضوعي من النّظريّة. أو بمعنى آخر، إذا أردت أن تكون ملحدًا، فستجد في النّظريّة ما تريد أن تجد فيها إبتداءً، وإذا كنت مؤمنًا فستجد في النّظريّة ما تريد أن تجد فيها إبتداءً.

نظريّة التطوّر هي نظريّة علميّة حياديّة تسعى لفهم، تفسير، وشرح الحقائق المشاهدة في عالم الأحياء. ودعمها وتقبّلها من قبل العلماء المؤمنين والملاحدة على حدّ السّواء لا يؤكّد إلاّ على حياديّتها في مسائل الإيمان والدّين. ولهذا السّبب، الهجمات الأيديولوجيّة التي يمارسها الخلقيّون ضدّ النّظريّة هي هجمات غير مبرّرة. ونتمنّى أن تدفعنا هذه المقالة نحو دراسة النّظريّة، أصولها العلميّة، والأدلّة التي تساق في صالحها بشكل علمي وموضوعي، بدلاً من مناقشتها على أنّها دين أو أيديولوجيّة سياسيّة.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

17-انتقد ريتشارد دوكنز ونعت فكره بالإستحمار والاستهبال وسخّف فكرة الانتخاب الطبيعي وكذّبها ليعود لاحقاً ويمدح داروين ويتفق معه بنسبة 99% وقام بعمل سلسلة ثقافية يشرح فيها طريقة عمل الانتخاب الطبيعي. (هنا)

 

عدنان ابراهيم

 

18-يعتبر المثلية شذوذاً وإخفاقاً إنسانياً وشخصية غير مكتملة، وتعدي على طبيعة الله ويصفهم بأنهم ليسوا ببشر. لكن يرفض الأحاديث حول حرقهم أو قتلهم أو رميهم من شاهق. (هنا)

 

مثليةالماركسية والفلسفة: حوار مع لوي ألتوسير – ترجمة: هشام عقيل صالح

الحوار التالي أجرته معي ( فيرناندا نافارو) وهي أستاذة شابة للفلسفة الماركسية، تطرح علي مجموعة من الأسئلة لأجيب عليها. لم أطلب من ( فيرناندا) أن تسألني الأسئلة التي أردت سماعها كي أعطي الأجوبة التي تناسبني، بل ( فيرناندا) هي من اختارت الأسئلة، وهي من وضعت الأجوبة على شكل مكتوب.

 اضطرت أن تأتي للقائي في باريس شتاء 1983-84، تحدثنا لوقت طويل جداً، ثم كانت لدي الراحة لأشرح لها مواقفي بإسهاب، وكانت لديها الفرصة لتقرأ عدداً من مخطوطاتي غير المنشورة  المخزنة بعيداً التي كتبتها في فترة تمتد من الستينيات إلى 1978:  وقامت بتسجيل أحاديثنا المطولة في شريط أو شريطين، ومن ثم عادت إلى المكسيك، تاركة عندي انطباعاً إيجابياً حول فهمها الفلسفي.

 طبعاً كانت نية ( فيرناندا) التوصل إلى فهم أفضل لأسباب وموضوعات تدخلي الفلسفي في فرنسا منذ 1970 إلى 1978، لم ترد فهم الأهمية الفلسفية والسياسية لما حاولت فعله وحسب، بل أيضاً في مثل الوقت، الأسباب للاهتمام المفاجئ من البعض الذي تولد في فرنسا وباقي أنحاء العالم، والدوافع للحيوية المتساوية، أحياناً حاقدة، ودائماً عدائية عنيفة التي أثيرت عند الكثير من قرائي، أولهم الشيوعيين.

 في مثل الوقت، كانت ( فيرناندا) تلاحق مشروعاً آخر كذلك: أرادت أن تنشر على شكل مقابلة نصاً صغيراً لطلبة جامعة ميتشواكان، وبذلك أرادت شروحات مبسطة، ودعنا نقول، نصاً موجزاً لغير المختصين.

 قبل شهرين أرسلت لي مقابلة ذات سبعين صفحة بالإسبانية، ككل رأيت هذا النص يدخل صلب الموضوع، ووصلت إلى استنتاج ليس طويلاً بعدما بدأت القراءة أن النص ممتاز جداً إلى درجة ضرورة استخدامه لغاية غير التي كانت هي تسعى إليها. كتبت إليها فوراً مقترحاً أن تصحح عدة تفاصيل، وبالأخص، تحويل هذه المقابلة إلى كتاب صغير. سينشُر هذا الكتاب، واضعاً في ذهني، صديقي ( اورفيلا)، مدير مؤسسة النشر القرن الحادي والعشرين (Siglo XXI) في مدينة المكسيك، أولاً بالإسبانية وثانياً بالبرتغالية، لأجل القراء طلبة الفلسفة والناشطين السياسيين في أمريكا اللاتينية (ضمنهم البرازيليين)، وحصراً لهؤلاء القراء، أحتفظ بالحق في نشر هذا النص بالفرنسية في الوقت المناسب. [1]

لوي آلتوسير

يوليو 1986


-فلسفة من أجل الماركسية، “على نهج ديموقريطوس”-

  • لقد أظهرت خلال عملك اهتماماً خاصاً بالفلسفة وعلاقتها بالسياسة، هل يمكننا البدء بالحديث عن هذه المسألة؟

 بكل تأكيد. هذا الاهتمام لم يكن محصوراً بالمستوى النظري، حيث بدايةً منذ نهاية الأربعينيات، كنت فيلسوفاً وناشطاً سياسياً. أحد اسباب ذلك نتيجة الظروف التاريخية التي كانت من نصيبي العيش فيها: الحرب العالمية الثانية، الستالينية، الحركة العالمية للسلام، نداء ستوكهولم للسلام. هذه الأيام كانت الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تمتلك القنبلة الذرية؛ كان علينا تفادي حرباً عالمية ثالثة بأي ثمن. كنت أبذل عشر ساعات يومياً في العمل السياسي.

  • هذا يذكرني بما كتبته في مقدمة كتاب (إلى ماركس) حول سنوات ما بعد الحرب، دعني أقتبسك:

 “التاريخ: لقد سرق شبابنا منا مع الجبهة الشعبية والحرب الأهلية الإسبانية، وفي حرب كهذا قد دمغت فينا الدرس الرهيب للأفعال، قامت بمفاجئتنا حالما دخلنا العالم، وحولتنا نحن الطلاب ذوي الأصول بورجوازية أو بورجوازية صغيرة إلى رجال ندرك وجود الطبقات، وصراعها وأهدافها؛ من خلال الدليل الذي فرض علينا توصلنا إلى الاستنتاج الوحيد، وزحفنا نحو المنظمات السياسية للطبقة العاملة، والحزب الشيوعي .. كان علينا قياس قرارنا وتحمله…

 تبقى في ذاكرتنا الفلسفية فترة المثقفين المسلحين، يصطادون الخطأ من كل مخابئه، كنا فلاسفة من دون كتابات خاصة بنا، ولكننا نصنع السياسة في كل كتابة، ونقوم بتشريح العالم بشفرة واحدة، والفنون، والأدب، والفلسفات، والعلوم – بفصل طبقي قاس..

لاحقاً تمكنا من رؤية إن كانت هناك بعض المحدوديات في استخدامنا للمعيار الطبقي، وأجبرنا أن نعامل العلم، هذه المكانة التي ادعاها ماركس في كل صفحة، كمجرد شيء له حضور مبكر ما بين الأيديولوجيات. كان علينا أن ننسحب في شبه- تشويش، ونعود إلى المبادئ الاساسية.“

 عندما انضممت للحزب الشيوعي الفرنسي في العام 1948، أردت التدخل في الحزب وفي فرنسا؛ من أجل الصراع ضد الستالينية المنتصرة وآثارها المأساوية لسياسات حزبي. في ذاك الوقت، لم يكن لدي أي خيار: إذا كنت قد تدخلت علناً في سياسات الحزب، الذي رفض حتى أن ينشر كتاباتي الفلسفية (حول ماركس) التي اعتبرت هرطقات خطيرة، سيتم على الأقل حتى 1970، طردي فورياً وسأظل مهمشاً بلا أي قوة في التأثير على الحزب إطلاقاً. الطريقة الوحيدة المتبقية لأتدخل سياسياً في الحزب: هو عن الطريق النظري المحض – الذي هو الفلسفة.

  • على خلفية هذا الخلاف، حمل نقدك على عدة مفاهيم والتي ساعدت على مساندة المناصب الرسمية في الأحزاب الشيوعية، أنا افكر في المادية الديالكتيكية على سبيل المثال.

 نعم، أردت أن نتخلى عن الأطروحات اللامعقولة للمادية الديالكتيكية أو “الدايمات”. في ذاك الوقت، كانت لها سطوة لا شك فيها على كل الأحزاب الشيوعية الغربية، باستثناء -جزئي فقط- إيطاليا (بفضل جهد غرامشي الجبار لنقد وإعادة إعمار النظرية الماركسية).

  •  على ماذا بنيت نقدك للمادية الديالكتيكية؟

بدا لي من المهم جداً التخلص من المادية الواحدية وقوانينها الديالكتيكية الكونية، التي تعود إلى الأكاديمية السوفيتيية للعلوم، إنها مفهوم ميتافيزيقي ضار حيث جعل “ المادة” مكان “ الروح” الهيغلية أو “الفكرة الشاملة”. اعتبرتُ من غريب الإعتقاد، وفرض هذا الاعتقاد، أن الواحد منا يستطيع أن يختزل العلم، وحتى الأيديولوجية والسياسة الماركسية اللينينية، من خلال تطبيق مباشر  لـ “ قوانين” وهمية للديالكتيك المزعوم على العلوم والسياسة. رأيت أن الفلسفة أبداً لا تتدخل مباشرة، إلا عن طريق الايديولوجيا.

  •   ماذا برأيك كانت العواقب السياسية لهذا الموقف؟

 أعتقد أن هذا الخداع الفلسفي قد سبب للاتحاد السوفيتي خسائر فادحة، لا أعتقد أننا نبالغ في القول بأن الإستراتيجية السياسية لستالين وكل التراجيديا الستالينية كانت جزئياً مبنية على “المادية الديالكتيكية”، بشاعة فلسفية مصممة لشرعنة النظام ولتخدم كضمان نظري – تفرض نفسها بقوة على التفكير.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن ماركس لم يستخدم أبداً مصطلح “المادية الديالكتيكية”، هذا “اللوغراثم الأصفر”، كما حب أن يسمي السخافات النظرية.

 (إنجلز) هو من -في ظروف معينة- قام بتعميد المادية الماركسية بـ “ المادية الديالكتيكية”، ندم ماركس على فشله في كتابة عشرين صفحة حول الديالكتيك، كل ما هو معروف عن الذي تم إنتاجه حول هذا الموضوع (جانباً من اللعبة الديالكتيكية بمفاهيم نظرية العمل حول القيمة) هو كائن في هذه الجملة: “الديالكتيك، الذي عادة ما يخدم القوة القائمة، هو أيضاً نقدي وثوري”، عندما يتم طرح “قوانين” الديالكتيك، إنه إما يطرح بشكل محافظ (إنجلز) او خجول (ستالين)، لكنه عندما يكون نقدياً وثورياً، الديالكتيك هو ذو قيمة بالغة، في هذه الحالة لا يمكن الحديث عن “قوانين” الديالكتيك، مثلما لا يمكن الحديث عن “ قوانين” التاريخ.

 المفهوم المادي الحقيقي حول التاريخ يعني ضرورة التخلي عن فكرة أن التاريخ مسيطر ومحكوم بقوانين التي يكفي معرفتها من أجل الانتصار على اللا-تاريخ.

  •  مما تألف تدخلك النظري والفلسفي في الحزب؟

 بدأت أتفحص في نص (رأس المال)، لما يمكن أن تكون عليه الفلسفة الماركسية، كي تكون الماركسية شيئاً غير “الصياغات الشهيرة”، إما غامضة أو واضحة جداً، التي يتم اقتباسها بشكل لا نهائي من دون توليد أي تقدم حقيقي، أو لا حاجة لنضيف أي “ نقد ذاتي”.

  •  هل كان بمقدورك من دون أية مخاطر كبيرة، تفسير فكر ماركس النظري الحقيقي في حزب كالذي وصفته؟

 رغم أن الحزب كان ستالينياً وصارماً جداً، إلا أنه كان بمقدوري ذلك لأن الحزب جعل ماركس مقدساً. تقدمتُ بطريقة ما -إذا أردنا أن نقارن الأشياء الكبيرة بالصغيرة- مثل سبينوزا عندما، من أجل أن ينتقد الفلسفة المثالية لديكارت والأساتذة، بدأ من الله نفسه، بدأ شروحاته في كتاب (الأخلاق) بالجوهر المطلق الذي هو الله، بذلك يضع خصومه في زاوية حيث لا يستطيعون رفض التدخل الفلسفي الذي يدعي قدرة الله الكلية، حيث جميعهم، ومن ضمنهم ديكارت، سلموا أن هذه القدرة الكلية هي مسألة إيمانية و”حقيقة بديهية”. بالنسبة لهم، كانت هي الحقيقة الجوهرية يكشفها نور البشر الطبيعي.

  • ولكن كما قال ديكارت: “كل فيلسوف يتقدم متستراً”.

 بالضبط، ببساطة فسر سبينوزا هذا الإله بطريقة إلحادية.

  •  ما الذي حدث عندما تبنيت هذه الاستراتيجية؟

 هذه الاستراتيجية نجحت كما توقعت؛ خصومي الشيوعيين، في الحزب وفي الدوائر الماركسية غير الشيوعية، كان هجومهم شرساً وبلا رحمة، ويتجدد بلا نهاية، ولكنه كان يخلو كلياً من أية قيمة نظرية. كل هذا الهجوم لم يحمل أي ثقل -ليس من وجهة نظر ماركسية وحسب بل ببساطة من وجهة نظر فلسفية، التي هي وجهة نظر الفكر الحقيقي. فكنت قد انخرطت أولاً على هذا الطريق المحدود والغريب ولكن الخصب، النتيجة كانت التي أرمي إليها. واضح أنني تبنيت الاستراتيجية الوحيدة الممكنة في ذاك الوقت: الاستراتيجية النظرية التي أدت (بداية من مؤتمريّ الحادي والعشرين والثاني العشرين، فيما يتعلق على سبيل المثال بديكتاتورية البروليتاريا) إلى تدخل سياسي مباشر، ولكن لم يكن بمقدور الحزب طردي؛ لأن تدخلي السياسي كان مبنياً على ماركس، الذي فسرته بطريقة “ نقدية وثورية”. كان ماركس يحميني حتى في الحزب، بفضل مكانته كـ “ الأب المقدس لفكرنا”.

  •  هل اشتبهوا على أي شيء؟

 أعتقد ذلك. أعلم على أية حال، كانوا يشكون بي بشكل لا يصدق، لدرجة أنهم قاموا بتهميشي وجعلوا بعض الطلبة في الجمعية الطلابية الشيوعية يتجسسون  علي في مقر تدريسي ايكول نورمال سوبريور (مدرسة الأساتذة العليا)، كانوا مدهوشين بالخطر المتجسد في هذا الفيلسوف الاكاديمي الغريب، الذي تجرأ أن يقدم نسخة أخرى لتشكيلة فكر ماركس .. ضمناً بكل شيء. أكثر من ذلك، شكوا بكوني ملهماً شبه سري، ولكن في مثل الوقت مؤثراً، للحركة الماوية الشبابية في فرنسا، التي في تلك الفترة تطورت بشكل أصيل ومذهل.

-فلسفة ماركسية أم مادية تصادفية؟ –

  •   حول قضاياك ونقدك، هل كان لديك مشروعاً بديلاً  لتقدمه؟

ليس في ذاك الوقت، ولكنني الآن أملك البديل. أعتقد أن المادية “الحقيقة”، المادية المناسبة للماركسية هي “المادية التصادفية”، على نهج أبيقور وديموقريطوس. أريد أن أوضح أن هذه المادية هي ليست فلسفة يجب عرضها على شكل نسقي لتستحق اسم “ فلسفة”؛ لا حاجة إلى تحويلها نحو نسق، رغم أن هذا مستحيل. ما هو حقاً حاسم في الماركسية هو أنها تقدم “موقعاً” في الفلسفة.

  •  عندما تقول “نسق” هل تقصد كلية منغلقة على ذاتها، حيث فيها كل شيء يتم التفكير فيه مسبقاً ولا يمكن مقارعة أي شيء فيها دون إسقاط هذا الكل؟

 نعم. ولكنني أريد أن أؤكد أن ما يؤسس الفلسفة هو ليس القول البرهاني أو الشرعي؛ ما يُعرّف الفلسفة هو موقعها (باليونانية thezis) في ساحة المعركة الفلسفية (ساحة الحرب Kampfplazt لكانط): مع أو ضد هذا الموقع الفلسفي، أو مساندة موقع فلسفي جديد.

  •  هل يمكنك أن تقول شيئاً عن ديموقريطوس وعوالم أبيقور من أجل أن تجعل مفهومك حول المادية التصادفية أكثر وضوحاً؟

 نعم، ولكني أود أن أشرح ما دفع تفكيري حول، الفلسفة الماركسية، تحديداً في السنوات الأخيرة. توصلتُ إلى فكرة أن من الصعب جداً الحديث عن الفلسفة الماركسية، مثل صعوبة الحديث عن فلسفة الرياضيات، أو فلسفة الفيزياء، معطى أن اكتشاف ماركس كان أساساً علمياً بطبيعته، كان مكوناً من كشف عمل النظام الرأسمالي.

 من أجل هذه الغاية، اعتمد ماركس على فلسفة – فلسفة هيغل- التي يمكن القول بأنها ليست مناسبة لهدفه… أو لتجعله يفكر أبعد. في أي حدث، المرء لا يمكنه أن يستنتج اكتشاف ماركس العلمي وفقاً لفلسفته. نحن من جانبنا اعتقدنا أنه لم يصرح بالفلسفة التي كانت متضمنة في عمله؛ هذا يفسر أن ما كنا نفعله هو محاولة إعطاء ماركس فلسفة ستجعل فهمه ممكناً: فلسفة رأس المال، لفكره الاقتصادي، والسياسي، التاريخي.

في هذه النقطة، أعتقد أننا لم نكن موفقين، بمعنى أننا فشلنا في إعطاء ماركس الفلسفة المناسبة لعمله، أعطيناه فلسفة تغلب عليها “روح العصر”، كانت فلسفة ذات إلهام باشلاري وبنيوي، التي رغم أنها تضع الاعتبار لعدة جوانب لفكر ماركس، لا أعتقد يمكن تسميتها بالفلسفة الماركسية.

موضوعياً، جعلت هذه الفلسفة التوصل إلى رؤية متماسكة لفكر ماركس أمراً ممكناً. غير أن، العديد من نصوصه تناقضها لاعتبارها فلسفته. بالإضافة على أسس أبحاث جديدة، مثل أبحاث جاك بييديه التي نشرها في كتابه (اكتشاف رأس مال ماركس – Que faire du “Capital”?)، نجد أن ماركس لم يحرر نفسه كلياً من هيغل، رغم أنه انتقل إلى حقل آخر، الذي هو العلم، وبنى المادية التاريخية عليه.

  • هل هذا يعني أن “ الانقطاع” لم يكتمل؟

لا، لم يكن مكتملاً أبداً. كان ميلياً وحسب.

  •   كيف تحديداً توصلت لإدراك ذلك؟

 مثلما قلت، بحث (بييديه) كان حاسماً، وضع عمل ماركس تحت ضوء جديد، تمكن بييديه من أن يصل إلى مادة كبيرة جداً، ضمنها مخطوطات غير منشورة، التي لم نكن نعلم بشأنها قبل عشرين سنة، هذه المادة هي فاصلة. منذ فترة قليلة أتى بيدييه ليزورني وكان لنا نقاشاً طويلاً.

  •  ماذا ستقول اليوم عن وصف رايموند آرون لعملك بأنه”ماركسية خيالية”؟

 سأقول إن آرون، إلى حد ما لم يكن مخطئاً كلياً، لقد فبركنا فلسفة “خيالية” لماركس، فلسفة لم توجد في عمله، إذا تمسك المرء بالحرف الواحد بكل دقة لنصوصه.

  •  ولكن في هذه الحالة يمكن القول بأن قلة قليلة من الكتاب تمكنوا من اجتناب “الماركسية الخيالية”، خصوصاً عندما تتعلق المسألة بشيء (مثل الفلسفة في عمل ماركس)، إذا كان موجوداً يوجد فقط في حالة كامنة.

  ربما. ولكن على حد علمي، أعتقد بأننا بعد هذه التجربة التنويرية، واجهنا مهمة جديدة، التي هي تحديد نوع الفلسفة التي تناسب ما كتبه ماركس في (رأس المال).

أياً كانت هذه الفلسفة، لن تكون “فلسفة ماركسية”، ستكون ببساطة فلسفة تتموقع في تاريخ الفلسفة، ستكون قادرة على أن تعتبر كل الاكتشافات المفهوماتية التي وضعها ماركس في (رأس المال)، ولكنها لن تكون فلسفة ماركسية، ستكون فلسفة من أجل الماركسية.

  • ألم تقم بتطوير هذه الفكرة سابقاً؟ في ( لينين والفلسفة) أنت صرحت أن الماركسية ليست فلسفة جديدة في جوهر النظرية الماركسية، أنت قلت إنها علم، ولكنها تتضمن فضلاً عن ذلك، ممارسة جديدة للفلسفة التي يمكن أن تساعد على تحويل الفلسفة نفسها.

 هذا صحيح.

  •   أنت بدأت بالإشارة إلى مفارقة الفلسفة الماركسية في محاضرة ألقيتها عام 1976 في جامعة غرناطة “تحويل الفلسفة”. اعتقد ماركس كما قلت، أن إنتاج الفلسفة كـ “فلسفة” حتى لو بشكل معكوس، كانت طريقة في الدخول إلى لعبة الخصوم، وبذلك مساعدة تعزيز الايديولوجيا البورجوازية من خلال تثبيت شكلها في التعبير النظري.

  بالضبط. إنها مخاطرة في الفلسفة للسقوط في قبضة حزب الدولة، المؤسسة التي لم يثق ماركس بها إطلاقاً. أما بالنسبة للفلسفة، فإنها تمثل شكلاَ لتماسك الايديولوجيا المهيمنة، الإثنان واقعان في مثل آليات الهيمنة.

  • أليس هذا سبباً آخر لتفسير امتناع ماركس عن إنتاج فلسفة كتلك، حيث بطريقة ما، إنتاج “ فلسفة” ستكون بمثابة الانتقال نحو “تمجيد ما هو قائم”؟

 ضعي في البال عندما تحدث ماركس عن الشكل المستقبلي للدولة، استحضر دولة تُفهم كـ “لا دولة” ، باختصار شكلاً جديداً سيحفز اختفاؤها الذاتي. يمكننا أن نطبق هذا القول على الفلسفة. ما بحث ماركس عنه كان “ لا-فلسفة” التي وظيفتها كهيمنة نظرية ستختفي من أجل أن تسمح لأشكال جديدة للوجود الفلسفي.

  •   هل هذا يساعدنا على استخراج مفارقة الفلسفة الماركسية؟

 المفارقة تكمن في واقع أن ماركس، الذي تدرب على أن يكون فيلسوفاً، رفض كتابة فلسفة، رغم ذلك زعزع كل الفلسفات التقليدية في أساسها عندما كتب كلمة “ممارسة” في الأطروحة الثانية حول فويرباخ. هكذا في كتابة ( رأس المال)، عمل علمي، ونقدي، وسياسي، مارس الفلسفة التي لم يكتبها أبداً.

 تلخيصاً لما قلناه إلى حد الآن، نكرر أن المهمة التي علينا العمل بها اليوم هي ليست فلسفة ماركسية، بل فلسفة من أجل الماركسية، تفكيري مؤخراً يسير على هذا الطريق. أنا أمحص في تاريخ الفلسفة، عن العناصر التي ستمكنا من فهم ماذا الذي فكره ماركس وفي أي شكل فكر فيه.

 توضيح أخير: عندما أقول إنه من الصعب الحديث عن الفلسفة الماركسية، لا يجب أن يفهم هذا بشكل سلبي، ليس هناك أي سبب لِم على كل زمن أن يملك فلسفته الخاصة، ولا أعتقد أن هذا الأمر هو الأكثر ضرورة أو أساسي. إذا كنا نريد فلاسفة، لدينا أفلاطون، وديكارت، وسبينوزا، وكانط، وهيغل، وكثيرين غيرهم، يمكننا الاستفادة من أفكارهم من أجل تفكير وتحليل وقتنا الحاضر من خلال “فهمها” وتطوريها.

  •  هل تعتبر أن المادية التصادفية هي الفلسفة الممكنة للماركسية؟

 نعم، إنها تأخذ هذا المنحى. الآن يمكننا أن نعود إلى عوالم ديموقريطوس وأبيقور؛ لاستحضار الأطروحة الأساسية. قبل تشكل العالم كان هناك عدد من الذرات اللانهائية التي تتساقط موازية لبعضها في الفراغ، هذا التأكيد له تداعيات قوية: (1) قبل ان يكون هناك عالم، لم يتشكل شيء على الإطلاق، وفي مثل الوقت، (2) كل العناصر كانت كائنة بانعزال، منذ الأزل، قبل أن يكون هناك أي عالم.

 هذا يعني أنه قبل تشكل العالم، لم يكن هناك أي معنى، أو سبب، أو غاية، أو منطق، أو لامنطق؛ هذا هو نقض لكل غائية، سواء أكانت منطقية، أو أخلاقية، أو سياسية، أو فنية. أضيف أن هذه المادية هي مادية، ليست وفقاً لذات (سواء أكانت إله أو البروليتاريا)، ولكنها وفقاً لسيرورة -من دون ذات- التي تطغي على نظام تطورها، من دون أي غاية معينة.

  • لا-أسبقية المعنى هي واحدة من أطروحات أبيقور الأساسية، بفضل معارضته لـ أفلاطون وأرسطو.

 صحيح. الآن هذا الـ “ كلينامين” (Clinamen – انحراف الذرات) يتدخل: انحراف صغير جداً يحدث، لا أحد يعرف أين أو كيف أو متى، الشيء المهم أن الـ “ كلينامين” يدفع الذرة نحو “ الانحراف” عن مسار سقوطها في الفراغ، مما يسبب “ تصادفاً” مع الذرة التي قربها، ومن “تصادف” إلى “ تصادف” عالماً يولد – كل مرة هذه التصدفات تدوم بدلاً من ان تبقى لوقت وجيز.

  • هل علينا أن نستنتج أن أصل كل عالم أو واقع، كل ضرورة أو معنى، يعود إلى انحراف تصادفي؟

بكل تأكيد. يفترض إبيقور أن هذا الانحراف التصادفي هو أصل العالم، وليس المنطق أو السبب الأول. يجب أن نفهم مع ذلك أن هذا التصادف يصنع لا شيء من واقع هذا العالم، ولكنه يمنح الذرات بذاتها حقيقتها، التي من دون الانحراف والصدفة، ستكون لا شيء سوى عناصر تجريدية ينقصها التماسك والكينونة. إنه فقط بعدما يتأسس العالم يتبعه سيادة المنطق، والضرورة، والمعنى.

  • هل يمكننا التفكير في أي فيلسوف متأخر تبنى هذه الأطروحات، رافضاً مسألة الأصل؟

 أفكر في هايدغر رغم أنه ليس أبيقورياً أو ذرياً، إلا أن فكره يحمل نزعة مماثلة. من المعروف إنه يرفض مسألة أصل، أو غاية، أو نهاية العالم، ولكننا نجد عند هايدغر سلسلة طويلة من التطورات تتمحور حول تعبير ( es gibt) – “ ما هو كائن”، “ أو ما هو معطى” – مما يتقارب مع إلهام أبيقور. “هناك وعالم وأشياء، هناك بشر…”  فلسفة (es gibt) لما “هو معطى”، تدحض كل المسائل الكلاسيكية حول الأصل، الخ. وأنها “ تنفتح” على احتمالية في استعادة نوعاً من ترانسندتالية تصادفية للعالم، الذي “القينا” فيه، ولمعنى هذا العالم، الذي بالمقابل يشير إلى افتتاح الوجود، الدافع الاصلي له، الذي هو “تخصيصه”، حيث لا يوجد ما وراءه أي شيء لتفكيره فيه أو البحث عنه . هكذا العالم هو “ الهدية” التي تم منحنا إياها.

  • هدية يمكننا أن نضيف، لم نطلبها أو نختارها، ولكنها تفتتح لنفسها لنا في كل واقعانيتها وتصادفيتها.

 نعم، ولكن فضلاً عن الاعتقاد أن الصدفة هي إحدى مشروطات الضرورة، أو استثناء بالنسبة لها، يجب علينا أن نرى الضرورة بوصفها الصيرورة-الضرورية لصدفة الحوادث.

نيتي هنا، الإصرار على وجود تقليد مادي لم يتم إدراكه في تاريخ الفلسفة. الذي ينتمي إليه ديموقريطوس، أبيقور، ماكيافيلي، هوبز، روسو ( روسو الخطاب الثاني)، ماركس وهايدغر، في المقولات التي دافعوا جميعاً عنها: الفراغ، الحدود، الهامش، غياب المركز، انزياح المركز نحو الهامش ( والعكس بالعكس)، والحرية. مادية الصدفة، الحادثة – باختصار، التصادفية، التي تقف حتى ضد الماديات التي تم اعتبارها كتلك، من ضمنها التي ما يشاع أنها تنتمي إلى ماركس، وإنجلز، ولينين، التي، مثل كل مادية من التقليد العقلاني، هي مادية الضرورة والغائية، هي شكل مقنع للمثالية.

 من الواضح جداً أن بسبب إنها مثلت خطراً قام التقليد الفلسفي بتفسيرها وتحريفها نحو مثالية الحرية: إذا كانت ذرات أبيقور، تمطر في الفراغ متوازية مع بعضها البعض، تتصادف مع بعضها البعض، من ذلك سنشهد – في الانحراف التي أنتجها الكيلنامين-  وجود حرية إنسانية في العالم تابعة للضرورة نفسها.

  • هل يمكن إذن، للمرء أن يقول إن هذه الفلسفة، على قدر ما هي ترفض كل المفاهيم حول الأصل، تأخذ اللاشيء ( le néant) كنقطة انطلاقها؟

 نعم بالضبط، هي فلسفة الفراغ التي لا تقول إن الفراغ يسبق وجود الذرات التي تسقط فيه وحسب، بل أيضاً تخلق فراغاً فلسفياً من أجل أن تمنح نفسها كينونة، فلسفة، التي بدلاً من أن تبدأ بـ “ المشكلات الفلسفية” الشهيرة، تبدأ بدحضها، ومن خلال رفضها في أن تمنح نفسها “ موضوعا” -ليس للفلسفة أي موضوع- من أجل أن تبدأ باللا شيء. إذن لدينا أولية اللاشيء على كل شكل، أولية الغياب ( لا وجود لأي أصل) على الحضور، هل يوجد نقد أكثر راديكالية لكل الفلسفة، مع ذريعتها في أن تتحدث الحقيقة عن الأشياء؟

  • كيف إذن ستصف موقع المادية التصادفية؟

 حول هذا الموضوع، يمكننا أن نقول إن المادية التصادفية تفترض أولية المادي فوق كل الأشياء الأخرى، من ضمنها التصادفي. المادية يمكن أن تكون مادة بسيطة، ولكن ليست بالضرورة مادة محضة، هذه المادة تختلف بطريقة واضحة عن مادة الفيزيائي أو الكيميائي، أو العامل الذي يعمل على الحديد أو في الأرض، يمكنها أن تكون مادية لتجهيز اختباري معملي. دعيني أحمل الأمور بشكل متطرف: يمكنها أن تكون مجرد أثراً، مادية الإيماءة التي تترك أثراً وهي جاهلة عن الأثر التي تتركه في حائط الكهف أو الورقة. الأمور تذهب أبعد من ذلك: لقد بين دريدا أن أولية الأثر ( الكتابة) يمكن إيجادها حتى في الصوت الذي أنتجه الصوت المتحدث. أولية المادي هي كونية، هذا لا يعني أن البناء التحتي ( يفهم خطأ على أنه مجموع القوى المنتجة زائداً المواد الخام) هو المحدد في نهاية المطاف، كونية هذا المفهوم الأخير سيكون سخيفاً إذا لم يتم ربطه مع علاقات الإنتاج. في حديث ماركس في كتابه ( المساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) عن إذا كانت الأشكال المنطقية المسبقة أيضاً تأتي أولاً تاريخياً قال: “ كل شيء يعتمد”، كل شيء يعتمد: هي عبارة تصادفية، وليست ديالكتيكية.

 لنحاول توضيح المسألة: أي شيء يمكنه أن يكون المحدد “في نهاية المطاف”، مما يعني أي شيء يمكنه أن يكون المسيطر. هذا ما قاله ماركس حول السياسة في أثينا والدين في روما، في نظرية ضمنية حول انزياح اللحظة المسيطرة ( الذي حاولنا تنظيره أنا وباليبار في “ قراءة رأس المال”). ولكن، أيضاً في البناء الفوقي، المحدد هو ماديته؛ لهذا السبب كنت مهتماً للغاية في أن أبين المادية الحقيقي لكل بناء فوقي وكل ايديولوجيا، كما بينت بالنسبة إلى الأجهزة الايديولوجية للدولة. هذا المكان الذي يجب البحث فيه عن مفهوم “ في اللحظة الأخيرة”، انزياح ما هو مادي، الذي هو دائماً المحدد “في اللحظة الأخيرة” في كل حالة ( conjuncture) ملموسة.

 – تاريخان –

  •  مع مفهومك حول “ المادية التصادفية” في البال، نسأل ما هي طبيعة الحدث التاريخي، أليس علينا أن نحللها بوصفها تعايش تواريخ تقوم بكثرة تحديد بعضها؟

يمكن القول إن للتاريخ نوعان، تاريخان: نبدأ مع تاريخ المؤرخين التقليديين، الإثنولوجيين، السوسيولوجيين، والأنثروبولوجيين الذين يتحدثون عن “ قوانين” التاريخ لأنهم فقط يضعون في الاعتبار الحقيقة المنجزة للتاريخ السالف. التاريخ في هذه الحالة، يعرض نفسه كشيء ستاتيكي كلي ويمكن دراسة تحديداته بمثل طريقة دراسة الأشياء الفيزيقية: إنه شيء ميت لأنه من الماضي. يمكن لأحدهم أن يتساءل كيف إذن يمكن للمؤرخين أن يتفاعلوا أمام تاريخ منجز، وراسخ، ومتحجر، يتمكنون خلاله من استخراج إحصائيات قطعية معينة؟ هنا نجد مصدر الأيديولوجيا العفوية للمؤرخين والسوسيولوجيين المبتذلين، ناهيك عن الاقتصاديين.

  • ولكن هل من الممكن ان نتصور نوعاً آخر للتاريخ؟

 نعم. هناك كلمة بالإلمانية Geschichte ( تاريخ/ حكاية)، التي تدل على التاريخ في الحاضر، وليس المنجز، الذي بلا شك تم تحديده بجزء عظيم، لكنه لا يزال جزءاً، من خلال السابق المنجز، اما التاريخ كما هو حاضر وموجود، هو كذلك مفتوح لمستقبل غير محدد، لا متوقع، لم ينجز بعد، وبذلك تصادفي. التاريخ الحاضر يخضع لثابت ( constant) ( وليس لقانون): ثابت الصراع الطبقي. لم يستخدم ماركس مصطلح “ثابت”، الذي قمت باستعارته من ليفي-ستروس، ولكنه استخدم تعبيراً عبقرياً: “ قانون ميلي”، الذي يمكنه تغيير ( ولكن لا يناقض) القانون الميلي الأساسي، مما يعني أن الميل لا يملك شكل أو مظهر التاريخ الخطي، ولكن يمكنه أن يتشعب تحت تأثير التصادف مع ميل آخر، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. في كل مفترق طريق يمكن للميل أن يأخذ طريقاً لا متوقع لأنه تصادفي.

  • هل يمكننا أن نلخص هذا بقولنا إن التاريخ الحاضر دائماً من حالة ( conjuncture) فردية تصادفية؟

 نعم، ومن الضروري أن نضع في البال أن “ الحالة” (conjuncture) تعني “ الدمج” (conjunction)، التي هي، المواجهة التصادفية للعناصر – جزئياً، عناصر موجودة، ولكن أيضاً عناصر غير متوقعة. كل “ حالة” هي قضية فردية، مثل كل الفرديات التاريخية، مثل كل ما هو كائن.

 لهذا السبب بوبر، اللورد بوبر، لم يفهم أي شيء من تاريخ الماركسية أو التحليل النفسي، حيث موضوعات كليهما لا تنتمي إلى التاريخ المنجز بل إلى Geschichte، إلى التاريخ الحي، المكون من، والذي استخرج من، الميولات تصادفية واللاشعور. هذا هو التاريخ الذي ليس لأشكاله علاقة مع حتمية القوانين الفيزيقية.

 ما يتبع من ذلك هو ما يبلغ ذروته في المادية، التي هي قديمة جداً – وفقاً لأفلاطون: أولية أصدقاء الأرض على أصدقاء الصور- هو المادية التصادفية، التي مطلوب منها أن تفكر انفتاح العالم باتجاه الحدث، الذي لا يزال – لا يمكن تخيله، وكذلك كل الممارسات الحية، ضمنها السياسة.

  •  اتجاه الحدث؟

 يقول فيتغنستاين بشكل رائع في رسالته: die Welt ist alles, was der Fall ist، جملة رائعة، ولكن على أية حال، من الصعب ترجمتها. يمكننا محاولة تقديمها على النحو التالي: “ كل شيء يحدث هو العالم”، أو بشكل حرفي أكثر، “ العالم هو كل شيء يقع علينا”. لكن توجد ترجمة أخرى، التي تقدمها مدرسة راسل : “ العالم هو ما هي الحالة”.

 هذه الجملة الرائعة تقول كل شيء، حيث في هذا العالم، لا يوجد شيء سوى حالات وقضايا وأشياء تقع علينا دون تحذير. أطروحة أن كل ما هو كائن هو حالات فقط – مما يعني، فرديات واحدة تختلف كلياً عن بعضها البعض – هي الأطروحة الأساسية للاسمانية.

  • ألم يقل ماركس أن الاسمانية كانت مدخل المادية؟

 بالضبط ، وأنا سأذهب أبعد من ذلك، سأقول إنها ليست مجرد مدخل المادية، بل المادية نفسها.

 قام عدد من الأثنولوجيين بملاحظة مدهشة، إن في أكثر المجتمعات البدائية يمكن مشاهدتها، التي تنتمي إلى السكان الأصليين الأستراليين أو الأفارقة الأقزام ( البيغمي)، يبدو أن الفلسفة الاسمانية فيها مسيطرة شخصياً – ليس من الناحية الفكرية، التي هي اللغة، ولكن أيضاً في الممارسة، في الواقع. الدراسات الحاسمة الأخيرة بينت أن بالنسبة إلى هذه المجتمعات، ما هو الموجود هو كينونات مفردة، ويتم تمييز كل مفردة وكل محددة بكلمة مفردة بدورها. هكذا العالم متكون حصراً من اشياء مفردة ونادرة، كل منها اسم معين ومميزات مفردة. “ هنا والآن”، الذي لا يمكن إطلاقاً تسميته بأي شيء، بل فقط الإشارة إليه، لأن الكلمات نفسها هي تجريدات – سيكون علينا أن نتحدث دون كلمات، أيّ نشير هذا يدل على أولية الإيماءة على الكلمة، أولية الأثر المادي على الرمز.

  •  هذا “ التأشير”، الذي يظهر بقدم السوفسطائيين، عن كراتيليوس وبروتاغوراس.

 بكل تأكيد، يمكن القول بإن الاسمانية الفلسفية موجودة سلفاً عند هومر، وهسيود، والسوفسطائين، والذريين مثل ديموقريطوس وأبيقور، رغم أنها لم تظهر حقاً بشكل معروض ونسقي إلا في العصور الوسطى، من قِبل الثيولوجيين، في مقدمتهم دانس سكوتوس وويليام الأوكامي.

 ملاحظة أخيرة حول مسألة الحدث التاريخي، يمكن القول بأن لا ماركس ولا إنجلز اقتربا أبداً من طرح نظرية حول التاريخ، بمعنى الحدث التاريخي غير المتوقع، والنادر، والتصادفي: وكذلك لم يطرحا نظرية حول الممارسة السياسية. أنا أقصد الممارسة السياسية-الأيديولوجية-الاجتماعية للناشطين السياسيين، والحركات الشعبية، ومنظماتها في حال وجودها، ممارسة ليست حوزتها مفاهيم، ناهيك عن نظرية متماسكة التي ستجعل من التفكير أمرا ممكناً. في حين لينين وغرامشي ماو فكروا حول هذا الأمر جزئياً فقط، كان ماكيافيلي الوحيد الذي قام باستنباط نظرية حول التاريخ السياسي، حول الممارسة السياسية في الحاضر. هناك هوة كبيرة تنتظر أن يتم سدها، إنها في غاية الأهمية، ومرة أخرى تشير لنا نحو الفلسفة.

 -الفلسفة، الأيديولوجيا، السياسة-

 

  • هل يمكنك شرح لماذا قمت بالتشديد الى حد كبير على ثلاثية الفلسفة – الأيديولوجيا – السياسة في عملك؟

 أعتقد من الأنسب أن ابدأ ردي من خلال مناقشة مفهومي حول “ الفلسفة”، ونشأتها ووظيفتها. نشأت الفلسفة، تاريخياً إلى حد ما من الدين، الذي توارثت منه الأسئلة الاستثنائية التي تم لاحقاً تحويلها إلى  مواضيع فلسفية عظيمة، رغم اختلاف المقاربات والإجابات، مسائل مثل الأصل، الغاية، أو مصير الإنسان، والتاريخ، والعالم.

 مع ذلك صرحتُ أن الفلسفة كما هي، الفلسفة بالمعنى الصارم، تأسست مع تأسيس أول علم، الرياضيات. لم يكن هذا حادث، حيث تأسيس الرياضيات حدد بالتحديد الانتقال من الحالة التجريبية إلى النظرية. من هذه اللحظة وصاعداً، بدأ الناس يفكرون بطريقة مختلفة حول مختلف الموضوعات: موضوعات تجريدية.

  • هل تزعم أن الفلسفة لم يكن بمقدورها أن توجد دون وجود العلم أولاً؟

 لا أعتقد أن يمكن لها أن توجد دون وجوده، حيث الفلسفة أخذت شيئاً لا يقدر بثمن من العلم: نموذج التجريد المنطقي الأساسي له.

 في الواقع، الفلسفة وجدت عندما تم التخلي عن طرق التفكير الميثولوجي والديني، والوعظ الأخلاقي والفصاحة السياسية والشعرية، لصالح أشكال التفكير النظري التي هي تأسيسية للعلم. باختصار، لا يمكن للفلسفة أن توجد من دون وجود خطاب منطقي محض سلفاً، النموذج الموجود في العلوم.

  • ما الخصائص الأخرى التي دمغت خصوصيتها على الفلسفة في طور تطورها؟

 عينت الفلسفة التقليدية لنفسها مهمات تاريخية ثابتة بالحديث عن الحقيقة حول كل شيء، الأسباب الأولى والمبادئ الأولى في كل شيء كائن، وبذلك عن كل شيء معروف حول الغاية المطلقة أو قدر الإنسان والعالم. هكذا تحدد نفسها كـ “ علم” الكل، فهي ليست قادرة على توفير معرفة أعلى ويقينية وحسب، بل وكذلك تمتلك الحقيقة نفسها. هذه الحقيقة هي المنطق ( logos)، والأصل، والمعنى، حالما يتم افتراض التماثل الأساسي ما بين الكلمة (logos) والخطاب، وما بين الحقيقة والقول، ستكون هناك في هذا العالم، وسيلة وحيدة لجعل الحقيقة معروفة: الشكل- القولي. لهذا السبب لا تستطيع الفلسفة إطلاقاً أن تترك خطابها الخاص، الذي هو هو عرض الحقيقة كـ قول ( logos).

  • بالنسبة إلى تركيب/تأسيس النسق الفلسفي، توجد هناك ارتباطات صارمة ما بين كل عناصرها النظرية، على سبيل المثال أطروحاتها (أو فرضيات فلسفية) ومقولاتها. هل يمكنك أن تفسرها وما وظيفتها؟

 الكلمة اليونانية Thezis تعني “ موقع”؛ لهذا السبب كل أطروحة تستدعي أطروحتها النقيضة. أما بالنسبة الى المقولات، التي هي أكثر المفاهيم عمومية، التصويرات التي تأتي في البال هي “ الجوهر” و” الذات”. لمقولة “ الذات” اهتمام خاص، ما بين القرني الرابع عشر والثامن عشر، يجد المرء فوق كل شيء، أن مقولة “ الذات” كانت تستخدم لعدد من الايديولوجيات والممارسات المقابلة لها. هذه المقولة نشأت على أساس الايديولوجية القانونية والعلاقات السلعية، التي فيها كل فرد هو ذات قانونية لقدراته القانونية بوصفه مالك ملكية، وهكذا. مثل المقولة التي اقتحمت مجال الفلسفة مع ديكارت ( الذات “ أنا أفكر”)، ولاحقاً الايديولوجية الأخلاقية مع كانط (الذات “ الوعي الأخلاقي”). منذ فترة طويلة اقتحمت المجال السياسي مع “ الذات السياسية” للعقد الاجتماعي، هذا يبرهن إحدى أطروحاتنا التي ندافع عنها: الفلسفة “ تعمل على” مقولات قادرة على توحيد لقاء الأيديولوجيات والممارسات المقابلة لها.

 -الفلسفة: ساحة معركة-

  • وما وظيفة الفلسفة؟

 دون أن أدعي أن أكون شاملاً مانعاً، أزعم أن كل فلسفة تنتج ضمن ذاتها، بطريقة أو أخرى، الصراع الذي تجد نفسها فيه في العالم الخارجي. كل فلسفة تحمل في ذاتها ظل نقيضها: المثالية تحمل ظل المادية، والعكس بالعكس.

  •  أنت غالباً ما تشير إلى أن كانط يقول إن الفلسفة هي “ ساحة معركة “ Kampfplatz.

 صحيح. إحدى أهداف الفلسفة هي شن معركة نظرية؛ لهذا يمكننا القول بأن كل أطروحة هي دائماً بطبعها أطروحة نقيضة. الأطروحة دائماً تطرح كنقيضة أطروحة أخرى، أو دفاعاً عن أطروحة جديدة.

  • بما أننا في موضوع المعركة النظرية هذه، هل تظن أن الحقل الفلسفي منقسم على نحو كتلتين عظيمتين أو موقعين متنافسين، المادية والمثالية؟

 لا، أعتقد أن في أي فلسفة، سيجد المرء فيها عناصر مادية ومثالية، حيث واحدة من النزعتين تسيطر على الأخرى في فلسفة معينة. بكلمات أخرى، لا يوجد تقسيم راديكالي مانع مطلق لأن في الفلسفات المثالية، نستطيع أن نمر على عناصر مادية، والعكس بالعكس. ما هو مؤكد هو أن لا توجد فلسفة محضة. ما يوجد هو نزعات.

  • هل يمكنك أن تستشهد بفيلسوف ما لتوضح هذا الكلام؟

 باسكال هو نموذج مثير للاهتمام، لأنه متناقض من خلال طرحه للمسائل الدينية، تظهر كذلك قضايا إبستمولوجية وقضايا نظرية تاريخ العلوم ونظرية العلاقات الاجتماعية، بذلك يمكننا التأكيد إنه يعرض ملامح مادية بعمق. اندهشت عندما رأيت بعدما قمت بإعادة قراءة باسكال في السنوات الأخيرة، أنني من دون الإدراك بذلك، استعرت منه عدداً قليلاً من الأفكار الفلسفية: النظريتان حول الايديولوجيا وحول الإدراك وعدم الإدراك، موجودتان عند باسكال. عندما سألت نفسي أين حدث هذا اللقاء معه، فوراً أدركت أن الكتاب الوحيد الذي قرأته في السنوات الخمس التي أرغمت أن أكون في معسكر ألماني للأسرى هو كتاب باسكال : “ الأفكار “ ( Pensées). نسيت كل هذا في المرحلة الانتقالية.

 كتب باسكال أشياء مدهشة حول تاريخ العلوم، كان رياضياً وفيزيائياً عظيماً، ابتكر الآلة الحاسبة، وفي النهاية طور نظرية كلية حول تاريخ العلم.

  •  هنا نرى ما قلته للتو: كل فلسفة تحمل نقيضتها في ذاتها.

 طبعاً، أكثر من ذلك، التناقض في الفلسفة هو ليس تناقضاً ما بين (أ) والـ لا (أ)، او بين (نعم) و(لا). إنه نزعاتي، ويتم تجاوزه من خلال النزعات. في الواقع، كل فلسفة هي إدراك – بطريقة مكتملة أكثر أو أقل-  لإحدى النزعتين النقيضتين، النزعة المثالية والنزعة المادية. خارج كل فلسفة، ما يتم إدراكه هو ليس النزعة، بل “ التناقض الضدي” ما بين النزعتين.

  • كيف تفسر هذا؟

 هذا له علاقة بالطبيعة نفسها للحرب الفلسفية، عندما تقرر فلسفة ما أن تحتل مواقع خصمها، من الحاسم أن “ تأسر” على الأقل عدداً من “ جنود” العدو، مما يعني، أنها تحاصر الحجج الفلسفية لخصمها. إذا أراد أحدهم أن يهزم العدو، عليه أن يعرفه أولاً، ليس من أجل أن يستحوذ على أسلحته وجنوده وأرضه، ولكن فوق كل هذا، حججه – حيث بمساعدتها سيتم الظفر بانتصارات عظيمة.

  • هنا أتذكر مقولة لغوته: “ الذي يريد معرفة العدو عليه أن يذهب إلى أرضه.”

 هذا صحيح، هكذا كل فلسفة عليها أن تحمل عدوها المنهزم ضمنها لكي تؤسس ذاتها كفلسفة جديدة، ومن ثم يمكنها تجنب كل الاحتجاجات والهجومات مقدماً، لأنها سلفاً حملت نفسها داخل نسق العدو وتعمل عليه، وبذلك تعدله من أجل أن تحمل مهمة هضم خصمها والسيطرة عليه. بذلك كل فلسفة ذات نزعة المثالية بالضرورة تتضمن حججاً مادية، والعكس بالعكس. أكرر: ليس هناك نقاءً محضاً، حتى الفلسفة المادية “ الماركسية” لا يمكنها أن تدعي أن تكون حصراً “ مادية”، لأنه إذا كانت كذلك، سيكون عليها أن تتخلى عن الصراع، وتترك مسبقاً فكرة اجتياح المواقع المحتلة من قبل المثالية.

  •  ما تقوله يستدعي الـ ليفياثان لهوبز، حالة الحرب الدائمة.

 رغم ذلك إلا أن هذه “ الحرب الفلسفية” هي ليست “ حرب الكل ضد الكل” التي ناقشها هوبز في  إنكلترا القرن السابع العشر. إنها ليست حرباً بين أفراد، ولكنها بين المفاهيم الفلسفية، وبذلك بين استراتيجيات فلسفية التي في اللحظات ( conjunctures) الفلسفية والثقافية العظمى، تحارب من أجل هيمنة فلسفية في تلك الدولة أو تلك القارة أو في العالم كله – بما أن العالم أصبح عملياً كلاً اقتصادياً واحداً.

  •  هل لهذا علاقة بتعريفك الأخير للفلسفة بوصفها “ صراعاً طبقياً في النظرية”؟

 نعم، شكل نظري يحملها الصراع الطبقي، ولكنك نسيتِ عنصراً حاسماً للتعريف وهو: “ في اللحظة الأخيرة”.

 يجب أن لا ننسى “ في اللحظة الأخيرة”، حيث لم أقل أبداً أن الفلسفة هي ببساطة صراع طبقي في النظرية، هذا التحفظ “ في اللحظة الأخيرة” هو هناك ليشير الى أن هناك أشياءً في الفلسفة غير الصراع الطبقي في النظرية، ولكنه كذلك يشير الى إن الفلسفة بالفعل تمثل مواقع طبقية في النظرية، مما يعني في العلاقات التي هي تحافظ عليها مع أكثر الأشكال النظرية للممارسات البشرية، وخلالها أكثر الأشكال ملموسة للممارسات البشرية، ضمنها الصراع الطبقي، ولقد بينت أن في الفلسفة، يأخذ الصراع الطبقي شكل التناقضات ما بين الأطروحة والأطروحة النقيضة، ما بين مواقع النزعة المثالية وأخرى للنزعة المادية.

 هناك مثال في تاريح الفلسفة يثبت أن الفلسفة هي في اللحظة الأخيرة، صراع طبقي في النظرية. لنأخذ مصطلحات كانط التي استشهدت بها سلفاً: الفلسفة هي ساحة معركة. نحن نرى كانط انطلق ليؤسس فلسفة غير سجالية ليست في حالة صراعية، عندما يرسم كانط مشروعاً لاستبدال المعركة الدائمة ما بين الفلسفات بـ “ السلام الدائم”، هو لا يستدعي الصراع الطبقي، ولكنه يدرك الطبيعة السجالية، الطبيعة التناحرية، لأي فلسفة. من خلال تحديد هدف الحصول على فلسفة خالية من الصراع، في السلام الدائم، هو يدرك – في شكل إنكار – وجود صراع في الفلسفة.

 ملاحظة أخيرة: فيما يتعلق بالصراعات التي حفزتها الفلسفة في طور تاريخا، توجد هوامش أو مناطق تستطيع أن تهرب من التحديد القاطع من قبل الصراع الطبقي، أمثلة: أجزاء معينة في تأمل اللغويات، الإبستمولوجيا، الفن، العاطفة الدينية، العادات، الفلكلور، الخ. هذا يعني، ضمن الفلسفة توجد جزر أو فجوات.

-“فلسفة الفلاسفة” والفلسفة المادية-

  • لنختم هذا الموضوع، هل يمكنك أن تلخص المميزات المحددة التي تميز هذين الموقعين أو النزعتين الفلسفيتين؟

 بكل تأكيد، ولكن عندما يقول الناس “ الفلسفة”، دائماً يقصدون بذلك الفلسفة التقليدية ذات النزعة المثالية، “ فلسفة الفلاسفة”، ولكن هذه المرة سآخذ الموقع المادي في الفلسفة كنقطة مرجعية.

 الحديث عن “ المادية” هو أن تفتح أكثر المواضيع الحساسة في الفلسفة، مصطلح “ المادية” ينتمي إلى تاريخ فلسفتنا التي ولدت في اليونان، تحت رعاية أفلاطون وضمن إشكاليته العامة. أنه عند أفلاطون نجد التفرقة الأساسية ما بين “ أصدقاء الصور” و”أصدقاء الأرض”، كلتا العبارتين في هذا الثنائي تم وضعهما كأساسين لتأسيسهما، حيث كلا منهما تسيطر على الأخرى.

 بذلك يوجد أصدقاء الأرض فقط لأن أصدقاء الصور موجودين، وهذه التفرقة وهذه المعارضة هي من عمل الفيلسوف الذي دشن تاريخ فلسفتنا والذي يعتبر نفسه “ صديق الصور” بمعارضة “ أصدقاء الارض”، الذي يصنف التجريبيين، والحسيين، والمشككين، والتاريخانيين ضمنهم. يجب الإشارة إلى أن في زوجي المتعارضين المثالية/المادية، أصبحت المثالية – بقدر ما هي النزعة المسيطرة في كل الفلسفة الغربية – هي الأساس الذي وجد وتأسس عليه هذا الزوج.

 عندما ننطلق من كل ما قاله هايدغر حول سيطرة التمركز حول العقل ( logocentrism) على كل الفلسفة الغربية، سيكون ليس من الصعب أن نشرح: أن حالما المرء يرى بسهولة في كل مرة هي مسألة متعلقة بالمادية المعلنة في تاريخ فلسفتنا، إن مصطلح “ المادية” يعاد إنتاجه، إذا جاز التعبير، بنقضه ومرآته المعاكسة، مصطلح “ المثالية”. هايدغر كان سيقول إن المثالية، مثل المادية، تخضع لـ “مبادئ العقل”، الذي هو المبدأ الذي وفقاً له كل ما هو كائن، سواء أكان المثالي أو المادي، يخضع لمسألة سبب كينونته.

 بذلك سأقول، إن في التقليد الفلسفي، استحضار المادية هو مؤشر لضرورة ما، إشارة أن يجب رفض المثالية – في مثل الوقت من دون التحرر، من دون القدرة على التحرر، من زوجي المثالية/المادية، فهو مؤشر، ولكن في مثل الوقت، فخ؛ لأن لا أحد يتحرر من المثالية من خلال نقضها ببساطة، أو تصريح ما هو عكس المثالية، أو “جعلها تقف على رأسها”. فعلينا إذن أن نعامل مصطلح “ المادية” بشكل: هذه الكلمة لا تعطينا شيئاً، وفي نظرة مقربة، أغلب الماديات ستظهر مثاليات مقلوبة. أمثلة: ماديات التنوير، وعدد قليل من الفقرات لدى إنجلز كذلك.

  •  ما الملامح الأخرى التي يمكن قولها لوصف المثالية التي تعتبر كالقطب العكسي للمادية؟

 يمكننا أن نميز المثالية على ما أعتقد، من خلال حقيقة أنها مطاردة من قبل سؤال أساسي ينقسم إلى اثنين، حيث مبدأ العقل يحمل ليس الأصل وحسب، بل أيضاً النهاية: بالفعل الأصل دائماً، طبيعياً، يشير إلى النهاية. يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك: مسألة الأصل هي مسألة نشأت على أساس مسألة النهاية. تتوقع ذاتها النهاية ( معنى العالم، معنى التاريخ، الغاية المطلقة للعالم والتاريخ) تعرض نفسها مرة أخرى على/ونحو/وفي مسألة الأصل، مسألة أصل أي شيء هو دائماً معروض كوظيفة لما يتخيل أن يكون نهايته، مسألة “ الأصل الراديكالي لكل شيء” ( لايبنتز) دائماً معروضة كما يتخيل المرء لما سيكون نهايتها، غايتها، سواء أكانت مسألة غاية الإله أو اليوتوبيا.

  • هل تمكنت أي فلسفة من الهروب من زوج المثالية – المادية؟

 إذا هربت فلسفات معينة من هذا زوج المادية-المثالية، سيتم التعرف عليها بحقيقة أنها هربت من أو حاولت الهروب، مسائل الأصل والنهاية، التي هي في نهاية التحليل غاية أو غايات العالم والتاريخ الإنساني. هذه الفلسفات مثيرة للاهتمام، حيث من أجل أن تتجنب الفخ، عبرت عن ضرورة التخلي عن المثالية والمضي قدماً نحو ما يمكن أن يسمى ( إن شئت) المادية، بذلك تمييز ذاتها، أكرر من كل فلسفة الأصل – سواء  أكانت مسألة الوجود، أو الذات، أو المعنى، أو الغاية – حيث لديها أن كل هذه الموضوعات تنتمي إلى الدين والأخلاق، وليست إلى الفلسفة.

 هناك الكثير من تلك الفلسفات اللامهادنة والتي حقاً غير دينية في تاريخ الفلسفة: ضمن الفلاسفة الكبار أرى فقط  أبيقور، وسبينوزا، وماركس – عندما يتم فهمه جيداً، ونيتشة، وهايدغر.

رفض الأصل الراديكالي بوصفه بنك الإصدار الفلسفي يعني أن المرء عليه كذلك أن يرفض العملة المصدرة من قبل هذا البنك من أجل وضع مقولات أخرى، مثل الديالكتيك.

  • أعلم أن سبينوزا هو أحد الفلاسفة الذين أنت معجب بهم بشدة – بسبب، ضمن أشياء أخرى، إسهاماته للموقع المادي. أود أن استفسر إذا كان هو قد هرب من إغواء “ الحقيقة”؟

 نعم بكل تأكيد. يتحدث سبينوزا، إكلينيكياً، عما هو “ حقيقي”، وليس عن الحقيقة. اعتبر أن “ الحقيقي هو مؤشر ذاته ويبين الزائف”، هو مؤشر ذاته ليس كوجود بل كمنتج، بمعنيين: (1) كنتيجة لعملية العمل الذي يكتشفه، و(2) يثبت ذاته في ضمن إنتاجه نفسه.

  •  إذن مع هذا المفهوم المحايث للحقيقة، يترك سبينوزا مسألة معيار الحقيقة في جانب واحد.

 ما أكثر من ذلك هو أنه يرفض مسائل الأصل والذات مما يعزز نظريات المعرفة.

  • ما الملامح المميزة التي يمكن القول إن الفلسفة المادية تعرضها؟

 بادئ ذي بدء، أنها لا تدعي أن تكون مستقلة أو لتؤسس قوتها وأصلها الخاص، أنها أيضاً لا تعتبر ذاتها علماً، ناهيك عن علم العلوم. بهذا المعنى هي تعارض الوضعية كلها، بالتحديد يجب الإشارة إلى أنها تنبذ فكرة أنها تمتلك الحقيقة.

 الفلسفة ذات النزعة المادية تدرك وجود واقع موضوعي خارجي، كما أنه مستقل عن الذات أو عن من يفهم أو يعلم هذا الواقع. إنها تدرك أن الكائن أو الواقعي موجود وهو سابق على اكتشافه، على حقيقة معرفته أو إدراكه. في هذا الصدد، أحياناً نُسئل كيف يمكننا أن نتأكد أن الفلسفة هي ليست هذياناً نظرياً تابعاً لطبقة اجتماعية في البحث عن ضمان أو بلاغيات منمقة. الكثير من المنظرين الهواة قاموا في كل ما أنتجوه عبر القرون، بتصميم فلسفة وفقاً لأهوائهم الشخصية، أو أوهامهم، أو تفضيلاتهم الذاتية، أو ببساطة بدافع رغبتهم في التنظير.

  • ألا يمكننا القول تحديداً، بأن الموقع المادي يسجل انعطافاً راديكالياً من فلسفات التمثيل التي تستمر في التقليد المثالي القائل إننا نعلم أفكار الأشياء وليست الأشياء ذاتها؟

 إحدى تداعيات مما قيل هي: الفلسفات المادية تؤكد أولية الممارسة على النظرية. الممارسة التي هي غريبة كلياً عن العقل ( logos)، هي ليست الحقيقة ولا يمكن اختزالها – أو حتى تتجلى بذاتها في – إلى القول والنظر. الممارسة هي عملية تحويل تخضع دائماً  لشروطها الخاصة في الوجود ولا تنتج حقيقة، بل “ حقائق”، أو نوعاً من الحقيقة: الحقيقة، دعينا نقول لنتائج أو لمعرفة، كلها ضمن حقول ظروف وجودها. رغم أن هناك إدراك للـ” أشخاص” في الممارسة، إلا في مثل الوقت ليست لها أية ذات كالأصل الترنسندنتالي أو الانطولوجي لهدفها أو تصورها: ولا تملك هدفاً كحقيقة سيرورتها. إنها سيرورة من دون ذات أو هدف ( آخذين كلمة “ ذات” للدلالة على عنصر لا تاريخي).

 هكذا تهز الممارسة أسس التقليد الفلسفي وتمكننا من توضيح ما هي الفلسفة، حيث الممارسة راسخة في إمكانية تغيير العالم.

 إن ظهور الممارسة هو استنكار للفلسفة المنتجة كـ “ فلسفة”، إنها تؤكد بشكل قاطع  في وجه ادعاء الفلسفة، إنها تضم كل الأفكار والممارسات الاجتماعية، وإنها كما قال أفلاطون “ تنظر إلى الكل”، من أجل أن تفرض هيمنتها على هذه الممارسات ذاتها، إنها تؤكد بشكل قاطع في وجه ادعاء الفلسفة القائل بإن ليس لها ما هو خارج عنها، بإن لها بكل تأكيد ما هو خارج عنها، وتحديداً أنها موجودة من خلال ومن أجل هذا الخارج. هذا الخارج، الذي تحب الفلسفة أن تتخيله بأنه أتى بحكم الحقيقة، هو الممارسة، الممارسات الاجتماعية.

 علينا أن نفهم الطبيعة الراديكالية لهذا النقد من أن نفهم تداعياته، إنه يقارع العقل ( logos)، الذي هو الممثل الأعلى لشيء يدعى “ الحقيقة”.

 إذا أخذنا مصطلح “الحقيقة” بمعناه الفلسفي، من أفلاطون إلى هيغل، وواجهنا الممارسة – سيرورة من دون ذات أو هدف وفقاً لماركس – سيكون علينا بعدها تأكيد أن ليس للممارسة أية حقيقة.

 الممارسة ليست بديلاً عن الحقيقة من أجل فلسفة ثابتة، بل على العكس، إنها ما يهز أسس الفلسفة، إنها هذا الشيء الآخر – سواءً في شكل “السبب المتغير” للمادة أو في الصراع الطبقي – التي لم تتمكن الفلسفة أبداً من السيطرة عليه. إنها هذا الشيء الآخر الذي وحده يجعل من الممكن ليس هز أسس الفلسفة وحسب، بل أيضاً البدء في النظر بوضوح ما هي الفلسفة.

  • أنت قلت للتو إن الممارسة تمكن الفلسفة من معرفة أن لها خارج.

 نعم، ملحوظة هيغل هي معروفة جداً: للوعي الذاتي شيء وراءه، ولكنه لا يدرك ذلك. هذه الملحوظة تجد صداها عند اعتراف فرنسوا مورياك أنه وفي طفولته اعتقد أن الكبار لا مؤخرات لديهم. ظهور الممارسة يهاجم الفلسفة من الخلف، سنرى كيف.

 سيان أن يكون لها خارج، سيتم معارضته، كأنما تملك خلفاً، أن تملك “ خلفاً” يعني أن تملك خارجاً لا يتوقعه المرء، والفلسفة لا تتوقع ذلك.

 ألم تجلب الفلسفة كلية ما هو كائن ضمن بوصلة فكرها؟ حتى الطين، تحدث عنه سقراط، وأرسطو عن العبد، وهيغل عن تراكم الثروة في قطب واحد والفقر الرهيب في القطب الاخر.

  • من وجهة النظر هذه، كل شيء بالفعل متضمن داخل الفلسفة.

يمكننا أن نسأل أين الفضاء الخارجي؟ أليس للعالم الحقيقي، العالم المادي،  وجود في كل الفلسفات حتى الفلسفات المثالية؟ لماذا إذن نقوم بتسوية هذه الاتهامات التي لا أساس لها ضد الفلسفة؟ من أجل أن تجلب كل الممارسات ضمن نطاق فكرها، ومن أجل أن تفرض نفسها عليها من خلال الإعلان الموضوعي بأنها حقيقتها، تقوم الفلسفة بالخداع: عندما تستوعبها وتعيد صياغتها وفقاً لشكلها الفلسفي، إنها لا تكاد تلتزم بواقع – الطبيعة المعينة – للأفكار والممارسات الاجتماعية كتلك، وإلا كيف يمكنها إذن أن تضبط وتفكر الممارسات كلها وفقاً لحقيقة موحدة؟ ” فلاسفة الفلسفة” الذين انطلقوا للسيادة على العالم بوسيلة الفكر الذي دائماً مورس بعنف المفهوم، الفكرة (Begriff)، القبضة ( de la mainmise). إنهم يؤكدون قوتهم من خلال جلب كل الممارسات الاجتماعية للبشر الذين يستمرون في الكدح والوجود في الظلام تحت سيطرة قانون الحقيقة.

  • هذه النظرة ليست غريبة عن بعض معاصرينا.

ليست غريبة بأي حال عن الذين يبحثون، وبطبيعة الحال يجدون النموذج الأصلي للقوة في الفلسفة، نموذجاً لكل سلطة، يكتبون صيغة: المعرفة = القوة، يعلنون -بكونهم مثقفين فوضويين حداثيين- أن العنف والطغيان واستبداد الدولة، هو ذنب أفلاطون. بمثل الطريقة التي قيل فيها سابقاً، ليس طويلاً، أن الثورة هي ذنب روسو.

 دائماً أفضل طريقة للرد عليهم هي الذهاب إلى أبعد مما هم عليه نحو طبيعة الفلسفة، من خلال الخرق الفاضح الذي أحدثته الممارسة. هنا على الأرجح اكثر مكان يُشعر بتأثير ماركس بعمق.

 إضافةً إلى أنه يجب، اعتبار أن القوة هي ليست “ القوة من أجل القوة”، ولا حتى في السياسة، إنها لا شيء سوى ما يجعل المرء منها، الذي هو ما ينتج كنتيجة لها. ولئن كان الفيلسوف هو بالفعل “ الشخص الذي يرى الكل”، فإنه يراه من أجل أن يقوم بترتيبه، أيّ فرض ترتيب معين على عناصر الكل.

 اختلاف أخير عن المثالية هو مفهوم ماركس حول “ الوحدة”، لا يجب افتراض أن هناك نموذجاً واحداً للوحدة وحسب: وحدة الجوهر، أو الماهية، أو العقد، المفاهيم المتشوشة الحاضرة عند المادية الميكانيكية ومثالية الوعي، وحدة ماركس هي ليست وحدة الشمول البسيطة. الوحدة التي تتحدث عنها الماركسية هي ليست التطور البسيط لجوهر فريد من نوعه أو لجوهر بسيط أولي، إنها وحدة التعقيد نفسه، حيث نمط تنظيم أو تشكيل هذا التعقيد يتحول إلى وحدة للكل المعقد وحدة بنية تشكلت في السيطرة.

  • لنختم هذه النقطة، أود أن أذكرك بعرضك الرائع للنزعتين الذي قدمته من خلال تقديم مقارنة ظريفة بالركاب في قطار ما.

 صحيح، أنا قلت إن الفيلسوف المثالي هو الشخص الذي عندما يركب قطاراً ما، يعرف بداية المحطة التي ينطلق منها والمحطة التي سيصل إليها، إنه يعلم بداية ونهاية طريقه، بمثل طريقة معرفته لأصل وقدر الإنسان، والتاريخ، والعالم.

 أما الفيلسوف المادي، على العكس هو الشخص الذي على الدوام يركب قطاراً ما، مثل بطل أفلام الغرب الأمريكي. قطار يمر أمامه: بإمكانه أن يسمح له بالمرور ولا شيء يحدث بينه وبين القطار، ولكنه كذلك بإمكانه أن يلحق بهذا القطار المتحرك. هذا الفيلسوف لا يعرف الأصل، أو المبدأ الأولي، أو محطة الوصول، إنه يركب قطاراً متحركاً ويجلس على أي كرسي متوفر أو يتجول بين العربات، متحدثاً مع المسافرين، هو يشاهد، دون أن يتنبأ، كل شيء يحدث بطريقة تصادفية غير متوقعة، يجمع عدداً لا نهائياً من المعلومات ويقوم بمشاهدات لانهائية، بقدر القطار نفسه، والركاب، والريف الذي يراه من خلال النافذة. باختصار، يسجل تسلسلات لحوادث تصادفية، على العكس من الفيلسوف المثالي، الذي يسجل تعاقبات مستخرجة من أصل ما هو أساس كل معنى، أو من مبدأ أولي أو سبب مطلق.

 بكل تأكيد، يمكن لفيلسوفنا القيام بتجارب على تتابعات لتسلسلات صدفية التي تمكن من مشاهدتها، ويمكنه أن يستخرج ( مثل “هيوم”) قوانين التتابع، قوانين “ عاداتية” أو “ ثوابت”، التي هي أشكال نظرية مبنينة. هذه التجارب ستؤدي به أن يستخرج قوانين كونية لكل نوع من تجربة، اعتماداً على نوعية الكيانات التي خدمت بوصفها موضوعاته: هكذا سيرورة العلوم الطبيعية، هنا نقابل مرة اخرى مصطلح ووظيفة “ الكونية”.

 ولكن ماذا يحدث عندما لا تتعلق المسألة بموضوعات تكرر ذاتها بشكل غير لا محدود حيث يمكن إجراء تجارب عليها بشكل مكرر ومعاد من قبل المجتمع العلمي من طرف واحد إلى آخر من العالم؟ انظري إلى ما قاله بوبر: “ التجربة العلمية تستحق هذه التسمية عندما يمكن تكرارها بشكل غير محدود تحت مثل ظروف التجريبية”، هنا المسافر- الفيلسوف المادي، المهتم بحالات “مفردة”، لا يمكنه أن يحدد “قوانينها”، حيث حالات مثل تلك هي مفردة/ ملموسة/ فعلية وبذلك غير مكررة لأنها فريدة، ما يمكنه فعله هو كما بين ليفي ستروس فيما يتعلق بالأساطير الكونية للمجتمعات البدائية، هو استخراج “ ثوابت عامة” ضمن التصادفات التي تم مشاهدتها، و“ الاختلافات” التي متمكنة من محاسبة مفردية الحالات التي قيد الدراسة، وبذلك إنتاج معرفة من نوع “إكلينيكي” بالإضافة إلى التأثيرات الأيديولوجية، والسياسية، والاجتماعية. هنا أيضاً لا نجد كونية القوانين ( كما هي في الرياضيات، أو الفيزياء، أو المنطق)، ولكن عمومية الثوابت التي من خلال اختلافاتها، تمكنا من فهم ما هو حقيقي في هذه أو تلك الحالة.

  • هنا أيضاً يظهر السؤال حول وظائف الفلسفة: أي من وظائفها تعتبرها الأكثر أهمية؟

 سأذكر عدداً قليلاً فقط، على سبيل المثال منها لعب دور الضمان أو الأساس للدفاع عن أطروحات معينة التي يحتاجها الفيلسوف من أجل أن يفكر في الاكتشافات العلمية أو أي نوع آخر من حدث ( event).

 وظيفة أخرى للفلسفة تكمن في رصد “ الخطوط الفاصلة” بين ما هو علمي وما هو أيديولوجي من أجل تحرير الممارسة العلمية من السيطرة الايديولوجية التي تعيق تقدمها.

 مرة أخرى، يمكن مقارنة الفلسفة بالمختبر حيث فيه يتم توحيد مجموع العناصر الأيديولوجية، في السابق لعب الدين هذا الدور التوحيدي، أو حتى أقدم من ذلك، لعبت أساطير المجتمعات البدائية هذا الدور. أقنع الدين ذاته مع الأفكار الكبرى ( الأيديولوجية) مثل وجود الله أو خلق العالم، قام باستخدامها من أجل ضبط كل النشاطات البشرية والايديولوجيات الموازية لها، مع نظرة تأسيس الأيديولوجيا الموحدة التي احتاجتها الطبقات المسيطرة لتأكيد سيطرتها. يوجد هناك، في كل الأحوال، محدودية: الفلسفة المسيطرة تذهب إلى أبعد ما يمكنها الذهاب إليه في دورها كموحدة عناصر الأيديولوجيا والأيديولوجيات المتعددة، ولكن لا يمكنها “ تجاوز وقتها”، كما قال هيغل، أو “ تتجاوز ظروفها الطبقية”، كما قال ماركس.

 الفلسفة تقوم بوظيفة أخرى في الحقل السياسي، تقليدياً لعبت دور إما المهادن والرجعي، أو الثوري فيما يخص النظام السياسي المسيطر، سواء قامت بذلك  في الخفاء أو في العلن.

  • هذه العلاقة بالسياسة كانت واضحة منذ أيام أفلاطون على الصعيدين النظري في الجمهورية، والعملي عندما قبل أن يكون مستشار طاغية سيراقوسة.

 هذا مثال جيد. تجدر الإشارة إلى أن هذه الفلسفات حتى لو أخذت موقفاً مهادناً بالنسبة إلى السلطات، فإنها نسبت لنفسها موقعاً مسيطراً، كائناً فوق كل شيء آخر، بذريعة أنها كانت وصية الحجج الحقة لدعم السلطة. التواطؤ هذا يمكنه أن يكون مباشراً، ولكن في التقليد الفلسفي، أظهرت الفلسفة ذاتها كوصية الحقيقة قبل أن يظهر ماركس، الذي مكنا من أن نضع الفلسفة في مكانها الصحيح. على هذا النحو، تم الاعتقاد أن القوة الحقيقة، بطريقة ما، انتمت إليها قوة المعرفة.

  • هل تعمل الفلسفة مباشرة في العالم الواقعي؟

 الفلسفة قد تبدو أنها تقيم في عالم منفصل بعيد، ولكنها في مثل الوقت تعمل، بطريقة خاصة جداً: من بعيد. إنها تعمل من خلال الأيديولوجيات، على ممارسات حقيقية ملموسة، على سبيل المثال على الممارسات الثقافية مثل العلوم، والسياسة، والفنون، وحتى التحليل النفسي. وإلى حد أنها تحول الايديولوجيات، التي تعكس الممارسات حتى عندما تقوم بتوجيهها في وجهة معينة، هذه الممارسات يمكن تحويلها بدورها، اعتماداً على الاختلافات أو الثورات في العلاقات الاجتماعية، الأطروحات الفلسفية بالفعل تنتج تأثيرات مختلفة على الممارسات الاجتماعية.

 هنا يجب علينا نؤكد حقيقة أن التناحرات، ولا أقول “ تناقضات”، لأنني أشك بهذه المقولة، التي يتم استخدامها بكل طريقة، هي حتمية. إن وجدت فلسفات التي تعارض بعضها البعض بطريقة تناحرية، فهذا يعود إلى أن الممارسات الطبقية التناحرية موجودة لحسن الحظ.

  • الأسئلة المتبقية الأخيرة ستخدم انتقالنا إلى مسألة علاقة الفلسفة بالأيديولوجيا، هذه العلاقة التي قمت بها تناقض المفهوم التقليدي حول الفلسفة بوصفها عالماً مستقلاً يقف فوق الواقع، هل يمكنك أن تقول لنا شيئاً حول العلاقة ما بين الفلسفة والأيديولوجيا؟

 هذا هو موضوع عملت عليه لمدة طويلة، مع هدف تكوين نظرية حول الأيديولوجيا. ولكن علينا أولاً تفسير ما نقصد بـ “ أيديولوجيا”.

  • يمكننا فعل ذلك من خلال اقتباس بعض من تعريفاتك التي نجدها في نصوصك:

 -” الأيديولوجيا هي بالضرورة تشويه مضلل للواقع”، “ إنها التمثيل الخيالي الذي يشيده الناس من ظروف عيشهم الحقيقية.”.

  – “الأيديولوجيا هي نسق الأفكار الموحدة التي يعمل عليه وعي ناس. “

  – “ الأيديولوجيا تقوم بوظيفة اجتماعية : التي هي ضمان انسجام أعضاء المجتمع.”

 أود إضافة توضيحين، التوضيح الأول: الإنسان منظم جداً لدرجة أن لا نشاط إنساني يخلو من الفكر واللغة. بناءً على ذلك، لا ممارسة بشرية من دون نسق من الأفكار (أفضل القول نسق من المفاهيم مدرجة في الكلمات، هذا النسق إذن يؤسس أيديولوجية الممارسة المقابلة). التوضيح الثاني: أصر على أن حقيقة أن الأيديولوجيا هي نسق مفاهيم إلا بقدر ما يرجع إلى نسق من العلاقات الاجتماعية، هي ليست مسألة فرد قام بابتكار فكرة ما من خياله، ولكنها مسألة نسق من المفاهيم يمكن عرضها اجتماعياً، عرض يمكنه أن يؤسس جسماً من المفاهيم المؤسسة اجتماعياً، تبدأ الايديولوجيا فقط من هذه النقطة. ما وراءها يوجد حقل المتخيل أو التجربية الفردية المحضة. على المرء إذن أن يرجع دائماً إلى الواقع الاجتماعي الذي هو مفردي، وفريد، وواقعي.

  • ولكن هل يمكنك أن تفسر كيف يمكن لوعي الفرد الملموس أن يكون تحت سيطرة مفهوم أيديولوجي أو نسق من المفاهيم الأيديولوجية؟

 يمكنني أن أبدأ بالرد أن هذه هي آلية تعمل كلما “ أدرك “ وعي ما هذه المفاهيم الأيديولوجية بأنها “حقيقية”، ولكن كيف يأتي هذا الإدراك؟ نعلم سلفاً أن ليس مجرد ظهور الحقيقي هو الذي يجعله أن يُفهم كحقيقي، هنا تقع المفارقة، عندما أؤمن بمفهوم ( أو نسق من المفاهيم)، فلا أكون أنا من تعرف عليه، وبمواجهته يمكنني القول: “ هذا هو، وجدته، إنه حقيقي”. على العكس، عندما أؤمن بفكرة ما، كانت الفكرة المسيطرة علي وجعلتني أتعرف على وجودها وحقيقتها خلال ظهورها. إنه “ كما لو” – هنا تم استبدال الأدوار- أن الفكرة هي من قامت باستدعائي ( interpellated)، شخصياً، وألزمت علي أن أتعرف على حقيقتها. هكذا تصبح الأفكار أيديولوجيا تفرض نفسها بعنف مباغت، على “ الوعي الحر” للناس: من خلال استدعاء ( interpellating) الأفراد على نحو يجدون أنفسهم مجبرين “ بحرية” على التعرف على هذه الأفكار كحقيقة – مجبرين على أن يؤسسوا أنفسهم كـ “ ذوات حرة” (free subjects) قادرين على التعرف على الحقيقة أينما وجدت، وفي قول ذلك، داخلياً أو خارجياً، في مثل الشكل والمضمون للأفكار المؤسسة للإيديولوجيا المدروسة.

 هذه هي الآلية المبدئية للممارسة الأيديولوجية، الآلية المحددة التي تحول الأفراد إلى ذوات، الأفراد هم دائماً ذوات جاهزة، مما يعني، ذوات خاضعة دوماً لأيديولوجية ما.

  • يتبع مما قلته للتو إن الإنسان هو بالطبع كائن أيديولوجي.

 بكل تأكيد حيوان أيديولوجي، أعتقد للإيديولوجيا خصيصة متجاوزة للتاريخ، إنها دائماً وجدت وستوجد دائماً. يمكن لـ “مضمونها” أن يتغير، ولكن وظيفتها لن تتغير. لو رجعنا إلى قديم الزمان، سنجد أن الإنسان عاش  دائماً تحت سيطرة علاقات اجتماعية أيديولوجية.

  • نكتفي بهذا القدر إذن حول الايديولوجيا “ بشكل عام”، في بدايات 1970 على أية حال قمت بتفرقة ما هنا، مؤكداً أن للأيديولوجيات المعينة تاريخاً، حتى لو كانت محددة في اللحظة الأخيرة من قبل الصراع الطبقي.

 صحيح: ولكنني أصررت على أن ليس للأيديولوجيا بشكل عام تاريخاً، تهتم نظرية الايديولوجيا بما هو الأصعب في فهمه وشرحه في أي مجتمع: الوعي الذاتي للمجتمع، الفكرة التي تشكلها لنفسها وللعالم، هذه ليست منظومة أفكار حول العالم، ولكن تمثيل واضح لعالم الأفكار بوصفه منتجاً اجتماعياً.

  • يحضرني شيء قاله لك روبرت فوسيرت حول هذه المسألة، منذ الانقسام الذي حدث في الحركة الشيوعية العالمية ( 1961-1970)، والثورة الثقافية الصينية وأزمة مايو 1968، أصبح من الواضح للمسألة الايديولوجية خصوصية واستقلالية معينة، هذه الأحداث كشفت بوضوح التناقض -أو نسق التناقضات- في الماركسية أو مختلف الماركسيات.

  بالتأكيد، منذ ذاك الوقت أصبح من الصعب التخيل أن هذه الايديولوجيات المعينة الأقليمية ليس لها أي تاريخ، بأي شكل كانت ديني، أو اخلاقي، أو قانوني، أو سياسي.

 في النهاية، دعيني أشير إلى أنها ليست مسألة معاينة المجتمع بقدر ما ينتج أو ينظم، ولكن بقدر ما يمثل نفسه وعالمه الواقعي أو المتخيل.

  •  ماذا يمكنك أن تخبرنا عن شكل وجود الأيديولوجيا، الشكل التي توجد فيه بشكل مادي؟

 عندما نلاحظ الوجود الاجتماعي للأيديولوجيات، نرى أنها غير قابلة للانفصال عن المؤسسات بالطريقة التي تتجلى فيها، بشفراتها، ولغاتها، وتقاليدها، وشعائرها وطقوسها.

 يمكننا أن نؤكد أن في المؤسسات مثل الكنيسة، والنظام المدرسي، والعائلة، والأحزاب السياسية، وجمعيات الأطباء أو المحامين، الخ، تواجه الأيديولوجيات العملية ظروفها، وأشكالها المادية للوجود، ودعمها المادي، أو للدقة أشكالها المادية، حيث جسم الأفكار هذا هو غير منفصل عن هذا النظام للمؤسسات.

  •  هل يمكننا القول بأن الأجهزة الأيديولوجية هي من خلق الطبقة المسيطرة؟

لا، كانت موجودة سلفاً. ما يحدث هو تحت غطاء الوظائف الاجتماعية التي تخدم موضوعياً غاية الوحدة الاجتماعية، تستثمر وتوحد هذه الأجهزة الأيديولوجية من قبل الايديولوجيا المسيطرة.

 أود أن أضيف كلمة حول الطبيعة الثنائية للأيديولوجيا، في الواقع لا توجد أيديولوجيا اعتباطية محضة، إنها دائماً تشير إلى مشكلات واقعية، رغم أنها تحت غطاء شكل عدم الإدراك وبالضرورة الشديدة الوهم.

  • تحدثت عن “ الذات الايديولوجية”، تحديداً ماذا تقصد بذلك؟

 أنا أقصد الذات التي تعتبر نتاجاً للبنى التي سبقت ووجدت كينونتها، فرداً تعرض أو تحدد بالعلاقات الاجتماعية الايديولوجية.

 حقيقة أن إعادة الإنتاج الاجتماعي لا تتم حصراً على أسس إعادة إنتاج العمل، بل تفترض التدخل الأساسي للأيديولوجيا. لنأخذ مثالاً على ذلك: العامل الذي يذهب إلى مقر عمله قد اجتازاً سلفاً طريقاً طويلاً عبر ظروف اجتماعية -فردية أو جماعية- حفزته أن يقدم بإرادته أو لا، ويوفر خدماته بمقابل شراء قوة عمله: الوقت، والطاقة، والتركيز، الخ. ورغم أن الوسائل المادية لإعادة إنتاج قوة- العمل هي الأجور، إلا أنها كما هو معروف، لا تفي بالغرض. منذ أيام المدرسة وما بعد، هذا العامل تم “ تأسيسه” لكي يوافق على عادات اجتماعية معينة التي تضبط تصرفاته: الانضباط، والجدارة، والطاعة، والمسؤولية، وحب العائلة، والاعتراف بكل أشكال السلطة.

 هذا التشكيل يفرض الخضوع للأيديولوجيا المسيطرة، بكلمات أخرى، إنها ذات متعرضة بنيوياً للأيديولوجية المسيطرة -أو غير المسيطرة-، مما يعني التعرض لعادات وقيم المجتمع المهيمنة والثانوية.

  • بالطبع، بنية التذويت تسبق الذات، عندما يولد المرء، الظروف والمؤسسات والأجهزة التي ستقوم بتذويته موجودة سلفاً.

 بالضبط، تظهر علاقة خاصة ما بين الايديولوجيا والفرد، يتم تأسيسها من خلال آلية الاستدعاء ( interpellation)، الأداء الذي فيه يتم إخضاع الفرد للأيديولوجيا، تعين له دوراً اجتماعياً وهو يتعرف عليه كدور له. ما هو أكثر، إنه لا يمكن أن يفشل في القبول بهذا الدور.

 فعالية قبوله لهذا الدور يضمنه النمط الذي يعمل في تأسيس الذات ككائن اجتماعي، إذا نجح في التماثل مع نفسه، تحتاج الذات إلى -من أجل أن تتأسس – أن تتميز مع “ آخر” الذي هو نظيرها: إنه -الشخص- الذات- يتعرف على نفسه كموجود من خلال وجود الآخر ومن خلال التماثل معه. سيبدو أن الايديولوجيا هنا تعمل كصورة “ الآخر”، الصورة التي تم إدخالها في مطابقة اجتماعياً وعائلياً، مع ما يتوقعه المجتمع/العائلة من كل فرد يأتي إلى هذا العالم، منذ الصغر. الطفل يفترض هذه الصورة المقررة سلفاً كالطريقة الوحيدة التي يمكن أن يكون فيها ذاتاً اجتماعية، هذا ما يضفي فرديته عليه. الفرد/الذات يتطلب أن يتم التعرف عليه كفردية ووحدة، كـ “ شخص ما”، ولكن “ الواحد” (الذات) يجب أن يتم التعرف عليه من خلال “ الآخر”. يبدو أن للمرء حاجة سايكواجتماعية  ليتماثل مع “ الآخر” من اجل أن يتعرف على نفسه بأنه موجود.

 هكذا في الممارسة، الأفراد يحققون الأدوار والمهمات التي تم تعيينها لهم من خلال الصورة الاجتماعية للتشابه التي قاموا بالتعرف عليها، وعلى أسس فيها سيرورة تأسيسهم كذوات اجتماعية قد بدأت. يتم ضمان إعادة الإنتاج للعلاقات الاجتماعية للإنتاج بهذه الطريقة.

  •  ما قيل إلى حد الآن يفرش الطريق لتقدم نظري مهم، لسببين لأن هذه المقاربة لمسألة تصرف الفرد يتغلغل في اللاشعور ( الذي تركه فرويد بحيادية من الوضوح الايديولوجي) مع السياسة، ولأن يأخذنا إلى ابعد من التفسيرات النفسانية-الفردانية للتاريخ، ولكن ألا يعني هذا افتراض مسبق لنوع من حتمية تُعامل الفرد كنتيجة لبنى كائنة سلفاً وجدت كينونته؟

 لهذا السبب إن واحدة من اهتمامات المركزية لنظريتنا هي بطريقة ما اختزال الفجوة النظرية ما بين التحديد والمحدد.

  • استعمالاً للتشكيلة الكاملة لأدواتك النظرية، هل يمكننا تفكير التحويل للذوات ليس على مستوى الوعي الذاتي وحسب، بل أيضاً الوعي بالواقع والحاجة لتحويله؟

 نعم، وإلا لن يكون هناك أي تغيير، والناس لن يأخذوا المواقع التي تقارع وتعارض ما هو قائم، الذي هو المسيطر. لن يكون هناك “ ذوات ثورية”، ولكن الذات هي دائماً ذات ايديولوجية، يمكن لأيديولوجيتها أن تتغير، تنتقل من الايديولوجيا المسيطرة إلى الايديولوجيا الثورية، ولكن ستظل هناك دائماً ايديولوجيا، لأن الايديولوجيا هي ظرف كينونة الأفراد.

  • لماذا من الضروري أن الايديولوجيات، مجتمعة، تحصل على وحدتها وتوجهاتها من الفلسفة تحت هيمنة مقولات مثل الحقيقة؟

 لفهم هذا، من الضروري من وجهة نظر ماركس، إحضار ما سأطلق عليه الشكل السياسي لوجود الايديولوجيات في مجموع الممارسات الاجتماعية، من الضروري إحضار الصراع الطبقي ومفهوم “الأيديولوجيا المهيمنة”.

 كما نعرف منذ ماكيافيلي، كي تصمد قوة الطبقة المهيمنة، على هذه الطبقة تحويل قوتها من قوة مبنية على العنف إلى قوة مبنية على الرضا. من خلال الرضا الحر لتوابعها، عليها أن تكسب الامتثال الذي لا يمكن أن يُكسب أو يُحافظ عليه من خلال العنف وحده.

 إنها تحافظ على العنف كاحتياط، كملاذ أخير، هذه هي إحدى المهمات التي تم تحقيقها من قبل النسق -النسق المتناقض- للأيديولوجيات.

  • هل الطبقة التي تستولي على القوة تشكل مباشرة ايديولوجيتها الخاصة، وهل تنجح في فرضها كالايديولوجيا المهيمنة؟

 كلا، التجربة التاريخية تبين أن هذا الأمر يأخذ وقتاً – أحياناً وقتاً طويلاً- لتفعل ذلك، علينا فقط ان نذكر حالة البورجوازية، التي احتاجت خمس مئة سنة، منذ القرن الرابع عشر إلى التاسع عشر، لتحقق ذلك. ولكن علينا أن نضع في البال شيئاً آخر هنا، إنها ليست مسألة ابتكار أيديولوجيا مهيمنة وفقاً لمرسوم ما فقط لأن هناك حاجة لها، أو ببساطة تأسيس واحدة في مسيرة الصراع الطبقي. على الايديولوجيا المهيمنة أن تتأسس على أسس ما هو قائم، بدءاً من العناصر وأقاليم الأيديولوجيا القائمة والإرث لماض متشعب ومتناقض، مروراً بالمفاجآت المتمثلة بالحوادث التي تندفع دوماً في العلم والسياسة.  في خضم الصراع الطبقي وتناقضاته، إنها مسألة تأسيس ايديولوجيا لتجاوز كل هذه التناقضات، أيديولوجية موحدة حول كل المصالح الأساسية للطبقة المسيطرة لغاية ضمان ما أطلق عليه غرامشي هيمنتها.

  • لنعد إلى موضوع العلاقة ما بين الفلسفة، والايديولوجيا، والسياسة.

 إذا فهمنا واقع الايديولوجيا المهيمنة بهذه الطريقة، يمكننا فهم الوظيفة المميزة للفلسفة، الفلسفة هي ليست عملية مجانية أو نشاط تأملي. كان لدى الفلاسفة الكبار مفاهيم مختلفة جداً حول مهماتهم، كانوا يعلمون أنهم يردون على الأسئلة السياسية العملية الكبرى: كيف يتجه المرء في الفكر والسياسة؟ ما على المرء أن يفعل؟ أي اتجاه عليه أن يأخذه؟ لقد كانوا على علم أن هذه المسائل السياسية هي تاريخية. من الممكن أنهم آمنوا أن هذه المسائل هي أبدية، ولكنهم كانوا يعلمون أن هذه المسائل وضعت من قبل المصالح الضرورية للمجتمع الذي فكروا بالنيابة عنه.

 يبدو لي -وهذا ما مكنا ماركس من فهمه- أن من المستحيل فهم المهمة الصارمة للفلسفة إلا إذا، أولاً وقبل أي شيء، وضعناها في علاقة مع السؤال المركزي للهيمنة، لتأسيس الايديولوجيا المسيطرة.

 في النهاية المهمة المعينة والمفوضة من قبل الصراع الطبقي هي مساعدة توحيد الايديولوجيات في ايديولوجيا مسيطرة، الوصية على الحقيقة.

  • وكيف تساعد الفلسفة القيام بهذه المهمة؟

 بالتحديد من خلال عرض لتفكير الظروف النظرية لإمكانية حل التناقضات القائمة، وبذلك لتوحيد الممارسات الاجتماعية وأيديولوجيتها، هذا يتضمن العمل المجرد، عمل الفكر المحض، التنظير المحض.

 في حمل مهمة التوحيد تشعب الممارسات وايديولوجياتها – التي تعايشها كضرورة داخلية، رغم أن هذه المهمة عينت لها من قبل الخلافات الطبقية والحوادث التاريخية الكبرى – ماذا تعمل الفلسفة؟ إنها تنتج مجموعة كاملة من المقولات التي تخدم للتفكير ووضع مختلف الممارسات الاجتماعية تحت الايديولوجيات، الفلسفة تنتج إشكالية عامة: التي هي طريقة عرض، وبذلك حل أي مشكلة تظهر. في النهاية، الفلسفة تنتج مخططات وأشكال نظرية تخدم كوسيلة لتجاوز التناقض، وكروابط لربط العناصر المختلفة للايديولوجيا، بالإضافة إنها تضمن حقيقة هذا النظام، بطرحه بشكل يقدم كل الضمانات لقول عقلاني.

  • يتبع كل ذلك أن الفلسفة لا تقف خارج العالم أو خارج الخلافات أو الحوادث التاريخية.

 الفلسفة حتى في اكثر أشكالها تجريدية، الموجودة عند أعمال الفلاسفة الكبار، موجودة في مكان ما بجوار الايديولوجيات، كشكل من مختبر نظري حيث فيه المشكلة السياسية الأساسية للهيمنة الايديولوجية -التي هي تأسيس الايديولوجيا المسيطرة- يتم وضعها اختبارياً للاختبار في المجرد، العمل المنجز من قبل أكثر الفلاسفة تجريداً لا يبقى ميتاً: ما تستقبله الفلسفة من قبل الصراع الطبقي كمطلب، تعيده إليه بشكل أنساق فكرية تعمل لاحقاً على الايديولوجيات من أجل توحيدها وتحويلها.

 مثلما يمكننا الملاحظة بشكل تجريبي ظروف الوجود تاريخياً المفروضة على الفلسفة، يمكننا كذلك بشكل تجريبي ملاحظة آثار الفلسفة على الايديولوجيات والممارسات الاجتماعية.

  • هل يمكنك ذكر مثالاً تاريخياً؟

 العقلانية الفرنسية في القرن السابع عشر وفلسفة التنوير، حيث نتائج العمل التابع لتفصيل فلسفي انتقل إلى الايديولوجيا والممارسات الاجتماعية، المرحلتان للفلسفة البورجوازية هي لحظتان تأسيسيتان للأيديولوجيا البورجوازية كأيديولوجية مسيطرة. تم تأسيسها كأيديولوجيا مسيطرة في خضم صراع ما، من حيث  لعبت الفلسفة دورها كأسمنت نظري من أجل توحيد هذه الايديولوجيا.

 نحن نشهد اليوم مسألة أخرى تحت تأثير الإمبريالية الانجلو-ساكسونية، انزياح للسيطرة على قيد التنفيذ، ما الذي يسيطر هو لم يعد تفاهة أيديولوجيات حقوق الانسان، ولا حتى الايديولوجيا الأخلاقية- الثانوية البورجوازية، ولكن -هذا الانتقال بدأ منذ 1850- أيديولوجيا وضعية جديدة، منطقية، رياضية ذات أصل انجلو-ساكسوني، مربوطة بالإحيائية الاجتماعية، والبرغماتية، والسلوكية. من وجهة النظر هذه، الايديولوجيات المسيطرة حقاً في ممارسة واقعية (لا أعني المادية الديالكتيكية) هي شبيهة في الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية.

 في الحالة ( conjuncture) الايديولوجية الراهنة، مهمتنا الأساسية هي تأسيس لب ايديولوجيا مادية حقة وفلسفة صحيحة * ودقيقة من أجل المساعدة في ظهور ايديولوجيا تقدمية.


 * يجب التفرقة ما بين “ صحيحة” و” حقيقية”. أساساً سمة “ الحقيقي” يشير إلى علاقة بالنظرية وتثير اهتمام المعرفة العلمية، أما بالنسبة إلى الحقيقة، إنها أسطورة ايديولوجية ودينية وظيفتها ضمان ما هو قائم. أما ما هو “ صحيح” أو “ دقيق” يتعلق بالعلاقة مع الممارسة، الأطروحات التي تؤسس الجسم الفلسفي لا تعترف بأي دليل او برهنة علمية، ولكن تدعو لتبريرات عقلانية من نوع خاص. يمكن إذن الإطلاق عليها “ دقيقة” أو “ صحيحة” (ليس بمعنى عدالة -التي هي مقولة أخلاقية- ولكن بمعنى “ الضبط بشكل جيد”، مقولة عملية تشير إلى تلاؤم الوسيلة بالغاية). يمكننا بذلك القول إن ما هو “صحيح”، لأنه يرجع إلى العمل، أيضاً يرجع إلى التعريف لأي استراتيجية أو خط “ صحيح” أو “ دقيق” في أي معسكر كان. [هذه الملحوظة أضافها آلتوسير. الجملة الاخيرة هي مشوهة : المعنى الأساسي يبدو أن “ الصحة” هي مقولة يتم تطبيقها على كل ممارسة، مهما كان تلوينها السياسي.]


* حوارات أجرتها فيرناندا نافارو مع الفيلسوف لوي آلتوسير خلال الفترة ما بين 1984-1987، نُشر في كتيب واهدت هذا الكتيب إلى مورسيو مالامود: (( إلى موريسيو مالامود، الذي أدين له لقائي التصادفي “ الإبيقوري” مع لوي آلتوسير – الرجل، وحياته، وعمله”)).

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">

 

19-الكثير من الملحدين يدينون بالشكر لعدنان إبراهيم، لأنهم يعتبرونه جسر وصل بين التدين والإلحاد، وعدنان يشكل القشة التي يتمسك بها المؤمن قبل أن يترك الدين نهائيا.

 

الحاد

 

20-من أعماله:
مطرقة البرهان وزجاج الإلحاد، نظرية التطور، مباحث الفلسفة, الصحابة وعدالتهم، ليطمئن قلبي

 

عدنان ابراهيمما النقد؟ مقالة عن فضيلة فوكو – جودث بتلر – ترجمة: فاطمة الشملان

ماذا يعني إسداء نقد؟1 إنه شيء يمكنني أن أراهن بأن أغلبنا يفهمه بحس عام. لكن تصبح الأمور أكثر ارباكا إذا حاولنا التفريق بين نقد هذا أو ذاك الموقف أو النقد كممارسة عامة بشكل أكبر، أي ما يمكن وصفه دون الإشارة إلى عناصره المخصوصة. هل يمكننا حتى طرح سؤال كهذا عن الصفة العامة للنقد دون الإيماء إلى جوهر النقد؟ وإذا ما توصلنا لصورة عامة، توفر شيئا يقترب من فلسفة النقد، هل سنخسر حينها الفارق بعينه بين الفلسفة والنقد الذي يعمل كجزء من تعريف النقد ذاته؟  النقد دائما هو نقد بعض الممارسات المنشئة، الخطابية، المعرفية، المؤسساتية، وتخسر صفتها في اللحظة التي تجرد فيها من عمليتها وتُجعل واقفة لوحدها كممارسة عمومية. ولكن إذا كان هذا صحيحا، فإنه لا يعني بأن العموميات مستحيلة أو بأننا غائصين بالفعل في المخصوصات. على العكس، ندوس هنا على منطقة من العمومية المقيدة، تلك التي تنقب الفلسفي، ولكن يجب إذا ما كانت ستبقى نقدية أن تظل على مسافة من ذلك الإنجاز بعينه.

إن المقالة التي أستعرضها هنا هي عن فوكو، لكن دعوني أبدأ باقتراح ما اعتبره موازيا بشكل مهم بين ما سعى ريموند وليامز وثيودور أدورنو بطرق عدة لتحقيقه تحت اسم “الانتقاد” وما سعى فوكو لفهمه عبر “النقد.” أؤكد بأن شيئا من مساهمة فوكو نفسه إلى وبالتحالف مع الفلسفة السياسية التقدمية سيتجلى في مسار المقارنة.

قلق ريموند وليامز بأن مفهوم الانتقاد قد حصر بإفراط في مفهوم “إيجاد الخطأ”2 واقترح بأن نجد تعبيرا لأنواع الاستجابات التي نملكها، خاصة للأعمال الثقافية، “والتي لا تتخذ طبع (أو حق أو واجب) الحكم.” وما نادى به هو نوع من الاستجابة المحددة، واحدة لا تُعمم بسرعة فائقة، كتب:” ما يحتاج أن يُفهم دائما،” “هو نوعية الاستجابة، والتي ليست حكما بل ممارسة.” أعتقد بأن هذا السطر الأخير يُعلِّم مسار تفكير فوكو على الموضوع، بما أن “النقد” تحديدا ممارسة لا توقف الحكم من قبله فحسب بل توفر ممارسة جديدة للقيم مبنية على ذاك الإيقاف بعينه.

إذن لوليامز، فإن ممارسة النقد ليست مختزلة في الوصول إلى أحكام (والتعبير عنهم). يصنع أدورنو وبشكل مهم ادعاء مشابها حين يكتب عن ” خطر…الحكم على ظاهرية فكرية في صيغة جمعية، جاهلة وتنفيذية واستيعابها في كوكبة سائدة من القوى التي وجب على الفكر كشفها.”3 إذن، من المهم الكشف عن “كوكبة القوى” تلك التي يعيقها التسرع في “الحكم” كفعل تمثيلي للنقد. فلأدورنو، تخدم عملية الحكم ذاتها فصل الناقد من العالم الاجتماعي في يده، وهي حركة تعارض النتائج لعمليته، مُشَكلة ” انسحابا من التطبيق”.  يكتب أدورنو بأن الناقد” حين بكل هيمنة يدعي علما أعمق بالموضوع، أي فصل الفكرة من الموضوع عبر استقلال الحكم النقدي فإنه يهدد بالخضوع لصيغة شيء مشابه للموضوع حين يحتكم الانتقاد الثقافي إلى مجموعة من الأفكار المعروضة، كما هي وتصنيمها كفئات منعزلة.” ولكي يعمل النقد كجزء من التطبيق بالنسبة لأدورنو، فعليه أن يقبض على الطرق التي تتأسس منها الفئات كما هي، بمقومها المنغلق. تعمل الأحكام لدى كلا المفكرين كطرق لتضمين مخصوص تحت فئة منشأة مسبقا، بينما النقد يسأل عن التأسيس المنغلق لمجال الفئات نفسها. وما الذي يصبح عند فوكو مهما خصوصا في هذا الميدان، هو محاولة التفكير بمعضلة الحرية وبالطبع الأخلاق بشكل عام متجاوزة الحكم حيث يشكل التفكير النقدي هذا النوع من الجهد.

ألقى فوكو في 1978 محاضرة بعنوان “ما النقد؟”4 وهي قطعة مهدت لمقالته المعروفة جدا “ما التنوير؟” (1984). إنه لا يسأل ما النقد فحسب بل يسعى لفهم نوع السؤال الذي ينشئه النقد، عارضا بعض الطرق التجريبية لتطويق نشاطه. ولعل ما يبقى مهما عن المحاضرة، والمقالة الأكثر تطورا التي لحقته، هو صيغة السؤال التي وضع بها الأمر. حيث سؤال “ما النقد” بعينه هو نموذج للمؤسسة النقدية موضع التساؤل، ولذا لا يستعرض السؤال المشكلة فحسب-ما النقد الذي من المفترض أننا نقوم به أو حقا نتطلع لفعله؟ – ولكنه يُحدِث نمطا معينا من التساؤل سيثبت أنه مركزي لنشاط النقد نفسه.

بالطبع، سأقترح بأن ما سعى فوكو لفعله بهذا السؤال هو شيء مختلف تماما عما يمكن أن نأتي لتوقعه من النقد. لقد جعل هابرماس من عملية النقد أمرا معضلا للغاية حين اقترح بتجاوز النظرية النقدية التي نتطلبها إذا ما سعينا لملاذ بالأعراف في صنع أحكام تقييمية عن الظروف والأهداف الاجتماعية. إن منظور النقد بالنسبة له هو القدرة على استدعاء الأساسات التي هي موضع الحديث هنا، أي ليس في تجريد التراتبية الاجتماعية والسياسية فحسب بل وتحقيق منظورات حيث يمكن أخذ مسافة معينة عن العالم الطبيعي من خلالها. بيد أن ولا واحدة من تلك النشاطات تخبرنا بأي اتجاه علينا التحرك، أو تخبرنا ما إذا كانت النشاطات التي ننخرط فيها تحقق نوعا من الأهداف المبررة معياريا. ولذا في نظره يجب على النظرية النقدية أن تفسح المجال لنظرية معيارية أقوى، كالفعل التواصلي، من أجل توفير أساس للنظرية النقدية، سامحة لأحكام معيارية أن تُصنع،5 وألا يكون للسياسة هدف واضح وتطلع معياري فحسب، بل أن نكون قادرين على تقييم ممارسات جارية باعتبار قدراتها للوصول لتلك الأهداف. وفي صنع هذا النوع من الانتقاد للنقد، أصبح هابرماس بشكل مثير للفضول غير ناقد لمعنى المعياري بعينه الذي وظفه. حيث يفترض سؤال “ما الذي علينا فعله؟”  بأن “نا الفاعلين” قد تشكلت ومعلومة، وبأن عملها ممكن، وأن الميدان الذي يمكنها العمل فيه محدود. ولكن إذا كانت هذه التشكيلات نفسها والمحدودات تملك عواقب معيارية، إذن سيكون من الضروري السعي خلف القيم التي تجهز المشهد للعمل، وسيكون هذا بعدا مهما لأي تساؤل نقدي في الأمور المعيارية.

وبالرغم من أن لعل لدى هابرماس إجابة على هذه المشكلة، فإن ليس هدفي اليوم تكرار تلك المجادلات أو الإجابة عليها، بل تسجيل المسافة بين مفهوم النقد الذي يُصنف كمعيار فقير بزاوية ما، وآخر أتمنى أن أعرضه هنا، ليس أكثر تعقيدا عما يفترضه الانتقاد المعتاد فحسب بل يمتلك، كما أحاج، التزامات معيارية قوية تظهر في صيغ سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلا، قراءتها ضمن القواعد الحالية للمعيارية. أتمنى حقا أن أُظهر بأن فوكو لم يصنع مساهمة مهمة للنظرية المعيارية فحسب بل أن كلا من تجميله واعتباره للموضوع مرتبطان بالكامل مع كل من أخلاقياته وسياساته. وفي حين اعتبره البعض كجمالي أو كعدمي، أتمنى أن اقترح بأن الغزوة التي يعتركها في موضوع صنع الذات عبر الافتراض المسبق وفي التكون نفسه مهم لسياسة عدم الخضوع التي يقترحها. وبشكل متناقض فإن صنع الذات وعدم الخضوع يحصلان تزامنيا حين يُخاطر بنمط من الوجود غير مدعوم بما يسميه نظام الحقيقة.

يبدأ فوكو نقاشه بالتشديد على أن هناك قواعد لغوية لهم، أي “النقد”، مفرقا بين “المؤسسة الكانطية الرفيعة” المسماة نقد و” النشاطات الجدلية الصغيرة المسماة نقد” وبذا يحذرنا منذ البداية بان النقد لن يكون شيئا واحدا، ولن نكون قادرين على تعريفه بعيدا عن الأمور المتعددة التي يُعرّف من خلالها. “عبر وظيفته”، يكتب فوكو” يبدو [النقد] محكوما بالتبعثر، الاعتماد والمتغايرات الخالصة.” “إنه يوجد فقط عبر ارتباطه بشيء عدا نفسه.”

وبذا يسعى فوكو لتعريف النقد، ولكنه يجد بأن سلسة من التقاربات وحدها ممكنة. سيعتمد النقد على عناصره، ولكن عناصره في المقابل ستعرف معنى النقد بعينه. بالإضافة إلى أن المهمة الأولية للنقد لن تكون تقييم ما إذا عناصره- الظروف الاجتماعية، الممارسات، الصيغ المعرفية، القوة والخطاب- جيدة أم سيئة، مقدرة أو منحطة، ولكن لإجلاء هيكلة العملية ذاتها للتقييم نفسه. ما هي علاقة المعرفة بالقوة للدرجة التي تظهر بها يقيناتنا الأبستمولوجية داعمة لطريقة هيكلة للعالم تمنع الاحتمالات البديلة للتنظيم؟ يمكننا التفكير بالطبع بأننا نحتاج يقينا أبستمولوجيا من أجل الإقرار بالتأكيد بأن العالم وحري به أن يُنظم بطريقة معينة. إلى أي مدى مع هذا، تُدار هذه اليقينية من قبل صيغ معرفية تحديدا من أجل منع احتمالية التفكير بطريقة أخرى؟ الآن، يمكن للمرء أن يتساءل بحكمة، ما فائدة التفكير بطريقة أخرى، إذا لم نعلم قدما بأن التفكير بطريقة مختلفة سينتج عالما أفضل؟ إذا لم نمتلك هيكلة أخلاقية نقرر من خلالها وبمعرفة بأن احتمالات جديدة معينة أو طرق في التفكير ستقدم ذاك العالم حيث يمكننا الحكم على أفضليته بمعايير مؤكدة ومحققة مسبقا؟ بات هذا شيئا من الرد المعتاد على فوكو والعقلية الفوكوية. وهل نفترض بأن الصمت النسبي الذي رحب بهذا الطبع من إيجاد الخطأ لدى فوكو هو دلالة على أن نظريته لا تملك إجابات مطمئنة لتمنحها؟ أعتقد بأنه يمكننا الافتراض بأن الإجابات التي استعرضت لا تملك تطمينا كهدفها الرئيسي. هذا بالطبع دون القول بأن ما يمنع التطمين هو من حيث التعريف ليس الإجابة. إن الرد الوحيد بالتأكيد بالنسبة لي هو بالرجوع إلى معنى مبدئي أكثر لـ “النقد” من أجل رؤية ما الخطأ في السؤال المطروح، وبالتأكيد لطرح السؤال من جديد، ليمكن تخطيط توجه أكثر إنتاجية لمجال الأخلاقيات ضمن السياسة. يمكن للمرء أن يتساءل بالطبع عما إذا كان ما أعنيه “إنتاجي” سيُوجه بمعايير ومقاييس سأكون مستعدة لكشفها، أو تلك التي أقبض عليها جميعا في اللحظة التي اصنع فيها ادعاء كهذا. ولكني أطلب هنا صبركم حيث بدا أن النقد ممارسة تتطلب قدرا معينا من الصبر بالطريقة نفسها التي تتطلبها القراءة، بحسب نيتشه، بأن نتشبه قليلا بالأبقار أكثر من البشر ونتعلم فن الاجترار البطيء.

إن مساهمة فوكو لما يبدو كمأزق ضمن النظرية النقدية وما بعد النقدية لوقتنا، هي تحديدا في سؤالنا لإعادة التفكير في النقد كممارسة. حيث نطرح سؤال عن حدود أكثر طرقنا المؤكدة في المعرفة، والتي يشير لها وليامز كـ “طباع الذهن الغير نقدية” الخاصة بنا والتي يصفها أدورنو بالأيديولوجية (حيث “الفكرة الغير أيديولوجية هي تلك التي لا تسمح لنفسها لأن تُختزل “بمصطلحات عملية” وبدلا عنه تستبسل بشكل مطلق في مساعدة الأشياء نفسها لذاك التعبير الذي اقتطعته اللغة السائدة.” لا يتجه المرء للحدود من أجل حماس التجربة أو لأنها خطيرة وجذابة، أو لأنها تأتي بنا إلى قرب مقشعر مع الشر. يسأل المرء عن الحدود في طرائق المعرفة لأنه مر مسبقا أمام أزمة ضمن المجال الأبستمولوجي الذي يعيش فيه. تنتج الفئات التي يُنظم من خلالها المجتمع عدم اتساق أو عوالم كاملة من الغير منطوق. ومن هذا الظرف، أي الشق في نسيج شبكتنا الأبستمولوجية، تنبثق ممارسة النقد، مع الوعي بعدم وجود خطاب كفؤ هنا أو أن خطاباتنا السائدة قد أنتجت مأزقا. بالتأكيد قد ينتج الجدل نفسه، حيث يحارب فيه المنظور المعياري القوي مع النظرية النقدية، تلك الصيغة من المأزق الاستطرادي حيث ينبثق منها ضرورة وعجالة النقد تحديدا.

إن النقد لفوكو “وسيلة لمستقبل أو حقيقة لن تعرفها أو يصدف أن تحدث، إنه يشرف على حقل لا يريد ضبطه وغير قادر على تنسيقه.” إذن سيكون النقد ذلك المنظور على الطرق المحققة والمنظمة للمعرفة التي لم تُدمج على الفور في ذلك العمل التنظيمي. من المثير للاهتمام لدى فوكو أن هذا الانكشاف على حدود المجال الأبستمولوجي مربوط بممارسة الفضيلة، كما لو أن الفضيلة تضاد للتنسيق والنظام، كما لو أن الفضيلة نفسها توجد في المخاطرة في نظام قائم. وهو ليس خجلا من العلاقة هنا فيكتب ” هناك شيء في النقد مجانس للفضيلة.” ثم يقول شيئا يمكن أن يُعتبر حتى أكثر دهشة:” هذا السلوك النقدي فضيلة في العموم.”

يمنحنا فوكو إشارة إلى ما يعنيه بالفضيلة في مقدمة استخدام المتع: تاريخ الجنسانية، الجزء الثاني.6 ففي هذه المرحلة يوضح بأنه يسعى لتجاوز الاعتبار الفلسفي الأخلاقي الذي يصدر سلسلة من الأوامر. وكما يتقاطع النقد مع الفلسفة دون أن يتطابق معها تماما، كذلك فوكو في تلك المقدمة، يسعى لصنع من فكره الخاص مثالا على صيغة غير آمرة من التحقيق الأخلاقي. وبنفس الطريقة، سيتساءل عن الصيغ من التجارب الأخلاقية التي لا تُعَرّف بجمود من قبل القانون العدلي، أي حكم أو أمر حيث يُقال فيه للنفس أن تخضع ميكانيكيا أو بانتظام. يقول لنا في المقالة التي يكتبها، بأنها هي نفسها مثال على ممارسة كهذه، ” لاستكشاف ما قد يتغير، في فكرها ذاته، عبر ممارسة معرفة غريبة عليها.” تتعلق التجربة الأخلاقية بتحول ذاتي مدعوم بصيغة معرفية غريبة عما يملكها المرء. وتلك الصيغة من التجربة الأخلاقية ستكون مختلفة عن الخضوع لأمر. بالتأكيد، للمدى الذي يستجوب فيه التجربة الأخلاقية هنا أو في مكان آخر، يعتبر فوكو نفسه بأنه يصنع تحقيقا في التجارب الأخلاقية الغير منظمة بشكل أساسي أو بنيوي عبر المنع أو الحظر.

سعى في الجزء الأول من كتاب تاريخ الجنسانية 6 لإظهار بأنه لا يمكن فهم الممنوعات المفترضة من التحليل النفسي والاعتبار البنيوي للمحظورات الثقافية كثوابت تاريخية. بل بالاعتبار التأريخي، لا يمكن فهم التجربة الأخلاقية عبر اللجوء إلى سلسلة من الممنوعات الكاشفة ضمن زمن تاريخي معطى. فبالرغم من وجود نواميس   لتدرس، فإنه يجب دراسة تلك النواميس   بحسب علاقتها لأنماط وضعية تتوافق معها. ويقوم بادعاء بأن تشريع القانون يحقق نوعا من هيمنة ضمن القرن الثالث عشر ولكن إذا ما عاد المرء إلى الثقافات الإغريقية واليونانية الكلاسيكية فإنه يجد الممارسات أو” فنون الوجود” تتعلق بالعلاقة النامية للذات ومع نفسها. وبتقديم مفهوم “فنون الوجود”، فإن فوكو يعيد تقديم والتركيز على “الأفعال المقصودة والواعية”، تحديدا ” تلك الأفعال التي لا يضع من خلالها الرجال أحكاما للتصرف فحسب بل يسعون أيضا لتحويل أنفسهم لوجودهم الفردي، ولجعل حياتهم عملا فنيا.” وحيوات كهذه لا تتطابق ببساطة مع الأوامر التشريعية الأخلاقية أو الأعراف بطريقة تواءم فيها ذواتهم، التي تعتبر مصنوعة أو جاهزة مسبقا، في قالب أُعد مسبقا من قبل التشريع. على العكس، إن الذات تُفّصل نفسها عبر مفهوم العرف، تأتي لتستوطن وتندمج فيه، ولكن العرف ليس هذا الحس خارج المبدأ الذي تتشكل منه الذات. ما يعد قضية بالنسبة له ليست التصرفات أو الأفكار أو المجتمعات أو “الأيديولوجيات”، ولكن “الاستشكالية التي من خلالها يسمح المرء لنفسه أن يكون بالضرورة عبر الفكر، والممارسات على الأساس الذي تشكلت منه تلك الاستشكاليات.”

بالكاد يكون هذا الادعاء الأخير شفافا، ولكن ما يقترحه بأن أنواعا معينة من الممارسات التي صممت للتعامل مع أنواع معينة من المشكلات تنتج عبر الوقت ميدانا مستقرا من الكينونة كعاقبة لها، وهذا الميدان الكينوني في المقابل يقيد من فهمنا لما هو ممكن. وبالإشارة فقط إلى هذا الأفق الكينوني المتجلي، الذي أنشئ هو نفسه من سلسلة من الممارسات، سنكون قادرين على فهم أنواع من علاقات التشريعات الأخلاقية التي شُكلت وتلك التي ستتشكل فيما بعد. فعلى سبيل المثال، يعتبر فوكو بالتفصيل ممارسات عديدة من الصرامة، ويربط تلك بإنتاج نوع معين من الفرد الذكوري. إن ممارسات الصرامة لا تشهد على صحة منع واحد مستديم، بل تعمل في خدمة نحت نوع معين من الذات. أو إذا ما وضعت بشكل أدق، تصنع الذات نفسها نوع معين من الأفراد في دمجها أحكام السلوك التي تمثل مزية الصرامة. إن انتاج الذات هذا هو “إعداد وأسلوب لنشاط في ممارسة قوته وحريته.” لم تكن تلك ممارسة مضادة للمتعة الخالصة والبسيطة، ولكنها ممارسة متع في ذاتها، أي ممارسة المتعة في سياق التجربة الأخلاقية.

وبذا وفي القسم الثالث من مقدمته يوضح فوكو بأن عرضا تاريخيا زمنيا للنواميس الأخلاقية لن يكون وافيا، حيث لا يمكن لتاريخ كهذا إخبارنا كيف عيش بهذه النواميس وأكثر تحديدا ما هي صيغ التشكيل الفردي الذي تطلبته تلك الصيغ وسهلت له. ويصبح هنا أشبه ما يكون بظواهري. ولكن هناك بالإضافة للجوء إلى الوسائل التجريبية التي قُبض من خلالها على الفئات الأخلاقية، حركة نقدية كذلك، حيث لن تكون العلاقة الشخصانية بتلك الأعراف متكهنة أو آلية. ستكون العلاقة “نقدية” بمعنى أنها لن تتبع فئة معينة، بل تشكل عوضا عنه علاقة استجوابية مع مجال التصنيف نفسه، مشيرة بشكل ضمني على الأقل لحدود الأفق الأبستمولوجي الذي يُخلق من خلاله الممارسات. ليست النقطة هي الإشارة إلى سياق أبستمولوجي معطى مسبقا، ولكن تأسيس النقد كممارسة في ذاتها تكشف حدود ذلك الأفق الأبستمولوجي نفسه، جاعلا من محيط الأفق يظهر كما لو أنه ولأول مرة، يمكننا القول، في علاقة مع حدوده. بالإضافة إلى أنه تُظهر الممارسة النقدية هنا بأنها تستلزم التحول الذاتي بارتباطها مع حكم السلوك. إذن كيف يؤدي التحول الذاتي إلى إجلاء هذا الحد؟ كيف يُفهم التحول الذاتي كـ “ممارسة للحرية” وكيف تفهم هذه الممارسة كجزء من معجم فوكو للفضيلة؟

فلنبدأ أولا بفهم التحول الذاتي المطروح هنا، ثم نتأمل كيف يرتبط بمشكلة تسمى “النقد” التي تشكل بؤرة تداولاتنا هنا. بالطبع أن يدير المرء نفسه تحت ناموس من السلوك أمر، وصياغة نفسه كفرد أخلاقي بالعلاقة مع ناموس من السلوك هو أمر آخر (وسيكون أمر ثالث صياغة المرء لنفسه كمُخاطر بترتيب الناموس نفسه). توفر أحكام العفة مثالا مهما لفوكو. هناك فرق على سبيل المثال بين عدم الفعل تلبية لرغبات يمكنها انتهاك مبدأ يلتزم به المرء أخلاقيا وإنشاء ممارسة للرغبة، إذا جاز التعبير، معلومة بمشروع أخلاقي معين أو رسالة. إن النموذج الذي يتطلب فيه الخضوع لحكم قانوني سيتعلق بألا يفعلها المرء بطرق معينة، واضعا منعا فعّالا ضد الفعل بمقتضى رغبات معينة. لكن يأتي النموذج الذي يسعى فوكو لفهمه وبالفعل لدمجه وضربه مثالا ليأخذ الأمر الأخلاقي للمشاركة في تشكيل نوع من الفعل. يبدو أن نقطة فوكو هنا بأن الزهد والحرمان لا يفرضان ناموسا أخلاقيا مثبطا أو غير فعال، ولكن يشكلان في المقابل ناموسا أخلاقيا من السلوك وطريقة لتصميم كل من الفعل والمتعة.

أزعم بأن هذا التضاد الذي يطرحه فوكو بين الأخلاق المبنية على الأمر والممارسة الأخلاقية التي ترتبط مركزيا بتشكيل الذات، يسلط ضوءا مهما على الفارق بين الامتثال والفضيلة التي يعرضها في مقالته “ما النقد؟” ستعرف متضادات فوكو قدما عبر فهم “الفضيلة” مع الامتثال، مظهرا كيف تُنشئ هذه الصيغة من الفضيلة عبر اختلافها عن الامتثال الغير نقدي للسلطة.

تشكل مقاومة السلطة بالطبع دمغة التنوير لدى فوكو. وتمنحنا قراءة في التنوير التي لا تنشئ فقط استمرارية فوكو مع أهدافها فحسب، بل قراءة في معضلاته الذاتية في استرجاعه تاريخ التنوير نفسه. إن الاعتبار الذي يوفره لا يمكن لمفكر “تنويري” أن يقبله، لكن تلك المقاومة لن تفسخ التوصيفات الموجودة، إن ما يسعى إليه فوكو في توصيف التنوير هو بالضبط ما يبقى “غير مفكر فيه” ضمن مصطلحاته نفسها: أي أن ما يملكه هو تاريخ نقدي. ففي منظوره، يبدأ النقد بالتشكيك في المطالبة بالامتثال المطلق وإخضاع كل التزام حكومي مفروض على الرعايا لتقييم عقلاني وتأملي. وبالرغم من أن فوكو لن يتبع هذا المنعطف من المنطق، فإنه وبالرغم من هذا سيسأل عن المقياس الذي يحد أنواع الأسباب التي تأتي لتلقي بحملها على سؤال الامتثال. سيكون مهتما على وجه الخصوص بمعضلة كيف يشكل الميدان المحدود الفرد وكيف في المقابل يشكل الفرد ويعيد تشكيل تلك الأسباب. سترتبط تلك القابلية لتشكيل أسباب بشكل مهم مع علاقة التحول الذاتي المذكورة آنفا. يتطلب منك كي تكون ناقدا لسلطة تتموضع كمطلق ممارسة نقدية تحمل التحول الذاتي في كنهها.

ولكن هل ننتقل من فهم الأسباب التي نملكها للموافقة على مطلب تشكيل تلك الأسباب لأنفسنا، لتحويل أنفسنا في درب انتاج تلك الأسباب (وأخيرا، المخاطرة بمجال السبب ذاته)؟ أليست تلك معضلات مختلفة النوع، أم أن الواحدة منها تؤدي للثانية حتميا؟ هل الاستقلالية المُحققة في تشكيل الأسباب التي تخدم كأساس للموافقة على أو رفض قانون مُعطى هي نفسها تحول الذات الذي يحصل حين يصبح الحكم مندمجا في الفعل ذاته للفرد؟ كما سنرى، يُعتبر كل من تحول الذات عبر المنظور الأخلاقي وممارسة النقد صيغ من “الفن،” تصميمات وإعادة، مقترحة بأن لا مجال لقبول أو رفض حكم دون ذات مصممة كردة فعل لمتطلب أخلاقي واقع عليها.

وفي سياق حيث الامتثال مطلوب، يحدد فوكو الرغبة التي تُخطر السؤال “كيف لا يُحكم المرء؟” تشكل هذه الرغبة، والدهشة التي تعقبها، الدافع المركزي للنقد. إلا أنه من غير الواضح بالطبع كيف ترتبط الرغبة التي لا تحُكم بالفضيلة. إلا أنه يجلي مع هذا، بأنه لا يطرح احتمالية أناركية راديكالية، والسؤال ليس عن كيف تصبح غير محكوم راديكاليا. إنه سؤال محدد ينبثق فيما يتعلق بصيغة محددة من الحكومة: “كيف لا تُحكم كهذا، وبهذا، وباسم تلك المبادئ، وبكذا وكذا هدف في الذهن وبوسائل إجراءات كتلك، ليس كهذا، وليس من أجل هذا، وليس من قبلهم.”

تصبح هذه العلامة الفارقة لـ “السلوك النقدي” ومزيته المخصوصة. حيث السؤال نفسه، بالنسبة لفوكو، يولي سلوكا أخلاقيا وسياسيا، ” فن ألا يُحكم المرء، أو أفضل من هذا، فن ألا يُحكم هكذا أو مقابل تلك القيمة.” مهما تكن الفضيلة التي يرسمها فوكو هنا لنا، سيتعين عليها أن تكون متعلقة بتلك التي تعترض على فرض القوة، أو عواقبها، وعلى الطريقة التي تُقدم، وعلى أولئك الذين يقدمونها. قد ينجذب المرء للتفكير بأن فوكو يصف المقاومة ببساطة، لكن يبدو هنا أن “الفضيلة” قد استعيضت عن ذلك المصطلح، أو باتت الوسيلة التي أعيد به وصفها. علينا أن تساءل لماذا. بل أكثر، لقد وُصفت هذه الفضيلة كذلك على أنها “فن”، فن ألا يُحكم المرء “بكثرة”، إذن ما العلاقة بين الجماليات والأخلاقيات المعمول بها هنا؟

يجد فوكو أصول النقد في علاقتها مع مقاومة السلطة الكنائسية. في علاقتها مع العقيدة الكنسية، “عدم الرغبة بأن يُحكم كان حتما طريقة للرفض، تحدي، والحد من (قلها كما يحلو لك) الحكم الكنائسي. كان يعني الرجوع إلى النصوص المقدسة…كان يعني التساؤل عن أي نوع من الحقيقة أخبرتها تلك النصوص.” كان جلي بأن هذا الاعتراض قد شُنّ من أجل بديل، أو على الحد الأدنى، أرض منبثقة للحقيقة وللعدالة. أدى هذا بفوكو لصياغة تعريف ثاني للـ “النقد”: “عدم الرغبة بأن يُحكم…عدم الرغبة بقبول تلك القوانين لأنها ظالمة ولأنها…تخفي عدم شرعية جوهرية.”

إن النقد هو ما يفضح عدم الشرعية تلك، وذلك ليس لأن النقد يملك مصدرا لنظام سياسي وأخلاقي أكثر جوهرية. يكتب فوكو بأن مشروع النقد ” يتصادم مع الحكومة والامتثال الذي تشترطه” وأن ما “يُقصد بالنقد” في هذا السياق هو “ترويج الحقوق الموحدة والغير قابلة للنقض والتي على كل حكومة أيا كانت، سواء ملكية أو قضائية أو تعليمية أو أسر أبوية أن تخضع لها.” إلا أن ممارسة النقد مع هذا، لا تكشف عن تلك الحقوق الموحدة، كما يدعى منظرو التنوير، ولكنها “تروج لها.” غير أنها لا تروج لهم كحقوق ليست بإيجابية. إن “الترويج” هو فعل يحد من قوة القانون، فعل يعاكس وينافس أعمال القوة، أي القوة في لحظة تجددها. ذلك موقف محدود بعينه، ذلك الذي يأخذ الصيغة وما تؤكده كسؤال، في توكيدها ذاته، “حق” السؤال. منذ القرن السادس عشر وما بعده صار سؤال “كيف لا يُحكم المرء” محددا إلى “ما محدود حق الحكم؟” “عدم الرغبة بأن ُيحكم” هو بالطبع عدم قبول كحقيقة… ما تقوله لهم سلطة بأنه كذلك، أو على الأقل عدم قبولها لأن سلطة أخبرتكم بأنها حقيقة، لكن القبول بها فقط إذا ما اعتبر المرء الأسباب لفعل ذلك حقة. يوجد بالطبع كم لا بأس به من الضبابية في هذا الوضع، فما الذي سيشكل أرضية الصلاحية للقبول بالسلطة؟ هل تُستقى الصلاحية من الموافقة على قبول السلطة؟ أو أنها حالة تستند فقط على أساس صلاحية سابقة ومكتشفة يمنح المرء موافقته عبرها؟ وهل تلك الأسباب السابقة، في صلاحيتها، تجعل من الموافقة حقة؟ إذا كان البديل الأول صحيحا، فالموافقة إذن فيصل يُحكم من خلالها على الصلاحية، ويبدو أن موقف فوكو تقلص إلى صيغة من الطوعية. ولكن لعل ما يقدمه لنا عبر سبيل “النقد” هو فعل، بل حتى ممارسة للحرية، التي لا يمكنها التقلص إلى الطوعية بأي طريقة سهلة. حيث أن الممارسة التي وضعت من خلالها حدود السلطة المطلقة هي واحدة معتمدة جوهريا على آثار الأفق المعرفي الذي تعمل عبره. لا تستقي الممارسة النقدية معينها من بئر الحرية الفطرية للروح. بل تُعلم في المقابل في بوتقة التبادل المخصوص بين سلسلة من الأحكام أو المبادئ (الموجودة مسبقا) وتصميم الأفعال (التي تمتد وتعيد تشكيل تلك الأحكام المسبقة والمبادئ). يأتي تصميم الذات هذا بالنسبة إلى الأحكام ليُعد كـ “ممارسة.”

ففي منظور فوكو، متبعا كانط بحس واهن، فإن فعل الموافقة هو حركة انعكاسية من خلاله تُعزا أو تُسحب الصلاحية من السلطة. ولكن هذه الانعكاسية لا تدوم للفرد. هي لفوكو فعل يحوي بعض المخاطرة، حيث النقطة ليست الاعتراض على هذا أو ذاك المطلب الحكومي فحسب بل السؤال عن النظام الذي بات من خلاله مطلب كهذا شرعيا ومحتملا. وإذا ما اعترض المرء على الأوامر الأبستمولوجية التي أنشأت أحكام الصلاحية الحكومية، إذن فقول “لا” للمطلب سيحتاج مغادرة الأرضيات المنشئة لصلاحيته، مُعلِّمة حد تلك الصلاحية، وهو شيء أكثر مخاطرة بكثير من إيجاد بأن مطلبا معينا غير صالح. ويمكننا القول من هذا الاختلاف، بأن المرء يبدأ بولوج علاقة نقدية مع أوامر كهذه والمبادئ الأخلاقية التي يبعثونها. إن المعضلة في تلك الأرضيات التي يسميها فوكو بـ “غير شرعية” ليست في أنها جزئية أو مناقضة للذات أو تؤدي لمواقف منافقة أخلاقيا. إن المعضلة تحديدا هي بأنها تسعى لمنع العلاقة النقدية لتوسع قوتها لتنظيم ميدان الحكم الأخلاقي والسياسي برمته. إنها تقود جوقة الميدان وتفرغه بالتأكيد من ذاته. كيف يستدعي المرء سؤال القبضة التفريغية التي تملكها أحكام نظام كهذا على اليقينية دون المخاطرة باللايقينية، دون استيطان موقع التردد الذي يعرض المرء لتهمة اللاأخلاقية، الشر، جمالية المذهب. السلوك النقدي ليس أخلاقي وفقا للأحكام التي تحد ذات الشيء التي تسعى العلاقة النقدية لدمجه. لكن كيف يمكن للنقد دون ذلك أن يؤدي عمله دون المخاطرة بشجب أولئك الذين يكيفون ويستخلصون التجانسية من المصطلحات الأخلاقية ذاتها الموضوعة محل التساؤل في النقد نفسه؟

يسعى تفريق فوكو بين الحكومة والحاكمية أن العدة المشار إليها بالسابق تلج إلى ممارسات أولئك المحكومين، طرائقهم ذاتها للمعرفة، ووجودهم ذاته. أن ـُحكم لا يعني امتلاك صيغة مفروضة على وجود المرء فحسب، بل بمنحه شروطا حيث سيكون الوجود عبرها ممكنا أو غير ممكن. سينبثق الفرد عبر علاقته بنظام منشئ عن الحقيقة، ولكن يمكنه أن يتخذ وجهة نظر عن النظام المنشئ الذي يوقف بأثر رجعي أرضيته الأنطولوجية.

إذا كانت الحاكمية هي…تلك الحركة التي يُخضَع الأفراد عبرها لواقع من الممارسة الاجتماعية وعبر آليات القوة التي تتقيد بالحقيقة، حسنا إذن! سأقول بأن النقد هو حركة حيث يمنح الفرد نفسه من خلالها الحق

(le sujet se donne le droit) لمسائلة حقيقة تأثير قوتها ومسائلة قوة خطاباتها عن الحقيقة.

لاحظوا بأنه يقال هنا أن الفرد “يمنح نفسه ذاك الحق،” نمط من التنصيب والتخويل الذاتي الذي يبدو مُقدما انعكاسية الادعاء. هل تلك حركة متولدة ذاتيا تلقي بالفرد على ومقابل شواطئ سلطة مضادة؟ وما الفارق الذي سيصنعه، إذا كان هناك فارق، انبثاق ذاك التنصيب والتخويل الذاتي كـ “فن”؟ يكتب فوكو أن “النقد” “سيكون فن عدم الانصياع الطوعي، ذو مراس صعب منعكس [ [l’indocilité réfléchie.” “إذا كان فنا” في حسه، فلن يكون النقد إذن فعلا أوحدا، ولن ينتمي حصريا إلى ميدان شخصاني، حيث سيكون علاقة تصميمية للمطلب المفروض عليه. وسيكون التصميم نقديا للمدى الذي فيه، كتصميم، لا يمكن تحديده بالكامل مقدما، إنه يحوي احتمالية عبر الزمن تُعلِّم الحدود للقدرة النظامية في الميدان المطروح. إذن فتصميمية هذه “السوف” ستنتج فردا غير معروف بسهولة تحت اسم الحقيقة المنشأة. يعلن فوكو: ” سيضمن النقد بشكل رئيسي عدم خضوع الفرد في سياق [le jeu] ما نطلق عليه كلمة سياسة الحقيقة.

توائم سياسة الحقيقة علاقات القوة التي تحدد مقدما ما سيعتبر ولن يعتبر كحقيقة تنظم العالم في طرق معينة منتظمة وقابلة للتنظيم، والتي نأتي لقبولها كميدان معطى للمعرفة. يمكننا فهم بروز تلك النقطة حين نسأل: ما الذي يُعد شخصا؟ ما الذي يُعد جندرا متسقا؟ ما الذي يؤهل لمواطن؟ عالم مَن المُشرّع كحقيقي؟ نسأل بشكل فرداني: كيف أكون في عالم كهذا حيث معاني وحدود الفرد معدة مسبقة لي؟ بأي المعايير أُكبح ككائن من السؤال عما يمكن أن أكون؟ ماذا يحصل حين أبدأ بأن أكون حيث لا يوجد لذلك محل ضمن النظام المُعطى للحقيقة؟ أليس هذا هو تحديدا ما يُقصد بـ ” عدم خضوع الفرد في مسرحية…سياسة الحقيقة”؟

ما على المحك هنا هو العلاقة بين حدود الأنطولوجيا والأبستمولوجيا، الرابط بين حدود ما قد أصبحت وجود ما قد أخاطر بمعرفته. يطرح فوكو سؤالا مشتقا من حس النقد لدى كانط وهو سؤال عن النقد نفسه: “هل تعرف لأي حد يمكنك أن تعرف؟” “حريتنا على المحك.” وبذا، تنبثق الحرية على حدود ما يمكننا معرفته، في اللحظة ذاتها التي يحصل فيها عدم خضوع الفرد لسياسة الحقيقة، أي اللحظة حين تتخذ ممارسة مسائلة معينة الصيغة التالية:” ماذا أنا إذن، أنا الذي أنتمي إلى هذه الإنسانية، ربما لهذه الجزئية منها، في هذه النقطة من الزمن، في هذه الإنسانية الفورية المُعرّضة لقوة الحقيقة على العموم والحقائق على الخصوص؟” طريقة أخرى لوضع هذا هو في التالي:” ماذا، باعتبار النظام المعاصر للوجود، يمكن أن أكون؟” إذا الحرية على المحك بطرح هذا السؤال، فلعل المخاطرة بالحرية تتدخل بشكل ما مع ما يسميها فوكو فضيلة، مع مخاطرة معينة موضوعة في اللعب بالفكر وبالطبع اللغة حيث يأتي بالحدود التي يقف عندها النظام المعاصر للوجود.

ولكن كيف نفهم هذا النظام المعاصر للوجود الذي أخاطر في أنا نفسي؟ يختار فوكو هنا أن يصنف هذا النظام الوجودي المشروط المتكيف تاريخيا بطريقة تربطه مع النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، معرفا “العقلنة” بأنها تأثير الحاكمية على الأنطولوجيا. صافا نفسه مع التقليد النقدي اليساري ما بعد كانط حيث يكتب،

من اليسار الهيغلي إلى مدرسة فرانكفورت، كان هناك نقدا كاملا للإيجابية، العقلنة، للتقني والتقننة، نقد بأكمله للعلاقات بين المشروع الجوهري للعلم والتقنيات التي كان هدفها إظهار الصلات بين افتراضات العلم الساذجة على صعيد وصيغ الهيمنة المميزة للمجتمع المعاصر على الصعيد الآخر.

ففي منظوره، تتخذ العقلنة صيغة جديدة حين تأتي لخدمة قوة حيوية وما يستمر صعبا لأغلب الفاعلين الاجتماعيين والنقاد ضمن هذا الوضع هو تبيان العلاقة بين “العقلنة والقوة.” حيث ما يبدو مجرد نظام أبستمولوجي، طريقة لتنظيم العالم، لا يقر بسهولة بالإكراه الذي يحصل من خلاله ذاك التنظيم. كما أنه لا يظهر في أغلبه الطريقة التي تؤدي بها آثار التشديد والشمولية والعقلنة إلى تكثيف القوة. يسأل فوكو، ” كيف من الممكن أن أدت العقلنة إلى هيجان القوة؟” من الجلي بأن قدرة العقلنة الوصول إلى روافد الحياة لا تصنف أنماطا من الممارسات العلمية فحسب، “بل العلاقات الاجتماعية أيضا، منظمات الدولة، الممارسات الاقتصادية ولعل حتى السلوكيات الفردية؟”  تصل القوة لـ “هيجانها” وحدودها أثناء ما تقبض وتتخلل الفرد الذي تفردنه. تضع القوة الحدود لما يمكن للفرد أن “يكون،” والذي بعده لا يبقى “هو،” أو تقطن في ميدان من الأنطولوجيا الموقوفة. لكن تسعى القوة لإرغام الفرد عبر القوة القهرية، وتكمن مقاومة القهر في تصميم الذات والحدود الكائن المُنشئ.

أحد أول مهام النقد هي تبيان العلاقة “بين آليات القهر وعناصر المعرفة.” يبدو أننا نواجه هنا مجددا مع حدود ما هو معروف، حدود تمارس قوة معينة دون أن تُثبت بأي ضرورية، حدود يمكنها أن تُخطى أو يُحقق معها فقط عبر المخاطرة بأمان معين ضمن أنطولوجيا متاحة:

لا يمكن لعنصر معرفة أن يوجد إذا…لا يتطابق مع سلسلة من الأحكام والقيود، على سبيل المثال، التي يمتاز بها خطاب مُعطى في زمن مُعطى في كفة، وإذا في الكفة الأخرى، لا يحتوي على تأثيرات القهر أو ببساطة الدوافع المخصوصة لما هو مصدّق علميا أو عقلاني ببساطة أو مقبول ببساطة بشكل علم، إلخ.

ثم يستطرد لإظهار أن المعرفة والقوة ليستا منفصلتين في النهاية، بل تعملان سوية لتحقيق سلسلة من المعايير الحاذقة والصريحة للتفكير بالعالم:” إن الأمر بذلك ليس وصف ماهية المعرفة والقوة وكيف يمكن للأول أن يقمع الآخر أو كيف للآخر أن يعتدي على الأول، بل يجب وصف وشائج المعرفة- السلطة حتى نتمكن من القبض على ما يُشكل المقبولية لنظام ما.”

ولذا للناقد مهمتان مزدوجتان، أن يُظهر كيف تعمل المعرفة والقوة لتشكيل طريقة منتظمة بشكل ما لتنظيم العالم بما له من ” شروط المقبولية لنظام ما،” وأيضا ” تتبع النقاط القاطعة التي تشير إلى انبثاقها.” “ولذا ليس من الحاسم فقط عزل والتعرف على وشائج بين المعرفة والقوة المخصوصة التي تولد الميدان للأشياء المفهومة، ولكن لتتبع أيضا السبيل الذي يقابل من خلاله ذاك الميدان نقاطه القاطعة، أي لحظات انقطاعاته، المواقع التي يفشل فيها في تشكيل المفهومية التي يستند عليها. ما يعنيه هذا، هو أن المرء ينظر لكل من الظروف التي من خلالها يتشكل الميدان الموضوعي، ولكن أيضا لحدود تلك الظروف، أي اللحظات التي تشير إلى احتماليتها وتحولها. أي بعبارات فوكو، ” إذا ما تحدثنا من منظور تخطيطي، فإننا نملك تحركا مستديم، وهشاشة جوهرية أو التداخل المركب بين ما يكرر نفس العملية وما يحولها.”

وبالطبع فإن الطريقة الأخرى للحديث عن هذه الديناميكية ضمن النقد هو بالقول إن العقلنة تصطدم بحدودها في عدم الخضوع، حيث إذا انبثق عدم خضوع المرء في اللحظة التي تنكشف حدوده من قبل المعرفة المُشكلة عبر العقلنة، فإن عدم الخضوع إذن يدمغ تحديدا هشاشة وتحول أبستمولوجيات القوة.

يبدأ النقد بافتراض الحاكمية ومن ثَمّ إخفاقها في اشتمال الفرد الذي تسعى لمعرفته واخضاعه. ولكن الوسائل التي عُبّر بها عن تلك العلاقة ووصفت بها، بطريقة مركبة، على أنها خيالية؟ ولم تكون خيالية؟ وبأي معني هي خيالية؟ يشير فوكو إلى ” ممارسة تاريخية – فلسفية كان على المرء [من خلالها] أن يصنع تاريخا لنفسه، يختلق التاريخ، كما لو كان عبر الخيالية [de faire comme par fiction] من حيث كيف ستنتشر عبر سؤال العلاقات بين هياكل العقلانية التي تُعبّر عن خطاب حقيقي وآليات الإخضاع المربوطة بها.” إذن هناك بعدا منهجيا تشترك ذاتها مع الخيالية، والتي ترسم خطوطا خيالية بين العقلنة والإخضاع، بين وشائج المعرفة- القوة وهشاشتها وحدها. لم يقل لنا ما سيكون نوع هذه الخيالية، لكن من الجلي أن فوكو يستقي من نيتشه وتحديدا نوع الخيالية الذي أخبر عنه في أصل الأخلاق.

لعلكم تتذكرون بأنه في المجمل يبدو أن أصل الأخلاق لنيتشه هو محاولة العثور عل أصل القيم، هو يسعى في الحقيقة ليعرف كيف أُسس مغزى الأصل. والوسائل التي يسعى عبرها لشرح الأصل هي خيالية.  يُخبر عن خرافة النبل، وأخرى عن عقد اجتماعي، وأخرى عن تمرد عبد في الأخلاقية، وأخرى عن علاقات الدائن والمدين. ولا يمكن لأي من تلك الخرافات أن تُحدد في مكان أو زمان، وأي محاولة للعثور على تتمة تاريخية لأصول نيتشه ستفشل حتميا. وبالتأكيد في اعتبار يجد أصل القيم، أصل الأصل، نقرأ قصصا خيالية عن الطريقة التي نشأت منها القيم. يقول نبيل ما بأن الحالة هي كذا فتصبح كذلك: فعل الخطاب يدشن القيمة، فتصير شيئا ما كالمناسبة الغير منتبذة والسرمدية لنشأة القيم. حقا، يعكس صنع الخيالية لنيتشه ذات فعل التدشين الذي يُعزا إلى أولئك الذين يصنعون القيم. إذن هو لا يصف تلك العملية فحسب، بل يصبح ذلك التوصيف أمثلة على إنتاج القيم، ممثلة ذات العملية التي تسردها.

كيف يمكن لهذا الاستخدام الخاص للخيالية أن يرتبط لاعتبار فوكو للنقد؟ اعتبروا أن فوكو يحاول فهم احتمالية عدم الخضوع ضمن العقلنة دون افتراض أن هناك عنصر للمقاومة الذي يستوطن الفرد أو محفوظ في نمط جوهري نوعا ما. من أين تأتي المقاومة؟ هل يمكن أن يقال بأنها فيض حرية بشرية من نوع ما قُيّدت بأغلال قوى العقلنة؟ إذا كان يتكلم، كما يفعل، عن إرادة لا تُحكم، كيف يمكننا فهم وضع تلك الإرادة.

يعلق في رد لتساؤل ضمن هذه السطور،

لا أعتقد بأن الإرادة التي لا تُحكم مطلقا هي شيء يمكن للمرء اعتبارها تطلعا أصيلا

(je ne pense pas en effet que la volonté de n’être pas gouverné du tout soit quelque chose que l’on puisse considérer comme une aspiration originaire).

أعتقد في الحقيقة بأن الإرادة التي لا تُحكم هي دائما الإرادة التي لا تُحكم على هذا النحو، بالطريقة تلك، من قبل هؤلاء الشخوص، مقابل هذا الثمن.

ويمضي كي يحذر ضد مطلقية هذه الإرادة التي دائما ما تنجذب الفلسفة لفعلها.  فيسعى لتجنب ما يسميه ” الذروة الفلسفية والنظرية لشيء سيكون هذه الإرادة التي لن تُحكم نسبيا.” حيث يوضح بأنه يتورط في مشكلة الأصل في اعتباره لتلك الإرادة، ويدنو كثيرا من التخلي عن هذا الحقل، ولكن يتجلى تردد نيتشاوي معين حين يكتب،

“لم أكن أشير إلى شيء سيكون أناركيا جوهريا، أن يكون كالحرية الأصلية                                     ((qui serait comme la liberté originaire، مقاومة مطلقة وخالصة ضد أي حاكمية، إني لم أقله، ولكن ذلك لا يعني بأني أُقصيه بالمطلق

(Je ne l’ai pas dit, mais cela ne veut pas dire que je l’exclus absolument)

أعتقد أن محاضرتي تقف عند هذه النقطة، لأنها باتت طويلة جدا حتى الآن، ولأني أيضا أتساءل

(mais aussi parce que je me demande) … إذا كان المرء يريد تنقيب بعد النقد هذا، الذي يبدو لي بالغ الأهمية لأنه جزء وليس جزء من الفلسفة… إنه مدعوم بشيء قريب (qui serait ou) للممارسة التاريخية للثورة، عدم القبول بحكومة حقيقية في كفة، أو الرفض الفردي للحاكمية في الكفة الأخرى.”

مهما يكن ذلك الشيء الذي يحدده المرء حين يقاوم الحاكمية، فسيكون مشابها “للحرية الأصلية” و “وشيئا قريبا من الممارسة التاريخية للثورة.” مشابها لهم، ولكن بالتأكيد ليس نفسهم. أما عن ذكر فوكو للـ “حرية الأصلية،” فهو يعرضها ويسحبها في الوقت نفسه، حيث يعلق بـ “لم أقله” بعد أن كاد، وبعد أن أظهر لنا كيف كاد، بعد أن مارس ذلك الدنو الشديد الذي يُفضي لنا ما يمكن أن يُفهم كشيء من التشويق. ما الخطاب الذي يوشك على إغوائه هنا، مخضعا إياه لمصطلحاته؟ كيف يشتق من ذات المصطلحات التي يرفضها؟ أي شكل من الفن هذا يودي بنا لتقارب نقدي مُطبق المسافة؟ وهل تلك المسافة ذاتها التي تغذي ممارسة التساؤل، التحقيق؟ أي حدود للمعرفة يتجرأ لأن يتطرق إليها حين يجهر لنا بتساؤله؟ يتعلق المشهد الافتتاحي للنقد بـ ” فن عدم الانصياع الطوعي،” والطوعي، أو بالطبع “الحرية الأصلية” معطاة هنا، ولكن في صيغة حدس، في صيغة فن يوقف الأنطولوجيا ويأتي بنا إلى إيقاف عدم التصديق.

يجد فوكو طريقة لقول “الحرية الأصلية” وأعتقد بأن نطق تلك الكلمات تجلب له سعادة بالغة، سعادة ورهبة. يقولها لكن عبر أداء الكلمات، مخليا نفسه من ارتباط أنطولوجي، ولكن مُسرّحا الكلمات ذاتها لاستخدام معين. هل يشير إلى حرية أصلية هنا؟ هل وجد بئر الحرية الأصلية ونهل منه؟ أو أنه طرحها، ذكرها، قالها دون أن ينطق بها تماما؟ هل استحضرها حتى يمكننا أن نعيد معايشة أصدائها، وأن نعرف قوتها؟ إن أداء الكلمة ليس توكيدها، ولكن يمكن لنا القول بأن توكيدها مؤدى، ممثل بشكل فني، معرض لإيقاف أنطولوجي، تحديدا لكي تُنطق. وأن هذا الفعل الخطابي هو ما يُخلي العبارة “الحرية الأصلية” لبرهة من الزمن من السياسة الأبستمولوجية الذي تعيش ضمنها وتقوم بعدم خضوع معين للفرد ضمن سياسة الحقيقة. فحين يتحدث المرء بتلك الطريقة، فإنه مقبوض ومحرر بالكلمات التي يقولها مع ذلك. بالطبع، إن السياسة ليست مسألة حديث فقط، ولا أقصد بعث أرسطو في صيغة فوكو (بالرغم من أني اعترف بأن حركة كهذه تأسرني وأذكرها هنا كي أعرضها كاحتمالية دون أن أُلزم نفسي بها في التو.) تتمثل حرية معينة في هذه التلميحة اللفظية نحو نهاية المحاضرة، ليس بالرجوع إلى المصطلح دون ركيزة جوهرية، ولكن بالأداء الفني لإطلاقها من قيودها الاستطرادية المعتادة، خيلاء أن المرء ينطقها فقط إذا عرف مقدما ما هي ركيزتها.

سأزعم أن تلميحة فوكو شجاعة على نحو مستغرب، لأنها تدرك بأنها لا يمكنها ترسيخ ادعاء الحرية الأصلية. ويمنح عدم العلم هذا الاستخدام المخصوص الذي تملكه ضمن خطابه. إنه يواجها بشجاعة بأي حال، وكذلك يصبح ذكره، إصراره رمزا لنوع معين من أخذ المخاطرة الذي يحصل في حدود المجال الأبستمولوجي. وتصبح هذه ممارسة لفضيلة، ولعل ليس كما يصرح نقاده، علامة على القنوط الأخلاقي، وتحديدا للدرجة التي تطرح ممارسة من هذا النوع من الحديث قيمة لا تعرف كيف ترسخ أو تثبت نفسها، إلا أنها تطرحها على أية حال، وبذلك تظهر بأن مفهومية معينة تتخطى حدود المفهومية التي وضعتها القوة -المعرفة مسبقا. إن تلك فضيلة في أقل تقدير تحديدا لأنها تمنح منظورا يمكن للمرء من خلاله أن يحصل على مسافة نقدية من سلطة متأسسة. ولكنها أيضا فعل شجاع، العمل دون ضمانات، المخاطرة بالفرد على حدود تنظميها. كيف سيكون فوكو لو تفوه بكلمات كهذه؟ ما عدم الخضوع الذي سيمارسه لنا بهذا التفوه؟

لا يعني الحصول على مسافة نقدية من السلطة المتأسسة لفوكو التعرف على الطرق التي تعمل بها الآثار القهرية للمعرفة في تشكيل الفرد ذاته فحسب، بل في مخاطرة المرء بالتشكيل ذاته كفرد. ولذا في ” الفرد والقوة”8 سيزعم فوكو أن “بأن هذه الصيغة من القوة التي تُطبق نفسها إلى الفوري، الحياة اليومية التي تُصنف الفرد، وتحدده بفردانيته الذاتية، رابطة إياه لهويته الشخصية، فارضة قانون للحقيقة عليه يجب أن يتعرف ويتعرف الآخرون عليه فيه.”  وحين يتداعى أو ينكسر هذا القانون، فإن احتمالية التعرف تقع في خطر. ولذا حين نتساءل كيف يمكننا قول “حرية أصيلة”، ونقولها في خضم حيرة، فإننا نضع محل التساؤل الفرد الذي قيل بأنه متجذر في ذلك المصطلح، محررين إياه بتناقض، من أجل مغامرة يمكنها في الحقيقة أن تمنح المصطلح مادة جديدة واحتمالية.

وفي الختام، أود العودة ببساطة إلى مقدمة استعمال المتعة حيث يُعرّف فوكو الممارسات التي تعنيه، “فنون الوجود”، فيما يتعلق بإنماء علاقة المرء مع ذاته. يأتي بنا ذلك النوع من الصياغة قريبا من نوع الفضيلة التي تقدمها مناهضة المؤسساتية لفوكو. وكما كتبت آنفا، حين يقدم فوكو “فنون الوجود” فإنه يشير بأن فنون وجود كهذه كأفراد منتجين “يسعون لتحويل أنفسهم في وجودهم الفردي، وبجعل حياتهم تحفة فنية.” يمكننا الاعتقاد بأن هذا يمنح دعما لتهمة أن فوكو قد جمّل الوجود على حساب الأخلاقيات، ولكن سأقترح فقط بأنه أظهر لنا بأنه لا وجود للأخلاقيات ولا السياسة دون الالتجاء إلى هذا الحس الفردي من التكون. الفرد المصاغ بالمبادئ المؤثثة بخطاب الحقيقة ليس الفرد الذي يسعى لتشكيل ذاته بعد. مرتبطا بـ “فنون الوجود” فإن هذا الفرد يُشكّل ويتشكل، والخط بين كيف يتشكل وكيف يصير مُشكّلا نوعا ما ليس بالسهل لو خُط يوما ما. حيث ليس الأمر أن الفرد يُشكل ثم يقوم يبدأ فجأة يشكل نفسه. بل على العكس، إن تشكل الفرد هو المؤسسة ذاتها من الانعكاسية وعدم التفريق التي تتخذ عبء التشكيل. “عدم تفريق” هذا الخط هو تماما المفصل حيث تتقاطع المعايير الاجتماعية مع المطالب الأخلاقية، واللذان يُنتجان في سياق الصنع الذاتي الذي لا يكون ذاتي الابتداء مطلقا.

وبالرغم من أن فوكو يشير بشكل صريح جدا للقصد والتعمد في هذا النص، إلا أنه يقول لنا أيضا كم من الصعب فهم التصميم الذاتي بمصطلحات لأي فهم سابق للقصد والتعمد. حيث يقدم فوكو لفهم مراجعة تلك المصطلحات التي يتطلبها استخدامه لها، مصطلحات “أنماط الاخضاع أو التذويت/ subjectification”

إن تلك المصطلحات لا تتعلق بالطريقة التي يتشكل منها الفرد، ولكن كيف تصير ذاتية التشكيل. هذا التصيير لفرد أخلاقي ليس أمرا بسيطا من المعرفة الذاتية أو الوعي الذاتي؛ إنه يدلل على “عملية حيث يحد المرء الجزء من نفسه الذي سيصيغ هدف ممارسته الأخلاقية.” تحد الذات من نفسها، وتقرر المواد لصنعها الذاتي، ولكن يحصل الحد الذي تؤديه الذات عبر المعايير التي بلا شك واقعة مسبقا. وبذا إذا ما فكرنا بأن هذا النمط الجمالي للصنع الذاتي مساق ضمن الممارسة الأخلاقية، يذكرنا هو بأن هذا العمل الأخلاقي لا يمكن أن يحصل إلا ضمن سياق سياسي أعرض، سياسة المعايير. ويوضح أن لا تشكيل ذاتي خارج نمط التذويت، أي لا تشكيل ذاتي خارج المعايير التي تدير احتمالية تشكيل الفرد.

لقد انتقلنا بهدوء من الاعتبار الاستطرادي للفرد لاعتبار أكثر نفساني لـ “الذات” ولعل المصطلح اللاحق يحمل لدى فوكو وكالة عن السابق. تشكل الذات نفسها، لكنها تفعل ذلك ضمن سلسلة من الممارسات التشكيلية التي تتصف بأنماط من التذويتات بحيث أن المدى المحتمل لصيغها المحدودة قُدما بصيغ كهذه من التذويت لا يعني بأن الذات أخفقت في تشكيل ذاتها، أو أنها تشكلت بالكامل. على العكس، إنها مجبرة على تشكيل نفسها، ولكن ضمن صيغ قيد العمل أو عاملة مسبقا بشكل أو بآخر. أول لعل يمكن للمرء أن يقول، أنها مجبرة على تشكيل نفسها ضمن ممارسات حاصلة بشكل أو بآخر. ولكن إذا كان هذا التشكيل الذاتي قد عُمل في عصيان للمبادئ التي شُكّل المرء عبرها، إذن تصبح الفضيلة حينها الممارسة التي تصنع الذات نفسها في عدم خضوع، مما يمكن أن يقال بأنها تخاطر بتشويه نفسها كفرد، محتلة الموقع الغير آمن أنطولوجيا الذي يحوي السؤال من جديد: من سيكون فردا هنا، وماذا سيعتبر حياة، لحظة من التساؤل الأخلاقي التي تتطلب بأن نكسر عاداتنا في الحكم لصالح ممارسة مخاطرة أكثر تسعى إلى انتاج فني من القيود.


[1] This essay was originally delivered, in shorter form, as the Raymond Williams Lecture at

Cambridge University in May of 2000, then published in longer form in David Ingram, ed., The

Political: Readings in Continental Philosophy, London: Basil Blackwell, 2002. I am grateful to

William Connolly and Wendy Brown for their very useful comments on earlier drafts.

[2] Raymond Williams, Keywords, (New York: Oxford University Press, 1976), 75-76.

[3] Theodor W. Adorno, “Cultural Criticism and Society” in Prisms, (Cambridge, MA.: MIT

Press, 1984), 30.

[4] Michel Foucault, “What is Critique?” in The Politics of Truth, eds. Sylvère Lotringer and

Lysa Hochroth, (New York: Semiotext(e), 1997), transcript by Monique Emery, revised by

Suzanne Delorme, et al., translated into English by Lysa Hochroth. This essay was originally

a lecture given at the French Society of Philosophy on 27 May 1978, subsequently published

in Bulletin de la Société française de la philosophie 84:2 (1990) 35-63; 21

[5] For an interesting account of this transition from critical theory to a theory of

communicative action, see Seyla Benhabib, Critique, Norm, and Utopia: A Study of the

Foundations of Critical Theory (New York: Columbia University Press, 1986), 1-13.

[6] Michel Foucault, The Use of Pleasure: The History of Sexuality, Volume Two (New York:

Pantheon Press, 1985).

[7] Michel Foucault, The History of Sexuality, Volume One (New York: Random House, 1978).

[8] Michel Foucault, “The Subject and Power” in Hubert L. Dreyfus and Paul Rabinow,

eds., Michel Foucault: Beyond Structuralism and Hermeneutics, (Chicago: University of

Chicago Press, 1982), 208-228.

المصدر

هذا المقال لا يعبر سوى عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن رأي فريق المكتبة العامة.

" data-medium-file="" data-large-file="" width="650" height="289">
قيم هذه المدونة:
عطش الحروفِ إلى الصّدى / صالح أحمد كناعنة
كواليس التحقيق مع صدام: غزو الكويت تم بمباركة أمري

مشاركات ذات صلة

 

التعليقات

لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..! كن أول من يعلق ( اختار التعليق الى الفيسبوك ام تختار في الشبكة )