يوسف العامر أخلص عشاق الروكا / كاظم فنجان الحمامي - شبكة الاعلام في الدنمارك

الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

خارطة
8 دقائق وقت القراءة ( عدد الكلمات 1553 ) .. ( من فضلك أكتب تعليقك في نهاية الموضوع )

يوسف العامر أخلص عشاق الروكا / كاظم فنجان الحمامي

يُعد العم (أبو ثائر), أو الأستاذ الربان (يوسف ياسين محمد العامر), من أخلص عشاق الروكا, لأسباب سنأتي على ذكرها بالتفصيل, فالروكا هو الاسم الدولي للقناة الملاحية عند مدخل شط العرب من جهة البحر, وقد ارتبط بها الكابتن يوسف العامر منذ خمسينيات القرن الماضي عندما عمل فيها مرشداً بحرياً متخصصاً بإرشاد السفن الأجنبية الكبيرة المتوجهة إلى موانئ الفاو وعبادان وخرمشهر والمعقل, في الزمن الذي كان فيه العراق يبسط سيادته البحرية المطلقة على الحافات البعيدة, التي تغطيها مياه المد العالي فوق مقتربات الضفاف الإيرانية.
 
فارس المناورة الملاحية
كان رحمه الله متميزاً بمواهبه الإرشادية في الممرات المائية الحرجة, بما يمتلكه من مؤهلاته عالية تساعده على المناورة الملاحية, وربما كان لأناقته ورشاقته البدنية, ولباقته الكلامية في اللغة الانجليزية الأثر الكبير في تفوقه على أقرانه.
كنت في بداية السبعينيات مناوبا ملاحياً فتياً على سفينة الحفر البخارية (كركوك), في الوقت الذي كان فيه الكابتن (يوسف) مديراً عاماً لمشاريع حفر وتوسيع وتهذيب أعماق قنواتنا الملاحية في شط العرب وخور عبد الله, فلم استطع التعرف عليه عن كثب, لكنني التقيته قبيل إحالته إلى التقاعد في نهاية السبعينيات, عندما كنت مكلفاً بإرشاد إحدى الناقلات البريطانية المغادرة من رصيف المفتية, كان هو ربان المرفأ المسؤول عن إقلاعها من الرصيف, فوجدتها فرصة مؤاتية لمشاهدته أثناء تنفيذه لعملية الإقلاع والمناورة.
وقف ثابتا شامخاً متألقاً في منتصف برج القيادة من دون أن يتلفت, ومن دون أن يتلكأ في إطلاق أوامره في التوقيتات المناسبة, كان ربان الناقلة البريطانية مبهوراً بلباقته, مندهشاً من كفاءته, وما هي إلا دقائق معدودات حتى أقلعت الناقلة واستدارت نحو البحر, فاستلمت قيادتها من بعده, بينما هبط معه الربان الأجنبي ليودعه عند سلم الناقلة.
عاد الربان الأجنبي مهرولا, فسألني فور وصوله, مستفسرا عن طبيعة عمل الأستاذ يوسف العامر, قال لي: هل هذا رئيس السلطة البحرية العراقية, أم رئيس الوزراء, أم ماذا ؟. قلت له: أنه من شيوخ الملاحة في الموانئ العراقية.
وشاءت الظروف أن أزوره بعد تقاعده في بيته في (حي الأندلس) بالبصرة, كان جالساً في حديقته, يقرأ إحدى الروايات الانجليزية للكاتبة (أغاثا كريستي), كنت في حينها منشغلا بإعداد كتابي الأول (شط البصرة بين التصريف والملاحة), وجدته بسيطاً متعاوناً مستعداً لتوفير المعلومات والبيانات والخرائط المطلوبة.
 
مايسترو المشاريع الملاحية الكبيرة
كان رحمه الله من أقوى وأفضل المدراء الذين تعاقبوا على إدارة مشاريع الحفر البحري, إذ سجلت الموانئ العراقية في زمنه أفضل النتائج, عندما رفعت كميات هائلة من الأطيان والرمال, التي كانت متكدسة في قيعان الممرات الملاحية الضحلة.
كان مشروعة يضم مجموعة كبيرة من سفن الحفر والسفن الخدمية الأخرى, ويشرف على مجموعة فاعلة من الوحدات الإدارية الخدمية, والقطع البحرية المساندة, أذكر منها: سفن الحفر (الحلة), و(سليمانية), و(البصرة), و(بغداد), و(كركوك), و(كربلاء), و(الموصل), و(التحرير), و(فلسطين), و(المربد), و(الزبير), و(غزة), و(سيناء), وسفن القطر (مهيجران), و(يوسفان), و(حمدان), و(سيحان), و(ميسلون), و(عمارة), و(الأمين), و(عروبة), و(نينوى), و(الجمهورية), و(الديوانية), و(الرصافة), و(الكرخ), و(أور), و(ديالى), و(دمشق), و(الوحدة), و(الرمادي), و(الفرات), و(دجلة), ومجموعة من الناقلات الصغيرة أذكر منها الناقلة (دوكان), و(الثرثار), و(زمزم), و(الرطبة), والسفن الخدمية, التي أذكر منها (الرشيد), و(الوليد), و(الشروق), و(الفاو), و(السماوة), ومجموعة كبيرة من زوارق مكافحة التلوث والإسعاف الفوري والنقل السريع.
يشرف المشروع أيضاً على قسم التنوير البحري بسفنه وزوارقه وفرقه الهيدروغرافية, ويضم قسم التنوير البحري المتخصص بإنارة الفنارات والعوامات الملاحية, وورش إصلاح السفن, ومعمل صناعة الاستلين.
كانت مراحل المشروع تسير بخطوات مدروسة, وبتوجيهات صارمة, لا تقبل التأخير, ولا التسويف, فكرّس جهوده كلها نحو تطوير ممراتنا الملاحية, وتأهيل محطة السيطرة في الفاو تأهيلا ملاحياً عالياً, فجهزها بأحدث منظومات البث اللاسلكي, وزودها بأحدث منظومات الرصد الليلي والنهاري لمراقبة تحركات السفن التجارية وتنظيم قوافلها.
كانت الفاو في زمنه عبارة عن واحة ثقافية وعلمية وفنية ورياضية, وكانت السفن الخدمية تعمل على مدار الساعة بمعدل خمسة أيام في الأسبوع, وكانت الموارد المالية المخصصة للتشغيل تحت تصرف الكابتن يوسف العامر, فلم تشهد الإدارة في زمنه أي خروقات مالية أو إدارية, ولم يسجل قسم الرقابة المالية أي أخطاء أو هفوات, ولم يحرز العم (أبو ثائر) في عمله هذا أي منافع أو مكاسب شخصية, فالعفة والنزاهة والنظافة في العمل, والدقة في تنفيذ الواجبات على الوجه الأكمل, كانت هي العلامات الفارقة في سجلات هؤلاء الرجال الأفذاذ, الذين شيدوا صروح الموانئ العراقية, حتى بلغت أوج عظمتها في عصرهم الذهبي.
لا أذكر أن الكابتن يوسف العامر تسبب في يوم من الأيام في الإساءة إلى أحد, ولا أذكر انه تطرف مع أحد في مواقف طائفية أو عرقية أو مهنية, فالمحبة والتسامح والولاء للعراق هي العناوين التي آمن بها هذا الرجل الشريف, وهي التي سعى لتطبيقها ميدانياً في علاقاته الوظيفية مع الآخرين.
 
الجنون والعبقرية والإبداع
سجل رحمه الله للعراق أروع المواقف في مفاوضاته الصارمة مع مدراء الترسانات الأوربية المتخصصة ببناء سفن الحفر البحري, فوقع اختياره على شركة (أي أتش سي) الهولندية, وصادف أن تقدمت إحدى الشركات البريطانية بعطاء تنافسي آخر لا يرتقي إلى مستوى المنافسة مع الشركة الهولندية, فلم يرسو عليها التعاقد, بسبب حكمة الكابتن (يوسف العامر) وحنكته, فقال له مدير الشركة البريطانية بعدما اطلع على خطته الميدانية في حفر ممراتنا الملاحية وتعميقها, قال له بالحرف الواحد:
You are either genius or mad
وتعني: أنك أما أن تكون عبقرياً أو مجنوناً
فرد عليه العم أبو ثائر بهذه العبارة:
I am both
وتعني: أنا عبقري ومجنون
ربما قاده جنونه بحب العراق إلى وضع لمساته الوطنية على بنود اتفاقية الجزائر, التي ابرمها العراق مع إيران, وتنازل فيها عن نصف شط العرب. كان الكابتن يوسف يدرك تماما مخاطر هذه الاتفاقية, وتداعياتها الجغرافية السلبية في منطقة المصب, فتسلح بمواهبه الملاحية, وكان لقوة شخصيته الأثر الكبير في صيانة المواقف الوطنية المستقبلية, وبهذا الخصوص لابد لنا من الإشادة بالمواقف التاريخية, التي أسهم فيها أعضاء اللجنة العراقية المكلفة بتخطيط الحدود المائية الفاصلة بين إيران والعراق في شط العرب, والتي كانت تضم نخبة منتخبة من الخبراء, نذكر منهم: الأستاذ الدكتور رياض القيسي, والمشاور القانوني الأستاذ عبد الحليم جواد, ورئيس المهندسين الأستاذ على عجام, والكابتن البحري يوسف العامر.
لقد أدرك هؤلاء جميعاً بفطنتهم الوطنية المتفاعلة مع المتغيرات الجغرافية, أدركوا أن أي انهيار في الضفة العراقية لشط العرب سيكون مصحوباُ بترسيب كميات هائلة من الأطيان على الضفة الإيرانية المقابلة لضفافنا, وبالتالي فأن هذه التغيرات تكون مصحوبة دائماً بانحراف نسبي لخط الثالوك نحو سواحلنا, فيأتي توسع السواحل الإيرانية على حساب تراجع سواحلنا.
نجح الكابتن يوسف العامر مع زميله رئيس المهندسين الأستاذ علي عجام في إقناع أعضاء اللجنة العراقية بضرورة العمل المشترك بكل الوسائل المتاحة لإيقاف ظاهرة الانكماش الساحلي, فتولدت عندهم القناعة التامة بأن الظروف الجغرافية لا يخدم المستقبل العراقي, وعلى وجه الخصوص عندما يتركونها تتلاعب على هواها بملامح الممرات الملاحية, فأصروا على تثبيت إحداثيات خط الثالوك, وتثبيت إحداثيات مواقع الفنارات بخطوط الطول والعرض, باعتبارها من الركائز التي لا تحتمل التزحيف ولا التحريك مهما توالت الأعوام, حتى إذا غيّرت الممرات الملاحية مسالكها نحو سواحلنا بفعل العوامل الجغرافية أو الاصطناعية, عادت بها الثوابت الدبلوماسية إلى الخطوط الحدودية الأساسية, وكأنهم كانوا يعلمون أن الممرات الملاحية ستزحف نحونا في يوم من الأيام, مثلما زحفت الآن باتجاه أراضينا في رأس البيشة, وبناءً عليه يفترض أن نعود بها إلى المرتكزات الصحيحة, التي غرسها الرجال الأفذاذ في ذاكرة الطين والماء.
 
التوجه بحراً نحو موانئ سبأ
انتقل العم (أبو ثائر) بسفنه وزوارقه وفرقه الملاحية التخصصية, فغادر الفاو نحو الموانئ اليمنية في رحلة يقودها رئيس المهندسين ومدير عام الموانئ العراقية وقتذاك (الأستاذ عدنان القصاب), وكانت محطته الأولى في ميناء (عدن) في اليمن الجنوبية. باشر الكابتن يوسف فور وصوله بحفر وتعميق الممرات الملاحية اليمنية, واجتهد كثيراً في تهذيب واجهات الأرصفة العدنية, فاكتمل العمل وأزيحت المخلفات والغوارق من أعماق المسطحات المائية المحيطة بمقتربات الميناء, فسجلت الموانئ العراقية أعلى انجازاتها العربية من دون مقابل, ثم انتقل أسطولنا إلى ميناء (الحديدة) في اليمن الشمالية لتنفيذ مشروعه العربي الثاني, وهكذا كانت الموانئ العراقية سباقة في تقديم الدعم والمؤازرة للموانئ العربية من دون مقابل مادي, بعكس ما نراه اليوم من مؤامرات ودسائس تدور رحاها في حوض الخليج العربي للنيل من موانئنا بغية تهميشها أو تعطيلها أو الضغط عليها.
 
هواياته الأخرى
حدثني العم أبو عبد الله (الشيخ ماجد الذكير) عن ممارسة هواية الصيد مع الكابتن أبو ثائر في فردوس أهوارنا الجنوبية, قال: كانت مجموعة الكابتن أبو ثائر تتألف من: أبو عبد الله نفسه, وكاظم بريچ, وفالح عبد الرزاق السعدون, وخيون مغامس, وعبد الإله السامرائي, وتضم أيضا ابن شقيقته الكابتن رعد الموسى.
كان الكابتن يوسف العامر ملتزماً بشروط الصيد وقواعده, مواظباً في الحفاظ على مبادئ الصيد وصيانتها من عبث العابثين, كان مثالا رائعاً للصياد الماهر الذي يسعى لاحترام هوايته, ولم يكن يسعى في يوم من الأيام للصيد الجائر, أو لتحقيق أعلى الأرقام في حصاد الطرائد.
كان يقنع بالقليل, وأحياناً يجمع صيده من طيور الوز والبط والحبارى والقطا والدراج فيهدي حصصاً كبيرة منه إلى الآخرين, من دون أن تفارق وجهه ابتسامة المودة والاحترام. لقد توفرت فيه خصال الرجل النبيل, الذي كان يحترم سكان الأهوار ويحترمونه.
رافقه العم أبو عبد الله لأول مرة في رحلة برية إلى هور الجبايش, وكان ثالثهم (خيون مغامس), فحملوا أمتعتهم ومعداتهم, وغادروا البصرة بسيارتين (جاكوار وفيات) تحسباً للظروف الطارئة, فنصبوا مخيمهم بين منطقة (الصفصاف), و(الخسيفات), وسرعان ما انضم إليهم رجل من أبناء الهور اسمه (بديوي), ينادونه أحياناً (بداي), وهو صياد ماهر بالفطرة, يطارد البط وهو على صهوة جواده, فأضاف بانضمامه إليهم متعة لا تقدر بثمن.
صيادون هواة جمعتهم الهواية في أجواء تسودها المودة والوئام, فيغمرهم الفرح في هذا الفردوس المائي الجميل. توالت رحلات الصيد وتعمقت علاقاتهما, وشهدت لهم مناطق (الطيب), و(الدويريج) أياماً لا تنسى. كان أبو ثائر من أقرب أصدقاء سكان الأهوار, يقدم لهم الحلوى في الأعياد, ويستمع إلى أحاديثهم الريفية, ويصر على تناول الطعام معهم, ويشترك في أفراحهم وأتراحهم.
 
خاتمة ضاعت فيها سواحلنا
من المفارقات العجيبة أن إدارة مشاريع الحفر والتعميق البحري أنيطت بعد أحالته إلى التقاعد برجل همام, لا تنقصه الخبرة, ولا تنقصه المؤهلات الأكاديمية والمهنية, فقد جاء من بعده الكابتن البحري (رشيد عبد الحميد لويس), فسار على المسارات الصحيحة التي رسمها الأجداد, لكن المؤسف له أن الذي جاء بعدهما لم يكن بالمستوى المطلوب, بل لم يكن بمستوى أصغر العاملين على اليابسة, فقد حذفت به رياح الولاءات النقابية المنحازة, فضرب بعنجهيته وتغطرسه أسوأ الأمثلة البليدة في التسلط الفردي, وتسبب المدير الجديد (عبد الحسين أحمد الرماحي) في تدمير هذا المشروع جملة وتفصيلا, وهكذا تهشمت صواري أسطولنا فوق صخور الإدارات الفاشلة, ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتطيح بآخر صروحنا الساحلية, فتوقفت عمليات الحفر والتوسيع والتعميق والتهذيب, تاركة الأبواب مفتوحة على مصاريعها لمعاول الطمر والتعرية والهدم والتجريف الطبيعي.

الرقص في المعادلة السياسية / هادي جلو مرعي
أنتِ لي وكلّ ما لديكِ لي مباح / احسان السعدون
 

التعليقات

( لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..!! من فضلك كن أول من يعلق )
هل مسجل بالفعل ؟ تسجيل الدخول هنا
:
الجمعة، 19 تموز 2019
شبكة الاعلام في الدانمارك تستخدم ملفات تعريف ارتباط لتحسين الخدمة وجودة أداء موقعنا ومكوناتنا الإضافية لجهاز الكمبيوتر الخاص بك ، أو جهازك الجوال. لتفعيل هذه الخاصية اضغط أوافق
أوافق