الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات الدينية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

16 دقيقة وقت القراءة ( 3294 كلمة )

من لاو تسه إلى الحّلاج / د طه جزاع

 النزعة الصوفية عند التاوية الصينية 

 ( التاو هو البسيط الذي هو مبدأ كل الأشياء اذا استخدمنا لغة الفلاسفة المسلمين . وهو بهذا التحديد يمكن أن يكون مقابلاُ لـ : الباري ، العقل الأول ، المحرك الأول . مع فارق اساسي هو ان الفيلسوف التاوي لا يميل إلى تحميل مطلقه بعداً روحانياً واضحاً وحاسماً لأنه لا يتعامل مع الالوهية ) . هادي العلوي

قد يُفاجأ القاريء بعنوان هذا المقال ، إن كان من غير المتخصصين بعلوم الفلسفة الإسلامية والتصوف ، وقد يتساءل مع نفسه : وما علاقة التاوية أو الطاوية ، وهي حكمة أو فلسفة أو ديانة صينية خالصة  ، بنزعة التصوف الذي هو – بحسب ظنه – نزعة إسلامية خالصة ؟ . ولعل ذلك يشبه ما كان يدور في رؤوس بعض طلبة الفلسفة المستجدين ، وهم يتلقون لأول مرة ، دروساً في التصوف ، ضمن منهاجهم الدراسي المقرر في الدراسة الأولية . وقُدر لي أن أكون واحداً من الطلبة الذين اتيحت لهم فرصة تلقي تلك الدروس على مرحلتين - يفصل بينهما عقد ونصف من الزمن - على يدي استاذين كبيرين ، وعَلَمين بارزين من أعلام الدرس الصوفي ، الأول هو الأستاذ الدكتور كامل مصطفى الشيبي ( 1927- 2006 ) الذي تلقينا منه دروس التصوف في مرحلة البكالوريوس ، ثم زادنا عِلماً ومعرفةً وسلوكاً في المراحل الدراسية اللاحقة ، ومعه عَلَم آخر من أعلام الفلسفة الإسلامية والتصوف ، هو الأستاذ الدكتور عرفان عبد الحميد فتاح ( 2007-1937) رحمهما الله . وكان مثوى الشيبي الأخير إلى جوار ضريح الشيخ معروف الكرخي بمقبرته في الكرخ ، تحيط به قبور كبار متصوفة مدرسة بغداد ، وشيخها الجنيد البغدادي ، وليس بعيداً عنه ضريح الحّلاج ، فيما كان مثوى عبد الحميد في مقبرة الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور ، إذ أمضى سنواته الأخيرة في ماليزيا ، معززاً مكرماً في جامعتها الإسلامية التي تقع بين غاباتٍ كثيفة وتلالٍ خضرٍ على أطراف العاصمة ، يلقي علومه على طلبة سعوا لهذه الجامعة الكبيرة من مختلف الديار الإسلامية ، وبالأخص من مسلمي آسيا وأفريقيا .

                  ليالي الصوفيين المظلمة

ولعل من المحاضرات المهمة التي كان الدكتور عرفان يحثنا على تدوينها بدقة ، تلك المحاضرة التي تحدث فيها عن الخصائص العامة المشتركة للتجربة الصوفية ، فهذه التجربة تجربة إنسانية عالمية في خصائصها ، وتسقط فيها من الاعتبار عوامل الزمن والمكان والجنس والعنصر ، وقد وردت تلك الخصائص متفرقة في مدونات صوفية عالمية لعدد من كبار الفلاسفة الغربيين ، أمثال وليم جيمس في كتابه " ارادة الاعتقاد " ، وهنري برجسون في مؤلفيه المعروفين " منبعا اليدين والأخلاق " و " التطور الخَّلاق " ، وبرتراند رسل في كتابه " المنطق والتصوف " ، كما ذكر بعضها المستشرق الانكليزي رينولد نيكلسون في كتابه الشهير عن التصوف الإسلامي وتاريخه . ومن تلك الخصائص ان التجربة الصوفية تقوم اولاً على اعتقاد أولي مفاده أن ثمة منهج للمعرفة قوامه الكشف والالهام والحدس والبصيرة النافذة ، وان هذه المعرفة حكمة خالصة تتميز بالإطلاق والمباشرة ، وانها قائمة على صدق يقيني يتجاوز كل معاني الشك والريب ، وهي بهذا تتجاوز فتتسامى عن المعرفة العلمية التي طريقها العقل والحواس ، ولكون هذه المعرفة هي وليدة الاستدلال والانطباعات الحسية ، فهي معرفة غير يقينية ، وبطيئة ومتدرجة وقابلة للتحول والتغيير فلا ثقة بها . والتجربة الصوفية ترفض كل تناقض أو تعارض أو تعدد أو كثرة في الوجود الطبيعي المادي ، وترى أن الكثرة والتعدد والاختلاف والتناقض ، انما هي مظاهر خادعة ، ووهم لا صحة فيه ، ومن ثم فإن هذه التجربة تنظر إلى الوجود بكونه وجوداً واحداً ، أزلياً أبدياً ، لا قسمة فيه ولا تعارض ، وان هذا الوجود الواحد هو الوجود الحقيقي الكلي ، واما التعدد والكثرة والتناقض والتعارض فليست سوى تجليات ومظاهر لهذا الواحد الكلي والحقيقي ، ومن هنا ترفض المعرفة الصوفية عالم الظاهر والمظاهر ، وتعده مجرد أوهام وخيالات لا تنبئ عن حقيقة ثابتة ، ويترتب على هذا الرفض للقسمة والتعارض رفض الاعتراف بالزمن ، فيغدو الزمان أيضاً غير قابل للقسمة ، فتتساوى أطراف الماضي والحاضر والمستقبل ، بلا تفاوت بينها . ولأن التجربة الصوفية تجربة ذاتية تعبر عن فردانية خالصة ، ولأنها أسقطت من الاعتبار العقل والحس كأدوات ووسائط إلى المعرفة ، ولأنها تنتهي في دعوى أهلها إلى معرفة كشفية ذوقية مفاجئة ومباشرة ، فقد أصبح من المتعذر على صاحب هذه التجربة أن يعبر عما كُشف له وذاقه ذوقاً مباشراً ، تعبيراً باللغة العادية ، ولهذا قيل عن التجربة الصوفية ، انها غير قابلة للنقل إلى الآخرين ، ومن هنا يجهد الصوفي نفسه من أجل تعريف الآخرين قدر الممكن والمستطاع بمضمون التجربة الروحية هذه التي لا يمكن التعبير عنها مباشرة ، ومن ثم اللجوء إلى التعبير الغارق في الرمزية ، محاولة من الصوفي للتعبير عما يستعصي على التعبير . مثلما وصف أئمة التصوف الإسلامي بأن تجربتهم تؤدي بصاحبها إلى الخَرَس . ثم ان التجربة الصوفية أو الروحية أو الجوانية ، تسوق عادة إلى عدمية ، تتفاوت في درجاتها من دائرة إلى أخرى ، وتتشخص هذه النزعة العدمية عادة في صور شتى ، منها اسقاط التكاليف الدينية وتجاوز المحرمات ، ونزعات الاستباحة ، والخروج عن قواعد الدين والنواميس والعادات المألوفة المُتَبعة ، باعتبار ان هذه التكاليف ، وتلك النواميس ، قيوداً لا تربط العارفين – كما يقولون – فأسقطوا بذلك تناقضات العالَم المادي كلها باعتبارها أوهاماً لا تنبيء عن حقيقة . ومن صورها أيضاً ، التسوية بين العقاب والثواب ، والجنة والنار ، والخير والشر ، والصدور عموماً عن نزعة جبرية صارمة ، جبرية الهية كانت أم طبيعية – بحسب وحدة الوجود هل هي وحدة وجود مؤلَهة أو طبيعية – كما جاء عن ابن عربي وغيره ، الذين قالوا بالتفرقة والتمييز بين الأمر التكويني الذي قُدر بموجبه الإنسان منذ الأزل ما هو ، وبين الأمر التكليفي ، بمعنى الانصياع لأوامر الأمر والنهي في التكاليف ، وبهذا الاعتبار تصحيح ايمان إبليس وفرعون ، من حيث امتثالهما للأمر الإلهي التكويني - هكذا خلقهما الله - مع انهما عصيا الأمر التكليفي اسجد ، يقول إبليس ، لا أسجد : ( وَإذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبْلِيسَ ) . وتظهر في دائرة التجربة الصوفية عادةً نزعة ثابتة – وإن اختلفت وتفاوتت في درجاتها – تدعو إلى اسقاط الفوارق بين الأديان ، باعتبارها طرقاً مختلفة تؤدي إلى غاية معينة ، لا اختلاف فيها ، هي محبة الله ، واسقاط الفواصل والحواجز والموانع بين الإنسان وربه ، ومن هنا دعوى الصوفية إلى عدم التقيد بمراسم الأديان باعتبارها قيوداً لا تربط العارفين بالله ، وإن على الصوفي أن ينظر إلى الأديان على أنها تمثل حقائق نسبية ، هي أدنى من الحقيقة الكلية التي يجهد الصوفي من أجل الوصول اليها والتحقق بها ، ونجد صدى هذه النزعة عند الكثير من أكابر المتصوفة المسلمين ، أمثال ابن عربي ، وجلال الدين الرومي ، بل وعند جميع فلاسفة الصوفية المُبَشِرين بنظرية وحدة الوجود ، أو الوحدة المُطلقة ، من حيث انهم ينظرون إلى الأديان المختلفة بكونها مظاهر وتجليات للذات الإلهية الواحدة التي تسمو – بحكم طبيعتها – على التعدد والاختلاف . وأخيراً ، فإن التحليل الجواني للتجربة الصوفية ، يشير إلى أن سالكي طريق التطهر الروحي ، والسمو الأخلاقي ، لابد أن يمروا بحالات من القلق ، وعدم الراحة ، وذهاب الطمأنينة ، وفقدان الثقة بمعارفهم العقلية والحسية ، وهي الحالة التي أسماها الباحثون ( الليالي المظلمة ) والتي عندما تبلغ ذروتها وشدتها وتوترها النفسي الحاد ، تغدو تمهيداً واستباقاً لحالة ( الصحوة ) التي تليها ، وتشير الدلائل إلى أن هذا التحول والانتقال من القلق إلى الطمأنينة – وهو ما اسماه برغسون التحول السكوني إلى الحركي – يكون عادة فجائياً وسريعاً ، بحيث يتحول الصوفي من القلق إلى الراحة ، ومن الشك إلى اليقين ، وهذه الحالة هي ما يسميه الباحثون أيضاً بـ ( التصوف الكامل ) ، بمعنى : إن النفس الإنسانية ، وقد خاضت تجربة التأحد مع المطلق ، وما تسبق هذه التجربة من حالات التوتر والقلق ، يعود الصوفي بعدها إلى صحوة ، بعد أن اختصه الله بنوع صلةٍ مميزة مخصوصة ، يحاول من خلالها ضرب المثل للبشرية ، وتقديم خلاصة تجربته لها ، تطويراً داخلياً جوانياً للذات الإنسانية .

                   ( التاو ) انجيل التاويين

هكذا حدثنا الدكتور عرفان عبد الحميد عن الخصائص العامة المشتركة للتجربة الصوفية ، مع تأكيده على أهمية خاصية اسقاط الفوارق بين الأديان ، وهي خصائص – كما تلاحظون – يمكن أن تنطبق على أية تجربة صوفية داخل أي دين من الأديان ، سماوية كانت ، أم وضعية ، ولا تقتصر على الدين الإسلامي مطلقاً ، ولَّما كان ما يهمنا هنا ، هو النزعة الصوفية في التاوية ( الطاوية ) الصينية ، فمن الضروري الاشارة إلى أن البحث في الفلسفة الشرقية عموماً ، والأديان والنِحَل والفِرق والجماعات الروحية الآسيوية الشرقية ، والصينية منها على وجه الخصوص ، ليس بالأمر الجديد ، ذلك أن الكثير من الباحثين الغربيين المحدثين ، انتبهوا في وقت مبكر إلى هذه القضية ، ومن أوائل الباحثين العرب الذين بحثوا فيها الدكتور محمد غلاب ، أستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر المصرية ، وخصص لها كتابه الشهير " الفلسفة الشرقية " الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة 1938 ، وفيه مبحث عن الفلسفة الصينية يشير فيه إلى فضل العالِم المُستَصيِّن ( أ . ف . زانكير ) وأمثاله الذين " كشفوا للعقل الحديث عن ناحية مهمة من نواحي الفكر البشري كانت مجهولة لدى العامة ، ومعروفة معرفة مشوهة عند الخاصة . ولهذا الجهل أو التشويه ثلاثة أسباب ، الأول صعوبة اللغة الصينية إلى حد يتعذر معه إتقانها واكتشاف اسرارها ، والثاني فقدان الثقة نهائياً من جميع الترجمات التي نقلت النصوص الصينية إلى اللغات الأوربية ، والثالث هو ذلك الغرور الأوربي المتعجرف الذي ظل إلى ما قبل هذه السنوات الأخيرة يجزم في طفولة بأن أول فلاسفة الدنيا هو تاليس ، وأن العقلية الشرقية – ولاسيما الجنس الاصفر – غير قادرة ألبتة على ان تنتج آراء فلسفية ذات قيمة عالية ، إلى غير ذلك من الدعاوى السطحية التي انزلتها البحوث الأخيرة عن الفلسفة الصينية منزلة الخجل والسخرية " . " الفلسفة الشرقية ، د . محمد غلاب " . كما يشير الدكتور غلاب في مبحثه هذا إلى الفيلسوف الصيني لاو تسه، ويسميه ( لا هو – تسيه ) واضع فلسفة وكتاب ( تاو تي تشنغ ) الذي يعد بمثابة انجيل للتاويين ، ويذكر رأي بعض الباحثين في أن كلمة ( التاو ) غير مفهومة ،  ولذلك فإن مذهب التاوية النظري غير مفهوم ، مستذكراً في الوقت نفسه الشروحات التي توصل اليها العالِم  " زانكير " لهذه الكلمة والتي من معانيها : الروح الأزلي الأبدي المشتمل على جميع القوى الحيوية ، والكائن النقي ، والجوهر الأساس لكل موجود ، والمدبر العام للكون كله ، والحياة الحقة لكل كائن ، غير أن خلاصة ما يقوله " زانكير " هو أن التاو تحمل من المعاني ما لا يمكن أن تؤديه أية لفظة أوروبية " . ولهذا يكون خاطئاً كل من حاول ترجمتها بكلمة واحدة من لغاتنا الحديثة بل الواجب ترجمتها بجملة طويلة ، أو بعدة كلمات -  كما ورد في أعلاه - وغني عن القول هنا ، بأن هذا الرأي ، فيه شيء من التزمت ، فإن كلمة ( اللوغوس ) الإغريقية على غموضها ، أقرب ما تكون إلى كلمة وفكرة ( التاو) الصينية ، وبمعنى العقل الكلي ، أو القانون الكلي وأساس العالَم ، وهذا ما يؤيده على سبيل المثال لا الحصر ،  م . روزنتال في موسوعته ، إذ يشير إلى أن المفاهيم المماثلة للوغوس هي ( التاو) في الفلسفة الصينية . " الموسوعة الفلسفية ، وضع لجنة من العلماء والاكاديميين السوفياتيين ، بإشراف م . روزنتال ، ب . يودين " .

                      عراقيون في الصين

ورد في بحث مهم ومُبتكر للمفكر العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان ، يعود اصله إلى محاضرة ألقاها في مؤتمر الحوار العربي – الصيني الذي انعقد في بكين أواخر ايلول / سبتمبر 2010 ، ان : " التاوية انقسمت لاحقاً إلى تاوية فلسفية أو ثقافية ( تاوجينا ) ، وتاوية دينية ( تاوجياو ) والتاوية تعني الصراط ، مثلما استخدمت في الفلسفة أو الثقافة أو المبدأ والمآل الذي تأتي منه وتعود إليه كل الاشياء ، والتاو هو القانون الطبيعي أو الكيان الذاتي للأشياء ، لكن الاساس في التاو هو الاطلاق " ، ويتضمن هذ البحث اشارات إلى بداية اهتمام الباحث بالفلسفة التاوية والفلسفة الصينية منذ الثمانينيات ، بتأثير عدد من الأصدقاء والمعارف ، يطلق عليهم تسمية ( المتميزون الأربعة ) ، وهم الذين عاشوا في الصين " بعضهم دَرَسَ ودرَّسَ فيها وكانت لهم اهتمامات ومساهمات فكرية وادبية " ويقصد بهم الشيخ محمد حسن الصوري صاحب جريدة الحضارة التي صدرت في النجف العام 1937 ، والشاعر اليساري كاظم السماوي ، والباحث التراثي هادي العلوي ، والفنان التشكيلي رافع الناصري . ثم ينظر بإيجاز في ثلاث عقائد اساسية لابد ان يتناولها من يبحث في الفلسفة الصينية ، وهي الفلسفة الكونفوشيوسية ، والفلسفة البوذية ، والفلسفة التاوية . والأخيرة تمثل في رأيه روح الصينيين ، فيما تمثل الكونفوشيوسية مظهرهم الخارجي . منبهاً إلى استفادة التاوية من فلسفة الزن البوذية ( Zen Buddhism ) ، فضلاً عن الطقوس الكونفوشيوسية " بهدف تحضير العقل الباطن الذي يساعد على الفهم والادراك " . وفي بحثه عن وحدة الوجود في الفلسفة التاوية ، يشير شعبان إلى : انها تدمج الانسان بالعالم المطلق ، فالتاو يقوم على القوة المادية في الموجودات ، وهو ما ذهب إليه صدر الدين الشيرازي الذي جعل الله حضوراً فعلياً في الموجودات ، انطلاقاً من مذهبه ( الحلولية ) . ثم يشير إلى عدة نقاط مهمة يمكن اختصارها بالآتي :  التاوية تؤمن بوحدة الوجود ، أي أن الخالق والمخلوق متحدان في شيء واحد ، ولا يمكن فصلهما ، وألا سيحدث الفناء ، مستنتجاً في ثنايا البحث ، تطابق مبدأ وحدة الوجود لدى ابن عربي مع الفلسفة التاوية تقريباً ، وفي هذه النقطة يذكر مواصفات الصوفي التي تقوم على ( التخلي والتحلي والتجلي ) والتجلي يصبح نتيجة للتخلي والتحلي ، ليكون الإنسان هو المثال للعالم الأكبر . كذلك تؤمن التاوية بمبدأ دورية الزمن ، فليس هناك نقطة بداية ولا نقطة نهاية للأشياء والتاريخ والوجود ، كما تقوم التاوية على الوحدة والتغيير " وهي أقرب إلى فلسفة الديالكتيك لدى هيغل ، وقبله هيراقليطس في الفلسفة اليونانية ، وقد أخذ ماركس ذلك عن هيغل ، وقلب جدليته المثالية التي تقوم على الحقيقة المطلقة المتجسدة في الإله ، إلى جدلية مادية " . " الفلسفة التاوية وصنوها الفلسفة الصوفية .. وحدة الوجود والحضور بالغياب . د . عبد الحسين شعبان ، مجلة حمورابي ، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية ، العدد 12 كانون الاول / ديسمبر 2014 ".

              سباحة العلوي من التاو إلى الحّلاج

وفي هذا البحث جانب ممتع من الاثارة والتشويق ، يتمثل في مقارنة التاوية بالصوفية من خلال نموذج معاصر هو المفكر العراقي هادي العلوي ( 1933 – 1998 ) الذي لقحَ الفلسفة الصوفية التي يؤمن بها ، بالفلسفة التاوية ، بهدف التكامل . دعونا نقرأ معاً هذا النص الجميل الذي كتبه شعبان عن العلوي : " كان هادي العلوي قد تأثر بالصوفية ، لكن صوفيته لم تكتمل إلا من خلال تاويته ، ومقامه من الصوفية استند إلى ثلاثة أركان هي : السفر والغربة والمشاهدة ، فقد تنقّل واغترب وشاهد ، واضطر إلى الرحيل مُغترباً روحياً وفكرياً ، في غربة صوفية ، وليست اغتراباً ، ذلك أن غربة الصوفي هي اختيار وممانعة ، أمّا الاغتراب فهو اضطرار وهيمنة ، وهكذا تصبح الغربة هنا موجبة ، في حين أن الاغتراب سالب . وبحسب محي الدين بن عربي : الأسفار ثلاثة : سفرٌ من عنده وسفرٌ اليه وسفرٌ فيه ، وهذا السفر هو سفر التْيه والحْيرة ، وسفرُ التيه والحيرة لا غاية له !! " . ويتوصل الباحث في جانب آخر إلى ان العلوي " كان يسبح في فضاءات عالية ومتصلة من لاو تسه إلى الحلّاج نموذجاً للتصوف الاجتماعي ، في حين كان نموذجه للتصوف العقلي المعرفي هو المعري وابن عربي . ومن أطرف ما جاء في خاتمة البحث عن المثقف الكوني ، هو النقد الذي يوجهه هادي العلوي إلى المثقفين المعاصرين العرب ، من دون استثناء ، وقد أطلق عليهم تسمية ( شيوعية الأفندية )  : " لقد سبقني إلى معاداة المثقف شيخنا فلاديمير لينين حين اتهمهم بالرخاوة والروح البرجوازية " . ويعتقد الدكتور شعبان ، أن العلوي قد تأثر في طروحاته هذه بأجواء الثورة الثقافية في الصين ، وانه يعتبر ما أعقب هذه الثورة من اصلاح وانفتاح ، إنما هو انحراف وتقهقر ، وظل متمسكاً فعلياً بأطروحتها حتى رحيله . ومما يدعم هذا الاعتقاد هو العلوي نفسه ، الذي يرى ان اقرار المتصوفة بعجزهم ، أمام طاغوت المال والسلطة ، لم يمنعهم من غرس جذور المعارضة المتين في قلب الثقافة : " وجعلوا المثقفية نقيض الدولة ليؤسسوا بذلك منحى نضال يواصله المثقف في ظروف أخرى قد تكون أكثر مواتاة وانتاجاً . وهذه عندي هي ظروف انبعاث الحركة الشيوعية في إطارها الممركس ، ذلك الانبعاث الذي استوعبه مثقفو الصين فانتظموا في صفوف حرب التحرير بحملتهم الساحقة لينجحوا فيما فشل فيه أسلافهم التاويون . والماركسية شرط النجاح للشيوعية الآسيوية ولو أنها تبقى مشروطة بالحكمة الشيوعية لعموم آسيا " . " تقديم هادي العلوي لكتاب أخبار الحلاج للساعي البغدادي ، تحقيق موفق فوزي الجبر ، دمشق 1996 ". لكن لابد من الاستدراك هنا ، إلى أن العلوي في الوقت نفسه ، قد عدَّ الثورة الثقافية ( كارثة ) وانها نتاج ( مادية ماو المُبتَذلة ) !! موضحاً أن ماو تسي تونغ هاجم التاوية كديانة أُثقلت بالخرافات : " وتحولت إلى مدرسة للسلب تسيء تأويل السلب الفلسفي في التاو واستخدمتها بعض الحكومات لأغراضها فخرجت عن خطوط المعلم في مقاطعة الدولة " . " هادي العلوي ، مدارات صوفية ، تراث الثورة المشاعية في الشرق ،  دار المدى للثقافة والنشر  " .

وفي مقدمة ترجمته لكتاب ( التاو ) يشير العلوي إلى اقتراب التاوية من التصوف في مرحلتها التاريخية الثانية ، ففي المرحلة الأولى كانت فلسفة خالصة ، ثم أصبحت في الثانية ديناً طقوسياً مشوباً بالفلسفة والتصوف ، مستعيداً تساؤل عالِم الصينيات الانكليزي جوزيف نيدهام (Joseph Needham 1994 – 1900 ) عن السر الذي جعل فلسفة راقية تتحول إلى دين . " ثم يلتمس لها عذراً في رد الفعل ضد الدين الجماعي في الكونفوشية بقرابينه وطقوسه المفرطة التي اتسعت مع اتساع الدولة فلم يعد مقدوراً لكل الناس أن يؤدوها فجاءت الديانة التاوية لتكون ديانة الخلاص الفردية لأهل الصين ، فتحررهم من فروض الكونفوشية الباهظة وترفع عنهم الاغلال التي كانت عليهم " . " العلوي مترجماً عن كتاب نيدهام العلم والحضارة في الصين " . والحقيقة إن الأمر يتعدى ذلك ، لأن الانفصال بين التاوية والكونفوشية كان جوهرياً ، ويعود إلى اتخاذ التاويين لرمزي " الماء " و " المؤنث " ومن البديهي أن يقودهم ذلك إلى جذور العلم وإلى الديمقراطية ، في حين أن العنصر الأخلاقي للكونفوشيين ، كان ذكرياً متشدداً متسلطاً مستبداً بل وعدوانياً . كما أن التاوية كديانة ، كانت بمثابة رد فعل نحو الديانة الجماعية للمجتمع الاقطاعي الصيني القديم . " موجز تاريخ العلم والحضارة في الصين ، جوزيف نيدهام ، ترجمة محمد غريب جودة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1995 " .

                    حجرة الأطهار الثلاثة

يروى كولن رونان ، الذي أعد ملخصاً لكتاب " العلم والحضارة في الصين " أن جوزيف نيدهام مؤلف الكتاب ، قام في العام 1943 مع عدد من العلماء البارزين في كونمنغ ، عاصمة ولاية يونان الصينية ، برحلة إلى التلال الغربية بغرض زيارة ثلاثة معابد ، اثنان بوذيان وواحد تاوي . ونظراً للاهتمامات العلمية بالفكر التاوي القديم كان الجميع تواقين بصفة خاصة لزيارة " حجرة الأطهار الثلاثة " وهي مزار منحوت في الصخر مبني عند منتصف ارتفاع جرف يكاد يكون قائم الانحدار ، وسرعان ما اكتشف نيدهام أنه لا أحد من صحبته لديه أدنى فكرة عمن كان أولئك الأطهار الثلاثة ، وهو يعلق على ذلك بأنه نموذج للقصور في توجيه الدراسات إلى واحدة من أهم الظواهر في كل مباحث الأديان المقارنة ، والأطهار الثلاثة هي عقيدة تثليث بدأت التاوية باعتناقها في القرن الخامس للميلاد ، وهؤلاء الأطهار هم : ( المولى السماوي النفيس والفرد السماوي المبجل الأزلي الأول ) وهو المهيمن على الماضي . و(المولى الروحي النفيس والفرد المبجل السماوي الملكي الدري العظيم ) وهو المهيمن على الحاضر. و( المولى القدوس النفيس والفجر الطاهر والفرد السماوي ) وهو المهيمن على المستقبل ، وربما كانت عقيدة الشخوص الثلاثة هذه مدينة بوجودها للتأثير المسيحي ، والأرجح أن تكون تلك العقيدة نابعة من الأفكار التاوية الخاصة بنشأة الكون التي ذهبت في وقت مبكر يعود للقرن الرابع قبل الميلاد إلى أن التاو أنتج الفرد ، والفرد أنتج الأثنين ، والاثنان أنتجا الثلاثة ، والثلاثة أنتجوا كل الأشياء . " موجز تاريخ العلم والحضارة في الصين " .

                   +++++++++++++++++++++++

التاوية أو الطاوية ، كفلسفة وديانة ونزعة من نزعات التصوف في الكثير من تجلياتها ونصوصها الرمزية ، إنما هي عامل مشترك للتقريب بين الفكر الصيني في جانبيه الفلسفي والروحي ، والفكر العربي الاسلامي في تجلياته الروحانية والصوفية ، وكلاهما ينتميان في المحصلة النهائية إلى روحانية الشرق الضاربة في أعمق أعماق التاريخ الحضاري للبشرية .

و( المتميزون الأربعة ) - كما أسماهم المفكر والباحث عبد الحسين شعبان - الذين مدّوا جسور الفكر والفلسفة والثقافة والفن ، بين العراقيين والعرب عموماً ، وبين الصين ، رحلوا جميعاً : الصوري ، والسماوي ، والعلوي ، والناصري ، ومعهم رحل أيضاً الشيخ جلال الحنفي البغدادي ، صاحب المعجم العربي – الصيني الذي لم يرَ النور ، بعد أن نُقعت صفحاته بمياه البحر ! .

لكن .. هذه الرِحلة الحضارية المنفتحة على روح الصين وعقلها ، لابد أن تستمر .... فالعالَم لا يزال على مشارف العَّقد الثالث من قَرن التِنين الأحمر ! .

حوار مع الشاعر والمسرحي عبد الرزاق الربيعي / الصحف
عيد المصور العراقي 1972/7/25.. تاريخ ومنجزات / سم

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 05 آب 2020

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  السبت، 25 تموز 2020
  101 زيارة

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم المركز الحسيني للدراسات بلندن ينعى رحيل فقيده الإعلامي فراس الكرباسي
03 آب 2020
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. عباس عطيه البو غنيم أنا لله و...
زائر - عزيز رثاء أمير شهداء ألعراق ألمظلوم / عزيز حميد الخزرجي
31 تموز 2020
محنة الكرد الفيليية أسوء و أتعس حتى من محنة الفلسطينيين ؛ لذا نرجو من ...
زائر - يوسف ابراهيم طيف الرافدين يحرز بطولة الاسطورة أحمد راضي لكرة القدم
28 تموز 2020
شكرا لكل من دعم أو حضر أو شارك بهذه البطولة الجميلة واحيا ذكرى ساحر ال...
زائر - الحقوقي ابو زيدون موازنة 2020 بين إقرارها وإلغائها / شهد حيدر
23 تموز 2020
سيدتي الفاضلة أصبت وشخصت بارك الله فيك،، واقعنا عجيب غريب،، النقاش محد...
زائر - علي عبود فنانون منسيون من بلادي: الفنان المطرب والموسيقي والمؤلف أحمد الخليل
18 تموز 2020
تحية لكاتب المقال .... نشيد موطني الذي اتخذ سلاما وطنيا للعراق يختلف ع...

مقالات ذات علاقة

كنتيجة حتمية لما عاشه العراقيون خلال الحقب التي مرت عليهم جميعها، باتت أوضاعهم الحياتية مض
7 زيارة 0 تعليقات
معذب أنا سحر بين اغترابي ولوعتي حتى الصبر لم يلق الشفاء على مأساتي بعد الحنين ، بعد الشوق
7 زيارة 0 تعليقات
الحلقة الأولى : من المغول الى أفراسياب  الكتاب في الغالب نقل حرفي لكتابات الاتراك انف
12 زيارة 0 تعليقات
خرجت بونانا تبحث عن كانوفا الذي تأخر كثيرا، لقد وعدها أنه سيعود خلال شهر، ها هو أسبوع مضى
18 زيارة 0 تعليقات
وحده الدم لا ينام في العراق... ونحن صعاليك المراحل نمارس بعض الأسف ثم نسأل: ماذا على طاولة
22 زيارة 0 تعليقات
يا أمة ضحك الجهول لجهلها و تربع الحقد الدفين بأهلها و سقط الحياء بقدسها فأنتج ريح التعفن ف
22 زيارة 0 تعليقات
قطرة ماء تروي عطشان كلمة حلوة تصغي لهااذان طلب الحق قاعدة لقانون تثور من اجل بناء وطن الحق
25 زيارة 0 تعليقات
توطئة /  أنّ الرحلات الخيالية الفنتازية أفكار مشبوبة بالرغبة الملحة عند الكثير من أدب
24 زيارة 0 تعليقات
يوم احتلال الكويت) فجر ارعن...... نثر صباح الهاشمي العراق اعلن الصباح فجرا حينها عبرت جيوش
25 زيارة 0 تعليقات
نعم لا زلنا سيَدي بأنتظار نهاية ولادتك ...التي بداءت الآم المخاض فيها منذ ما يقاربالعديد م
80 زيارة 0 تعليقات

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال