الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات الدينية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 787 كلمة )

وزراء برتبة بائعي فريسكا / عبد الرازق أحمد الشاعر

علمتني التجارب أن أنتحل أي عذر لأغادر كلما شرع أحدهم في التحدث عن نفسه. فأنا أعرف يقينا أنه بمجرد أن يطلق للسانه العنان، فلن يستطيع أحد أن يلجمه. ولطالما اعتقدت أن شهوة الكلام عن الذات - حتى وإن كانت ذاتا وضيعة - أقوى وأعنف من حاجات الجسد مجتمعة من طعام وشراب وجنس، حتى وقع تحت يدي - وبالصدفة البحتة - بحث يتناول تلك العادة الرذيلة.

يؤكد ريتشارد جولسون (أحد الأطباء النفسيين الذين أشرفوا على الدراسة) أن التبجح ليس شرا في ذاته، لأنه يعبر عن الاعتداد بالذات والثقة بالإنجازات، وهي أمور لا غنى عنها لتحقيق السلام النفسي ومكافحة المخاوف والوساوس. لكن المشكلة تكمن عند أولئك الذين تقع آذانهم تحت سطوة أفواه المتبجحين. كما أن وجود المناخ الخصب للروايات المسهبة، يغري المتبجح بخلط كثير من الأكاذيب مع بضاعته الكاسدة ليسوق نفسه وكأنه ملهم الجيل أو وحيد العصر.

والمشكلة الأكبر أن أمثال هؤلاء يميلون لتصديق أكاذيبهم حول أنفسهم حين يصدقهم الآخرون، فتنتفخ أوداجهم وتعلو عقائرهم ويكتسبون ثقة مفرطة، مما يجعلهم غير مبالين بشعور من تحت أيديهم من المستضعفين. وغالبا ما تكون هذه الفئة أقل حظا من الفهم أو الوعي أو الشخصية. فإذا اجتمعت السلطة والتبجح في شخص ما، أصبح مرشحا للنرجسية والعدوانية إزاء من هم دونه.

للتباهي لذة لا يعرفها إلا أصحاب السيادة والفخامة والرتب، وهم على أتم استعداد للحديث المسهب عن إنجازاتهم المدعاة وبطولاتهم الكاذبة حتى وإن كان في مجالسهم من يدرك كذبهم وادعاءاتهم الرخيصة. ويعرفها الإعلاميون الذين ينفق رجال الأعمال على ألسنتهم ما يفوق ميزانيات جامعات عريقة في عالمنا الثالث. كما يعرفها الزعماء الذين لا راد لقولهم ولا معقب لحكمهم من قادة منطقتنا الحزينة. وكذلك يعرفها الخطباء على المنابر وقد رأو رؤوس المصلين تحت أقدامهم شاخصة وكأن عليها الطير.

للتبجح لذة - كما تؤكد الدراسة - تعادل لذة الجنس والطعام والشراب. فقد تبين من خلال المتابعة الحثيثة أن الحديث عن الذات ينشط خمسة أماكن في الدماغ لا تنشط إلا عند ممارسة الإنسان لحاجاته الأولية. كما أكدت دراسة أخرى أجريت على 131 رجلا تقدموا للعمل بإحدى الشركات على موقع أمازون أمرا أكثر إثارة. ففي معرض وصفهم لمشاعر الآخرين ومشاعر جلسائهم أثناء التبجح، أفرط هؤلاء في وصف سعادة الندماء بما تفتق عنه ذهنهم العبقري من حكم وعبر. وفي المقابل عبر معظمهم عن سخطهم وتبرمهم من جلسات جمعتهم بأناس لا يملون من التحدث عن سجاياهم وإنجازاتهم. وهو ما يعني أن غالبية الناس يفتقدون جزئيا أو بالكلية لموهبة التقمص التي تجعلهم يقدرون مشاعر غيرهم ويقفون في أحذيتهم كما يقول التعبير الإنجليزي.

وقد ذكرتني تلك الدراسة بقصة شاب ذهب للخارج لنيل شهادة الدكتوراه. وبعد سنوات من الغياب، عاد الشاب ليتصدر المجالس ويفتي الناس في أمور حياتهم، ويذكر جالسيه - بمناسبة وبغير مناسبة - أنه خريج أكسفورد وأنه قد تفوق على الإنجليز في عقر دارهم واستطاع هزيمة الغربة والفقر، وأنه ما كان لينال هذه المكانة لولا مواهبه الفذة وقدراته التي عقم الأقران أن يمتلكوا مثلها.

كان والد الشاب ينظر في خجل إلى شفتي ولده وملامح جلسائه، فيشعر بحياء شديد لأنه كان يقرأ في وجوه الناس التبرم والسخط، ولربما نظر بعضهم إلى بعض وعيونهم تردد :"عدنا!"

قرر الوالد الحكيم أن يعلم ولده درسا في الأدب، فقال له ذات يوم: "لقد نلت شهادة عليا من الغرب يا بني، وأنا شديد الفخر بك. لكنني أريدك أن تحدث الناس حين تلتقيهم المرة القادمة عن مآسي الإنسان." نظر الولد في دهشة إلى وجه أبيه المتحمس، وقال: "لم ندرس شيئا عن الإنسان يا أبي. درست التاريخ والجغرافيا وعلوم الفلك والهندسة والطب، ونلت شهادة عليا في الاقتصاد من أرقى جامعات العالم، لكنني لم أدرس شيئا عن الإنسان." عندها، طلب منه أبوه أن يمتنع ثلاثة أيام عن الطعام. ومر اليوم الأول، فزار الحكيم ولده، وسأله: "ماذا تعرف عن بؤس الإنسان يا ولدي؟" فأشاح بوجهه. وفي اليوم الثاني، تبرم الولد بسؤال أبيه، وقال في حدة: "قلت لك لا أدري." وفي نهاية اليوم الثالث، قال له أبوه: "ماذا تعرف عن بؤس الإنسان يا ولدي؟" فقال الشاب في لهفة: "أطعمني أولا، واسأل ما شئت."

لن يستطيع وزير حصل على أرقى الشهادات من أوروبا أو أمريكا أن يشعر بمعاناة الفقراء يا حكام عالمنا الثالث. ولن يستطيع أن يتحدث بلسانهم مهما ثناه أو عصره في محيط فمه، فكيف تطلبون من وزير التموين أن يراعي محدودي الدخل؟ وكيف تناشدون وزير المواصلات أن يرأف بحالة الطلاب بائعي الفريسكا؟ وكيف تنتظرون من وزير التعليم أو وزير التعليم العالي أن يأخذ في الحسبان محدودي الدخل من الغالبية المطحونة من أبناء الشعب؟ هؤلاء يا سادة لا يستطيعون إلا أن يتصدروا المجالس ويتحدثوا في القنوات الفضائية عن إنجازاتهم وبطولاتهم التي يختلط فيها الحق بالباطل والصدق بالكذب. لكنهم لن يستطيعوا أبدا الشعور بأحاسيس فتاة ظلت طوال فترة الدراسة وحتى أيام الامتحانات تساعد أمها في بيع الأحذية لشراء الدواء لأبيها مريض السرطان. كيف يتحدث خريجو الجامعات الأجنبية بلسان مصري مبين، وقد نشأوا في مجتمعات أخرى لا تتحدث فقرنا ولا تفهم أوجاعنا. لو كنت رئيس دولة في عالمنا البائس، لجعلت وزرائي من بائعي الفريسكا، وقضاتي من أبناء المرضى والأرامل لأنهم الأقدر على التحدث عن معاناة الإنسان وبؤسه، والذي يزداد يوما بعد يوم.

عبد الرازق أحمد الشاعر

لا مزيد من السود/ عبد الرازق أحمد الشاعر

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
السبت، 19 أيلول 2020

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - JEFFREY FRANK لن تهنئوا مرةً أخرى أيها الطواغيت / حيدر طالب الاحمر
19 أيلول 2020
نحن نقدم حاليًا مشروع قرض حقيقي وموثوق وعاجل بأقل معدل فائدة يبلغ 2 ٪ ...
زائر - JEFFREY FRANK ورشـة تدريبيـة عـن تحليـل المخاطـر في دار الشؤون الثقافية العامة
19 أيلول 2020
نحن نقدم حاليًا مشروع قرض حقيقي وموثوق وعاجل بأقل معدل فائدة يبلغ 2 ٪ ...
زائر - JEFFREY FRANK وزيرة خارجية أستراليا: لأول مرة تخاطبنا بيونغ يانغ بهذه الطريقة!
19 أيلول 2020
نحن نقدم حاليًا مشروع قرض حقيقي وموثوق وعاجل بأقل معدل فائدة يبلغ 2 ٪ ...
زائر - JEFFREY FRANK الامن الاجتماعي في ملحمة كلكامش / رياض هاني بهار
19 أيلول 2020
نحن نقدم حاليًا مشروع قرض حقيقي وموثوق وعاجل بأقل معدل فائدة يبلغ 2 ٪ ...

مقالات ذات علاقة

يروي ما نقل لنا من تاريخنا, أن العرب وصلوا مرحلة من التراجع, الأخلاقي والإجتماعي, خلال فتر
4087 زيارة 0 تعليقات
يذهب البعض الى ان  مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية هي مؤتمرات رتيبة تعبر عن الترف ال
4513 زيارة 0 تعليقات
اطفال يتلكمون الفصحى (ماتموتين احسن الك ) لايخفى للمتتبع للعالم الذي يحيط بنا ما للقنوات ا
4137 زيارة 0 تعليقات
فوجئنا خلال الأيام القليلة الماضية بخبر اندلاع النيران في مبني صندوق التأمين الاجتماعي لقط
3959 زيارة 0 تعليقات
من المفارقات العجيبة التي تحصل في العالم الإسلامي ان كل الفرق والطوائف الإسلامية تدعي التو
4120 زيارة 0 تعليقات
كانت وما تزال ام المؤمنين خديجة (عليها السلام ) من النساء القلائل التي شهد التاريخ لهن بال
4200 زيارة 0 تعليقات
استقبال العام الجديد بنفسية جيدة وبطاقة إيجابية امر مهم، والبعد قدر الإمكان عن نمط التفكير
4637 زيارة 0 تعليقات
عش كل يوم في حياتك وكأنه آخر أيامك، فأحد الأيام سيكون كذلك".   ما تقدم من كلام ي
4186 زيارة 0 تعليقات
عن طريق الصدفة- وللصدفة أثرها- عثرت على تغريدة في مواقع التواصل الاجتماعي، للسيد احمد حمد
4833 زيارة 0 تعليقات
دستوريا يجوز الغاء مجالس الاقضية والنواحي وتعيين قضاة في مجلس مفوضية الانتخابات وتقليص عدد
5701 زيارة 1 تعليقات

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال