الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

6 دقيقة وقت القراءة ( 1219 كلمة )

بالمُخَيّم الميدانى لـ (كورونا) (1) / أحمد الغرباوي

اللهمّ إنْ أخّرتنى فمِنْ عَفْوك ورَحْمَتك.. تغشى فيوضاتهما طمع عَبْد مُذنب ومُقصّر.. وإنْ عجّلت وحَلّ المَوْعد؛ فأغفر لى.. وأعفُ.. فأنت عفوٌّ تُحِبّ العفو..

رُبّ يومًا صبرتُ على ألمٍ.. واستوطنى وجعٌ.. وأقرنتُ اسمك الأعلى بكُلّ ما رزقتنى مِنْ إخْلاص، فتمهّلتُ عَلىَّ قليلا؛ حتى أُكمل تنفيذ ما وعَدتك..

هكذا كان يُردّدُ عَبْدٌ.. يتصبّب مَيّا ساخنًا.. ويتقلّب جسدهُ السمّين؛ فارًا مِنْ مكالبِ موحشة النّزعِ.. وحديّة أنيْاب مُقبضة على فراش المَرْض.. ويحاولُ يلتحفُ بالأجزاء الجافّة مِنْ غطاء السّرير.. وشلال مياه ينفجرُ هنا وهناك.. وتقتحمهُ الغيبوبة.. وقدماه لا تتحمّله نبض حيْاة..

وتهرولُ ابنته.. تصرخُ على والدتها.. وتوقظ أخيها فى الثانية بعد مُنتصف الليل.. صرخات مُفزعة.. وتوتر يجرفُ النفس إلى مكابدة الفعل.. والبحثُ عن هدىّ فكِرْ.. متاهة من الحُبّ والرهبة دنو الفقدِ.. ووجه أبيْض متهدّل؛ شحوب بأسٍ.. وإعلان منتظر.. تكتملُ حروفه بسرعة نحو رحيل جسد.. تتسرّب دلائل الحَيْاة بعيدًا بعيدا.. ماهذا؟

تصرخُ الزوجة الطيّبة.. لايوجد دمّ فى وجهك.. ويحاولون نزع ملابسه المبتلّة.. الملتصقة بجسدٍ يقاومُ التدلّى والسقوط.. ورقة بَيْن الأيْادى الغَيْر مميّزة.. ولم يكُن هناك إلا كلمة واحدة:

ـ ياربّ..!

وتتذكّر أن (ياربّ) أجمل كلمة حُبّ..!

،،،،

‏رُبّ يومًا؛ فى السرّاء استوطن قلبى نبضُ وأريحيّةُ رضى وحُبّ.. وها هو أنا بَيْن يديك إلهى؛ أتقلّبُ فى الضرّاء؛ قَيْد الألم وأسر اللاحول واللاقوّة إلا بك..فمدّنى بالصّبر مهما اشتدّ به المُرّ؛ وأنفخُ بى حُريّة الاستغناء؛ والحاجة إلا لك وبك..

لحظات تكادُتهزم كِبْريائى.. وتدكّ ماتبقّى من معالم الحيْاة.. وتقزف بى بعيدًا.. حَيْث لا أعرف هل هى نقطة البدايْة أم النهايْة؟

عصفُ ريح.. تشدّنى وتجرّنى.. وهنٌ يكسرنى ويُبْكينى.. وألتمسُ جزع شجرة أملٍ أتعلّقُ به..

وتأتى سيارة الإسعاف.. وتتعصّب البنت الصغيرة على المُسْعفِ البارد حركة؛ والمُتْجَمّد بلادة وإحساس أنْ يُسرع.. والفقير حضورًا بدرب العيش.. وتطالبه أن يبطّل رَغْىّ غَيْر مفيد.. ويُنْهِرُها بالذُّوق:

ـ يافندم بتكلّمينى كِده ليه..؟

لا تعنى المَشاعر عندما تعتادُ الألم والوَجَع، وتُرافق المَوْت أكل عيْش.. وتغدو وجوهًا مُعَلّبة..

وشوش كالحة.. جامدة.. تعملُ فى سيارة الإسعاف..تُعْلِنُ عَنْ كُلّ سوداويْة جمود.. وتفوحُ منها رائحة التأفف.. والعمل على مَضَض.. كُلّ هَمّها توصّل لك حسابات الفلوس.. وتضمن السداد للوصولات المختومة.. مبررات النهب والثمن غير المعقول للخدمة..

ـ نودّيه مستشفى حكومى (الزيتون مثلًا) مجانًا.. أىّ مكان آخر ١٣٥ جنيه..

_ طيّب مستشفى (الجنزورى) ٣٠ متر من البيت..!

ـ ده القانون.. يافندم!

،،،،

وأنْت على حافة النهايْة؛ لايفكر عقل مُحبّيك..

تغرقُ وتغرقُ وخَيْبات الأعماق.. ولكن دفقة مِنْ أسفل على سفح المّىّ اتشال رحمة.. فتتنفس ويمنحكُ الله لُحَيْظات حَيْاة.. كَىّ نَتَجَاوزُ المِحْنة؛ وإنْ ثقُلَت.. وجلدت بسياط جرح لايُطاق..

ويرميك المُسْعِفُ على كُرْسى.. ومِنْ سوء القيادة تتقيأ.. يجرّون الجثة المُلقاة.. يرمونها على سرير الرعايْا بالطوارئ.. وقد غابت عَنْ الوعىّ.. يعلّقون المحاليل.. هبوط حاد فى الدورة الدمويّة.. الضغط ٨٠على ٥٠.. صحّوا طبيبة التحاليل.. تفشلُ فى أخذ عَيّنة دمّ.. اشتباه فى الإصابة بـ (كورونا)..

يقولُ الطبيب الشاب:

ـ لو فيه اشتباه فى كورونا؛ لن نأخذه.. تصيحُ الإبنة الشابة فى وجهه:

ـ يعنى نرميه فى الشارع..!

والأمّ تصرخُ:

_ المهمّ إنقذوه دلوقت..

والطبيبة الشابة تضبط ملابسها.. وتستيقظ غصب عنها.. تصيحُ: ـ لفّوه ببطانيّة؛ حتى يظهرُ الدمّ فى العروق.. ويمكن أخذ عَيْنة دمّ..

والإبن الشاب حائرفى حُزْنه بدنيا الله.. ويهربُ الشبشب من قدمى بلاعودة.. ويشاءُ الربّ أن يبعثُ أنفاس الحَيْاة رويدًا..

ويصيحُ ممرّض مرفق الإسعاف فى وجه زوجتى:

ـ كُلّ ساعة انتظار.. ١٢٥ جنيه!

وتلاحقه الشابة الصغيرة:

ـ واللى معهوش فلوس مايلزمهوش.. وتسيبوه للكلاب والقطط.. واللا حتاخدوه فى سيارة الإسعاف رهينة؛ لغايْة ماحَدّ من أهله ييجى يدفع.. والانتظار دَه كمان حَيْكون قيمة مُضافة.. هو إحنا فى البلا بنعرف نحسبها يابنى آدم إنْت!

إيه البلاوى دى..!

وتنبّهت لوجود ابنتى.. وأنى مازلت قَيْد الحَيْاة!

،،،،

وأنت تكادُ تصلُ إلى حافة النهايْة؛ رُبّما تُدْرِكُ أنّ كُلّ المُبَرّرات الإيجابيّة، والتى تتكئ عليها لضياع سنوات العُمْر لم تكن منطقيّة.. والشئ الوحيد الصّادق أنّه مرّ و.. وتمُرّ.. ولن تَعُد.. وأنّ الحُزْن مُتّصل.. وفى متاهات متشابهة؛ لاتزل تدورُ وتدورُ.. ولن ينقذك وينتشلك غيْر سند الله عزّ وجلّ..

وهو الذى لا يفوته تنهيدة قلبٍ، فيستجب.. ‏ويُرسل لقلبك نورًا، كالذى أرسله لـعَيْن يعقوب..

،،،،

ويبدأ العَبْدُ الفقير إلى الله تعالى رحلة الاشتباه فى (كورونا)..

خذوه إلى مستشفى (القاهرة التخصّصى).. أقرب مستشفى.. تصل نفس سيارة الإسعاف بالمريض.. والمفاجأة أنّ السائق لا يعرف مكانها؛ وهى على بعد لا يتجاوز 6 دقائق فجرًا من مستشفى (الجنزورى) بسراى القبة..

وقبيْل النزول بالمريض يصيحُ الحارس:

ـ لا يوجد مسحات حاليًا.. أوقفناه بعد إنخفاض الأعداد.. ماعادتش بتجيب هَمّها ماديًّا.. ماهو دَه الفكر الاستثمارى؛ لمَنْ تمنحهُ حُرْيّة الكسب دون حساب.. خاصّة لو كان ليس مِنْ أهل بلدك..

اذهبوا به إلى مستشفى كيلوباترا.. ماهى تبع مجموعة مستشفيْات كيلوباتر.. وكلّ الهموم متشابهة فى نشاذها..

لا يوجد مسحات هنا.. المستشفيات الجامعيّة فقط هى التى تقوم بالمسحات حاليًا.. عليكم بمستشفى (عين شمس الجامعيّة)..

وعامل الإسعاف ذو الوَجْه الصنمى.. يُعْلنُ للزوجة الباكية:

- سيدتى الحساب سيتجاوز الستمائة جنيه.. خرّجى لى كرسى الإسعاف؟

والمستشفى الجامعى ترفضُ.. إلا بعد إجْراء التحاليل.. لم؟

لست أدرى..!

وبها سيارات إسعاف كثيرة..!

والمفاجآت تتوالى لطمة بعد أخرى..

وهنا كانت بداية لأسوأ مُعْاناة سيحاسبنا عليها الله والتاريخ..!

،،،،،

فى هذا المِرْفق الحكومى؛ لابد أنْ يعملوا لك تحليل دمّ ثانى..

ـ طيّب ياسيدى ما إحنا لسّه عاملينه فى مستشفى (الجنزورى) دمّ.. وسكّر.. وأشعة صدر.. ورسم قلب..

ويطير إبنى بسيارته ـ الأكثر معاناة منى ـ ليحضر النتيجة.. لأنّ تحليل الدمّ لم تكن نتيجته ظهرت بعد.. وفى (الجنزورى) يخبرهُ الطبيب الشاب المُحْترم (أنّ نتيجة التحاليل..وأشعة الصدرجيدة.. ومافيش آى شبهة (كورونا) والحمد لله.. )

ويحضرها لأطباء (عين شمس التخصصى).. ولكنهم يصرّون على أخذ عَيْنة من الجثة.. والبحث عَنْ العروق الهاربة منها الدمّ.. ويرمونك لمدّة ساعتين بحجرة جانبية ملفوف ببطانية مدفوعة الثمن.. ولا يجيب عليك أحد.. (لماذا نُكرّر التحاليل..؟)

وأيضًا.. لا يسمحون لسيارة الإسعاف بالذهاب!

وبعدها بساعتين.. يطلقون الحرية لسيارة الإسعاف الحكومية.. بدعوى أنّ لديهم سياراتهم الخاصّة.. (وماعرفتوش كِده إلا بعد ساعتين.. والعدّاد بيعدّ.. ليه ماكان مِنْ بدرى..!)

لا أعرف.. لأنّ ذلك معناه إضافة ٢٥٠ جنيه على فاتورة الإسعاف.. لتأخذ من أهل المريض ٦٥٠ جنيه فاتورة انتظار لمريض!

وتحجز مستشفى (عين شمس التخصصى) الجثّة.. وكارنيه الشركة التى تعمل بها، حتى ترسل الإدارة؛ مايدلُّ على أنّها ستحاسب لاحقًا.. !

ـ طيّب ياسيدى.. ماتأخذ صورة من الكارنيه، وصورة من البطاقة.. وترسلها للشركة!

ـ لا.. هوه دّه النظام!

ـ آمال فائدة التعاقد إيه بينك وبين الشركة.. ومعاك مايثبت إنّ المريض مدير عام مُحْترم.. وجثة لن تهرب.. وملقى بالضربة القاضية هزيمة مرض..

ـ هوّه ده النظام.. ؟

وتهبُّ فيه البنت الصغيرة:

ـ خلاص إدّينا إيصال بأنّك استلمت الكارنيه..!

_ لا.. هوه ده النظام!

وفجأة.. يقرّرون أنك مريض مشتبه به.. أىّ ربّما يحمل فيروس (كورونا)..

ـ إذهبوا به على المخيم الميدانى.. لعمل الماسحة؟

_ طيّب ماتعملوها هنا، لو ثبت تهمته، ودّوه المُعتقل واللا المستعمرة دى..؟

ـ لا.. مُمكن أصاب هناك.. إزّاى ترموه داخل مستعمرة للمصابين.. وحقل ألغام للفيروسات.. ولم تثبت اصابته بعد.. طيّب هوّه فيه مكان، واللا رُكن عزل خاص للمشتبه بهم وفيهم بهذا الجُرْم الآثم؟

لا أحد يجيب.. ؟

ـ طيّب هىّ فين..؟

ـ آخر السور.. وقبل ماتروح تدفع لسيارة الإسعاف الخاصة بمستشفى (عين شمس) ٢٥٠ جنيه.. إسعاف خاص بالمستشفى التابع للدوّلة.. معانا سيارة إبنى... لأ ماينفعش؟

الشركة حتحاسبكم.. إحنا من الثانية ليلًا فى الشارع.. ونزلنا على طول.. ومش عاملين حساب لحاجة!

ماينفعش.. أجرة سيارة الإسعاف تدفع هنا قبل ماتتحرّك يافندم؟

هوّه ده النظام..!

،،،،

ويرمون العبد ـ الذى لا حول ولا قوة له ـ داخل علبة مُتْرِبة.. كئيبة.. علبة قذرة.. لم يفكّر أحد يومًا ينظفها بقطعة قماش.. ولا جهاز طبّى بداخلها يعمل.. والأسلاك مدلاة ومرميّة هنا وهناك.. متعطشة لإصابتك؛ لو لم تحاذر.. مرجيحة طاشة.. والله الخشبية ى الزمن القديم أنظف وأرقى منها..

وتأبى النوم بداخلها.. وتجلسُ بجوار الزوجة المصدومة داخل سيارة نقل مَوْتى.. على عون الله تسّاند وحُضْنها..

وكأنهم يعدّونك للنهاية.. واستشراف حالك؛ بماهو قادم من غَيْب المجهول مع النزيل (رقم 1493599)..

إنه أنا وقد تحوّلت إلى رقم.. وهنا تبدأ رحلة ثانية!

......

وبإذنه تعالى؛ إلى الحيْاة نعودُ، ونلتقى بالحلقة الثانية؛ ويرزقكم الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة دنيا وآخرة..

التّراث والتّجديد كما يراه الأستاذ أحمد الطيب- تلخ
خلجات .. تذرف الدموع بدلا عن مآقينا!! / عزيز الحاف

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
السبت، 16 كانون2 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الجمعة، 08 كانون2 2021
  78 زيارة

اخر التعليقات

زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...
زائر - أبو فهد الإمارات تتكلم على المكشوف / الدكتور: سالم بن حميد
03 كانون1 2020
موضوع دفين بالحقد على الدين الإسلامي وليس على السعوديه.. سبحان الله ال...

مقالات ذات علاقة

يومَ كان طفلاًكان الفراتُشقياًيتمرّن على القفزِبين التلالليس بالوَلدِ العاقّـ كما يُزعَمُ
5016 زيارة 0 تعليقات
وجعْ وطن/أليك حبيبي ... ودعني أصلي .!! نحن جيلٌ خارجٌ من رحم الحروب ، مثقلون بمسؤولية أخلا
5121 زيارة 0 تعليقات
لم أعر اهمية الى تجنيس نصوص كتاب "الرقص مع العجوز" لعمار النجار من اليمن، قدر اهتمامي بسمة
729 زيارة 0 تعليقات
صحراءٌ مقفرةٌ كانتْ...لا خُضرةَ فيها أو ماءهاجرها الغيثُ ولم يبقَ...يُسعفها غير الإغماءعلّ
2905 زيارة 0 تعليقات
ليس هنالك أي اختلاف في تعريف المثقف بين أهل اللغة، إلا ما جاء فيما نسبه مجمع اللغة العربية
1814 زيارة 0 تعليقات
مقابلة ميشيل فوكو مع جيل دولوز   " ما اكتشفه المثقفون منذ الحملة الأخيرة هو أن الجماه
566 زيارة 0 تعليقات
مقداد مسعود/ 1954 شاعر وناقد عراقي معروف ومشهور يحمل رقماً ثراً متلئلئاً وساطعاً في أرشفة
4360 زيارة 0 تعليقات
(حوار مع الروح)، هو الوليد الثاني ، وهي المجموعة الشعرية التي واظبت الإعلامية المتألقة هند
382 زيارة 0 تعليقات
"رواية " كم أكره القرن العشرين"للروائي عبدالكريم العبيدي/والصرخة المكبوتة" لزمن العتمة وأس
2402 زيارة 0 تعليقات
مجموعة "قافلة العطش" مجموعة قصصية للدكتورة سناء كامل الشعلان ، صدرت في العام 2006 عن مؤسسة
809 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال