الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

6 دقيقة وقت القراءة ( 1166 كلمة )

ذكريات من والدي ج2 / حيدر محمد الوائلي

كان يأخذني معه لزيارة المراقد المقدسة بالنجف وكربلاء عندما كنت صغيراً عمراً وجسماً، فأنا بطولي الطويل اليوم ووجهي المُشعِر، كله تفجر فجأة في بداية الدارسة الجامعية (نمو انفجاري متأخر) حيث طلت كثيراً ونبت على وجهي حديقة من شعرٍ ناعمٍ كريش حمامٍ (يومها) خشنة الان ككومة سعفٍ يابس مقطوعٌ ومتروكٌ تَلهَبَهُ شمس شهر اب (اللهاب).

مرة من المرات اخذني معه للزيارة بموسم ذروتها وصادفت في عطلة المدراس الصيفية. كان الصيف وقتها اقل حراً من اليوم (صدقوني) حيث كانت (مبردة) هواء كافية لدفع حر الصيف بجوانبها المغلفة بأليافٍ خشبية يابسة (حلفات) يسيل عليها الماء ليرطبها فينبعث الهواء بارداً مُنعشاً يسر النفوس ويُطيّب الأنفاس.

كانت محطة الباصات المركزية تزدحم بالناس المنتظرين (الريم) الملقبة بصديقة الجنود والطلبة وهي سيارة باص سعة 44 راكب تجميع عراقي بمحرك وشاصي (سكانيا) سويدي.

كانت الأجرة فيها أرخص بكثير من غيرها، ولزحمة في دخول الناس من باب الباص فأُضطر أبي (القوي والطويل) إضطرار غير باغٍ ولا معتدي أن يرفعني ويُدخلني لأجلس بأحد المقاعد من احدى فتحات الشبابيك في المنتصف حيث لم تكن ثقافة الاصطفاف بطابور (منتظم ومحترم) موجودة، ولا زالت مفقودة.

جَلَس بقربي رجل كبير السن دون اكتراثٍ لكلامي أن المقعد الجالس عليه محجوز لأبي القادم من وسط اكوام الناس، حيث كان صامتاً شامخاً صابراً.

وإذا كان كلما كبر الأنسان زادت حكمته وقلّ خطائه وكَثُر صبره فقد واصلت الحديث بما يجيده الأطفال من إصرار في (الإلحاح) حتى اقتنع الرجل أن فعلاً ليَ (أب) وأن مقعده الجالس عليه هو مقعده المفترض، حيث اعتمد الرجل على حكمته وقلة خطائه وكثره صبره في تمييز حرص نظرات ابي القادم تجاهي أنه (أب) وأنا ابنه فقام الرجل مهزوماً من مقعده منزعجاً متذمراً مستغنياً عن حكمته وقلة خطائه وكثرة صبره إذ رَمَقَني بعينين حمراوين غاضبتين وهو مطبقٌ حاجبيه وصاكاً على اسنانه وعضلات فكيه بارزة متشنجه ويتمتم بكلماتٍ متذمراً منزعجاً حانقاً لاعناً الدنيا والحظ العاثر وشملني بِلَعنهِ الطويل ولم يكن احد يجرأ على وصل اللعن للدولة والنظام الحاكم فلذلك كانت تطير الرقاب، فأكتفى بوصل اللعن لي فقط.

ولكوني مؤدباً فلم أرُد عليه، كنت امزح فقط، فقد كنت (مطنش)، فأولاً واخيراً أنا المنتصر، فأنا جالسٌ بمقعدٍ وواضع يدي على مقعدٍ اخر وهو منصرف لا مقعد له. (من يضحك اخيراً يضحك كثيراً).

قبل أن يتحرك الباص عرفنا انه متوجه لمحافظة (بغداد) وليس لمحافظة (كربلاء) فكل الأمر أن هنالك أحد المنتظرين صاح أن هذا الباص لمحافظة (كربلاء) فتراكضت الناس تجاهه بناءاً على استنتاج احد المجهولين من الناس.

هذا هو اثر الشائعات المدمر يا سادة.

تركنا المقعدين فارغين ونزلنا من الباص وشاهدت الرجل صاحب المقعد وكنت انظر له بكل براءة (مصادفة) فرأيته مبتسماً وهو يرمقني بنظرة فَرِحة وابتسامة عريضة بان منها صفار اسنانه وانا الممحو الأبتسامة والمنزعج جداً.

هل قلت (من يضحك اخيراً يضحك كثيراً)؟!

لم اكن افكر في لعن الدنيا والحظ العاثر وأكيداً لم اكن افكر في لعن هذا الرجل الكبير، فأخذني أبي ليشتري لي علبة (بسكت) و(بطل) عصير بارد فعادت الأبتسامة مشرقة على وجنتيّ.

لا يوجد منتصر الان، فكِلانا ضحك مرة وانزعج مرة وكِلانا لا مقعد لنا.

الجميل في كل هذا أن كنت يومها أتصور ذلك موقفاً مضحكاً رغم أن أبي بانت على ملامحه التعب والاجهاد وتلألأ العرق على جبهته ومن ثم سال نضّاحاً.

طال انتظار الباص وفجأة توقف أمامنا مباشرة باص من داخله صوتاً يصرخ بأعلى ما عند (السواق) من صوت وبترديد كثير وسريع (كربلة كربلة كربلة) (كربلة طالع كربلة) (كربلة = كربلاء).

هذا ما يسمى (رزقك لباب بيتك).

ابتسم ابي بوجهي فمقعدين داخل الباص لنا دون عناء وتدافع الذي صرنا فقط نشاهده بوجوه بقية الناس المتدافعين.

تحرك الباص وكان مقعدي قرب النافذة وظل ابي جالساً ساكتاً مبتسماً قبل أن تطير ابتسامته عندما صاح السائق بنفس علو صوته السابق معلناً تسعيرة الاجرة وكانت مرتفعة كما يبدو حيث استغل السائق (قلة العرض وزيادة الطلب) فما كان من جميع الناس سوى الموافقة مرغمين مضطرين رغم رفع سعر (الكروة).

تركت جمهور بقية الركاب المنزعجين على هذه الحال وهم يتذمرون (بهمس) مع بعضهم البعض مخافة أن يسمعهم السائق ذو الصوت العالي والشارب العريض فيستدير بالباص ليرجع الناس للمحطة.

كان أبي المسكين ساكت لا يجد من يتذمر معه حول مصيبة استغلال السائق لهم، فقد كنت مشغولاً أمتع ناظريّ بالتأمل بمناظر الطريق والهواء من النافذه يداعب وجهي وانا اتناول (البسكت) و(العصير) الذي اشتراه لي والدي.

العيش ببساطة وسلام هو عزة نفس.

العيش بعزة نفس وبحلال هو كرامة.

العيش ببساطةٍ وسلامٍ وعزة نفسٍ وحلالٍ وبكرامة سيجعل ضميرك مرتاحاً بلا شك.

لماذا يجعل البعض من مشاهير قدوة لهم رغم شاسع الفرق؟!

كل إنسان عادي لابد أن تكون فيه خصلة وموقف وكلمة تستحق أن تأخذها قدوة.

انا من ضمن (قدواتي) الكثيرة أبي، رجل بسيط ومدبر ولا يتدخل فيما لا يعنيه ولا ينافق ولا يتملق.

انا احب ان اكون عادياً لأعيش طبيعياً ولا أريد أن أقتفي اثر المشاهير بأمراضهم النفسية وعقدهم اليومية والابتسامة (البلاستيكية) المزيفة لغرض التقاط الصور والشهرة وادمان الظهور للعلن ليبين انه (شخصية بارزة) والخفايا القذرة والنفس الاكثر قذارة التي قادت للشهرة الجميلة (المزعومة).

انا لي حياتي حياة واحدة وأريد بها بكل بساطة أن (أعيش بكرامة) و(أتونس) بلا تعقيدات.

من أروع كتب السيرة الذاتية كتاب (الايام) لطه حسين واجمل ما فيه الجزئين الأولين حيث يصف بهما حياته اليومية في بيت ابيه وفقدان بصره وبداية دراسته بالازهر الشريف. ولكن تقل متعة القراءة متى ما يتحول في الجزء الثالث والاخير ليتحدث عن شهرته وسَفَرِه لمدينة (مونبيلييه) الفرنسية بعدما اشتهر ورحلة حصوله على الدكتوراة.

تم تصوير مسلسل (الأيام) في ثلاثة عشر حلقة سنة 1979 معتمدين نص المذكرات وكان قد ادى دور طه حسين الممثل العبقري المرحوم (احمد زكي) الذي تقمص دور طه حسين وكأنه هو.

نفس المتعة تجدها بكتاب السيرة الذاتية لناشط المطالبة بحقوق السود بأمريكا (مالكولم اكس) ونفس المتعة تجدها بالفلم الذي اخرجه الرائع (سبايك لي) عن مذكرات (مالكولم اكس) بفلم حمل نفس الأسم بطولة الممثل الأروع (دينزيل واشنطون) حيث البساطة والصدق في وصف انسان عادي يقاوم مصاعب الحياة وظلم النظام السياسي ليعيش بكرامة ويستمتع بحياته.

كذلك المتعة تجدها معفرة بطيب رائحة (الناصرية) وذكرى العراق وحياة الغربة بكتاب السيرة الذاتية لأبن الناصرية الأديب (صلاح نيازي) (غصن مطعّم بشجرة غريبة). حيث البساطة في ذكر التفاصيل كأنك تقرأ لنفسك أو لأحد تعرفه.

عادياً من العاديين أمثالنا.

البساطة متعة وقيمة انها تصف السواد الاعظم من الناس وتحكي عن حياتهم العادية واحوالهم الأعتيادية.

والدي يصلي لله صلاة عادية ويَعبُده عبادة اعتيادية وكان يعمل بوظيفة عادية وحكمته في حياته اعتيادية بالرضا والقناعة وعدم حشر أنفه في ما لا يعنيه فرحاً بما عنده ويأكل ما هو موجود ولا يتذمر. مدبراً في ماله ومصروفاته ولا يبذر ابداً ربما لعلمه أن المبذرين كانوا اخوان الشياطين.

ربما لعلمه أن النعمة العادية هبة غالية من ربٍ عادلٍ وينبغي شكره عليها والتصرف بها بحكمة.

لم اسمعه كثيراً يجهر باسم الله قبل الطعام وإنما سمعته في أحيان كثيرة يجهر بحمد الله إيذاناً منه أنه انهى طعامه وشبع حيث كان لا يأكل خارج البيت وعندما يحل وقت الغداء كان الجوع قد اخذ منه مأخذه ينسيه التلفظ باسم الله (لفظاً) ولربما كان يكتفي بشعوره بالله في ضميره.

الله في الضمير وفي صفاء الروح النية وحُسن التصرفات وليس الله كلمات مزركشة وخطابات أكثر زركشة ومظهر خارجي مزركش.

وليس احداً مُلزماً بتعريف الاخرين بحبه لله وليس هنالك مُتصرفاً بأسم الله لتسجل عنده موقفك اليومي مع الله، فالله ينظر لحُسن التصرفات وصفاء الروح والنية التي هي أمرٌ من أمور الله الخاصة.

يقول سبحانه: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً). الاسراء 84-85.

ذكريات من والدي ج3 / حيدر محمد الوائلي
ذكريات من والدي ج1 / حيدر محمد الوائلي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 04 كانون1 2020

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الإثنين، 26 تشرين1 2020
  170 زيارة

اخر التعليقات

زائر - أبو فهد الإمارات تتكلم على المكشوف / الدكتور: سالم بن حميد
03 كانون1 2020
موضوع دفين بالحقد على الدين الإسلامي وليس على السعوديه.. سبحان الله ال...
زائر - مغتربة مدينة الفهود : المشاكسة..و..العطاء / عكاب سالم الطاهر
16 تشرين2 2020
استاذ عكاب سلام عليكم هل ممكن التواصل معكم عبر الهاتف او البريد الالك...
زائر - ألعارف الحكيم مدرس الجغرافية..القادم من الانبار :عبد خليل الفضلي / عكاب سالم الطاهر
15 تشرين2 2020
ماذا تحقق في العراق تحت ظل نظام البعث؟ ماذا تحقق على المستوى الفكري و ...

مقالات ذات علاقة

متلازمة داون اضطراب ورثي يسببه الانقسام غير الطبيعي في الخلايا مما يؤدي إلى زيادة النسخ ال
19 زيارة 0 تعليقات
قال المفكر والعالم الانثروبولوجي التونسي "يوسف الصديق" والمتخصص في انثروبولوجيا القرآن، في
58 زيارة 0 تعليقات
الكورد الفيليون احد مكونات الشعب العراقي ويمتد سكنهم في مناطق شرق دجلة بمدنه المختلفة مثل
59 زيارة 0 تعليقات
هو الذي نعيشه اليوم هو العالم المليء بالطموحات والامال التي ننشدها هي اضغاث احلام غدت وسيل
54 زيارة 0 تعليقات
في وقت تصدر بيانات الادانة والتنديد لاتفه الأسباب ما دامت تتفق مع ميول تيجان الرؤوس في جاه
50 زيارة 0 تعليقات
تتحدث التقارير الواردة من واشنطن أن ترامب بدأ تحركات وصفت بالجنونية لتوجيه ضربة ضد إيران،
48 زيارة 0 تعليقات
بين فترة وأخرى يرفدنا الزميل العزيز مهدي صالح دهيوش السلماني (سلمه الله وأعلى شأنه ودام ظل
40 زيارة 0 تعليقات
قبل أيام مر علينا اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة الذي يصادف 25 نوفمبر من كل عام،
64 زيارة 0 تعليقات
ومن محاسن المكوث في البيوت، التزاماً بأوامر الحكومة، أن تتفرج على أفلام كثيرة فاتتك في وقت
55 زيارة 0 تعليقات
غسلت شوارع ساحة التحرير من دماء كانت زكيه ومازال اصواتهم تصرخ نريد وطن ..فاين الوطن الذي ط
69 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال