الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

14 دقيقة وقت القراءة ( 2837 كلمة )

بناء دولة أم بناء أمة؟ / الدكتور نعمة العبادي

بقلم الدكتور نعمه العبادي مدير المركز العراقي للبحوث والدراسات
تزايد الاهتمام بسؤال (كيف نحكم؟),بحيث أصبح جدلا شعبيا ونخبويا،وأخذت الإجابات عنه تأخذ طريقا نقديا يواجه الصورة المعاشة في واقعنا من نماذج حكم وأحيانا قليلة تمثل مفتاحا لرؤية تصحيحية تقبل بالواقع بالجملة ولكنها تختلف في التفاصيل وتطرح مسارات للتصحيح ونماذج من الحلول تراها من زاويتها الأسلم في إطار جواب سؤال :كيف نحكم؟
لا يوجد شعب بالعالم يتحدث عن السياسة والسياسيين والحكم وشؤونه والسلطة ومحاسنها ومساؤها أكثر من (عراقيي ما بعد نيسان 2003)، حتى صار الحديث والجدل السياسي عند البعض هواية أو تسلية أو الموضوع الذي يسد فراغات الوقت عندما  تنتهي موضوعات النقاش محل الاهتمام.
رغم أن هذا الجدل لم يجري موجها في غالب الأحيان، إلا انه أثرى الوعي السياسي المجتمعي وخلق مزيد من الشفافية والانكشاف، وأحيانا شكل عنصر ممانعة ولو بنسبة ما أمام الانحراف والفساد والزلل من قبل أهل السلطة وقوامها، إلا أن الجرة لا تسلم دائما فقد يكون مفتاحا لتدافع في الرؤية أو شرارة لتصعيد هنا أو هناك وقد يصل في الحالات السيئة إلى فتنة غير هينة الشرور.
مهما يقال عن هذا الجدل في صورته التلقائية يبقى حالة أو ظاهرة خارجة عن التوجيه الصارم وغير منظورة كأداة لنتاج نوعي في مجال البحث عن المخارج والحلول،إلا أن المشكلة الخطيرة أن يصبح هذا الموديل نسقا بحثيا أو نمطا نقاشيا في أروقة الدوائر التي ينبغي عليها أن تبحث بجد عن الحلول مما يعطي تصورا سلبيا عنها ويجعلها ليست أحسن حالا من نقاش الباحات والشوارع العامة والجدل في سيارات النقل العام ولا تكون ميزتها إلا في هيئة المتحدثين وترتيب المكان وجماليته.
اعتقد أن جملة كبيرة من الإشكاليات في فروع المعرفة المختلفة تبقى تدور في شرنقة مغلقة وحيرة من عدم الوصول إلى نهايات واضحة ونتائج مقبولة بسبب عدم قدرة الباحثين في حالاتها عن تلخيص تلك الإشكاليات في أسئلة حفرية معرفية تصوغ موضع العقدة بشكل يفتح المجال واسعا للبحث وتوليد المعرفة ،ولذلك يقال أن أهمية المفكر تكمن في قدرته على تصور الإشكاليات والعقد المعرفية والحاجات الواقعية وحتى الاحتمالات وتحويلها إلى أسئلة تلامس العمق وتغور بحثا عن الحقائق، وقد يجيب عنها بأجوبة خاطئة إلا أن فضيلته تبقى محفوظة في إثارته للسؤال الصحيح الذي يوجه بوصلة النقاش.
انطلاقا من هذه المقدمة وفي أطار توجيه بوصلة البحث عن حلول للمشكلة العراقية في الأروقة المختصة ، تأتي هذه المناقشة التي قد تكون اقرب إلى الحقل المعرفي منه إلى الإجرائي، لذا أرى إننا ينبغي أن نفرغ من إجابة هذا السؤال: هل نحن في أزمة بناء دولة أم بناء امة؟
ربما يأتي الجواب إننا اليوم بصدد الحديث عن المجتمع التعددي ،وقبول التعددية شرطا لازما لقبول الديمقراطية ,وان الحديث عن الأمة بمفهومها المتجانس ولى مع أنموذج الدولة القومية التي استهلكت أحزابها وحركاتها  الشعوب بالدعوة إليه وإقحامها فيه دون أي جدوى، بل كان النموذج دولا محكوما بأنظمة قاهرة ترتكز على العسكر أو الأيدلوجيات الشمولية، وأنها وبحجة مقولة الأمة الواحدة سحقت مكونات دولها وأجبرتها على الانصهار في قوالب ثقافية وفكرية واجتماعية وحتى دينية ضيقة وقسرية ،وكان ذلك سببا رئيسا لانفجار غير متناهي الأطراف لهذه الشعوب، لذا يغدو السؤال عن بناء الأمة ممنوعا في هذه الأيام بناء على هذا الفهم.
يستمر هذا الفهم في بيان ما هو المناسب للأوطان ذات التعددية العرقية والمذهبية والدينية والثقافية كالعراق ،بان تكون دولة المواطنة هي الحل الناجع التي تعني أن تكون المواطنة هي مناط الحقوق والواجبات ،وان المواطنة فرد أوحد غير قابل للتعدد والتنوع ،وان التنوع لا يتقاطع مع المواطنة التي تعني إطارا أعلى للانتماء تحيط بالاختلافات وتنظمها وتستوعبها في صورة كلية يمتزج فيها الكل دون أن تكون ممثلة للون أو اتجاه محدد.
انطلاقا من هذا الفهم نغدو أمام استحقاق واضح وواحد وهو بناء الدولة القائمة على المؤسسات والمرتكزة على المواطنة في مجال الحقوق والواجبات وهو ما جرى ويجري الحديث عنه يوميا في المحافل الشعبية والنخبوية منذ نيسان 2003،إلا أننا نتجه في هذه المقاربة إلى فهم آخر ورؤية مختلفة.
لا إشكال في أننا إذا استطعنا الوصول إلى مجتمع المواطنين وأصبحت قوانين الدولة العراقية وتشريعاتها وتطبيق هذه القوانين يقوم على أساس المواطنة (الواحدة الموحدة)، فان مشكلتنا انتهت وان حالنا صار بأحسن الأحوال ،إلا أن الواقع يشي بخلاف ذلك ، فما زلنا بين أزمة وأزمة نعيش أزمة أصعب من أختها على الرغم من تطور مشروع بناء الدولة خطوات كبيرة،فبالرغم عن كل ما يقال عن مؤسسات الدولة فإن الواقع يؤكد وضعا مؤسسيا لا بأس به بالقياس إلى حجم التحديات ،لكن ومع هذا الوضع تتفجر أزمات مختلفة التوصيفات لكن جوهرها يرجع إلى أزمة الثقة بين المكونات والأطياف السياسية وتشي بوضح بالحاجة إلى بناء امة ،أي تحدي بناء مجتمع.
قد يكون التحليل السابق بنظر البعض مازال في إطار العموميات رغم أنها من وجهة نظري في قلب الحدث، لذلك لنقترب أكثر إلى تطبيقاته الواقعية من خلال ملامسة الأزمة الحالية المتعلقة بنائبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.
لابد أن نضع الأزمة في سياقها الطبيعي فهي إفراز لطبيعة العلاقة المحتقنة والمشدودة بين دولة القانون والقائمة العراقية واللتان تعبران في جوهرهما وبكل صراحة عن علاقة مشدودة ومتوترة بين المكونين (الشيعي) و(السني) ،مع القطع بان القائمتين ليستا الممثل الوحيد عن كلا المكونين ولا هما اللسان الناطق باسمهما ولكن بقدر لا باس به تعبران عن الموقف العام لكلا المكونين. ومن اجل ألا تختلط الأوراق أو يتم فهم التوصيف خطئا فأنا لا اعني هنا أن قضية السيد الهاشمي والمطلك هما صراع مذهبي وليس ورائها أسباب جوهرية تتعلق بنوع القضيتين, وما اقصده هنا، أن فهم الأزمة وطريقة التعاطي معها وتعدد وجهات النظر بشأنها وقد يكون دوافع الفعل لا حد طرفي الأزمة أو كليهما ترجع قهرا إلى جذرها الراسخ في قلب الأزمات العراقية والمتمثل بأزمة الثقة بين المكونات وعدم اليقين النفسي بحق الشراكة المتساوية في السلطة والحكم.
لقد فشل السنة طيلة ثمانين عاما أو أكثر في بناء الدولة ، فعلى الرغم من أشكالها المختلفة (ملكية وجمهورية) ،ومنطلقاتها المتعددة (استيراد من خارج الحدود،خلافة ملكية، انقلاب جمهوري، انقلاب على انقلاب)، وطبيعة الأشخاص الذين تسنموا سدة الحكم (ملوك ورؤساء)، واختلاف مناحي ولائاتها إلى الخارج( تحت الرعاية البريطانية،صديق حميم للاتحاد السوفيتي،حليف خفي للغرب والولايات المتحدة)،فإنها كانت ضيقة المقاس ولم تستوعب أبناء الوطن ومكوناته الرئيسة مما حدا بالشيعة والكورد بالاحتفال بسقوطها ، وكيف لا يكون ذلك وهي تستكثر على مكون ضعيف مثل جماعة الشبك أن تصنفهم من المسلمين وقد صنفتهم في تعداد عام 1947 وعام 1954 من غير المسلمين، وعلى مثل هذا فقس.
إن سلوك السنة درسا بليغا لمن يأتي من بعدهم ،وأخشى أن يقع من يخلفهم بنفس الفخ الذي وقعوا فيه ،فيراهنوا على بناء الدولة دون الاهتمام ببناء الأمة ونعود إلى الدوامة السابقة حيث يضيع الجهد والوقت ولا ندري أي من العراقيين تدور عليهم الدائرة ،ثم نحلم بوطن جديد من جديد.
لقد نفينا أن تكون هذه الأمة المراد بنائها هي امة المشروع القومي السيئ الصيت والأثر، وإنما حالة يصل عندها المجموع المختلف ببعض خصوصياته إلى يقين طوعي أنهم يملكون اهتمامات مشتركة وأخطار وتحديات واحدة ومسؤوليات واحدة تؤهلهم للاجتماع في بقعة واحدة وتحت مظلة حكم واحد بحيث يتشاطرون الحقوق والواجبات على حد سواء ، وان اختلافاتهم في الخصوصية لا تعني خلافهم ، وإن خلافهم منطلقا ومنتهى يدور في فلك مصلحة المجموع وبناء حاضرهم ومستقبلهم، وهي حالة يعترف بها المختلفون بحق بعضهم على البعض بالحماية والمؤازرة والعيش الكريم وإنهم شركاء على حد سواء دون تمييز أو خصوصيات استعلائية.
إن أول  ما ينبغي الانطلاق منه للسير في هذا الطريق (بناء الأمة)، معالجة إشكالية الذاكرة الرسمية والصيرورة إلى ذاكرة ايجابية جمعية اجتماعية لا تنكسر في انحناءات الماضي ولا تعيش النكسة مع هزائمه ، كما أنها لا تغفل ولا تستغفل عن حقائقه ووقائعه ، لكنها لا تمتصها مندمجة ، بل تعيد تمثيلها من خلال تفكيكها إلى عناصرها الأساس : ( حقوق ، جزاءات).
إن الحديث عن بناء الأمة لا بد أن يمر من بوابة الاعتراف من قبل الشيعة بأنهم مؤمنون بحق السنة في العيش في هذا البلد كشركاء متساوون في الحقوق ،و لا بد للسنة أن يقروا بطواعية ،أن الشيعة هم المكون الأكبر في البلد وأنهم لم ينالوا حقوقهم المشروعة طيلة الأزمان السابقة وان وطنيتهم لا خدشه فيها وأنهم أهل العراق وأصحابه وليس لأحد قيمومة في توزيع الهوية العراقية على هذا ومنعها من ذاك ،وكذلك لا بد لهم أن يقروا طواعية ويعملوا عليه ، وهو أن النظام الجديد ليس انقلابا على سلطتهم أو ملكهم أو سلبا لحق مشروع لهم وإنما هو محاولة ايجابية وخطوة في الطريق الصحيح لاعتدال ميزان الحقوق وإنصاف المظلومين ، وإن شابته بعض النواقص ،فالحل في تصحيحها وتقويمها وليس بالدعوة إلى العودة إلى الوراء أو التباكي على الماضي البغيض أو بالعمل بالخفاء لإجهاض هذا الانجاز.
لا بد أن تظهر كل الأطراف أن مشروعها الحقيقي في العراق وليس خارجه وان ضابط بوصلتها المصلحة العراقية وليس مصالح الغرباء ، وان العراقيين مهما كانت صفتهم أولى بجهد المسؤول الحكومي والسياسي العراقي ممن يعيشون خارج الحدود.
قد يتم تجاوز الأزمة الحالية بطريقة بوس اللحى أو تبادل الصفقات ،كما تم تمرير سابقاتها إلا أنه ليس الحل الصحيح ،فجذور التأزيم باقية وسوف تفجر ألف أزمة وأزمة ما لم يصار إلى مشروع بناء الأمة بالكيفية التي تحدثنا عنها.
المفكرون والمثقفون والنخب بمختلف تخصصاتها معنية ببناء الأمة قبل السياسيين، وأن خارطة طريق للحل جديدة لا بد من الصيرورة إليها وإلا سيبقى الدم العراقي مستباحا بين الفينة والأخرى.

تزايد الاهتمام بسؤال (كيف نحكم؟),بحيث أصبح جدلا شعبيا ونخبويا،وأخذت الإجابات عنه تأخذ طريقا نقديا يواجه الصورة المعاشة في واقعنا من نماذج حكم وأحيانا قليلة تمثل مفتاحا لرؤية تصحيحية تقبل بالواقع بالجملة ولكنها تختلف في التفاصيل وتطرح مسارات للتصحيح ونماذج من الحلول تراها من زاويتها الأسلم في إطار جواب سؤال :كيف نحكم؟

لا يوجد شعب بالعالم يتحدث عن السياسة والسياسيين والحكم وشؤونه والسلطة ومحاسنها ومساؤها أكثر من (عراقيي ما بعد نيسان 2003)، حتى صار الحديث والجدل السياسي عند البعض هواية أو تسلية أو الموضوع الذي يسد فراغات الوقت عندما  تنتهي موضوعات النقاش محل الاهتمام.

رغم أن هذا الجدل لم يجري موجها في غالب الأحيان، إلا انه أثرى الوعي السياسي المجتمعي وخلق مزيد من الشفافية والانكشاف، وأحيانا شكل عنصر ممانعة ولو بنسبة ما أمام الانحراف والفساد والزلل من قبل أهل السلطة وقوامها، إلا أن الجرة لا تسلم دائما فقد يكون مفتاحا لتدافع في الرؤية أو شرارة لتصعيد هنا أو هناك وقد يصل في الحالات السيئة إلى فتنة غير هينة الشرور.

مهما يقال عن هذا الجدل في صورته التلقائية يبقى حالة أو ظاهرة خارجة عن التوجيه الصارم وغير منظورة كأداة لنتاج نوعي في مجال البحث عن المخارج والحلول،إلا أن المشكلة الخطيرة أن يصبح هذا الموديل نسقا بحثيا أو نمطا نقاشيا في أروقة الدوائر التي ينبغي عليها أن تبحث بجد عن الحلول مما يعطي تصورا سلبيا عنها ويجعلها ليست أحسن حالا من نقاش الباحات والشوارع العامة والجدل في سيارات النقل العام ولا تكون ميزتها إلا في هيئة المتحدثين وترتيب المكان وجماليته.

 اعتقد أن جملة كبيرة من الإشكاليات في فروع المعرفة المختلفة تبقى تدور في شرنقة مغلقة وحيرة من عدم الوصول إلى نهايات واضحة ونتائج مقبولة بسبب عدم قدرة الباحثين في حالاتها عن تلخيص تلك الإشكاليات في أسئلة حفرية معرفية تصوغ موضع العقدة بشكل يفتح المجال واسعا للبحث وتوليد المعرفة ،ولذلك يقال أن أهمية المفكر تكمن في قدرته على تصور الإشكاليات والعقد المعرفية والحاجات الواقعية وحتى الاحتمالات وتحويلها إلى أسئلة تلامس العمق وتغور بحثا عن الحقائق، وقد يجيب عنها بأجوبة خاطئة إلا أن فضيلته تبقى محفوظة في إثارته للسؤال الصحيح الذي يوجه بوصلة النقاش.

انطلاقا من هذه المقدمة وفي أطار توجيه بوصلة البحث عن حلول للمشكلة العراقية في الأروقة المختصة ، تأتي هذه المناقشة التي قد تكون اقرب إلى الحقل المعرفي منه إلى الإجرائي، لذا أرى إننا ينبغي أن نفرغ من إجابة هذا السؤال: هل نحن في أزمة بناء دولة أم بناء امة؟

ربما يأتي الجواب إننا اليوم بصدد الحديث عن المجتمع التعددي ،وقبول التعددية شرطا لازما لقبول الديمقراطية ,وان الحديث عن الأمة بمفهومها المتجانس ولى مع أنموذج الدولة القومية التي استهلكت أحزابها وحركاتها  الشعوب بالدعوة إليه وإقحامها فيه دون أي جدوى، بل كان النموذج دولا محكوما بأنظمة قاهرة ترتكز على العسكر أو الأيدلوجيات الشمولية، وأنها وبحجة مقولة الأمة الواحدة سحقت مكونات دولها وأجبرتها على الانصهار في قوالب ثقافية وفكرية واجتماعية وحتى دينية ضيقة وقسرية ،وكان ذلك سببا رئيسا لانفجار غير متناهي الأطراف لهذه الشعوب، لذا يغدو السؤال عن بناء الأمة ممنوعا في هذه الأيام بناء على هذا الفهم.

يستمر هذا الفهم في بيان ما هو المناسب للأوطان ذات التعددية العرقية والمذهبية والدينية والثقافية كالعراق ،بان تكون دولة المواطنة هي الحل الناجع التي تعني أن تكون المواطنة هي مناط الحقوق والواجبات ،وان المواطنة فرد أوحد غير قابل للتعدد والتنوع ،وان التنوع لا يتقاطع مع المواطنة التي تعني إطارا أعلى للانتماء تحيط بالاختلافات وتنظمها وتستوعبها في صورة كلية يمتزج فيها الكل دون أن تكون ممثلة للون أو اتجاه محدد.

انطلاقا من هذا الفهم نغدو أمام استحقاق واضح وواحد وهو بناء الدولة القائمة على المؤسسات والمرتكزة على المواطنة في مجال الحقوق والواجبات وهو ما جرى ويجري الحديث عنه يوميا في المحافل الشعبية والنخبوية منذ نيسان 2003،إلا أننا نتجه في هذه المقاربة إلى فهم آخر ورؤية مختلفة.

لا إشكال في أننا إذا استطعنا الوصول إلى مجتمع المواطنين وأصبحت قوانين الدولة العراقية وتشريعاتها وتطبيق هذه القوانين يقوم على أساس المواطنة (الواحدة الموحدة)، فان مشكلتنا انتهت وان حالنا صار بأحسن الأحوال ،إلا أن الواقع يشي بخلاف ذلك ، فما زلنا بين أزمة وأزمة نعيش أزمة أصعب من أختها على الرغم من تطور مشروع بناء الدولة خطوات كبيرة،فبالرغم عن كل ما يقال عن مؤسسات الدولة فإن الواقع يؤكد وضعا مؤسسيا لا بأس به بالقياس إلى حجم التحديات ،لكن ومع هذا الوضع تتفجر أزمات مختلفة التوصيفات لكن جوهرها يرجع إلى أزمة الثقة بين المكونات والأطياف السياسية وتشي بوضح بالحاجة إلى بناء امة ،أي تحدي بناء مجتمع.

قد يكون التحليل السابق بنظر البعض مازال في إطار العموميات رغم أنها من وجهة نظري في قلب الحدث، لذلك لنقترب أكثر إلى تطبيقاته الواقعية من خلال ملامسة الأزمة الحالية المتعلقة بنائبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

 لابد أن نضع الأزمة في سياقها الطبيعي فهي إفراز لطبيعة العلاقة المحتقنة والمشدودة بين دولة القانون والقائمة العراقية واللتان تعبران في جوهرهما وبكل صراحة عن علاقة مشدودة ومتوترة بين المكونين (الشيعي) و(السني) ،مع القطع بان القائمتين ليستا الممثل الوحيد عن كلا المكونين ولا هما اللسان الناطق باسمهما ولكن بقدر لا باس به تعبران عن الموقف العام لكلا المكونين. ومن اجل ألا تختلط الأوراق أو يتم فهم التوصيف خطئا فأنا لا اعني هنا أن قضية السيد الهاشمي والمطلك هما صراع مذهبي وليس ورائها أسباب جوهرية تتعلق بنوع القضيتين, وما اقصده هنا، أن فهم الأزمة وطريقة التعاطي معها وتعدد وجهات النظر بشأنها وقد يكون دوافع الفعل لا حد طرفي الأزمة أو كليهما ترجع قهرا إلى جذرها الراسخ في قلب الأزمات العراقية والمتمثل بأزمة الثقة بين المكونات وعدم اليقين النفسي بحق الشراكة المتساوية في السلطة والحكم.

لقد فشل السنة طيلة ثمانين عاما أو أكثر في بناء الدولة ، فعلى الرغم من أشكالها المختلفة (ملكية وجمهورية) ،ومنطلقاتها المتعددة (استيراد من خارج الحدود،خلافة ملكية، انقلاب جمهوري، انقلاب على انقلاب)، وطبيعة الأشخاص الذين تسنموا سدة الحكم (ملوك ورؤساء)، واختلاف مناحي ولائاتها إلى الخارج( تحت الرعاية البريطانية،صديق حميم للاتحاد السوفيتي،حليف خفي للغرب والولايات المتحدة)،فإنها كانت ضيقة المقاس ولم تستوعب أبناء الوطن ومكوناته الرئيسة مما حدا بالشيعة والكورد بالاحتفال بسقوطها ، وكيف لا يكون ذلك وهي تستكثر على مكون ضعيف مثل جماعة الشبك أن تصنفهم من المسلمين وقد صنفتهم في تعداد عام 1947 وعام 1954 من غير المسلمين، وعلى مثل هذا فقس.

إن سلوك السنة درسا بليغا لمن يأتي من بعدهم ،وأخشى أن يقع من يخلفهم بنفس الفخ الذي وقعوا فيه ،فيراهنوا على بناء الدولة دون الاهتمام ببناء الأمة ونعود إلى الدوامة السابقة حيث يضيع الجهد والوقت ولا ندري أي من العراقيين تدور عليهم الدائرة ،ثم نحلم بوطن جديد من جديد.

لقد نفينا أن تكون هذه الأمة المراد بنائها هي امة المشروع القومي السيئ الصيت والأثر، وإنما حالة يصل عندها المجموع المختلف ببعض خصوصياته إلى يقين طوعي أنهم يملكون اهتمامات مشتركة وأخطار وتحديات واحدة ومسؤوليات واحدة تؤهلهم للاجتماع في بقعة واحدة وتحت مظلة حكم واحد بحيث يتشاطرون الحقوق والواجبات على حد سواء ، وان اختلافاتهم في الخصوصية لا تعني خلافهم ، وإن خلافهم منطلقا ومنتهى يدور في فلك مصلحة المجموع وبناء حاضرهم ومستقبلهم، وهي حالة يعترف بها المختلفون بحق بعضهم على البعض بالحماية والمؤازرة والعيش الكريم وإنهم شركاء على حد سواء دون تمييز أو خصوصيات استعلائية.

إن أول  ما ينبغي الانطلاق منه للسير في هذا الطريق (بناء الأمة)، معالجة إشكالية الذاكرة الرسمية والصيرورة إلى ذاكرة ايجابية جمعية اجتماعية لا تنكسر في انحناءات الماضي ولا تعيش النكسة مع هزائمه ، كما أنها لا تغفل ولا تستغفل عن حقائقه ووقائعه ، لكنها لا تمتصها مندمجة ، بل تعيد تمثيلها من خلال تفكيكها إلى عناصرها الأساس : ( حقوق ، جزاءات).

 إن الحديث عن بناء الأمة لا بد أن يمر من بوابة الاعتراف من قبل الشيعة بأنهم مؤمنون بحق السنة في العيش في هذا البلد كشركاء متساوون في الحقوق ،و لا بد للسنة أن يقروا بطواعية ،أن الشيعة هم المكون الأكبر في البلد وأنهم لم ينالوا حقوقهم المشروعة طيلة الأزمان السابقة وان وطنيتهم لا خدشه فيها وأنهم أهل العراق وأصحابه وليس لأحد قيمومة في توزيع الهوية العراقية على هذا ومنعها من ذاك ،وكذلك لا بد لهم أن يقروا طواعية ويعملوا عليه ، وهو أن النظام الجديد ليس انقلابا على سلطتهم أو ملكهم أو سلبا لحق مشروع لهم وإنما هو محاولة ايجابية وخطوة في الطريق الصحيح لاعتدال ميزان الحقوق وإنصاف المظلومين ، وإن شابته بعض النواقص ،فالحل في تصحيحها وتقويمها وليس بالدعوة إلى العودة إلى الوراء أو التباكي على الماضي البغيض أو بالعمل بالخفاء لإجهاض هذا الانجاز.

لا بد أن تظهر كل الأطراف أن مشروعها الحقيقي في العراق وليس خارجه وان ضابط بوصلتها المصلحة العراقية وليس مصالح الغرباء ، وان العراقيين مهما كانت صفتهم أولى بجهد المسؤول الحكومي والسياسي العراقي ممن يعيشون خارج الحدود.

قد يتم تجاوز الأزمة الحالية بطريقة بوس اللحى أو تبادل الصفقات ،كما تم تمرير سابقاتها إلا أنه ليس الحل الصحيح ،فجذور التأزيم باقية وسوف تفجر ألف أزمة وأزمة ما لم يصار إلى مشروع بناء الأمة بالكيفية التي تحدثنا عنها.

المفكرون والمثقفون والنخب بمختلف تخصصاتها معنية ببناء الأمة قبل السياسيين، وأن خارطة طريق للحل جديدة لا بد من الصيرورة إليها وإلا سيبقى الدم العراقي مستباحا بين الفينة والأخرى.

 

بقلم الدكتور نعمه العبادي مدير المركز العراقي للبحوث والدراسات

هل من جعجعة لجعجع؟
رؤى مختلفة بعدد زوايا النظر/الدكتور نعمة العبادي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الخميس، 16 تموز 2020

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - حموشي هل يستطيع العراق التلويح بسلاحه الاقتصادي بوجه تركيا؟/ علاء الخطيب
07 تموز 2020
اعتقد ان مناكفة تركيا , لا تستحق مخاطرة بحياة 40 مليون عراقي عن طريق ت...
زائر - عزيز الخزرجي عن بيت العلم للنابهين صدر للأديب العراقي الدكتور نضير الخزرجي كتاب سفر الخلود
04 تموز 2020
بسم الله الرحمن الرحيم: نسأل الله التوفيق لكم و لكل المبدعين لتنوير ال...
زائر - أبو يوسف الجزائري عن بيت العلم للنابهين صدر للأديب العراقي الدكتور نضير الخزرجي كتاب سفر الخلود
29 حزيران 2020
السلام عليكم اللهم صلّ على محمد وآل محمد أحسنتم وفقكم الله
زائر - سمير ناصر طائرة تصوير من الجو تعلن عن ولادة قناة الزميل اسعد كامل
29 حزيران 2020
مبدع .. متجدد .. متحدي .. هكذا هو الزميل والاستاذ اسعد كامل ... مبروك ...
حسين يعقوب الحمداني حياة الفهد من البداية الى" النهاية" ! / سلام مسافر
17 حزيران 2020
تحية طيبة .. ليس مانحتاجه تاريخ وقصص عاطفية لنبرهن للعالم أنسانيتنا في...

مقالات ذات علاقة

عدسات الكاميرات..خلفها فنانين ومبدعين, عملهم وثمرة جهدهم إيقاف لحظات معينة من الزمن,من خلا
54 زيارة 0 تعليقات
يفترض بالتاريخ أن يكون هو الشاهد الحقيقي على حياة الأمم والشعوب وحضاراتها وقيمها وأخلاقها
49 زيارة 0 تعليقات
حامي الداستور طلع بير عمية وشرشور  احبيب مصطفى الكاظمي أضرب بيد من حديد صدك اتوكع
72 زيارة 0 تعليقات
كنا رافعين ايدينا ونقول يارب خلصنا من صدام لكن المشكلة وقعنا باحزاب تتصارع على السلطة ( و
56 زيارة 0 تعليقات
منذ ساعات الصباح الاولى والكهرباء منقطعة, فخرجت للشارع للجلوس ملتمساً بعض الهواء, انه صيف
37 زيارة 0 تعليقات
تعوَّدنا ان نطرح الأفكار المضادة لبعضنا البعض بثنائية الضد النوعي،ونتحمسلرفض الآخر ، باستح
44 زيارة 0 تعليقات
يقول جورج أورويل الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والناهبين والخونة لا يع
46 زيارة 0 تعليقات
المخاوف المتعلقة بالأمن الغذائي العالمي عموما والعربي خصوصا، تتزايد بتزايد عدد الإصابات ال
43 زيارة 0 تعليقات
يا لها من كبوة عظيمة... حينما تستسلم للأكاذيب !  إن عدم القدرة على الكبت ال
58 زيارة 0 تعليقات
يعاني العراق منذ اعوام عديدة من ازمة اجتماعية خطيرة وكبيرة, وقد توسعت جدا حاليا, وهي ارتفا
71 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال