الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

3 دقيقة وقت القراءة ( 541 كلمة )

يوم تفر الرسل / عبد الرازق أحمد الشاعر

ذات قيظ، تسابق نصر الدين جحا مع رفاق له، ولأن الطريق كانت وعرة وطويلة، أجهد المتسابقون حميرهم. فلما رأى الرجل العرق يتفصد من رقبة مركوبه، أمسك اللجام وشده إليه، ثم قفز على ساقين من خجل، وأمسك برأس حماره يجره إليه، ليربت فوق جبينه الأغر، ويمسح بطرف ثوبه ما ند عنه من عرق. كل هذا والرفاق ينظرون إلى جحا وقد فضحت إنسانيته بداوتهم وغلظة أكبادهم. لكنهم استغرقوا في ضحك غير منكور حين وجدوا نصر الدين يقترب بفمه من أذن حماره ليسرّ إليه بحديث لم يتناه إلى أسماعهم.
وبدافع من فضول، سأل الرفاق صديقهم عما أسر به. فأخبرهم جحا أنه كان يسري عن حماره ويعتذر إليه ليهون عليه قلة الزاد وبعد السفر، فاستنكر أحدهم ذلك وقال: "يا جحا، لا تفهم الحمير لغة البشر." فرد جحا: "أفعل ما يتوجب علي فعله كإنسان، فإن لم يفهم الحمار، فهذا شأنه."
لا عذر لمن يتوقفون عن التوجيه في رأي الفيلسوف المهرج، حتى وإن كان المتحدث والمستمع لا يتحدثان اللغة نفسها، ولا يجيد أحدهما النهيق والرفس. فحمق المستمع لا يبرر أبدا سكوت الأنبياء عن تأدية النصح ومسح العرق. صحيح أن الرسل لا يهدون من أحبوا، وصحيح أن الله وحده يهدي من يحب، لكن التخلي عن تأدية واجب التبصير ونشر الوعي هروب غير مشروع إلى متن فلك مشحون متهالك، وهو ما لن يؤدي في النهاية إلى أي بر.
في الآونة الأخيرة، شهدت الساحة الإعلامية والدينية والثقافية هروبا جماعيا من قبل أرباب الفكر والقلم، بعد أن أدركوا في أعماقهم أن لا سبيل إلى إصلاح ما أفسده العطار. ووجدوا في تراثهم الثقافي وموروثهم الديني ما يزهدهم في الظهور على الفضائيات وامتطاء صهوة الوقت. فتركوا الساحة خاوية على ثغائها، وتركوا الدفة والمرساة لأصحاب الفكر السخيف والمتفيقهون، فكانوا كذي النُّون الذي أبق إلى الفلك المشحون، فأعادته الظلمات إلى النور، بعد أن أدرك أن لا ملجأ من الله إلا إليه.
قديما، ظل نوح يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وما آمن معه إلا قليل. واليوم، يريد المفكرون والخطباء والإعلاميون أن يحملهم الناس فوق جماجمهم التي تنز فاقه وجهلا لمجرد خطبة أو مقالة أو حلقة على شاشة قناة مغمورة. ويتصايح هؤلاء وهؤلاء بأن من في أسفل السفينة قد خرقوا في نصيبهم خرقا، فهلكوا وأهلكوا من فوقهم، وما أهلك الناس إلا أمثال هؤلاء الذين يخرون بعد أول هزيمة ويفرون عند أول نزال.
قديما نصح أحد أصدقاء جورج ويتفيلد صاحبه بأن يتقاعد، وأن ينام فوق سرير المرض في انتظار الراحة الكبرى بعد أن أدى - كما يرى - واجبه في توعية الناس وإرشادهم، فما كان من ويتفيلد إلا أن شهق شهقة كادت تطير معها روحه، ثم نظر إلى السماء وقال: "يا إلهي! لقد تعبت في رسالتي، لكنني لم أتعب يوما من رسالتي."
تظل الرسالة حبيبة إلى قلب كل رسول مهما لاقى في سبيلها من عنت، ومهما واجه لأجلها من خصومات. العيب ليس في ثقل الرسالة إذن، وإن كانت لثقيلة، لكن الظلوم الجهول الذي تكفل بحملها بعد أن تقاعست عن حملها السماوات والأرض والجبال، أثبت عبر العصور أنه الأقدر على حملها والقيام بتبعاتها. بيد أن الكثيرين من دعاة اليوم يتخاذلون أمام أبالسة القرون، ويتضعضعون أمام سلطانهم، وكأنهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، أو أنهم اكتفوا من الحياة والأحياء، فتركوا سفن العالم لقباطنة سفهاء يهرفون بما لا يعرفون، ويوجهون العالم إلى خرابه الأخير، وليت لهم بصيرة كبصيرة نصر الدين، وليت لهم قلوبا كقلبه. تقول الحكمة الإنجليزية: "قد يصفك أي صديق بالحمق، لكن الصديق الحق هو الذي يصفك بالحمق ويقف رغم ذلك إلى جوارك."

عبد الرازق أحمد الشاعر

بلاد تحكمها الأساطير / عبد الرازق أحمد الشاعر
نموت جميعا ويحيا الوطن / عبد الرازق أحمد الشاعر

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الإثنين، 25 كانون2 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الثلاثاء، 03 نيسان 2018
  2535 زيارة

اخر التعليقات

زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...
زائر - أبو فهد الإمارات تتكلم على المكشوف / الدكتور: سالم بن حميد
03 كانون1 2020
موضوع دفين بالحقد على الدين الإسلامي وليس على السعوديه.. سبحان الله ال...

مقالات ذات علاقة

إنّه الصديق الراحل (عاطف عباس).. إنسان غير كُلّ النّاسِ.. مُتميزًا ومتفرّدًا بما حَباه الل
207 زيارة 0 تعليقات
بلاد الرافدين تعاني من شح المياه !!‎إنها مفارقة مبكية وتنذر بخطر قادم .. ‎بعضهم المحللين و
2730 زيارة 0 تعليقات
فيها ولد أبو الأنبياء ‎النبي إبراهيم وبها انطلقت حضارة [ العُبيَد ] وعلى ارضها قامت الح
123 زيارة 0 تعليقات
 لم تعد الموضة تقتصر على قصَّات الشعر والملابس والاكسسوارات بل تعدتها الى  الأفك
4873 زيارة 0 تعليقات
" العهر في زمن الدعاة " خارج بناء أسطواني الشكل تقف طفلة كوردية فيلية شبه عارية وبلا ملامح
4406 زيارة 0 تعليقات
الكاتبة سناء حسين زغير   سقط نصف العراق بيد داعش القوات الأمنية انهارت بجميع صنوفها ب
189 زيارة 0 تعليقات
ويبقى العربي الفلسطيني ممتلئا من الروح المقاوم مهما فعلت أبالسة القرن وشياطينه فمكتوب أَنْ
1199 زيارة 0 تعليقات
يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار--- زهرة وأبتسامة وحبتحية أجلال وأكرام وحب وتقدير لتلك
2662 زيارة 0 تعليقات
في البداية اقدم اجمل التهاني وارقها مؤرجة بشذى عطر ورد الياسمين متمنياً للمراة العراقية ال
1167 زيارة 0 تعليقات
1.من الأخطاء الشّائعة القول أنّ الحاكم "ينصح" سرّا وليس جهرا. وكأن انتقاد الحاكم جهرا من ا
320 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال