الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

فضيحة فصيحة / حيدر محمد الوائلي

في أحد الأيام كان هنالك رجل دين بسيط غير معروف إعتاد أن يُلقي محاضرة إرشادية من على منبر مسجدٍ صغير وسط أحد الأحياء السكنية الفقيرة بعد أداء صلاة الجماعة.

صادف في ذلك اليوم وجود رجل دين كبير معروف ذو هيبة ماراً بسيارته فسمع الآذان فتوجه تلقاء مسجد الحي الفقير لأداء فرض الصلاة.

لدى دخوله وقف له الجميع شاقين الصفوف ليتخذوا له مساراً واضحاً لصدر الصف الأول محيين له ومهمهمين بينهم. كان إمام المسجد وخطيبه قد بدأ قبلها بمقدمات الصلاة بمحراب المسجد.

إنتهت الصلاة، فقام رجل الدين (البسيط) (الغير معروف) ليؤدي تحية السلام لرجل الدين (الغير بسيط) (المعروف) الذي بقى جالساً يتظاهر بعدم الأنتباه وبكثرة التسبيح (مظاهر جميلة) حيث كان له أن يحرك جسمه لينهض مبادلاً السلام بأحسن منه، لكن في النفوس خيال وتصورات تُرضي بعض الناس ولا ترضي اخرين.

يبدأ التكبر شعوراً نفسياً يغذيه الأنصار وهوى النفس بمظاهر تعزز من غرورها فيزداد ويزداد مع زيادة الشهرة ومع زيادة الرصيد الأعلامي والألكتروني حتى تصير النفس محاربة للنقد، كارهة للنصيحة، مستنكفة عن بسطاء الناس، راغبة باخرين مميزين وحسب المزاج.

لا تحب هكذا نفس أن تعتذر فدائماً ما يوهم صاحبها نفسه بعدم التقصير وبأنه حتى مع اخطائه فهي خطئ النزر اليسير، مغالطاً الحقائق كذباً وتدليساً كي لا يُسجل للنفس هزيمة فتهتز الصورة المغرورة أمام الناس وأمام صاحب النفس المغرورة نفسها.

بعد الأنتهاء من التحية وكثرة السؤال عن راحته وصحته، فتوجه من عنده تلقاء المنبر جنب محراب الصلاة لألقاء المحاضرة كما جرت العادة، فوقف رجل الدين ذو الهيبة ليسير بضع خطوات معدودة إلى جانب المنبر الأيمن ليتخذ مكانه جالساً، متكئاً على الحائط مستدبراً القبلة مواجهاً بقية وجوه الناس الناظرة.

جرت العادة أن تُفتتح المحاضرة القصيرة عقب الصلاة بآيةٍ من القران الكريم أما تبركاً بها أو لأنها مورد بحث سيأتي شرحه وتفصيله بصورة مبسطة للعامة من الحاضرين.

تلى صاحبنا يومها الآية الثانية من سورة فاطر: (مَا يَفتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

وتعني ببساطة أن مفاتيح الخير والرحمة بيد الله يفتحها ويغلقها بقوة (العزيز) الذي قهر الأشياء كلها وبتصرف (الحكيم) الذي يضع الأشياء مواضعها، وفي النهاية أنما أمره أن يقول للشيء كن فيكون.

أثناء القراءة نسي رجل الدين (البسيط) وربما لتوترٍ من جلوس رجل الدين (المعروف) تحت منبره فأخطأ بقرائته بأن قرأ كلمة (يفتحِ) حيث الحاء في الأية الكريمة مكسورة فقرأها بالفتحة (يفتحَ) وهذا خطأ ممكن تلافيه عند الخوض في الموضوع ولربما سقطت سهواً من عنده، فحتى عامة الناس من الجالسين قد لا يعرفون الفرق بين الفتحة والكسرة في هذه الكلمة ولا يعرفون مغزاها بانتظار الشرح والتفصيل، ومنهم ممن لا يعرف اللغة الفصيحة فينتظرون المحاضرة التي يلقيها عليهم الرجل بصورة مبسطة وبلهجتهم وبطريقة يفهمونها.

على الفور دوى صوت عالٍ من أسفل يمين المنبر أربك الحاضرين مرة وأربك راقي المنبر مرة ومرة!

كان ذاك صوت رجل الدين ذو الهيبة متكلماً جهورياً ليُسمِعَ حضور الناظرين مقاطعاً صاحب المنبر دون إستئذان قائلاً بلغة فصيحة:

(الله يكسر وأنت تفتح)؟!

فما كان من رجل المنبر البسيط وسط الإحراج أمام الناس إلا أن يجيبه بصوتٍ أعلى حيث كان الميكروفون ملامساً لشفتيه قائلاً:

(والله يستر وأنت تفضح)؟!

كانا جوابين. واحدٌ يتمسك بالشكليات والضوابط والمظاهر واخر يتمسك بالأخلاق والتدبر والسرائر.

إن ما يؤمن به قلبي أن جواب القلب والضمير وجمال الذوق والأخلاق هو أكثر حكمة وأدق صواباً من شكليات وإحراجات واهانات بمختلف الحجج.

أستمر الرجل بمحاضرته فعدم الأكتراث و(التطنيش) مهارة كبيرة من مهارات العقل لتواصل ولا تنكسر رغم وجود بعض المنغصات.

ربما دارت في نفس صاحبنا الغير معروف ندم أن بالغ بإحترامه وكثرة سلامه عليه، ليغادر رجل الدين ذو الهيبة مباشرة عقب انتهاء المحاضرة مودعاً الجميع بصيغة الجمع.

هذه الهيبة التي أصبح الكثيرون يعدونها للأسف من لوازم رجال الدين وحتى رجال السياسة، حيث المظاهر والهيبة والمجلس المتميز والأحترام الواجب تقديمه يجب أن تأخذ مكانها بعناية عند تواجد أي مرتدي زي رجل دين أو صاحب منصب أو من له شهرة اعلامية وليس لفكرٍ وعبقرية ونباهة وإصلاح تميزوا به، بل على الأغلب لشهرة أعلامية أو الكترونية أو لزيادة في بعض الأتباع.

متى تكون النصيحة فعلاً نصيحة وليست فضيحة؟

ومتى يكون البحث عن أثر الأصلاح بالنصيحة بدلاً من جعلها كفضيحة؟!

من أساسيات النصيحة وهذا إسمها إجتماعياً وفقهياً (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) عدم الأحراج والحط من شأن الشخص المنصوح وتوخي الحذر بأن لا تكون النصيحة إهانة أو تعتبر إساءة على المستوى الشخصي أو الأجتماعي.

ومن أساسياتها أيضاً إحراز أن يقبل المقابل النصيحة وأن تكون ذات ضرورة منطقية أو ستدفع ضرراً قد يقع لو لم يقدم النصيحة، وكذلك وهو المهم أن تفكر جيداً بحكمة نصيحتك ومدى أثرها وتأثيرها وهل هي فعلاً نصيحة أم كلام فارغ لا محل له من العقل ولا من الأخلاق.

يجب أن لا تكون النصيحة تدخلاً فيما لا يعنيك وما لا تعرفه وأن لا تكون فضول وحشر أنف في أمور خاصة وحتى عامة هي ليست من شأنك.

كنت قد كتبت مقالة قبل فترة بعنوان (رأي وخصوصيات وحشريين) تناولت فيها من يبحث عن التسقيط والتشهير بخصوصيات الناس أو البحث في حياتهم الشخصية وعيوبهم للتسقيط الأجتماعي لمجرد خلاف في الرأي.

ينبغي أن تكون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سترٌ لا فضيحة، وأن تكون توجيه لا جبر ولا غصب ولا عصبية ولا تجاوز على حقوق الاخرين، ولا أن تكون قلة ذوق، ولا أن تكون ممن هم أولى بنصيحة أنفسهم قبل نصح غيرهم.

كونتيجين وكورونا / حيدر محمد الوائلي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 29 أيار 2020

أخر مقال نشر للكاتب

  الجمعة، 08 أيار 2020
  127 زيارات

اخر التعليقات

زائر - منار القيسي الشاعرمنار عبد الرزاق القيسي : الأدوات والأجندة النقدية قاعدة لمعرفة روح القصيدة / دنيا علي الحسني
27 أيار 2020
الشكر الجزيل لشبكة الاعلام في الدنمارك والى كادرها والى الاديبة والاعل...
زائر - النحات شريف الطائي ( ابناء الخطيئة ) / د. زهراء التميمي
19 أيار 2020
كم أنتم مساكين يامن تبحثون عن الشهرة او عن غيرها على حساب اي امر سواء ...
اسعد كامل رحل صوت الاعتدال (واثق الهاشمي) / رائد الهاشمي
05 أيار 2020
السلام عليكم اخي العزيز الدكتور رائد الهاشمي المحترم انا لله وانا اليه...
زائر - نجيب طلال نـص حــكائي بعنوان : الطـنـجـرة / المؤلف: نجيب طلال
05 أيار 2020
تحياتي الخالصة لكم، وعلى تفضلكم بنشر هذالنص الحكائي الذي أهديته لك الأ...
زائر - ضمير الناس إبداع 100عربي / حمدى مرزوق
28 نيسان 2020
الاخ الكاتب والمعد والمخرج كما وصفت نفسك فى صفحات عده ممكن تضع سيرتك ا...

مقالات ذات علاقة

لا اعرف حتى اللحظة، سبباً واحداً لتخلي الدولة، عن واجباتها تجاه الشعب، لاسيما في مجالات تب
2121 زيارة 0 تعليقات
عباس سليم الخفاجيمكتب بغداد - شبكة الإعلام في الدانماركسيادة رئيس الوزراء ولي أمر العراقيي
5027 زيارة 1 تعليقات
يتفق الجميع على ان ثقافة الكراهية مؤشر للتعصب بكافة انواعه. وان مواجهة البغٌض المتزايد للا
506 زيارة 0 تعليقات
وهذا القول هو كناية عن البدء بحكاية ، تقال للمعابثة او المبالغة ، وتعني ان مايقوله الحاكي
6023 زيارة 0 تعليقات
يترك الجنود الأمريكيون وراءهم عراقا هو أبعد ما يكون عن الأمن أو الاستقرار مع إنهائهم مهمة
6104 زيارة 0 تعليقات
لا احد سيتهم وزير التخطيط بأنه ضد الحكومة، حين ينتقد سير العمل في الدولة. الرجل حليف لرئيس
5847 زيارة 0 تعليقات
أثارت تسريبات موقع ويكيليكس الالكتروني لأكثر من 400 ألف وثيقة المزيد من الذعر والاستغراب و
6180 زيارة 0 تعليقات
لقد كان جيراني واحبتي وعلى مدى سنين عمري من المسيحيين وفي اغلب تلك السنين كانوا من مسيحيي
6108 زيارة 0 تعليقات
تهالك إلى فراش أرض غرفته الرّث...مرهقا متثاقلا بعد نهار عمل عضلي شاق ومضن..يدفع عربة خشبية
5955 زيارة 0 تعليقات
للموت ذئابية وأنياب وإفتراس وأذرعة منجلية ومقيت مواء وعواء،كلنا نعي ذاك ولااعلم لماذا تحوم
6194 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال