الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

3 دقيقة وقت القراءة ( 538 كلمة )

بحثا عن بقايا إنسان / عبد الرازق أحمد الشاعر

هل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟" وأدارت أسماء وجهها حتى لا ترى الخوف باديا في عيني عبد الله بن الزبير فيرق قلبها. لم يكن ولدها يخشى الموت أو يتشبث بالحياة، فلطالما حدق الموت في عينيه، لكنه كان يخشى أن يصلب فتأكل الطير من رأسه. أمٌّ شاخت في الإسلام، لكن الإسلام لم يشخ فيها، وكانت تقف هي وولدها لا يفصلهما عن الموت سوى رمية منجنيق، لكنها كانت تفضل ضربة سيف في عزة على ضربة سوط في مذلة .. وكان الحضن الأخير. وعند جذع نخلة صُلِب فوقها عبد الله، وقفت أسماء دون أن تذرف دمعة لتصرخ في الحجاج قائلة: "أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟"

الموت ليس نهاية الحياة، بل بداية لها، وبرزخ بين زيف وحقيقة وبين نوم ويقظة، فالحياة الآخرة هي الحيوان لو كان المشفقون من الموت يعلمون، لكن جسد الميت جدير بالتكريم ولو كان بقايا عدو، ولهذا نزل الغراب ذات جريمة ليعلم المجرم الأول كيف يواري سوأة أخيه.

يمكنك أن تحتمل فقد عزيز، وأن تلملم أشلاءه أو ما تبقى منها بيديك، لكنك لن تحتمل أبدا أن ينهش سبعٌ عظامه أمام ناظريك وفي وضح الفظاعة. وهو بالضبط ما حدث لمحمد شريف حين خرج ابنه محمد ريس خان للعمل في صيدلية بسلطان بور وهو يتوقد شبابا وحماسة، ليعود مجرد بقايا نتنة في كيس من خيش. ظل محمد شريف يبكي ولده حتى ابيضت عيناه من الحزن. لكن الرجل الذي لم يبق الألم من روحه ذرة ملتحمة بذرة قرر أن ينتصر على وجعه بطريقة مدهشة. لم يكن ما أمضَّه موت ولده، فالموت حق وإن تباينت أسبابه، لكن أن تبقى بقايا ولده مكدسة في الخيش تتناهشها سباع المنطقة وكلابها، فهذا ما لم يحتمله قلبه الرقيق. وعلى إثر الفاجعة، قرر الثمانيني أن يكرس جهده ووقته وماله لإيقاف هذه البشاعة مهما كلف الأمر. كان محمد يجوس المنطقة كل يوم وليلة ينبش المزابل والمدافن ويتردد على أقسام الشرطة بحثا عن أي جسد لم ينل حقه من التكريم، فيَلُم ما تفرق منه بيديه، ويصلي عليه أو يدعو له قبل أن يهيل فوق عظامه التراب. مهمة شاقة كلفت صاحب محل إصلاح الدراجات الفقير آلاف الروبيات، لكنها كانت في رأيه تستحق، وقد تمكن الرجل من جمع رفات ثلاثة آلاف هندوسي وألفين وخمسمائة مسلم على مدار سبعة وعشرين عاما، ليتم تكريمه بال "بادما شري" وهو أرفع رابع وسام يمكن أن يناله مواطن هندي. لم يذهب عمر محمد شريف هباء إذن، فقد قضى الرجل ثمرة عمره في ترميم ما أفسده السياسيون، وفي تكريم بقايا الوحوش وتجار الموت بدفن ما تبقى منها حتى حين، ليحظى بتكريم سلطات بلاده مؤخرا.

هناك من يجيدون القتل وسفك الدماء على مر التاريخ، وهناك أيضا من يكرسون حياتهم للملمة بقايا الفرسان من فوق جذوع النخيل ومن تحت عجلات القطار رغم ذلك. لم يرزق الله آدم قابيل فقط ليفسد فيها ويسفك الدماء ويهلك الحرث والنسل، فالله لا يحب الفساد، ولكنه رزقه أيضا بهابيل، الذي استحق تكريما يليق بجسده الطاهر على يد محمد شريف الذي فهم لغة الغراب، فشمر عن ساعديه المعروقين ليواري سوأة أولاده ضحايا العنف والحرب والقسوة.

يمكننا أن نبرر القسوة، وأن ننتحل لأنفسنا وللآخرين أعذارا للقتل، وربما لنسخر من جهد رجل قرر أن ينتصر على منظمات الدفاع عن حقوق البشاعة والعرق والدين والأسلاك الشائكة. لكن الذين ذاقوا وبال القهر والظلم والاضطهاد والبشاعة حتما سيقدرون مواقف أسماء بنت أبي بكر ومحمد شريف وغيرهما من الذين لم يكتفوا بالوقوف فوق خرائب المدن يلوحون بالصمت، بل ساهموا في تكريم

من ضاقت بهم البسيطة أحياء وأمواتا.

عبد الرازق أحمد الشاعر

مع الكوفيد مرّةً اخرى .. وبنظرةٍ اخرى / رائد عمر ا
متى ستفرز الإنتخابات البرلمانية الأردنية مجلسا مفي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 08 تموز 2020

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - حموشي هل يستطيع العراق التلويح بسلاحه الاقتصادي بوجه تركيا؟/ علاء الخطيب
07 تموز 2020
اعتقد ان مناكفة تركيا , لا تستحق مخاطرة بحياة 40 مليون عراقي عن طريق ت...
زائر - عزيز الخزرجي عن بيت العلم للنابهين صدر للأديب العراقي الدكتور نضير الخزرجي كتاب سفر الخلود
04 تموز 2020
بسم الله الرحمن الرحيم: نسأل الله التوفيق لكم و لكل المبدعين لتنوير ال...
زائر - أبو يوسف الجزائري عن بيت العلم للنابهين صدر للأديب العراقي الدكتور نضير الخزرجي كتاب سفر الخلود
29 حزيران 2020
السلام عليكم اللهم صلّ على محمد وآل محمد أحسنتم وفقكم الله
زائر - سمير ناصر طائرة تصوير من الجو تعلن عن ولادة قناة الزميل اسعد كامل
29 حزيران 2020
مبدع .. متجدد .. متحدي .. هكذا هو الزميل والاستاذ اسعد كامل ... مبروك ...
حسين يعقوب الحمداني حياة الفهد من البداية الى" النهاية" ! / سلام مسافر
17 حزيران 2020
تحية طيبة .. ليس مانحتاجه تاريخ وقصص عاطفية لنبرهن للعالم أنسانيتنا في...

مقالات ذات علاقة

يومَ كان طفلاًكان الفراتُشقياًيتمرّن على القفزِبين التلالليس بالوَلدِ العاقّـ كما يُزعَمُ
4531 زيارة 0 تعليقات
وجعْ وطن/أليك حبيبي ... ودعني أصلي .!! نحن جيلٌ خارجٌ من رحم الحروب ، مثقلون بمسؤولية أخلا
4623 زيارة 0 تعليقات
لم أعر اهمية الى تجنيس نصوص كتاب "الرقص مع العجوز" لعمار النجار من
212 زيارة 0 تعليقات
صحراءٌ مقفرةٌ كانتْ...لا خُضرةَ فيها أو ماءهاجرها الغيثُ ولم يبقَ...يُسعفها غير الإغماءعلّ
2409 زيارة 0 تعليقات
ليس هنالك أي اختلاف في تعريف المثقف بين أهل اللغة، إلا ما جاء فيما نسبه مجمع اللغة العربية
1301 زيارة 0 تعليقات
مقابلة ميشيل فوكو مع جيل دولوز   " ما اكتشفه المثقفون منذ الحملة الأخيرة هو أن الج
173 زيارة 0 تعليقات
مقداد مسعود/ 1954 شاعر وناقد عراقي معروف ومشهور يحمل رقماً ثراً متلئلئاً وساطعاً في أرشفة
3865 زيارة 0 تعليقات
"رواية " كم أكره القرن العشرين"للروائي عبدالكريم العبيدي/والصرخة المكبوتة" لزمن العتمة وأس
1794 زيارة 0 تعليقات
مجموعة "قافلة العطش" مجموعة قصصية للدكتورة سناء كامل الشعلان ، صدرت في العام 2006 عن مؤسسة
311 زيارة 0 تعليقات
لاشيء يشبه الحلم بكمنتشية هي الأحلام حين ترأف بهاتناظرك عن بُعدتراقص صوتك المختال في تقاسي
2347 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال