الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

15 دقيقة وقت القراءة ( 3018 كلمة )

يوم صار التِنين الصيني شيوعياً / د طه جزاع

الشمسُ عاليةٌ في السماء حمراء جداً

قلبُ الشمس هو  ماو تسي تونغ

هو يقودنا إلى التحرير

الجماهير تحرر نفسها لتكون أسياد أراضيها

أوه .. أهلاً

نعم .. أوه .. نعم

الشمس في السماء حمراء

قلبُ الشمس هو  ماو تسي تونغ

" مقطع من نشيد وطني الشمس الحمراء في السماء "

وتمضي هذه الإنشودة المصورة التي تغنيها شابة صينية بصوت صاف مرتفع على وقع آلات موسيقية سريعة العزف ، إلى تعداد أمجاد الزعيم الصيني الشيوعي الذي تحول إلى رمز مقدس لمحبيه ، فهو الذي يساعدهم على المضي قدماً في البلد الثوري الأحمر ، وهو الذي سار بهم خلال عشرة آلاف كيلو متر على حدود الوطن ، وهم يغنون له بصوتٍ عالٍ ، ويسيرون بالعَلَم الأحمر نحو الجبال ، وآلاف الأنهار ، وتنتهي الأنشودة التي تظهر فيها صورته ، وفي خلفيتها لوحة لوجوه ماركس وانجلز ولينين وستالين ، بأمنية أن يكون ماو تسي تونغ خالداً : " ليتك تكن خالداً " . 

              لديكم الشاي .. ولدينا الأفيون

لكن كيف تحول هذا التنين الصيني الأصفر الذي يحمل على كتفيه إرث الطاوية والكونفوشيوسية ، والحكمة الصينية ، وتقديس الأسلاف ، وحُكم الاقطاع والممالك والأسر الامبراطورية المقدسة عبر ألفي عام ونيف ، إلى اللون الأحمر ، ومتى ، ولماذا ؟ . لستُ مؤرخاً ، ولا معنياً بتقديم تفصيل تاريخي لبلاد الصين التي أصبحت شاغلة العالم ، منذ بداية عامنا هذا بعد تفشي فيروس كورونا COVID - 19 ، وستبقى إلى أمد طويل ، ويمكن للقارئ الذي يرغب بالاستزادة ، الرجوع إلى مصادر عديدة في هذا الشأن ، ومنها محركات البحث على شبكة الانترنت ، ليتعرف على الأباطرة والأسر التي حكمت الصين ، وكان آخرها مملكة أسرة تشينغ التي أزاحها سن يات سن مؤسس الجمهورية في العام 1912 ، لذلك سيكون اهتمامي منصباً بالبحث عن أحداث تنتمي للتاريخ الوسيط والحديث ، أدت بالصينيين إلى اعتناق الماركسية اللينينية الستالينية بصيغتها الماوية ، وطابعها الصيني ، الذي قد لا يتشابه كثيراً مع طابع الشيوعية في بلدان أخرى ، ومنها الاتحاد السوفياتي بعد ثورة تشرين الأول / اكتوبر 1917 وبلدان أوروبا الشرقية ، قبل انهيارهما المدوي مطلع التسعينيات . غير أن الشيوعية – في نظر الساسة الأميركان – واحدة ، وهي أصل الداء والبلاء والوباء ، لذلك فإنهم يضعون الحزب الشيوعي الصيني ، في بداية كل إتهام يُحمل الصين المسؤولية عن تفشي جائحة كورونا ، أو غيرها من المشكلات الدولية العويصة ، لا يختلف في ذلك الرئيس ترامب عن وزير الخارجية بومبيو ، ولا وزير الدفاع مارك إسبر ، عن مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين ، على الرغم مما قاله مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون في مذكراته المثيرة للجدل والتي صدرت تحت عنوان " الغرفة التي شهدت الأحداث " من انه سمع ترامب يردد في مرات لا تحصى : " ان الاتحاد الأوروبي أسوأ من الصين ، هو فقط اصغر منها " .

في كتابه " التحدي الصيني "  يشير المحرر الصحفي الاقتصادي الألماني فولفجانج هيرن الذي يسافر إلى الصين بشكل منتظم منذ 1986 ، إلى قرن من الذل تعرضت له الصين من قبل بريطانيا التي كانت القوة الامبريالية العظمى ، أثناء حربها على الصين التي عرفت بحرب الأفيون 1839  واستمرت عامين ، وانتهت بتوقيع معاهدة نانجينغ التي تُعد واحدة من أهم المعاهدات في التاريخ الصيني الحديث ، بل واكثرها اذلالاً للصينيين ، لأنها فتحت الموانئ الخمس الكبرى أمام التجار الانجليز ، بعدما كانت أمامهم فقط جزيرة هونغ كونغ الصغيرة ، ولأنها أيضاً نتجت أصلاً من حرب إذلال شنتها بريطانيا على الصين من أجل مقايضة الشاي الصيني بالأفيون الذي تنتجه مزارع المستعمرات البريطانية في الهند : ( لديكم الشاي ولدينا الأفيون ) ، ولم يكن الانجليز يرغبون بشراء الشاي مقابل العملات الفضية ، بل مقابل المخدرات ! . ولم يؤثر ذلك على الاقتصاد الصيني فحسب ، إنما ساعد على انتشار تجارة واستخدام المخدرات في عموم الشرق الأقصى ، ووصل عدد المدمنين في الصين وحدها إلى ستة ملايين مدمن في مستهل ثلاثينيات القرن التاسع عشر ، ثم شنت بريطانيا بمشاركة فرنسا هذه المرة حرب الأفيون الثانية 1856 التي استمرت أربعة اعوام ، ناهيك عن أطماع القوى العظمى في العالم آنذاك ، فرنسا وألمانيا وروسيا واليابان ، فضلاً عن بريطانيا ، التي تسابقت إلى اقتسام المغانم الصينية على حساب مصالح الصينيين وكرامتهم وسيادتهم ، وهم الذين كانوا - إلى عقود ليست بعيدة - متفوقون على الأوربيين في أغلب المجالات ،  وكانت حضارتهم تفرض هيمنتها على الشرق الأقصى برمته . فهل من إذلال بعد هذا الإذلال لوارثي واحدة من أعظم حضارات العالم القديمة ؟ . وهل يمكن للصين أن تنظر باتجاه أوروبا بعدما ذاقت الأمرين من الأوربيين ؟ . أما اليابان الجار الآسيوي على الطرف المقابل من بحر اليابان ، فلم يكن أقل أطماعاً من الأوربيين ، ولا حربه أقل ضراوة ، ولا معاهداته أهون مساساً بكرامة الصينيين وسيادتهم ، فبعد حربي الأفيون ، اضطرت الصين لمواجهة عسكرية مع اليابان في العام 1894 انتهت أيضاً بتوقيع معاهدة دفعت فيها الصين مبالغ كبيرة لليابان ، وتخلت لها عن بعض أراضيها : " والأسوأ من ذلك هو مدى الذل الذي تعرضت له الصين ، ولأول مرة يحدث تفوق من الجانب الياباني على الجانب الصيني ، وفقدان الصين لدورها الاقليمي الآسيوي " . " التحدي الصيني ، فولفجانج هيرن ، ترجمة محمد رمضان حسين " وفي هذا الشأن يكتب عباس محمود العقاد في مؤلفه " سن ياتسن أبو الصين " قائلاً : " فإن الصينيين عاشوا ألوف السنين وهم ينظرون إلى جيرانهم من الشرق نظرة الاحتقار والاستخفاف ، فلما انهزمت دولتهم أمام أولئك ( الأقزام ) المحتقرين ، وقيل لهم أنهم لم يتمكنوا من الظفر بجيوش ابن السماء إلا لأنهم تعلموا الصناعة الحديثة من الأساتذة الغربيين ، أصبح احتقارهم المفرط للمنتصرين عليهم إعجاباً مفرطاً بالصناعة التي كانت سبباً لهذا الانتصار . وهرعت جموع الطلبة إلى مدارس اليابان وأوروبة وأمريكا يتعلمون فيها سر هذه القوة التي يعنو لها جبين أكبر الأمم في الحضارة والحكمة والسلطان " .

                   اخصائي أمراض اجتماعية !

 بعد أربعين عاماً ونيف ، تنشب الحرب مرة أخرى بين الصين واليابان ، وهذه المرة اكتسحت اليابان العديد من المدن الصينية المهمة في مقدمتها شنغهاي ، وفي هذا الوقت كانت في الصين قوتان متصارعتان على طرفي نقيض ، هما " الكومينتانغ " – الحزب القومي الصيني الذي أسسه سن يات سن العام 1912 – وقد أصبح تحت قيادة شيانغ كاي شك ، وقد خسر معاركه الواحدة تلو الأخرى ، والمقاومة الشيوعية المسلحة ، ولكن عند دخول الحلفاء والولايات المتحدة ، كما يكتب هيرن : انقلبت دفة الحرب تماماً ، وانتهت بإعلان اليابان استسلامها في آب / اغسطس 1945 ، وبعدما تحررت الصين ، كان ينبغي عليها خوض معركة داخلية أخرى ، لتحديد من الذي سوف يحكم البلاد ، حزب الكومينتانغ .. أم الشيوعيون ؟ .. شيانغ كاي شك ، الذي تولى رئاسة الحزب بعد وفاة سن يات سن ، وأصبح رئيساً لجمهورية الصين في 1928 ، أم ماوتسي تونغ زعيم الحزب الشيوعي ؟  .

قد يظن البعض ، أن الولايات المتحدة الأميركية ، وبعد الحاقها الهزيمة المريرة باليابان ، اثر استخدامها القنبلتين الذريتين المدمرتين على هيروشيما وناغازاكي ، قد أتاحت للحزب الشيوعي الصيني السيطرة على زمام الأمور ، وبالتالي إعلان ماو تسي تونغ قيام جمهورية الصين الشعبية " الحمراء " في الأول من تشرين الأول / اكتوبر 1949 ، لكن ذلك التصور بعيدٌ عن الواقع تماماً ، فمنذ اعلان سن يات سن المنحدر من اسرة ريفية والذي درس الطب في هونغ كونغ ، عن نهاية حكم أسرة تشينغ بعد ثورة 1911 التي أطاحت بالنظام الإمبراطوري والملكي ، وقيام جمهورية الصين العام 1912 ، وتسميته أول رئيس مؤقت لها ، وسيطرة الكومينتانغ  على الحكم ، دخلت الصين في حرب أهلية ، وقفت فيها الولايات المتحدة ، بالضد من الحزب الشيوعي الصيني . ولكي نفهم هذا الأمر بصورة جلية ، لابد من العودة إلى الأحداث المهمة التي شهدتها الصين بدايات القرن العشرين ، ومنها صعود نجم سن يات سن من قلب الحركة الثورية الديمقراطية البرجوازية ، ويصف مؤرخو كتاب " تاريخ تطور الفكر الصيني " أفكاره بأنها تتأرجح بين المادية والمثالية ، وانها كانت أسيرة حدود الاصلاح بعد هزيمة الصين في الحرب مع اليابان التي جعلته يدرك فساد الأسرة الاقطاعية الحاكمة ، وأن طريق الإصلاح مسدود تماماً ، مما دفع به لتأسيس جمعية انهاض الصين ، عندما كان في هونغ كونغ ، والقيام بأول انتفاضة مسلحة في العام 1895 انتهت إلى الاخفاق ، غير أن رؤاه وأفكاره تنتمي إلى الثوريين الديمقراطيين القدامى ، وقد نظر إلى الصراع الطبقي على أنه حالة مَرَضية غير عادية تدهم المجتمع ، وان التعاون هو القانون الرئيسي للمجتمع ، واصفاً كارل ماركس بأنه " أخصائي أمراض اجتماعية " ! . " تاريخ تطور الفكر الصيني ، خه جاو وو وآخرين ، ترجمة عبد العزيز حمدي عبد العزيز ، المشروع القومي للترجمة ، القاهرة " . وفي هذه الحقبة أيضاً تكونت العصبة الثورية الصينية في العام 1905 ، وأصدرت جريدة مين باو " جورنال الشعب " برئاسة تشانغ تاي يان زعيم جمعية احياء الصين ، كما أصدر زو رونغ ، وكان عمره يناهز ثمانية عشر عاماً ، مؤلفه الشهير " جيش الثورة " أو " الجيش الثوري " وهو كتيب صغير يدعو الشعب الصيني للثورة واسقاط اسرة تشينغ ، واقامة جمهورية ديمقراطية تؤمن الحرية والمساواة وعدم اعادة الملكية الاستبدادية مرة أخرى ، وشهدت السنوات العشر التالية اندلاع ثورة 1911 غير أن جهود مفجرها سن يات سن وصلت إلى طريق مسدود ايديولوجياً ، إلى أن قامت ثورة تشرين الأول / اكتوبر في روسيا 1917 لتبعث حياة ايديولوجية جديدة في قائد الثورة الصينية الذي " انتشل نفسه من أعماق احباطاته وقنوطه وأعلن ترحيبه بهذه الثورة وتأسيس الحزب الشيوعي الصيني ، وقام في ظل قيادة الحزب بإعداد ثلاث سياسات كبرى هي : الاتحاد مع روسيا ، والاتحاد مع الشيوعيين ، ومساندة العمال والمزارعين " . " تاريخ تطور الفكر الصيني " . وبعد هذه الثورة   بثمانية أعوام ، وبعد سلسلة من الأحداث المتواترة ، توفي سن يات سن في اذار 1925 ، فيما كان نجم القائد الثوري الشيوعي ماو تسي تونغ يبزغ في سماء حرب العصابات ، أو الحرب الأهلية الصينية بين المقاتلين الشيوعيين ، وأعدائهم المحليين ، الحزب القومي الصيني " الكومينتانغ " .

                إصلاح العالم بالبنادق

يؤمن ماو بأهمية الكفاح الثوري المسلح : " على كلّ شيوعي أن يدرك هذه الحقيقة : من فوّهة البندقية تنبع السلطة السياسية " كما يؤمن بـ " إن الاستيلاء على السلطة بواسطة القوة المسلحة ، وحسم الأمر عن طريق الحرب ، هو المهمة المركزية للثورة وشكلها الأسمى ، وهذا المبدأ الماركسي اللينيني المتعلق بالثورة صالح بصورة مطلقة ، للصين ولغيرها من الأقطار على حدّ سواء " . " مقتطفات من أقوال الرئيس ماو تسي تونغ / الكتاب الأحمر الصغير ، دار النشر باللغات الأجنبية ، بكين ، 1966 " . وهذا ما تجسد على الواقع في الصراع على السلطة خلال الحرب الأهلية التي انتهت بانتصار الشيوعيين ، وإعلان ماوتسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية ، وهروب أنصار الحزب القومي وزعيمه شيانغ كاي شك الى جزيرة فرموزا  =  تايوان ( جمهورية الصين ) ، وتسمية تايبيه عاصمة مؤقتة للبلاد . والحقيقة ان الحرب بين الطرفين لم تكن متكافئة : " ثلاثة ملايين جندي ينتمون لحزب الكومينتانغ ويقاتلون في الجيش النظامي للبلاد ، ضد مليون مقاتل شيوعي مسلح ، في واحدة من أشرس الحروب الأهلية التي خاضتها الصين عبر تاريخها ، ولكن ثبتت فيها براعة مقاتلي الشوارع الذين تمكنوا بأسلوب حرب العصابات من تشتيت قوات الجيش النظامي وأجبروهم على الفرار نحو جزيرة تايوان ، حتى رجعوا مرة أخرى بعد أن أعلنوا استسلامهم التام وخضوعهم للنظام الجديد تحت زعامة ماو تسي تونغ " . " التحدي الصيني " . وكان ماو يؤكد بصورة مستمرة ان هزيمة البرجوازيين لا يمكن أن تكون إلا بقوة البنادق ، مشيراً إلى أن تجارب الصراع الطبقي في عصر الامبريالية : " تعلمنا بأن الطبقة العاملة والجماهير الكادحة لا تستطيع إنزال الهزيمة بالبرجوازيين وملاك الأراضي المسلحين إلا بقوة البنادق ، وبهذا المعنى ، يمكننا أن نقول إنه لا يمكن إصلاح العالم كلّه إلا بالبنادق " ثم يعود ليوضح بأن ذلك لا يعني انه من دعاة الحرب : " نحن من دعاة القضاء على الحرب ، ولسنا نريد الحرب ، إلا أنّه من غير الممكن القضاء على الحرب إلا بواسطة الحرب ، وفي سبيل القضاء على البنادق يجب علينا أن نحمل البنادق " . كما يوضح نظرته للحرب والسياسة بقوله : " الحرب هي امتداد للسياسة " وذلك يعني إنّ الحرب بهذا المعنى هي السياسة ، والحرب نفسها عمل سياسي . " الكتاب الأحمر " . 

                          الاسبوع الذي غير العالَم

بالطبع لم تكن الولايات المتحد الأميركية سعيدة بانتصار الشيوعيين في الصين ، ومثل أغلب رهاناتها السياسية الخاسرة في العالم ، فقد راهنت على انتصار الكومينتانغ ، وحاولت بكل الوسائل أن تمنع قيام دولة شيوعية أخرى إلى جانب الاتحاد السوفياتي ، فلم تعترف بها ، إنما اعترفت بحكومة تايوان ، تلك الجزيرة الصغيرة جداً جغرافياً وسكانياً بالنسبة إلى العملاق الصيني الذي يمثل ربع سكان العالم ، وبقيت مصرة على عدم اعترافها بجمهورية الصين الشعبية لمدة تربو على الثلاثين عاماً ، إلى أن أصدر الرئيس الاميركي جيمي كارتر في منتصف شهر كانون الأول / ديسمبر 1978 بياناً أعلن فيه أن بلاده ستعترف رسمياً بحلول العام الجديد بجمهورية الصين الشعبية ، وستقطع علاقاتها بتايوان من جهة أخرى نزولاً عند رغبة المسؤولين الصينيين . ولم يمض هذا الاعلان من دون غضب كثير من أعضاء الكونغرس الذين رفضوا فكرة الخضوع لرغبات جمهورية الصين الشعبية وقطع العلاقات مع تايوان ، وإنهاء العمل باتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين ، ليمرر المشرعون الأميركيون قانون العلاقات مع تايوان الذي منح هذه الجزيرة مرتبة شبيهة ببقية الدول الأخرى ، وسمح بمواصلة بيع الأسلحة لحكومة تايوان . وبدلاً من السفارة أنشأ الاميركيون المعهد الأميركي بتايوان لمواصلة خدمة مصالحهم ، وتقديم الخدمات والتسهيلات لمواطنيهم ، شأنها في ذلك شأن السفارة تقريباً . " بعد 30 عاماً .. هكذا اعترفت أميركا بالصين دولة ، طه عبد الناصر رمضان ، العربية نت ، 2019 " . ويلاحظ على هذا الاعتراف ، أنه جاء بعد سبع سنوات من الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون للصين في شباط / فبراير 1972 ومعه وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر ، فكان بذلك أول رئيس أميركي يزور دولة ، ليس بينها وبين بلاده علاقات دبلوماسية ، ومن خلفيات هذه الزيارة المفاجئة وغير المتوقعة أن كيسنجر بدهائه المعروف التقط اشارة من تصريح للزعيم الصيني ماو تسي تونغ أعلن فيها عن استعداده للترحيب بزيارة يقوم بها نيكسون إلى الصين ، سواء أكان زائراً ام رئيساً ، فالتقط كيسنجر الخيط فوراً بخبطة جريئة تكشف عن عبقريته في الجغرافيا السياسية ، واستطاع أن يهرب من مرافقيه والعيون المحيطة به ، في اثناء رحلة له إلى باكستان عام 1971 ، إذ اختفى عن الأنظار ليقوم برحبة سرية إلى بكين ، ليمهد بذلك الطريق لتلك الزيارة التاريخية للرئيس الأميركي . " التنين الأكبر ، الصين في القرن الواحد والعشرين ، دانييل بورشتاين ، وأرنيه دي كيزا ، ترجمة شوقي جلال ، عالم المعرفة ، الكويت ، 2001 " .

ولكي ندرك مدى أهمية وخطورة هذه الزيارة من وجهة نظر الأميركان نقرأ هذه السطور من مذكرات هيلاري كلنتون في الفصل الذي يحمل عنوان " الصين .. مياه مجهولة " : مثل الكثير من الأمريكان كانت أول نظرة لي ألقيها على الصين أثناء الزيارة التاريخية التي قام بها نيكسون عام 1972 . كنتُ لا أزال في الجامعة أنا وبيل – تقصد زوجها بيل كلينتون – ولا نملك جهاز تليفزيون ، لهذا قمنا باستئجار جهاز محمول صغير وعدنا به إلى شقتنا ، حيث اعتدنا أن نفتحه كل ليلة من أجل متابعة مشاهد من الدولة التي ظلت بعيدة عن الأنظار طوال حياتنا . كنتُ مشدودة وفخورة بما حققته أميركا خلال ما أطلق عليه الرئيس نيكسون ( الأسبوع الذي غير العالم ) . غير أن هيلاري تعود لتستدرك ، وتتخيل ماذا ستكون عليه ردة فعل الشعب الاميركي ، لو كانت هذه الزيارة حدثت في عصر الأجهزة الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي : لقد كنتُ أمزح مع هنري وأقول له أنه كان محظوظاً عندما قام بأول زيارة سرية له للصين حيث لم يكن في ذلك الوقت أجهزة تليفون ذكية أو مواقع تواصل اجتماعي ، تخيل إذا حاول وزير أن يفعل ذلك في الوقت الحاضر ؟ ! . " مذكرات هيلاري كلينتون ، خيارات صعبة "  . فضلاً عن كل هذا فمن الملاحظ على الاعتراف الرسمي بالصين من قبل الولايات المتحدة  الأميركية ، أنه جاء بعد وفاة ماو تسي تونغ بنحو عامين ! . ولا أحد يستطيع أن يخمن هل كان ذلك سيحصل لو كان ماو حياً ، فهذا التنين الأحمر والثائر العنيد ، عدو صلب للإمبريالية متمثلة في الدول الاستعمارية القديمة وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا ، ومتمثلة في الولايات المتحدة في عصرنا الراهن ، وكان ماو كثيراً ما يوجه الانتقاد الحاد للحكومة الأميركية ، منطلقاً من تصوره الشيوعي للصراع الطبقي : " ان النضال القومي هو في التحليل النهائي مسألة صراع طبقي ، والذين يضطهدون الزنوج في الولايات المتحدة ليسوا سوى الطغمة الحاكمة الرجعية من البيض ، وهذه الطغمة لا يمكنها على الإطلاق أن تمثل العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وغيرهم من الأشخاص المستنيرين ، الذين يشكلون الغالبية الساحقة من البيض " لذلك فإنه لا يرى ضيراً في الاتحاد مع شعوب البلدان الإمبريالية ، والتعايش في سلم مع هذه البلدان ، وإجراء تعامل تجاري معها ، والحيلولة دون نشوب حرب محتملة الوقوع ، وفي رأيه أنه لا جدوى من الخوف إذا نشبت الحرب فعلاً ، وله في ذلك رؤية مفادها : " إذا أصرت الإمبريالية على شن حرب علينا فلا يسعنا إلا أن نعقد العزم الأكيد على خوض غمارها أولاً ، ثمّ نستأنف البناء . وإن كانت المخاوف من وقوع الحرب تساور المرء كلّ يوم ، فماذا يجديه الخوف إذا نشبت الحرب فعلاً ؟ " . " الكتاب الأحمر " .

                     التنين الأحمر الغامض

بعد وفاة ماو تسي تونغ في التاسع من ايلول / سبتمبر 1976 وقد تجاوز الثمانين بعامين ، بدأت الصين الشعبية الحمراء ، حقبة جديدة أكثر انفتاحاً على العالم ، فقد بات الصينيون ينظرون إليه كرمزٍ مقدس ، شأنه شأن كونفوشيوس ، أكثر مما هو زعيم دنيوي ، له ماله ، وعليه ما عليه ، ويسجل منتقدو الزعيم الصيني الكثير من المآخذ والاخطاء والخطايا التي نتجت عن المدة الطويلة لحكمه الشمولي الصارم والتي جلبت الكثير من البؤس والشقاء وملايين الضحايا ، لعل في مقدمتها القفزة الكبرى للأمام ( 1961- 1985 ) والثورة البروليتارية العظمى ، أو ما سمي بالثورة الثقافية ( 1966  - 1976 ) . وقد اتسمت الحقبة الجديدة بالانفتاح الاقتصادي وتبني اقتصاد السوق تحت زعامة دنغ شياو بنغ الذي كان يرى أن الصين تحتاج إلى نصف قرن لاستكمال عملية التحديث والسيطرة السياسية والاقتصادية ، وفي خطاب شهير له في آذار / مارس    1978أعلن أن أمام الشعب الصيني هدف واحد ، وهو وضع الصين بين القوى العالمية المتقدمة بحلول عام 2000 . 

لم يكن التنين الصيني الذي يمثل القوة والسلطان والحكمة والخلود والتجدد والفضيلة والبشرى السارة والفأل الحسن ، يثير قلق الأوربيين ولا الأميركيين ، وهو مختبئ خلف سور عظيم ، على الرغم من نظرتهم المغايرة للتنين الشرير المُدَمِر الذي ينفث النيران ، لكن عندما أصبح التنين شيوعياً وارتدى الأحمر، واعتنق أبناؤه الماركسية اللينينية على الطريقة الماوية ، تأثراً بثورة اكتوبر الروسية ، ورداً على الاستعمار والغزو والاذلال والاستغلال والنظرة الدونية ، صار عدواً شرساً يحسب له ألف حساب .

التنين الصيني الأحمر يمد قرنيه ، ويقتحم الاقتصاد العالمي بقوة ، ويغرق الأسواق العالمية بصناعاته المبهرة ، ويقدم للإنسان أشياء جميلة ، وخدمات جليلة ، و مفاجآت كثيرة . ولأنه تنين غامض متحصن خلف سور عظيم ، فأنه يبقى عصياً على الفهم ، ويبقى ينفث أشياءً من نوع آخر ، ليست جميلة أبداً ، لا يمكن فهمها أبداً ! .

نيسان .... لا تديري وجهك للشمس / حنان جميل حنا
حين كنت مستيقظا / ابتسام ابراهيم الاسدي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الخميس، 01 تشرين1 2020

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to http://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  السبت، 11 تموز 2020
  243 زيارة

اخر التعليقات

زائر - د. هناء البياتي د.هناء البياتي : الترجمة لغة العصر والصلة بين ثقافة المجتمعات والشعوب | عبد الامير الديراوي
27 أيلول 2020
شكرا أستاذ عبد الامير على هذا الحوار البناء ... بالصدفة عثرت عليه وشار...
اياد صبري مرقس افتتاح مكتب استشاري قانوني من خلال خبراء متخصصين للمقيمين من العرب والاجانب في كوبنهاكن - دانمارك
22 أيلول 2020
مرحبا اخ حسين اعتذر منك لتاخير الرد وسابقى على تواصل دائم مع اي استفسا...
اياد صبري مرقس الى الاجانب والمقيمين في الدنمارك : شركة (المعرفة الداخلية) تقدم كل الخدمات للاجانب
22 أيلول 2020
شكرا جزيلا دكتور نزار العزيز انت اخ كبير واعتز بك كثيرا .. شكرا للطفك ...
زائر - علاء كاظم سلمان الخطيب الى عدوي المحترم محمد جواد ظريف / علاء الخطيب
21 أيلول 2020
السيد علاء الخطيب أنا المهندس علاء كاظم سلمان الخطيب (عراقي-أمريكي مقي...

مقالات ذات علاقة

وجهة نظر.. (بمناسبة مرورعام على استمرار الانتفاضة المدنية السلمية في العراق.. لكيلا تزهق م
23 زيارة 0 تعليقات
يابغداد يازمن عمري وحياتي قادتني الصدفة وانا في الاعظمية قبل يومين الى ( راس الحواش ) المد
55 زيارة 0 تعليقات
عندما تتحاور مع أي طرف سياسي أو شريك في عملية سياسية يفترض ان هناك قناعات الحد الأدنى في أ
30 زيارة 0 تعليقات
تحركات رئيس مجلس الوزراء الاخيرة في مواجهة الفاسدين واناطة الموضوع بلجنة تنسق عملها مع جها
48 زيارة 0 تعليقات
عن عمر يناهز 52 عاما رحل الحاضر الغائب لة وما علية .ظهر في فترة فارقة في التاريخ السياسي ك
50 زيارة 0 تعليقات
حددت الحكومة العراقية موعد الانتخابات البرلمانية المبكرة في مطلع حزيران عام 2021، وهذا قد
60 زيارة 0 تعليقات
ربما لم يحقق أي رئيس وزراء إسرائيلي إنجازا كبيرا لإسرائيل ، مثلما حققه رئيس الوزراء الحالي
50 زيارة 0 تعليقات
في العراق نخلط كثيرا بين اللعبة السياسية والوطنية، أي ان البعض يمارسها وغيرها من التكتيكات
59 زيارة 0 تعليقات
الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادا
53 زيارة 0 تعليقات
هذا الرجل غريب في اقواله ، تصرفاته، ادعاءاته، بل انه يتحدث عن السلام والديمقراطية ومحاربة
64 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال