حرب البسطات ومعارك الباعة الجوالة / د. مصطفى يوسف اللداوي - شبكة الاعلام في الدنمارك

الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

اخبار أوروبا
دخول المدونة

تسجيل الدخول إلى حسابك

اسم المستخدم *
كلمة السر *
احفظ لي كلمة السر
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

حرب البسطات ومعارك الباعة الجوالة / د. مصطفى يوسف اللداوي

مشاهدٌ محزنة ومؤلمةٌ بت أراها وغيري في أكثر من مكانٍ، تتكرر في كل الأوقات، وتحدث في كل البلاد العربية، في صيرورةٍ عنيدةٍ، وتكرارٍ موجعٍ، وتحدي أليمٍ، وصراعٍ مريرٍ بين السلطات والمواطنين، بين حملة الهراوة والسوط، وبين أصحاب الحاجة وذوي الأفواه الفاغرة، من الجوعى والفقراء والمساكين، الذين ضاقت بهم الدنيا وسدت في وجوههم أبواب الرزق، فباتوا عاطلين عن العمل، ومحرومين من الوظيفة، ولم يجدوا غير الشارع يبسطون فيه بضاعتهم، أو الطرقات العامة يتجولون فيها بعرباتهم الصغيرة، وبين الحراس على القانون، والساهرين على النظام، والخائفين على مصلحة الوطن وسلامة المواطن، ممن يطبقون القوانين بمزاجيةٍ واستنسابيةٍ خاصةٍ، ويحرصون على نفاذها، غير آبهين بنتائجها، أو عالمين بعواقبها.

سياراتُ نقلٍ متوسطةٌ بل شاحناتٌ كبيرةٌ، تطوف في الشوارع العامة والفرعية، وأمامها وخلفها سيارة شرطة، فيها بعض العساكر يحملون بنادقهم، ويتأهبون للنزول من عرباتهم والانطلاق، ومعهم ضابطٌ تعلو كتفه نجوم رتبته العسكرية، وعشرات العناصر الشابة الفتية، يجرون أمام الشاحنات ويطوفون حولها، يتحركون بسرعةٍ ويتنقلون بخفةٍ، يهجمون كالوحوش الضارية على البسطات المنثورة في الشوارع، أو المصفوفة على الأرصفة بانتظام، يقتلعونها من أرضها ويقذفون بها بفوضى وعبثيةٍ إلى جوف الشاحنة، التي تبتلع كل ما يلقى إليها مما كان على البسطات، فتختلط فيها الملابس والثياب، والفواكه والخضار، والأدوات الكهربائية والأحذية وأدوات الزينة وأشرطة الكاسيت واسطوانات الأفلام والأغاني وغيرها الكثير مما يحمله الباعة المتجولون، ويبسط به الفقراء والمحتاجون.

بعض الباعة الذين يرون الشاحنات والدوريات من بعيدٍ يفرون ويهربون ببعض بضاعتهم، أما الذين تصلهم الإخبارية مسبقاً بقدوم الدورية، فإنهم ينجحون في حمل أغراضهم وتأمين بضاعتهم، خاصةً إذا كان معهم بعض أولادهم، أو من يساعدهم من المارة والمعارف، فلا تصل إليها أيدي عناصر الشرطة أو عمال البلدية عجزاً أو اتفاقاً، وبذا ينجون من المصادرة والعقوبة والغرامة.

إلا أن بعضهم يتكلف الكثير للفرار والنجاة بنفسه وببضاعته، ولا تنال منه الدوريات أو شرطة البلدية بثمنٍ، إذ أن بعض عمال البلدية أو عناصر الشرطة، يتفقون مع الباعة الجوالة وأصحاب البسطات على بدل الإخبار والتنبيه المسبق، وعلى قدر ما يدفعون يكون البلاغ في الوقت المناسب، أما في حال تأخر بعضهم أو امتناعهم عن دفع المعلوم، فإن الدورية تباغتهم، ويقوم عناصرها بجمع كل حاجياتهم ومصادرتها، وقد تبالغ في عقوبتهم ليعضوا أصابعهم ندماً لأنهم امتنعوا عن دفع المعلوم، ورفضوا إرضاء المخبرين من عناصر الدورية، الذين يعملون في الغالب بعلم رئيس دوريتهم أو لحسابه الخاص، فيؤدون إليه نهاية اليوم غلة المداهمات.

وفي تنظيمٍ آخرٍ لعمل السلطات البلدية وعناصر الشرطة، يقوم متعهدٌ بضمان عدم قيام الدوريات بمداهمة بسطات الباعة أو مصادرة بضائعهم، فيتعهدهم برعايته، ويشملهم بحمايته، ويمنحهم الفرصة للعمل في الليل والنهار بحريةٍ تامةٍ دون خوفٍ أو قلقٍ، وذلك مقابل بدلٍ ماليٍ يؤدونه شهرياً وبانتظام له، وبدوره يدفع للمسؤولين عن المنطقة بدل صمتهم وامتناعهم، ومقابل عدم مداهمتهم أو مصادرتهم لبضائع وبسطات الباعة المتجولين، رغم أنهم يأخذون "خاوةً" من بضاعتهم بعض ما يحتاجون.

لكن غيرهم ممن تداهمهم الدوريات وتباغتهم، وتنقض عليهم كالنسر فجأةً، وتحوطهم من كل مكانٍ، هم ممن لا تصلهم البلاغات ولا ينذرهم المستفيدون والمنتفعون، ومن غير المتعاقدين مع الشرطة أو متعهدي المنطقة، وهم في غالبيتهم من الفقراء البسطاء ومن صغار الباعة، ممن لا يدركون طبيعة المعادلة القائمة، ولا يعرفون آلية التعامل مع السوق وقوانينه، فعند يضطربون ويرتبكون، إذ يحملون ما استطاعوا من بضاعتهم ويحاولون الفرار، وفي أثناء هربهم تتساقط منهم قطعٌ كثيرة وأغراض مختلفة، وهي الفئة التي تقسو عليها الشرطة والبلدية، وتبالغ في عقوبتها وغرامتها، لا لتنظم عملها وتشرع وجودها، بل لتدفعها إلى التعامل معها والالتزام بعرفها.

لا يراعي المتعهد وسلطات البلدية والشرطة أحوال السوق، وكساد التجارة، وتراجع مستوى المبيعات، وانخفاض العوائد، ولا ينظرون بعين الرحمة إلى عجز الباعة عن أداء الغرامات التي هي في حقيقتها أتاواتٌ ومكوسٌ، بل يصرون على أخذ نصيبهم المعلوم في وقته وحينه، وبتمامه وكماله، وإلا فإن خسارة الباعة ستكون أكبر، إذ بالإضافة إلى فقدهم بضاعتهم وخسارتهم المالية، فإنهم قد يخسرون مكانهم في الشارع، وموقعهم في الطريق العام، الذي يحل فيه غيره ممن يبدي استعداداً للدفع والتزاماً بالوفاء.

البسطات ظاهرةٌ عامةٌ في بلادنا العربية كلها وعلى مدى العام كله، لكنها تكثر في شهر رمضان من كل عام، وتزداد فترة المساء وبعد ساعات الإفطار حتى ساعة متأخرة من الليل، وتتضاعف أعدادها ويكثر زبائنها قبيل الأعياد وفي العطل والمناسبات العامة، وهي وسيلة الفقير للعيش وسبيل العاطل للعمل، يعمل فيها المثقفون والجامعيون ومن لم ينل حظاً وافراً من العلم، ومن انقطعت به السبل وفقد عمله وأصبح عاطلاً، لكنه وغيره يعيلون أسراً، وينفقون على أطفالٍ، ويتكفلون أيتاماً، ويتعهدون آخرين علاجاً ومساعدة.

على الرغم من أن السلطات كلها تعرف هذه الحقائق، وتدرك الواقع المأساوي الذي يعيشه هؤلاء الباعة المتجولون الذين أرغموا على هذا النوع من العمل، إلا أنها تلاحقهم وتطاردهم، وتطبق قوانينها الجائرةَ بحقهم بتعسفٍ وقسوةٍ، وبتشددٍ وصرامةٍ، وتبرر قسوتها بأنها حريصة على الشوارع العامة ونظافة الطرقات، ويهمها المظهر العام والتنظيم، ويسوؤها الفوضى ومشاهد البضائع المنثورة على الأرض، والمنشورة على مدى الشارع، ويزعجها أصوات الباعة وعروضات أصحاب البسطات، وتؤذيها الروائح المنبعثة وحالة الازدحام الشديدة في الشوارع، التي تعرقل السير وتمنع انسياب حركة المرور، وغيرها من الأسباب التي توجب قمعها، وتجيز عنفها، وتبرر سياستها الضابطة.

تحسن السلطات والحكومات استخدام العصا والسوط، وتمعن في العقاب والجزاء، وتتناسى دورها وواجبها، وما ينبغي عليها فعله تجاه مواطنيها، لتضمن لهم العمل والسكن والعيش الكريم، ثم تتساءل باستغرابٍ واستهجانٍ لماذا يثور المواطنون وينقلبون عليها، ولماذا ينتفضون على سلطتها ويرفضونها، ولماذا يطالبون بتغيير أنظمتهم وإسقاط حكوماتهم، أليس فيما ترتكبه الدولة في حقهم مبرراً لغضبتهم، ومسوغاً لانتفاضتهم، ودافعاً للخروج عليهم.

بيروت في 28/6/2016

تهجد الفلسطينيين ودعاؤهم في ليلة القدر/ د. مصطفى ي
إسرائيل إذ تعترف بجريمتها وتقر بخطأها / د. مصطفى ي
 

التعليقات

( لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..!! من فضلك كن أول من يعلق )
هل مسجل بالفعل ؟ تسجيل الدخول هنا
:
الجمعة، 19 تموز 2019

أخر مقال نشر للكاتب

  الثلاثاء، 28 حزيران 2016
  3854 زيارة

اخر التعليقات

: - SUL6AN تفكك البناء الأُسَري في المجتمع / غازي عماش
18 تموز 2019
كاتب جميل ومبدع اتمني لك التوفيق
: - جمال عبد العظيم الخلافه الاسلاميه المزعومه / جمال عبد العظيم
29 حزيران 2019
كلامك جميل زيك ياجمال واسلوبك في الشرح والتشبيه اجمل تحياتي لكلامك الر...
: - ناريمان بن حدو لِماذا الصِراعُ على الجَسدِ؟! / سامي عبد العال
16 حزيران 2019
تحليل مهم لفهم ماذا في اجسادنا وهي الوثائق التي لا نملك غيرها
: - حجاوي العبيدات لِماذا الصِراعُ على الجَسدِ؟! / سامي عبد العال
15 حزيران 2019
المقال رصين وجميل وقضية الجسد لا تجد اي اهتمام والفكرة كانت هي ثقافة...
: - SUL6AN إلى روح الحياة / غازي عماش
15 حزيران 2019
وارجوا يااخي غازي ان لايكون هذا سبب لانقطاعكم عن الكتابه الصحفيه كلنا ...

مدونات الكتاب

يوم 2 تشرين الاول الجاري كلف السيد رئيس الجمهورية برهم صالح السيد عادل عبد المهدي بتشكيل ا
هادي جلو مرعي
20 تشرين1 2016
أعجبتني كثيرا كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في ندوة للقوات المسلحة حضرها، وكان عدد من الصح
هادي جلو مرعي
25 أيار 2016
توسل قيس بن ذريح الشاعر بشقيقه الحسين بن علي بن أبي طالب، ليخطب له لبنى الحبيبة من أهلها ف
شه مال عادل سليم
24 كانون1 2016
ودع يوم أمس عالمنا المناضل الشيوعي الاربيلي طلعت احمد عزيز القصاب  المعروف ب( طلعت قصاب , 
محمد حمزة
26 نيسان 2018
عندما تكون هناك نقطة ضوء وتكون هي الوسيلة الوحيدة لكي تعود لك البصيرة مرة اخرى نحو مستقبلا
إسرائيل.. اللعبة أم اللاعب؟ زيد شحاثة تربينا نحن جيل القرن الماضي, على فكرة "قومجية" كما ي
ان الصدق في المعاملة هي الطريق الوحيد لبناء حياة جادة ومستقرة ومزدهرة وهكذا هي الاديان الس
ثامر الحجامي
22 تشرين1 2017
كتب عليها أن تأتي الى الدنيا يتيمة الأم، بعد أن توفيت والدتها أثناء الولادة، لتكون الأخت ا
كل يوم أقول غداً سأكسب أحلامي, غداً سأجد كل أمالي, كما كسبها أبطال الروايات الشرقية, وقصص
استلهمتني مسرحية حفار القبور للمخرج الفلسطيني فتحي عبد الرحمن التي تعكس الصورة القبيحة لتج

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال

شبكة الاعلام في الدانمارك تستخدم ملفات تعريف ارتباط لتحسين الخدمة وجودة أداء موقعنا ومكوناتنا الإضافية لجهاز الكمبيوتر الخاص بك ، أو جهازك الجوال. لتفعيل هذه الخاصية اضغط أوافق
أوافق