أمسيةٌ أدبيّةٌ قرمانيّة في الناصرة! / آمال عواد رضوان - شبكة الاعلام في الدنمارك

الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

اخبار أوروبا
دخول المدونة

تسجيل الدخول إلى حسابك

اسم المستخدم *
كلمة السر *
احفظ لي كلمة السر
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

أمسيةٌ أدبيّةٌ قرمانيّة في الناصرة! / آمال عواد رضوان

أمسيةٌ أدبيّةٌ ثقافيّةٌ قرمانيّة أقامها منتدى الفكر والإبداع احتفاءً بالأديبة سعاد قرمان، وذلك في كليّة الفنون- النّاصرة بتاريخ 6-2-2019، وسط حضور من الأدباء وذوّاقي الأدب، وقد تحدّث في اللّقاء كلٌّ مِن: د. فهد أبو خضرة عن دورها الريادي الأدبيّ والإعلاميّ، و د. محمد خليل في قراءةٍ تكاملية لنتاجِها الشعري والنثري، والأديبة آمال عوّاد رضوان تحدثت عن أثر الأسرة والبيئة في صقل شخصية سعاد قرمان، والأديب عبد الرّحيم الشيخ يوسف تحدث عن الديباجة الشعرية في حصاد العمر لسعاد قرمان لغة وأسلوبا، وفي النهاية شكرت المحتفى بها الأديبة سعاد قرمان الحضور والمتحدثين، ثم تم التقاط الصور التذكارية.
مداخلة د. فهد أبوخضرة: السيدة الأديبة سعاد قرمان رائدة من الرائدات اللاتي بدأن الكتابة في سنوات السّتّين، رائدةٌ مميّزةٌ كَتبتْ في أربعةِ مجالاتٍ مختلفة: الشّعر: النثر الأدبيّ، الإعلام، التّرجمة من وإلى اللغة الإنجليزيّة.
في الشّعر جاءت كتاباتها حول عدّة مواضيع رئيسيّة، أهمّها: الموضوع الإنسانيّ، الموضوع الوطنيّ، الموضوع الاجتماعيّ والموضوع الشخصيّ. استعملتْ في أشعارها الأسلوبَ الرومانسيّ الذي ظهر سنة 1932 وتوقف سنة 1948، بسبب الأحداث في فلسطين، إذ شكّلتْ هذه الأحداث صدمة للأمّة العربيّة، جعلتها تخرج من الرومانسيّة وتنظر إلى الواقع.
الذين استعملوا الأسلوبَ الرومانسيّ بعد سنة 1948، كانوا من الذين واصلوا كتابةً سابقة وطويلة العهد، تعتمد هذا الأسلوب، ثم جاء أتباعُ الرومانسيّة، وخلال سنوات الخمسين والستين جمعَ بعضُ الشّعراء بين الرومانسيّة والكلاسيكيّة، أو بينها وبين الواقعيّة الاشتراكيّة أو الواقعيّة النقديّة.
في هذه السنوات تميّزت الكتابةُ الشعريّة بالوضوح، وكان من المُهمّ عند الشعراء أن تصلَ أفكارُهم ومشاعرُهم إلى الجمهور، ومن هنا برزت ظاهرةُ المهرجانات الشعريّة التي كان يشاركُ فيها جمهورٌ غفيرٌ جدّا، يصل إلى عدّة مئات أحيانًا، ويتجاوزها أحيانًا أخرى، والشاعرة سعاد قرمان تميلُ إلى الوضوح بشكلٍ دائم، وبهذا ظلت بعيدةً عن أساليب الحداثة التي استعملت في الشعر العربيّ منذ أواخر سنوات الخمسين.
في النثر الأدبيّ كتبت مقالات عديدة حول مواضيع مختلفة، ولكنني أودّ أن أشيرَ بشكلٍ خاصّ إلى ما كتبته في موضوع المذكّرات حول عائلتها، وحول ذاتها، لأنّه يستحقُّ دراساتٍ جادّة.
في مجال الإعلام كان لها دورٌ كبيرٌ في سنوات الستين والسبعين، وقد استعملت اللغة الإعلاميّة المتأثرة باللغة الأدبيّة، مع اهتمام واضح بسلامة التعبير، واختيار المفردات، والالتزام بقواعد اللغة، وهو أمرٌ ذو أهمّيّة كبيرة في الماضي والحاضر والمستقبل، للمحافظة على اللغة العربيّة الفصيحة، هذه اللغة التي تتراجعُ باستمرار على أرض الواقع، مع الأسف الشديد، ونحن مدعوّون للتحرّك والقيام بما يجب، في أسرع وقت ممكن، لوقف هذا التراجع.
في مجال الترجمة عن الإنجليزيّة، يظهر لكلّ قارئٍ مُدقّق الإتقانَ الكبيرَ في الشعر العربيّ الذي صاغته، مع الالتزام إلى أكبر حدّ ممكن بالنصّ الإنكليزيّ، مدّ الله في عمرها، وكثر مثيلاتها في هذه الديار، ولها كل التقدير والاحترام.
مداخلة آمال عوّاد رضوان:
*وُلدتْ سعاد قرمان عام 1927 في حيفا لعائلةٍ محافظةٍ انتقلت من مدينةِ نابلس في بدايةِ القرنِ العشرين، وكانت حيفا في فورةِ انطلاقتِها للتّوسّعِ والازدهارِ التجاري، بعدَ الحربِ العالميّةِ الأولى، وحلقةِ وصْلٍ بينَ بلدانِ الشّرق الأوسطِ؛ سوريا العراق لبنان الأردنّ ومصر، وامتدَّ فيها خطُّ قطارٍ للشّام ومصرَ والسّعوديّةِ، ونتيجةً لانتصارِ بريطانيا وفرنسا في الحربِ العالميّةِ الأولى، واحتياجِ الجيشِ لمواصلاتٍ سريعةٍ تَنْقُلُ مُعِدّاتِهِ وأفرادَهُ، بُذلتِ الجهودُ نِهايةَ عام 1918م لإنهاءِ امتدادِهِ بينَ هذهِ الدّولِ الّتي أصبحتْ تحتَ الانتدابِ الإنكليزيِّ الفرنسيِّ، طِبْقًا لمعاهدةِ سايكس بيكو الشّهيرةِ الّتي قطّعتْ أوصال بلدانِ الشّرق الأوسطِ، وهيّأتْ لتوطينِ يهودِ أوروبّا والعالمِ في فلسطين.
* ترعرعتِ الطّفلةُ سعاد في جوّ من التّديُّنِ والأصالة الوطنيَّةِ في بيتِ العائلةِ الكبير المؤلف، عمل والدها بالتّجارة مع أخيهِ الأكبرِ، والوالدة عبقتْ حياتُها بروحِ الفنِّ والعِلمِ، وجدّتها لأبيها بشخصيتها الحازمة نالتِ الطّاعةَ والاحترامَ مِن جميعِ أفراد العائلة المُتآلفةِ على مائدةٍ واحدةٍ.
*كانَ العمُّ الكبيرُ عميدَ العائلةِ المخطِّطَ للأعمالِ عامّةً، ذا مركزٍ اجتماعيٍّ وطنيٍّ مرموقٍ، وكانَ والدُها مساعدَهُ ويهتمّ بتفقّد أمور العائلةِ والزّياراتِ والأعيادِ والمناسباتِ.
* كانَ لبيتِ جدّتِها لأمِّها القائمِ في الحيِّ ذاتِهِ التأثير في نفسيّة وروح الطفلة سعاد، فجدُّها كان كاتبًا في المحكمةِ الشّرعيّةِ، ربّى أولادَهُ وأبناءهُ على العِلمِ والتّقوى، وتُوفّيَ تاركًا الحِملَ على أرملتِهِ، وكانتْ خيّاطةً ماهرةً، وعلى ابنِهِ الأكبر الّذي عُيّنَ مُدرِّسًا، فاهتمَّ بتعليمِ إخوتِهِ الثّلاثة ورعى مواهبَهم؛ فتخصّصَ جمال بدران في كلّيّةِ الفنونِ التّطبيقيّةِ في القاهرةِ وبرزَ فيها، فأُرسِلَ في بعثةٍ إلى لندن حيثُ قضى أربعَ سنواتٍ، وعادَ فنّانًا مبدعًا في الزّخرفةِ الشّرقيّةِ والخطِّ الكوفيِّ، ومختلفِ فنونِ الزّخرفةِ والنّحتِ على الخشبِ والجِلدِ وغيرِهِ، وتخصّصَ الثّاني خيري بالنّسيجِ في ألمانيا وبرعَ في الحياكةِ والزّخرفةِ، أمّا الثّالث عبد الرّزّاق فتخصّصَ بالتّصويرِ الفوتوغرافيِّ بأنواعِهِ، كذلكَ إحدى أخواتِهِ نهيزة تخصّصتْ بالتّعليمِ وإدارةَ مدرسةٍ حكوميّةٍ.
*كانت أمّها الكبرى، وأختُها الأصغرُ سنًّا تزوّجتْ قريبَها الصّيدليَّ في الأردنّ، وربّتْ أبناءَها على التّكلّم فيما بينهم بالعربيّة الفصحى، ممّا كانَ يُثيرُ استغرابَنا عند اللقاء.
*الخالةُ الصّغرى تلقّتْ تعليمَها الثّانويَّ سنة (1925م) في المدرسة الإنجليزيّةِ العليا في حيفا، وكانتْ في حينِها أرقى مدرسةٍ عليا للبنات، تُضفي على طالباتِها الثّقافةَ الأوروبيّةَ والنّظامَ الإنكليزيَّ، واللّمساتِ الفنّيّةَ في كلِّ ما يتعلّقُ بالبيتِ والحياةِ.
*بينَ هذيْنِ البيتيْنِ ترعرعت سعاد، وشهدت التّوتّرَ العامّ بما يدورُ حولها مِن هجرةٍ يهوديّةٍ، وتَحَرُّكِ المُقاومةِ العربيّةِ وأخبارِ الثّوّارِ في الجبالِ، إذ كانَ بيتُ العائلةِ الحدَّ الفاصلَ بينَ الأحياءِ العربيّةِ ومنطقةِ اليهود، وكانت تراهم يحملونَ المشاعلَ وتسمعُ أناشيدَهم الحماسيةَ الغريبة، مما يثير توجُّسها، وفي سنة (1936م) أضربتِ الأوساطُ العربيّةُ إضرابَها الشّهيرَ لستّةَ أشهرٍ، ولم تكنْ قد أنهتْ تعليمها الابتدائيَّ.
*كانَ عمّها عضوًا في بلديّةِ حيفا، وعضوًا في الجمعيّةِ الإسلاميّةِ فرع حيفا الّذي تأسّس سنة (1928م). وكان اسمُهُ مُدْرَجًا في قائمةِ المنفيّينَ، فكان في بيروت، وبين العامين (1937-1938م) اشتعلتِ الثّورةُ الاضطراباتُ وضدَّ الإنكليزُ، احتجاجًا على وعدِ بلفور بتحقيقِ وطنٍ قوميٍّ لليهودِ في فلسطين، فانتقلتْ مع أمّها وإخوتها إلى بيروت، وبقيَ الوالد في حيفا في المحلِّ التّجاريِّ للمحافظةِ على الرّزقِ.
*تعلّمت في هذه السّنةِ في بيروتَ في مدرسةِ الآنسةِ أمينة المقدسيِّ الابتدائيّةِ، وعادت العائلةُ إلى حيفا ببابور صغيرٍ يشحنُ قطيعًا من الغنمِ، حُشِرَ في الطّبقةِ السّفلى من السّفينةِ، والعائلةُ على سطح السّفينةِ، وكانَ يومَها ربيعيًّا، أشبه بنزهةٍ ما بينَ ميناءَيْ بيروت وحيفا.
*استأجرت العائلة بيتًا في حيِّ الألمانيّة، لصعوبةِ السّكنِ في البيتِ القديمِ المُلاصقِ للحيِّ اليهوديِّ، فدرست سعاد لسنةٍ واحدةٍ في مدرسةِ راهباتِ الكرميليت بحيفا، وتلقّتْ مبادئَ اللّغةِ الإيطاليّةِ سنة (1940م)، لكن القلاقلُ السائدة، دفعتها مع أختها وأخيها الأصغرَ سنًّا، لمتابعة التعليم في مدارسِ غزة الحكوميّةِ، حيثُ كانتْ خالتها مديرةً في مدرسةِ البناتِ، وخالها أستاذًا.
*وهكذا حظيتُ بمعلّمةِ اللّغةِ العربيّةِ الآنسة عصام الحسيني، وكانتْ مُدَرِّسةً عظيمةً تُحبُّ اللّغةَ والأدب، وتغرسُ محبّتَها في نفوسِ طالباتِها، وكانَ جوُّ المدرسةِ وطنيًّا، ينتظمُون كلَّ صباحٍ ويننشدُون الأناشيدَ الوطنيّةَ: "نحن الشّباب"، "موطني" وغيرها، ممّا قوّى الرّوحَ العربيّةَ في نفوسِ الطّلّاب، وتأجّج الروحي بحبِّ الوطنِ واللّغةِ العربيّةِ والشِّعر، إضافة إلى نشاطاتٍ مهنيّةً إلى جانبِ التّعليمِ النّظريِّ، فكانتْ هناكَ حصّةٌ للتّدبيرِ المنزليِّ مِن طبخٍ وغسيلٍ وكيٍّ، وكانتْ حصّةٌ للتّطريزِ والأشغالِ اليدويّةِ، إضافةً إلى الرّياضةِ والأناشيدِ والقرآنِ الكريمِ والدّين الإسلاميِّ.
*عام 1940 إقامةُ مباراةٍ بينَ صفوفِ الثّوامنِ مِن المدارسِ الحكوميّةِ للبناتِ، وهكذا انهمكتْ مع بناتِ صفّها في إعدادِ برنامجِها للمباراةِ، فكانَ هناكَ قِطعٌ مطرّزةٌ منتقاةٌ، وتدرّبتْ على طبخِ صينيّةِ كبّةِ البطاطا، كما دأبتْ على حياكةِ بساطٍ مِن الصّوفِ الملوّنِ على نسقِ بساطِ غزّة الشّهيرة، وفي نهايةِ السّنةِ الدّراسيّةِ أُرسلتِ الأشغالُ اليدويَّةُ معَ المعلّمةِ المختصّةِ، والجميلُ أنّ الجميع حاز على المكانةِ الثّانيةِ بينَ تطريزٍ وحياكةٍ وطبخٍ.
*كانَ يُفترض في السّنة التّالية (14 عاما) أن تنتقلَ إلى دار المعلّماتِ في القدسِ للتّعليمِ الثّانويِّ والتّخصّصِ كمعلّمةٍ، لكنّ العائلةَ لم تعجبْها فكرةُ إرسالِ ابنتِها للدّراسةِ بعيدًا عن البيتِ، فأكملتْ تعليمها الثّانويَّ في ثانويّةِ راهباتِ النّاصرةِ في حيفا.
*لقد اخترتُ جزءًا صغيرا من حوارٍ طويلٍ أجريته مع الأديبة سعاد قرمان، هذا الجزءُ الذي أثّر تأثيرًا بالغًا وعميقًا في روح ونفسيّةِ الطفلة سعاد، وفي صقلِ وبلورة شخصيّتها التي هي عليها اليوم، وهنا تناولت الجانب التربويّ التأسيسيّ لشخصيّة الطفل، فكان البيت يُشكّلُ البيئة المثقفة الحاضنة الواعية، وكان لدور المدارس على اختلاف مشاربها وحضاراتها وأساليبها ومنهجيّتها المختلفة، الأثر العميق في إكساب سعاد الطفلة القطاف ميزةَ اقتطافِ الثمار الطيّبة الناضجة، فقويتْ لغتها العربيّةُ في غزّة، والإنكليزيّةُ في بيروت، والفرنسيّةُ في راهباتِ النّاصرةِ، عدا عن المهاراتِ المختلفةِ كالتّطريزِ والحياكةِ والتّدبيرِ المنزليِّ والرّياضةِ، التي دعّمت شخصيتها المثقفة المؤمنة بنفسها وقدراتها وطاقاتها، لتكون من الرائدات المُحرّكات في المجتمع.
*هذا الجزء من الحوار المطول يعكس الحالة الأمنية والقلاقل الثورية، ولكن هل يعكس حال المجتمع العامّ والحالة الاجتماعية العامّة في تلك الفترة؟
مداخلة د. محمد خليل:
أهلًا بكم ومعكم تحتَ سماءِ الأدب والثقافة والإبداع، وأبدأ قبل كل شيء، بفقرة لعميد الكتَّاب عبد الحميد الكاتب، يقول فيها "وتحابّوا في اللّه عزّ وجلّ في صناعتكم وتواصَوا عليها بالذي هو أليقُ لأهل الفضل والعدل والنبلِ من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتى ترجعَ إليه حاله... وإن أقعد أحدًا منكم الكبَرُ عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظّموه وشاوروه واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته".
وبعد، نلتقي في هذه الأمسية الأدبيّة والثقافية، حولَ مأدبةٍ من نوعٍ آخرَ، مأدبةٍ فنيةٍ مختلِفٌ طعامُها لونًا ومذاقًا ونكهةً، لما تشتملُ عليه، أو تشتهيه النَفسُ الذوَّاقة، مما لذَّ وطاب من صنوف الكلام.
سعاد قرمان اسم غنيٌّ عن التعريف، فقد عُرفت في الساحة الأدبيّة والثقافية المحلية وغير المحلية، من خلال نشاطاتها الإبداعيةِ في غير مجال، نذكر منها على سبيل المثال: التعليم والإعلام والثقافة، والترجمة، والأدب بمنثورِه ومنظومِهِ!
تلك المرايا المتجاورة، كان لها النصيبُ الأوفرُ في صقل شخصيتها الإنسانية والأدبيّة والثقافية وحضورِها الفاعل على حدٍّ سواء. كان لي شرفُ التعرُّفِ إليها عن كثب من خلال اللقاءات الأدبيّة والندوات الثقافية، وقراءتي قراءةً تكاملية لنتاجِها الشعري والنثري، فوجدتُ فيها، والحقُّ يقال، قيمةً وقامةً، إنسانيًا وأدبيّا وثقافيًا. تقول في قصيدة "كبرياء" ص92:
"أصونُ الكرامةَ بالكبرياءِ وأطوي الحياةَ بوحيِ الضميرْ
أبُثُّ شعوري في كلِّ حرفٍ / وأسبُرُ غورَ المعاني المثيرْ
ويملأُ نفسي حبٌّ كبيرْ / لأرضي، لشعبي، لطفليَ الصغيرْ"!

إلى ذلك، فقد كانت سعاد قرمان نموذجًا للمرأة المكافحة حيث قبلت التحديِّ بإصرار وشقَّت طريقَها بمجهودِها الخاص، وبَنَت نفسَها بنفسِها لتَكونَ إنسانةً مبدعةً ومعطاءةً على الرُّغمِ من تلك الظروف الصعبة التي واجهتها في الحياة، إلى أن أصبحت وبجدارة مثالاً للمرأة المكافحةِ وللأديبةِ العصاميةِ بكل ما للكلمة من معنى، مسكونةً بالإرادة وقبولِ التحدي:
"لا وقتَ عندي للبكاءْ
لا وقتَ عندي للتردُّدِ والرجاءْ
..........
وحدِي، سوفَ أنتزعُ انتصاري"!
عبرَ تلك النافذةِ تحديدًا يمكنُنا أن نطلَّ على عالمِها الأدبيّ. إنَّ المتتبعَ لنتاجِها الأدبيّ وبشقيه الشعري والنثري، يستطيعُ أن يقرِّرَ بلا ترددٍ أن كتابتَها غنيةٌ وفنيةٌ بكل المقاييس على الرُّغم من أنها مقلَّةٌ نسبيًا، علمًا أنها لم تنشر قصائدَها في كتابٍ إلا بعدَ مرورِ عقودٍ طويلة من التأني والتمحيص على بدء الكتابة الشعرية!
أما كتابتُها الشعريةُ والنثرية، وهي منبرُها الحر، فتعدُّ مرآةً حقيقيةً لذاتها لأنها تشبهها لدرجة التطابق التام في صدقها وشفافيتها وتواضُعِها. كتابتها الأدبيّة تضيء لنا جوانبَ معتمةً في الحياة، يشهد على تلك الحقيقة ما يلحظُهُ القارئ مما تمتحه من مخزونٍ ثقافيٍ ولُغويٍّ في المفردات والعبارات، وأسلوبٍ يمتازُ بتمكنه من مختلف الوسائلِ الفنيَّةِ، على نحو قريب من الأفهام، الأمرُ الذي يؤكِّدُ على أنها قارئةٌ جيِّدة تمسك بناصية اللغة، من جهة. وأنها تجسِّد فكرةً سبق أن نادى بها إليوت وهي أنَّ "الشعرَ يجب أن لا يبتعدَ كثيرًا عن اللغة العادية اليومية التي نستعملها" وهي لغةُ الناس! فلغتُها مفهومةٌ وميسرةٌ دون ابتذالٍ أو تكلُّف! من جهةٍ أخرى! ومن جميل ما وقعت عليه، من قصيدة "نداء ص138-139" كتبت تقول:
"عُدْ يا حبيبي.. واقترب مني فصدْرُكَ مضجعي
وصفاءُ عيْنيْكَ العميقُ يُزيحُ سترَ تمنُّعي
فأرى جماليَ عاريًا وإن اكتسيتُ-ولا أعي"/
-----------------
إلى أن تقول "وجمالُ روحِكَ قد أحالَ الكونَ أحلى موئِلا
فبقُربِكَ الدُّنيا نعيمٌ ، والنعيمُ إذا خلا
من رنَّةِ الصوتِ الحبيبِ أخاله قد أمحلا"!
وأختِمُ قائلًا: شكرًا للمحتفى بها الأديبة سعاد قرمان، شكرًا للكلمةِ التي جمعتنا، شكرًا للإبداع الذي أمتعنا، شكرًا لكم جميعًا.

الانسحاب المفترض للمملكة المتحدة من الاتحاد الأورو
المراة الصالحة اساس لبناء البيوت / د.صالح العطوان

مواضيع ذات صلة

 

التعليقات

( لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..!! من فضلك كن أول من يعلق )
هل مسجل بالفعل ؟ تسجيل الدخول هنا
:
الإثنين، 21 تشرين1 2019

مقالات ذات علاقة

12 نيسان 2014
برغم مرور عامين على رحيل محمود صبري، الفنان والمفكر الرائد، والانسان قبل هذا وذاك،  لم ازل
3863 زيارة 0 تعليقات
21 نيسان 2014
علي العبودي /النجف الاشرفضمن المنهاج الثقافي لاتحاد الادباء والكتاب في النجف الاشرف 2014 س
4281 زيارة 0 تعليقات
18 أيار 2014
احتضنت قاعة الحبوبي في اتحاد الادباء والكتاب في النجف الاشرف الامسية القصصية لمجموعة من كت
4146 زيارة 0 تعليقات
22 آذار 2017
شبكة الاعلام في الدنمارك كوبنهاكن / رعد اليوسف شهد مساء الثلاثاء (21 آذار) تنظيم اُمسية
4015 زيارة 0 تعليقات
مكتب بغداد - شبكة الإعلام في الدانمارك تصوير يونس عباس سليم نظم أمير ديوان إمارة
4672 زيارة 0 تعليقات
رسالة بغداد / عكاب سالم الطاهرلليوم السادس ، على التوالي ، تستمر فعاليات معرض بغداد الدولي
3649 زيارة 0 تعليقات
17 نيسان 2017
للعام العشرين علي التوالي أقيم الحفل الختامي لتوزيع جوائز " مسابقة عمر الفاروق للقصة القص
3488 زيارة 0 تعليقات
23 نيسان 2017
في زيارة الى مقر مجلة ( الشبكة العراقية) برفقة الزميلة العزيزة نرمين المفتي مديرة الفضائية
3849 زيارة 0 تعليقات
مكتب بغداد - شبكة الإعلام في الدانمارك تصوير يونس عباس سليمنظم عميد ديوان قبائل زبيد
3372 زيارة 0 تعليقات
مكتب بغداد - شبكة الإعلام في الدانماركتصوير يونس عباس سليمافتتح اليوم الأربعاء العاشر من أ
3214 زيارة 0 تعليقات

اخر الاعضاء المسجلين في الشبكة

أخر مقال نشر للكاتب

  الإثنين، 11 شباط 2019
  251 زيارة

اخر التعليقات

: - حسين يعقوب الحمداني افتتاح مكتب استشاري قانوني من خلال خبراء متخصصين للمقيمين من العرب والاجانب في كوبنهاكن - دانمارك
16 تشرين1 2019
تحية طيبة لدينا أستشارتين قانونية لو سمحتم فهل لنا بالعنوان المتوفر لد...
: - SUL6AN سأرحل / غازي عماش
13 تشرين1 2019
مبدع دايمآ
: - علي العراقي 1الليزيانثس في غابة / اسراء الدهوي
18 أيلول 2019
مقال رائع ومهم يحاكي واقعا ..
: - سامسون محمد مرسي والتّلفزيون الإسرائيلي الذي تواجد حصراً في مقبرته! / خالد الجيوسي
04 أيلول 2019
استاذ خالد سلام من الله عليك كنت ابحث عنك طويلا و خصوصا عن مقالاتك في ...

مدونات الكتاب

يحيى دعبوش
20 تشرين2 2017
اليمن - يحيى دعبوش بحضور رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور/ أحمد دغار, شهدت قاعة الشهيد حسن سعي
نحن حريصون على مذهبنا ولكن لا يحق لنا تسقيط الاخرين واذا طوينا كشحا عن مجادلته نكون قد زدن
هذي دِمِــــــاكَ على فمي تـَـتـَـكلـّـمُ  ***  مَاذَا يَقولُ الشـّـــعرُ إنْ نَطقَ الدمُ 
وداد فرحان
23 كانون1 2016
سأترك كل كوابيس الليل والنهار المتكدسة في ذاكرة الماضي، وأمحوها في زلال الأمل. سألفظ الهم
يسجن الأشخاص هنا وهناك ، وممكن يكون فيهم البرئ ويمكن غير ذلك ، ولكن زيارتهم ممكنة بأغلب ال
قضيّة رواتب موظفي " الإقليم " إبتدأت الدخول بأتجاه < الأوتوستراد – الطريق السريع > ,
من السمات البارزة في المدن السياحية وبخاصة الدينية، أنها تستقطب الناس كل الناس من كل حدب و
جمعة عبدالله
30 نيسان 2016
انتفاضة الشعب حتى تحقيق الانتصار الاحزاب الطائفية الفاسدة , مارست الغطرسة والعنجهية في امت
سيناريوهات منذ اوسلو حيث بدأت تفكيك الدول والمؤسسات، وأصبحت مجرد دول داخل اقفاص، وان راود
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ بطعمِ اللهفةِ ياوطني، وطابَ شذاك.أصلّي لأجلِكَ ولِلّناسِ هُناكَمِن أعلى ق

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال