فاضل البراك.. سيرة حياة.. معلومات موثقة تنشر لأول مرة / د. هادي حسن عليوي - شبكة الاعلام في الدنمارك

الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

اخبار أوروبا
دخول المدونة

تسجيل الدخول إلى حسابك

اسم المستخدم *
كلمة السر *
احفظ لي كلمة السر
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

16 دقائق وقت القراءة ( عدد الكلمات 3100 ) .. ( من فضلك أكتب تعليقك في نهاية الموضوع )

فاضل البراك.. سيرة حياة.. معلومات موثقة تنشر لأول مرة / د. هادي حسن عليوي

 صفاته وسلوكه:

شخصية معقدة.. ذكيً جداً.. ومحترفاً بامتياز.. بالغ في الانتقام.. بقتل المناوئين لحكم صدام.. استخدم أبشع أساليب التعذيب ضد محمد باقر الصدر.. وكوادر حزب الدعوة.. مثلما صفى بعض البعثيين ومريدي النظام السابق.. نجح في تفكيك الحزب الشيوعي.. وًنًظرً لتهجير الكرد الفيلين.. ثم هجرهم بطريقة لا تمت بأية صلة بالإنسانية.

السيرة والتكوين:

ولد فاضل براك حسين الملقب بـ "البراك" العام 1942.. من عشيرة (البيجات).. سكنت أسرته في مدينة بيجي.. درس الابتدائية والمتوسطة فيها.. أكمل دراسة الإعدادية في مدينة سامراء.. دخل بعدها الكلية العسكرية العام 1962.. انتمى الى حزب البعث العام 1958.

البراك.. وانقلاب تموز 1968:

شارك البراك بانقلاب تموز 1968.. تم ترفيعه الى رتبة مقدم.. وتعيينه ضابط أمن القصر الجمهوري.. ومرافقا لرئيس الجمهورية احمد حسن البكر.

صدام يحتضن البراك:

بعد عام وبضعة شهور أمر البكر بطرده وإعادته الى وظيفته السابقة مراقب مخابز نتيجة تلاسنه مع زوجة الرئيس (أم هيثم) خلال اتصال هاتفي.

يبدو أن صدام الذي استحسن موقف البراك وجرأته في مواجهة زوجة الرئيس.. وأحسً بحاجته الى مثل هذا الضابط ليكون من ضمن الحلقات المرتبطة به.. فسعى الى نقله الى قوات الحرس الجمهوري.. وعينهُ آمراً لقوة حماية دار الإذاعة.. ويقال إن الرئيس البكر امتعضً من تنسيب البراك الى قوة الإذاعة.. وهو الذي أمر بإبعاده عن الجيش.. غير إن صدام لم يجرؤ على التدخل في ذلك الوقت.. بل أقنع الفريق حردان التكريتي بتهدئة البكر.. واستحصال موافقته على بقاء البراك في الإذاعة لأنه ضابط بعثي ملتزم.. ونجح حردان في مهمته.

تدخل الحظ في بروز البراك من جديد عندما قام الضابط المتقاعد محمد رشيد ألجنابي الذي كان يخطط لانقلاب العام 1969 مع اللواء عبد الغني الراوي وآخرين.. بمفاتحة البراك للانضمام.. فقد اعتقدت المجموعة الانقلابية إن البراك يحمل كراهية للبكر.. الذي عاقبه وأبعده عن القصر الجمهوري.. والتعاون معه مفيد للسيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون.. وقبل أن يعطي البراك موافقته ذهب الى صدام.. وابلغه بما جرى معه.. فطلب منه صدام أن يساير المجموعة الانقلابية.. ويخترقها ويتعرف على ابرز من فيها.. وهنا ظهرت مواهب البراك الأمنية.. فقد تمكن من خداع المجموعة.. وكشف جميع عناصرها.. وهو الذي حدد ساعة الصفر للانقلاب.. وقاد كبار المشاركين في الانقلاب المزعوم الى القصر الجمهوري لتسلم مواقعهم.. حيث كان البكر وصدام في استقبالهم والاعتداء عليهم.. واعتقالهم ومن ثم إعدامهم.

تقديراً لدوره في كشف (المؤامرة) تم ترفيعه لرتبة عقيد وتعينه ملحقاً عسكرياً في السفارة العراقية في موسكو.. ومسؤولاً عن تنظيمات حزب البعث في الاتحاد السوفيتي.. وخلال وجوده في موسكو حصل على شهادة الدكتوراه (دور الجيش العراقي في حكومة الدفاع الوطني والحرب مع بريطانيا عام 1941).

انتخب عضواً قيادة قطرية في المؤتمر القطري العاشر العام 1986.. تنازل عن المنصب لانشغاله كمدير لجهاز المخابرات.. العام 1989عين المستشار السياسي لرئيس الجمهورية.

اختراق الحزب الشيوعي:

نهاية العام 1976 أعيد البراك الى بغداد وعين مديراً عاماً للأمن العام.. وخلال وجوده على رأس هذه الدائرة.. عمل البراك على تنظيمها وفق المواصفات الأمنية السوفيتية.. مهتماً بضباط أمن.. وجدً فيهم إمكانيات متميزة في مكافحة أحزاب وشخصيات المعارضة السياسية.

كانت المهمة الأولى التي أوكلت للبراك هي تفكيك الحزب الشيوعي العراقي.. الشريك مع حزب البعث في الجبهة الوطنية التقدمية.. والمشارك في الحكومة بوزيرين هما عامر عبد الله ومكرم الطالباني.

وخلال عام واحد نجح البراك في كشف اغلب الخلايا الشيوعية.. واختراق قيادات عليا في هذا الحزب.. وعندما حانت ساعة التخلص من الحزب الشيوعي.. كانت أجهزة البراك مستعدة وجاهزة لتنفيذ خطتها التي تضمنت السماح لقياديي وكوادر الحزب بالتوجه الى خارج العراق.. وعزل القيادة الشيوعية عن قواعدها.. الأمر الذي سهل ضرب هذا الحزب والإجهاز عليه.

تصفية الصدر:

شعرً صدام بخطر وجود السيد محمد باقر الصدر.. عندما أرسل الإمام الخميني رسالة علنية الى السيد محمد باقر الصدر يدعوه الى عدم مغادرة العراق.. فجرى اعتقال السيد الصدر في 25 آذار العام1980.. وتم إرساله الى بغداد.

في اليوم الثاني هددت شقيقته السيدة (بنت الهدى) الأمن والحزب بان التظاهرات ستندلع في الكاظمية والنجف وكربلاء غداً.. إذا لم يتم إطلاق سراحه.. وفعلاً في اليوم الثاني بدأت حشود المتظاهرين في التجمع.. لكن أجهزة الأمن والحزب كانت لهم بالمرصاد.. وتم اعتقال أكثر من ألفي متظاهر.

وبدأت المحافظات الشيعية تغلي لإطلاق سراحه.. وبتحريض قوي ومنظم من السيدة (بنت الهدى).. شعرً صدام بخطورة الوضع.. فأمر فاضل البراك مدير الأمن العام بإطلاق سراح وإعادته الى النجف.

وما أن عاد السيد الصدر في دار الشيخ عبد الله المامقاني.. حيث كان يسكن خلف مدرسة الخوئي.. توجهت جموع المهنئين.. وتوافد الآلاف من مختلف المحافظات الى بيت السيد الصدر.

الاعتقال الثاني:

خشيً مدير أمن النجف العميد أكرم سعيد ألحيالي من تطور الوضع.. فاتصل بمدير الأمن العام فاضل البراك وأبلغه بخطورة الوضع.. اتصل البراك على الفور بصدام.. الذي أمرً باعتقال السيد الصدر وشقيقته بنت الهدى معه وإرسالهما الى بغداد.

وهكذا وفي 25 نيسان 1980 توجه مدير أمن النجف مع مفارز أمنية الى دار الشيخ المامقاني.. وتم اعتقال السيد محمد باقر الصدر وشقيقته السيدة بنت الهدى.. وأخذوهما فوراً الى مديرية أمن النجف.

وتوجهت أكثر من 10 سيارات أمنية بما فيهم مدير الأمن العامة في بغداد.. وحال وصولهما تم وضعهما في إحدى غرف المديرية.. وعلى الفور جرى التحقيق معهما من قبل البراك مباشرة.. الذي أخذ يسأل ويصرخ على السيد الصدر قائلاً: حذرناك منذ أسبوعين.. فلماذا لم تلتزم؟.. هل تريد الموت؟ أجاب الصد: الوفود التي جاءت للسلام والتبريك.. هل أمنعها؟

جرى تعذيبهما بشكل هستيري من قبل البراك مباشرة وجلاوزته.. وجاءت الأوامر مباشرة من صدام بإعدام الصدر وأخته في مبنى الأمن العام.. وقد تم التنفيذ من قبل النقيب شاكر "أبو شيماء" من أمن النجف والعميد سعدون باطلاقات من مسدس كاتم للصوت كل منهما بطلقة في رأسه.

تصفية حزب الدعوة:

بعد التخلص من الصدر.. اتجه البراك الى حزب الدعوة.. وشن عليه حملة ضارية لم يفرق خلالها بين أعضاء هذا الحزب وبين المتعاطفين معه.. وبين عامي 1980 ـ 1983 استخدم البراك في مواجهة حزب الدعوة أساليب قاسية وممارسات فجة.. ويعزى إليه الفضل في تقويض هذا الحزب في العراق.. فقد أعدم البراك أكثر من 100 رجل دين.. وصفى عوائل بكاملها.. واعتقل المئات.. الذين غيب أكثرهم.

تهجير الكرد الفيليين:

اعتبر فاضل البراك في كتابه (المدارس اليهودية والإيرانية في العراق) التبعية الإيرانية ترتبط تاريخياً ونفسياً واجتماعيً وسياسياً واقتصادياً بوطنها الإيراني.. (وإن التبعية أنيط بها العمل على معاداة النهوض القومي والتطلعات القومية للأمة العربية.. بل الوقوف في وجه أي حكم وطني تحرري قام في العراق).. وهو ما يفسر القرار 666 الصادر في 5/7 /1980 من قيادة حزب البعث بتهجير العراقي الذي أصله أو تبعيته إيرانية.

وهكذا جاء حديث صدام في 16/2 /1981 " اجتثوا من ارض العراق التبعية لكي لا يدنسوا الدم العراقي.. عندما تمتزج دماؤهم بدماء العراقيين بالتزاوج".. وجرى تجريد المُهجر من كل شيء.. سوى ملابسه التي كان يرتديها حتى تسفيره.. ومصادرة الممتلكات عن هؤلاء عنصراً رئيسا في الحملة ضد التبعية بحرمانها من الموارد المالية التي يحتاجها لشراء الغذاء وتوفير الملجأ.. وتلاها سحق وإخضاع للشقاء.

رئاسته لجهاز المخابرات:

إزاء النجاحات البارزة التي سجلها البراك لنظامه الدموي.. كرمه صدام فعينه رئيساً لجهاز المخابرات بعد إقالة (برزان إبراهيم التكريتي) العام1984.. وينقل عن صدام في حفل تكريم البراك بهذه المناسبة انه قال: (لولا الرفيق فاضل وجهوده ومبادراته في التصدي لعملاء إيران.. (يقصد الأحزاب الشيعية والكرد الفيليين).. ولولا مواجهته وشجاعته.. لكان العراق في وضع آخر).. وتوجه صدام في الحفل ذاته الى ابن عمه علي حسن المجيد (علي كيماوي) الذي عينه مديراً للأمن العام (بدلاً من البراك) وخاطبة قائلاً: "سر على خطى الرفيق فاضل واستفد من تجربته".

استطاع "البراك" إقرار منهجية عمل جهاز المخابرات.. التي كانت بمثابة (دستور) عمل الجهاز.. وتم انجاز نظام معاملة المعلومات.. ونظام إدارة المصادر.. وتحديد الصلاحيات.. للمفاصل القيادية في الجهاز بشكل دقيق.. وتحول الجهاز الى مؤسسة أمنية رصينة.

تصفية نفوذ برزان:

خلال عام تمكن البراك من تصفية نفوذ برزان التكريتي في جهاز المخابرات.. ونقل ابرز مساعديه الى خارجه.. وفرض تعليماته وأوامره على هذا الجهاز الخطير.. لكنه لم يخطر بباله إن هذه الأعمال التي يقوم بها والنجاحات التي يحرزها كانت تثير لدى صدام شعوراً بالتوجس منه.. خصوصاً عندما حشر البراك نفسه في قضايا كشف انحرافات واختلاسات عدد من أقارب صدام وأبناء عمومته.. الذين طغوا بشكل سافر في الثمانينيات.. الأمر الذي أغضب صدام.. واعتبر تدخله في موضوع ليس من اختصاصه في مكافحة التجسس والتآمر الخارجي وتستهدف الاستئثار وبسط النفوذ الشخصي.

بداية النهاية:

ارتكب البراك في تلك الفترة خطأ قاتلاً عندما استدعى سكرتير صدام الصحفي الدكتور محسن خليل.. الذي طرد من وظيفته بأمر من صدام.. واهتم به وخصص له سيارة حديثة.. وراتباً شهرياً دون إشعار أو استئذان من الرئاسة.. خاصة إن خليل بعد استقبال البراك له.. وتسلمه السيارة والمكافأة المالية.. ذهب الى القصر الجمهوري وابلغ المسؤولين فيه.. بما جرى له مع رئيس المخابرات.. وكانت النتيجة أن أصدر صدام أمراً بعزل البراك من رئاسة المخابرات.. وتعيينه مستشاراً.. وهي وظيفة هامشية.. وأعاد الاعتبار لسكرتيره الصحفي السابق.. وعينه مديراً عاماً لمركز البحوث والدراسات التابع للقصر الجمهوري.

وحتى يضمن صدام استمرار ولاء البراك له في ذلك الوقت.. أوفده الى المغرب مطلع العام 1989 حاملاً رسالة منه الى الملك الحسن الثاني.. وفي الرباط أمضى عدة أيام بعد إكمال مهمته للراحة والاستجمام.. وخلال إجازته هناك زاره صديق قديم غادر بغداد منذ سنوات طويلة.. نصحه هذا الصديق أن يجد وسيلة أو ذريعة لمغادرة العراق.. لان معلوماته تشير الى انه سيواجه مشاكل ومضايقات كثيرة خلال المرحلة المقبلة.. فوجئ الصديق بان البراك يقول له انه يعرف ذلك ..ويعرف إن إقالته من رئاسة المخابرات مقدمة لتصفيته.. لكنه لا خيار أمامه غير البقاء في بغداد.. ومما قاله البراك انه رجل مطلوب.. وفي رقبته دماء كثيرة.. واعتكف البراك بمنزله مبتعداً عن أصدقائه ورفاقه السابقين.. وكان يمضي اغلب أوقاته في مزرعته في ضواحي العاصمة بغداد.

الضوء الأمريكي لاحتلال الكويت:

وفقا لمقربين منه.. وقبيل احتلال الكويت بعدة أشهر أوفد البراك في زيارة سرية الى لندن ومن هناك الى الولايات المتحدة.. وهي زيارة مازالت طي الكتمان.. ولا يعلم تفاصيلها إلا ثلاثة أطراف.. اثنان غادرا الحياة.. هما صدام حسين وفاضل البراك.. والطرف الثالث الإدارة الأميركية السابقة بعهد الرئيس جورج بوش الأب ومخابراتها التي مازالت تلتزم الصمت عن تلك الزيارة وأهدافها.. وما جرى فيها بشأن الكويت.. فالبراك الذي كان ملتزماً بدوره المكلف به من صدام بنقل الرسالة الى واشنطن بشان الكويت لم يخفِ لاحقاً موقفه برفض احتلال الكويت وبقاء القوات العراقية فيها وتأكيده للرئيس بان دخول الكويت: فخ يراد فيه تدمير العراق لكن كان لصدام رأي وقناعة أخرى.

يشير الصحفي محمد حسنين هيكل وكانت تربطه بالبراك علاقة وثيقة.. عبر (برنامج المصير) مع محمد كريشان على قناة الجزيرة وبث العام 2007 إلى أن البراك التقى مسؤولين في المخابرات الأميركية من بينهم روبرت غيتس (مدير المخابرات الأميركية لاحقا) في مدريد وعدً الأمريكان بإعطاء الكويت للعراق في حال ضربه الثورة الإيرانية العام 1980.

وما يؤكد هذا الموقف.. هو قبيل احتلال صدام للكويت.. وفي 25 حزيران / يونيو 1990 التقى صدام حسين مع السفيرة الأمريكية غلاسبي.. التي قالت أن أمريكا "ليس لها رأي بشان صراع عربي- عربي".

موقف البراك من غزو الكويت

أدرك بان الموقف الدولي لن يكون مرنا في التعاطي مع خطوة بهذا الحجم.. وبحسب المقربين.. قاوم البراك ما يبدو إنها أوامر صادرة من الرئيس شخصيا بأن يكون الرأي المتعلق بغزو الكويت منسجماً مع الرغبة بعودة "الفرع إلى الأصل".. كان اعتراضه معبراً عن شخصه المعارض لبقاء القوات العراقية بالكويت أو استمرار الغزو.

ما آثار الجناح المتشدد والقريب من صدام والحانق أساساً على البراك بدفع أجندتهم السياسية لتصفية الحسابات القديمة معه عقب عزل برزان التكريتي من المخابرات واستغلال ذلك ذريعة لضرب ثقة الرئيس بالبراك.

تشكلت بعد غزو الكويت في 1990 بأمر رئيس الجمهورية لجنة رئيسها فاضل البراك وضمت: عبد الملك الياسين.. وعبد الحسين الجمالي.. وصادق اسود.. وكاظم هاشم نعمة.. وعبد الجبار الهنداوي.. أعضاء لتقديم رأي لصدام بشأن أزمة غزو الكويت.. لكن تقرير اللجنة لم يعجب الرئيس فتوصياتها تضمنت ضرورة الانسحاب من الكويت.. وخطورة الوضع على العراق وعلى أثر ذلك تم حل اللجنة.. وهو أمر يؤكده السفير السابق عبد الملك الياسين بشهادة مصورة.

حاضر ومستقبل مجهول:

أحيل البراك على التقاعد العام 1991 قبيل بدء الحرب الأميركية.. وكان واضحاً لزواره تذمر الرجل من الأوضاع العامة بل خشيته من القادم.

وعندما بدأت حرب عاصفة الصحراء مطلع العام 1991 حاول البراك الانتقال الى كردستان.. فذهب الى صديق كردي يعمل بالتجارة والمقاولات.. ومتعاون مع السلطات الحكومية.. ليسهل له السفر الى شمال العراق مؤقتاً.. ريثما تنتهي الحرب.. غير أن صديقه الكردي خشيً من مساعدته.. واعتذر عن تلبية رغبته.. وهناك اعتقاد لدى أسرة البراك بان هذا الصديق هو الذي ابلغ السلطات الحكومية بنوايا البراك بمغادرة بغداد الى خارجها.. الأمر الذي دعا صدام الى استدعائه وتعنيفه لعدم تطوعه ومشاركته في مواجهة (الانتفاضة الشعبانية).. التي اندلعت في شمال ووسط وجنوب العراق ضد نظام صدام.

ونقلاً عن أحد أصهاره.. فان البراك خرج من تلك المقابلة وهو في اشد حالات اليأس والقنوط.. وابلغ أسرته بان مصيره بات مهدداً في أي ساعة.. وقام بترتيب شؤون زوجته وأولاده وتسجيل ممتلكاته باسمهم.. اعتقاداً منه بأنهم سيكونون في مأمن من العقوبات في حال تعرضه الى أي طارئ.

النهاية::

فتح رفض البراك لبقاء القوات العراقية بالكويت أبواب الغضب.. وبدأ النظام بدفع من سبعاوي الذي كان يكن كراهية شديدة وقديمة للبراك.. مرحلة التنكيل فتم اعتقال كل من يرتبط بعلاقة صداقة معه.. ووفقا لأحد رفاقه في شهادته عن ما جرى بان "رغبة رأس النظام كانت التخلص من صندوق أسراره والتوجس منه كون الرجل علم من الأسرار الخطيرة ما تجاوز الحد المسموح".

تركز التحقيق في البحث عن أي ثغرة في عمله لكن المحققون لم يجدوا شيئاً يستحق الذكر باستثناء مخالفات إدارية بسيطة ممكن حدوثها مع من يتولى إدارة اخطر جهازين أمنيين منذ العام 1976 وحتى العام 1989.. لكن خصومه لم يقتنعوا فعادوا واعتقلوا كل من كان قريباً إليه إثناء توليه إدارة الأمن العام ولم يجدوا شيئاً يستحق الذكر.

شهادات رجال مخابرات

دنت ساعة تصفية الحسابات القديمة بالاتكاء على الموقف من الكويت فتفتق ذهن من تولى إدارة المخابرات "سبعاوي إبراهيم" الى صناعة قصة هوليودية تعتمد الإثارة وجذب الأنظار لكنها مهلهلة.. فـ "قصة الخيانة والعلاقة بألمانيا الشرقية أو الاتحاد السوفيتي" التي تم الترويج لها عبر جهات مرتبطة بالسلطة وسرت كالنار بالهشيم.. فباتت إحدى المسلمات من الحقائق مع إن التحقيق بها تم فعلا من دون الوصول لأي دليل.. فلم يكن اعتباطاً من سبعاوي إن يجري اختيار هذه الدولة أو تلك ليكون البراك "عميلا" لها.. فلجأ الى سياسة خلط الأوراق فتارة يتهم بالتعامل مع الاتحاد السوفيتي وتارة يتهم بألمانيا الشرقية.

فالدولتان أصبحتا في خبر كان ولا يمكن العودة إليهما أو أن يتم مفاتحة السلطات فيهما.. كما إن شخصية مثل فاضل البراك المعروف بتوجهه القومي العربي المناوئ للشيوعية كان ابرز من تم تكليفه بتفكيك الحزب الشيوعي العراقي.. حتى انه تمكن إثناء إقامته في الاتحاد السوفيتي قبل نقله مديرا للأمن العام في 1976 من تجنيد أمين عام الحزب الشيوعي العراقي خليل الجزائري وتامين انشقاقه عن الحزب الذي اقر بهذه الواقعة في وثائقه.. فما هي المصلحة من وراء "العمالة" لهاتين الدولتين الشيوعيتين السابقتين.

البراك كان يتعاط مع مسؤولي الدولتين بمبدأ الند بالند وليس التابع والمتبوع.. فالواقع يتحدث عكس ما أراد له منافسوه ودحض بالدلائل والوقائع نظرية التجسس.. ويدعم تفنيد هذه النظرية.

معاون مدير جهاز المخابرات الأسبق العميد الركن خليل إبراهيم سلطان الذي بادر بتقديم شهادته عن مدير المخابرات الأسبق لرئيس تحرير مجلة الصوت عبر مكتبها في دمشق ونشرت بعدد المجلة 138.. بعد إعدام البراك لا يوجد بيننا ود.. تسلمت مهام منصبي معاوناً لمدير جهاز المخابرات فطلبت اضبارة قضية فاضل البراك.. لم أعثر على أي دليل يشير إلى ضلوعه في أي عملية تجسس.. فالقضية برمتها كانت تصفية حسابات بين إخوة الرئيس صدام مع فاضل البراك لكون العلاقة بينهم ليست ودية".

لم تقتصر الرواية على منافسيه.. وإنما على من عاصره في جهاز المخابرات.. ومنهم مدير شعبة أمريكا في جهاز المخابرات العراقي السابق سالم ألجميلي.. في شهادته خلال لقاءه التلفزيوني مع د . حميد عبد الله العام 2009.. الذي استند إليه البعض في اعتباره مصدراً لتأكيد ما يتم تداوله.. فالجميلي يشير الى نقله لما سمعه في أوساط الدائرة بعد إعدامه مباشرة".. أما هذه الحقيقة فقد عرفتها قبل سنة ووجدت من المناسب نشرها للتاريخ".. فما هي الحقيقة التي اكتشفها الضابط السابق في جهاز المخابرات؟

يقول ألجميلي: "الواقع إن إعدام البراك كان نتيجة زلة لسان إثناء التحقيق معه كانت تخفي خلفها موقفا ناقداً من احتلال الكويت.. فمن المعروف إن علاقة البراك مع مدير الجهاز الذي جاء بعده كانت متوترة.. وكان احد أسباب التوتر هو قيام البراك بتنفيذ توجيه صارم من الرئيس باستئصال نفوذ كل من برزان التكريتي وسبعاوي إبراهيم الحسن من جهاز المخابرات اثر خلاف عائلي لهما مع الرئيس.. علما إن سبعاوي الحسن شغل منصب مدير عام مكافحة التجسس".

يضيف ألجميلي "كانت علاقة البراك مع صباح الخياط القضية الأساسية التي تم اعتقال البراك بموجبها.. ألا إن تهمة التخابر مع جهات معادية لم تثبت ضده.. إنما دافع عن تلك العلاقة باعتبارها لعبة استخبارية مزدوجة.. مارسها وفقاً للصلاحيات المخولة له بهدف تظليل مخابرات معادية.. وهو أمر طبيعي في عمل الأجهزة الاستخبارية حتى وان تضمنت تسريب وثائق أو معلومات سرية للغاية.

وأكد البراك انه اتخذ من علاقته مع صباح الخياط قناة لتضليل جهاز مخابرات معادي إثناء فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية.. وبعد فحص طبيعة الوثائق المسربة ومحتوياتها من معلومات لم يتمكن فريق التحقيق من إثبات دليل إدانة ضده إنما توصل المحققون الى (قناعة ما) بان القضية كانت بالفعل عملية تضليل مقصودة كما ادعى البراك في التحقيق".

ويوضح ألجميلي بأنه "على اثر فشل الاتهام الأول فتح مع البراك ملف تحقيق آخر يتعلق بكيفية حصول البراك على دار فخمة في المنصور تلك الدار كان يملكها رجل عراقي ثري أراد بيعها بسعر مرتفع كان للبراك رغبة في شراء تلك الدار.. لكنه لا يمتلك المبلغ الكافي لشرائها وفي نهاية المطاف اشترى الدار.

وكان لدى فريق التحقيق شبهة حول عملية الشراء بالرغم من إن صاحب الدار لم يقر بوجود أية عملية ضغط أو ابتزاز ضده.. وبعد أن انتهى التحقيق في ملف الخيانة بدأ التحقيق مع البراك في موضوع الدار.

وبعد ممارسة ضغوط واستفزاز وإلحاح من المحققين ثار غضب البراك وقال: "بعد أن انتهينا من تهمة الخيانة فتحتو علينا قضية المهجوم.. يقصد البيت.. شجلبتوا بهذا المهجوم.. هو العراق مهجوم من شماله لجنوبه بسببكم.. يقصد احتلال الكويت.. اعتبروا هذا المهجوم واحد من الهداف التي هجمتها أميركا على رأسنا".

أوصلت هذه العبارة الى الرئيس صدام.. فطلب التسجيل الصوتي لجلسة التحقيق.. واستمع الرئيس الى التسجيل بنفسه.. وكانت تلك العبارة كافية للحكم على البراك بالإعدام

إعدامه:

يقول ألجميلي: وجهت إليه تهمتين. الأولى: سياسية أمنية باعتباره جاسوساً لألمانيا الشرقية والاتحاد السوفيتي.. والتهمة الثانية: إثراؤه غير المشروع والحصول على عمولات من تجار ورجال أعمال كان جهاز المخابرات قد أرسى عليهم مقاولات ومناقصات وبيع مشاريع صناعية في عهده.

اعتقل معه كل من عديله المهندس المقاول زهير الدوري.. ورجل الأعمال وصاحب مصانع الألبان الشهير يونس السماوي.. والفنان المسرحي عبد القادر ألدليمي.. والأخير كان يرافق البراك خلال زيارته الى ألمانيا.. ويقوم بمهمة الترجمة له حيث كان يعمل مستخدماً في السفارة العراقية في برلين.

أمضى البراك عامين رهن الاعتقال.. مورست عليه أشكال من التعذيب البدني والنفسي.. وقد حرص صدام على أن يكون المشرف على تعذيبه مجند في المخابرات عمل خادماً للبراك.. عندما كان رئيساً للجهاز.. وقد أصيب بالشلل في نهاية فترة الاعتقال.

تم تنفيذ حكم الإعدام بالبراك نهاية العام 1993 في منطقة سلمان باك في موقع تابع للمخابرات بإشراف سبعاوي إبراهيم الحسن.. الذي كان يشغل موقع مدير جهاز المخابرات.. حيث طلب سبعاوي من عام شريف احد الحاضرين أن يتولى تنفيذ الإعدام بالبراك.. بأن يطلق عليه النار من المسدس.. لم يتمكن الشريف أن يطلق الرصاص حيث سقط المسدس من يده.. عوقب شريف بطرده من المخابرات بسبب (تخاذله).. وأصبح فيما بعد سفيراً للعراق في تونس.. وتم اغتياله في منطقة العامرية العام 2004.

المهم تم تنفيذ حكم الإعدام به.. وسلمت جثته الى أسرته مع تعليمات بدفنه سراً.. وعدم إقامة مجلس عزاء أو فاتحة على روحه.

وهكذا شرب البراك من الكأس التي أذاقها للآلاف من ضحاياه.. وانطوت صفحته بعد جليل الخدمات التي قدمها لسيده.

إعادة الاعتبار:

العام 1995 أعيد اعتبار للبراك.. وأسدل الستار على المسرحية.. وأطلق سراح المعتقلين جميعا.. وعاد من عاد منهم الى عمله ووظيفته.. وأغلق الملف وطويت صفحة الرجل.. وتزوج برزان التكريتي من زوجة فاضل البراك.

ودار الزمن دورته العجيبة.. اعدم البراك.. ثم اعدم برزان.. ثم ماتت زوجتهما.. ثم قتل عصام شريف.. ثم إعدام سبعاوي.. وأخيراً أعدم صدام.

عندما يدفع المثقف ثمن المنصب احمد السيد النجار نمو
حروب الصدمة والترويع للسيطرة على العقول العراق نم
 

التعليقات

( لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..!! من فضلك كن أول من يعلق )
هل مسجل بالفعل ؟ تسجيل الدخول هنا
:
الإثنين، 14 تشرين1 2019

أخر مقال نشر للكاتب

  الأربعاء، 07 آب 2019
  287 زيارة

اخر التعليقات

: - SUL6AN سأرحل / غازي عماش
13 تشرين1 2019
مبدع دايمآ
: - علي العراقي 1الليزيانثس في غابة / اسراء الدهوي
18 أيلول 2019
مقال رائع ومهم يحاكي واقعا ..
: - سامسون محمد مرسي والتّلفزيون الإسرائيلي الذي تواجد حصراً في مقبرته! / خالد الجيوسي
04 أيلول 2019
استاذ خالد سلام من الله عليك كنت ابحث عنك طويلا و خصوصا عن مقالاتك في ...
: - الفيلسوف الكوني ثلاث قضايا دمّرت وجدان ألبشر / عزيز حميد الخزرجي
29 آب 2019
على الأخوة المشرفين: معرفة تصنيف الموضوعات: مقالات خبرية ؛ مقالات إستع...

مدونات الكتاب

سيأتي الفرج من بعيدٍ سيأتي قريبافللسماء اللهوللأرض دم الضحاياولابد من بلاءومن شهداءينزفون
التصوف ظاهــرة سلوكية قديمـــة عند الإنسان ، نشـأت كــرد فعل لظلم الأقوياء للضعفاء ، وشعور
د. نضير الخزرجي
01 تشرين1 2019
 الذهب هو الذهب إن كان في المناجم خاما طبيعيا أو مصهورا في قوالب وسبائك أو قطعا متفرقة أو
للشر كما للخير, وللكراهية كما للمحبة, كل له مقدسه, لأنقلاب 08/ شباط  1963 ألأسود كراهية مق
لطيف عبد سالم
25 شباط 2015
تتنامى عمليات الإرهاب، وتتسع مسارح موت الإنسان في العراقِ وسوريا، وتسبى النساء وتباع في أس
واثق الجابري
10 شباط 2019
خطيرة هي تلك التصريحات الأمريكية، على لسان رئيسها دونالد ترامب، والتي أشارت لإبقاء قواته ف
ليلٌ طويللا قمر في ليلنا الأسود سرنا على حُبِ اللهكانت مغامرةقبورٌ وعظامٌ وأشواك ندوس عليه
مثنى الطبقجلي
22 حزيران 2017
ستبقى الحدباء اسما تُكنى به الموصل وان دمرها الطغاة .. فمن قبل دمروا بابل لكنها نهضت من جد
الصحفي علي علي
11 نيسان 2019
لاتمدحن امرأً حتى تجربه ولاتذمنه من غير تجريب (حب واحچي.. واكره واحچي) ماتقدم من بيت ومثل،
الصحفي علي علي
22 آذار 2017
لا يخفى أن الفضل الأول والاخير، للمنزلة التي حازت عليها البلاد من درجات تعد الأولى في الفس

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال