عام تقرير مصير أزمات وأوطان / صبحي غندور - شبكة الاعلام في الدنمارك

الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

اخبار أوروبا
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

عام تقرير مصير أزمات وأوطان / صبحي غندور

مع بدء هذا العام الجديد، الذي هو أيضاً بداية لعقدٍ زمني جديد، تقف أزمات المنطقة العربية والعديد من أوطانها أمام مفترق طرق وخيارات حاسمة حول قضايا تتفاعل منذ مطلع القرن الحالي، وليس كحصادٍ للعام الماضي فقط. فما كان قِطَعاً مبعثرة ومتناثرة؛ من حروبٍ وأزمات إقليمية متنوعة، ومن حالات ظلم واستبداد وفساد على المستوى الداخلي، ومن مفاهيم ومعتقدات فكرية وثقافية سائدة في المجتمعات، تجمّعت كلّها الآن وامتزجت مع بعضها البعض في ظلّ حراكٍ شعبيٍّ عربيٍّ كبير بدأ في مطلع العام 2011 ويتواصل الآن في عددٍ من الدول العربية بهدف تحقيق مطالب سياسية واجتماعية محلية، وبتزامن مع صراعات وأزمات تنعكس على مصير عموم المنطقة.

إنّ العام 2020 لن يكون عاماً حاسماً لمصير بعض الحكومات العربية فقط، بل أيضاً لمصير كيانات وحدودها الجغرافية. ولن يقتصر الأمر على جناحٍ واحد من جناحيْ الأمَّة العربية، فبلدان آسيا العربية وإفريقيا العربية كلّها في دائرة حسم المصير المشترك.

صحيحٌ أنّ الانتفاضات الشعبية قد نجحت في تغيير بعض الأنظمة والحاكمين، لكن تفاعلات التغيير ما زالت  حبلى بالمخاطر على مستقبل هذه الأوطان ووحدة شعوبها. وسيكون العام الجديد هو عام حسم اتجاه نوع التغيير ومدى تأثيره السياسي على الكيان الوطني وعلى مكوّناته الطائفية أو الإثنية أو القبلية. ولا يجب أن ننسى أنّ إيجابية بارقة الأمل بالتغيير السلمي السليم، والتي بدأت من تونس، قد سبقتها سلبية مأساة تقسيم جنوب السودان عن شماله!.

إنّ ما حدث في المنطقة العربية، من حراكٍ شعبيٍّ كبير، كان أشبه بنهرٍ جارف شقّ مساره في جبال وعرة، لكن مهما بلغ صفاء هذا النهر ونقاوة مياهه، فإنّ جهاتٍ محلية وإقليمية ودولية عديدة وضعت سدوداً أمام تدفّقه لتمنع تقدمّه ولتُحوّله إلى طوفان على من فيه وحوله. أيضاً، عملت بعض القوى الخارجية لحرف مسار النهر، مع دعم تدفّقه طبعاً، لكن من أجل صبّ مياهه في بحيرات مصالح هذه القوى ومزارعها الخصبة بمشاريع تفتيت هذه المنطقة والهيمنة على ثرواتها. أيضاً، تستمر محاولات توظيف ما يحدث من تركيز الاهتمامات الشعبية العربية على قضايا داخلية لتهميش أزمات كبرى كانت تتمحور حول القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل ومن يدعمها دولياً.

إنّ رؤية احتمالات الأحداث وتطوّراتها في العام الجديد تتطلّب التعامل مع أوضاع الأمَّة العربية ككل، وعلى ما يحدث فيها وحولها من متغيّرات سياسية،  قد تُدخِل بعض شعوبها في التاريخ لكن قد تُخرج أوطانها من الجغرافيا!.

تساؤلاتٌ عديدة تفرضها التطوّرات الراهنة في المنطقة العربية، التي تختلط الآن فيها الإيجابيات مع السلبيات دون فرزٍ دقيق بين ما هو مطلوب وما هو مرفوض. فحتماً هي مسألة إيجابية ومطلوبة أن يحدث التغيير في أنظمة الحكم التي قامت على الاستبداد والفساد، وأن ينتفض النّاس من أجل حرّيتهم ومن أجل الديمقراطية والعدالة. لكن معيار هذا التغيير، أولاً وأخيراً، هو وحدة الوطن والشعب واستقلالية الإرادة الشعبية عن التدخّلات الأجنبية. فما قيمة أيِّ حركةٍ ديمقراطية إذا كانت ستؤدّي إلى ما هو أسوأ من الواقع القائم، أي إلى تقسيم الأوطان والشعوب ومشاريع الحروب الأهلية!. ثمّ ما هي ضمانات العلاقة مع الخارج الأجنبي، وما هي شروط هذا الخارج حينما يدعم هذه الانتفاضة الشعبية أو تلك؟!

المشكلة هنا ليست في مبدأ ضرورة التغيير ولا في مبدأ حقّ الشعوب بالانتفاضة على حكّامها الظالمين، بل في الوسائل التي تُعتَمد وفي الغايات التي تُطرَح وفي النتائج التي تتحقَّق أخيراً. وهي كلّها عناصر ترتبط بمقوّمات نجاح أيّة حركة تغييرٍ ثوري، حيث لا فصل ولا انفصال بين ضرورة وضوح وسلامة القيادات والأهداف والأساليب. فلا يمكن حصر المراهنة فقط على أسلوب الحراك الشعبي، الذي يحدث متزامناً مع بقاء القيادات والغايات والبرامج الفعلية مجهولة التفاصيل، كما لا يمكن أيضاً تجاهل مدى علاقة التغيير الديمقراطي المنشود بمسائل الصراعات الأخرى الدائرة في المنطقة، وفي مقدّمتها الصراع العربي/الصهيوني والتنافس الدولي والإقليمي على المنطقة وثرواتها.

المنطقة الآن بانتظار ما ستسفر عنه هذه المرحلة من متغيّراتٍ سياسية جذرية في المجتمعات العربية، لا في الحكومات والأشخاص فقط، لكن من المحتّم أنّ القوى الدولية والإقليمية الفاعلة ليست جالسةً مكتوفة الأيدي ومكتفيةً بحال الانتظار. هي تعمل بلا شك على السعي للتحكم بنتائج هذه المتغيّرات، بل هي تحاول الآن استثمارها أو حرفها أو محاصرتها أو التحرّك المضاد لها.. وهي كلّها حالاتٌ قائمة مرتبطة بمكان هذه المتغيّرات وظروفها.

فإذا كانت الآن الثورات والانتفاضات العربية ظواهرَ مشرقة واعدة بغدٍ أفضل، فلا يجب أن يحجب نور هذه "المتغيرات" ما يستمرّ "ثابتاً" في المنطقة من خطر الاحتلال الإسرائيلي ومحاولات الهيمنة الأجنبية الإقليمية والدولية، في ظلّ أجواء طائفية ومذهبية تنخر الجسم العربي وتهدّد وحدة أوطانه وتُسهّل السيطرة الخارجية عليه.

لقد كان العقد الماضي عقد ترسيخ الانقسامات العربية على المستويين الرسمي والشعبي. كان عقداً فيه الكثير من الدماء العربية التي سالت حصيلة صراع العربي مع العربي الآخر. كان عقداً برزت فيه بشدّة أزمة الحكّام والمعارضين معاً. فلا أسف على هذا العقد الذي مضى، لكن من قال إنّ الأرقام والتواريخ هي التي تصنع تاريخ الشعوب والأمم! فالنّاس هم المسؤولون أولاً وأخيراً عن حصاد كل فترة زمنية، وستكون كل سنة هي استمرارٌ لما قبلها ما لم تتدخّل الإرادة الإنسانية لوقف التداعيات ولبناء مستقبلٍ أفضل.

فأيُّ منطقٍ عربي يُفسّر الآن كيف أنّ هناك هدنة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة اقتضت وقف العمليات العسكرية ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي، بينما يستمر حال العنف المسلّح بين العرب أنفسهم؟!. الاحتلال الإسرائيلي، بما هو عليه من احتلال استيطاني يستهدف ابتلاع الأرض وإقامة مستوطنات فيها، وطرد أصحاب الأرض الشرعيين منها، ولا حالة مساوية له في تاريخ الاحتلالات بالمنطقة العربية.. يجوز أن تحصل معه تسويات ومعاهدات، وأن تُمنَع ضدّه العمليات العسكرية من كلّ الجبهات، وأن تتمَّ في ظلّ دباباته المحتلة، انتخابات، بينما لا يجوز إعطاء هذا الحقّ لشعوب المنطقة كي يتسنّى لها بناء دولها ومؤسّساتها بلا عنفٍ مسلّح؟!.

المشروع الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من أعمال العنف التي تجري الآن على الأرض العربية، والتي هي خصبة لكلّ أنواع التمزيق والتقسيم والاقتتال الداخلي.. ففي غياب المشاريع الوطنية التوحيدية الجادّة داخل البلاد العربية، وفي غياب المرجعية العربية الفاعلة، أصبحت المنطقة العربية مفتوحةً ومشرّعة ليس فقط أمام التدخل الأجنبي، بل أيضاً أمام مشاريع التقسيم والحروب الأهلية التي تجعل المنطقة كلّها تسبح في الفلك الإسرائيلي.

إنّ القوى الدولية والإقليمية الكبرى مشدودةٌ الآن إلى ما يحدث في المنطقة العربية من تحوّلات، فهي منطقة الثروات والموقع الإستراتيجي ومقرّ المقدّسات الدينية. لكن بعض هذه "القوى" لا يكتفي بالنّظر من بعيد، بل يمدّ يديه ويحاول وضع قدميه أيضاً في أرض هذه التحوّلات ومع صانعيها. لذلك، فإنّ الأمَّة العربية بحاجةٍ الآن إلى وعي كل طلائعها الفكرية والسياسية والدينية بما يحدث في أوطانهم وأمّتهم، كما الأمّة بحاجةٍ إلى حكّامٍ ومعارضين يدركون ما الذي يفعلونه ببلدانهم، ولا يكتفون بالمراهنة؛ على قوّة الأمن، أو قوّة الشارع، أو قوّة الدعم الخارجي!.

وكل عام وأوطاننا العربية بألف خير!!

هو زمن الخوف والتطرّف! / صبحي غندور
لا لتهميش دور العقل والفكر/ صبحي غندور

مواضيع ذات صلة

 

التعليقات

( لا يوجد تعليق على هذا الموضوع ..!! من فضلك كن أول من يعلق )
هل مسجل بالفعل ؟ تسجيل الدخول هنا
:
الخميس، 23 كانون2 2020

مقالات ذات علاقة

16 أيلول 2017
رافقت "المعرفة"الانسان منذ بدء الخليقه وأرتقت معه من مستوياتها البدائيه ،ومع تفتح مداركه ،
3154 زيارة 0 تعليقات
18 كانون2 2020
القوات الأمريكية قوات احتلال صريحة للعراق كما هو واضح من تصريحات المسؤولين الأمريكيين ، سا
63 زيارة 0 تعليقات
17 كانون2 2020
 سؤال يتكرر في أذهان الناس - ربما منذ بداية الحياة على سطح هذا الكوكب  -ألا 
67 زيارة 0 تعليقات
17 كانون2 2020
رافقت "المعرفة"الانسان منذ بدء الخليقه وأرتقت معه من مستوياتها البدائيه ،ومع تفتح مداركه ،
65 زيارة 0 تعليقات
12 كانون2 2020
 كان الإعلام ولازال وسيظل ما بقي في صدر الإنسان نفس يصعد وينزل، سلاح ذو حدين، له أن ي
105 زيارة 0 تعليقات
12 كانون2 2020
من الغريب عودة الامريكان الى العراق بهذه الطريقة وبهذه السرعة ، فمن غاب لسنوات منذ 2011 وخ
101 زيارة 0 تعليقات
12 كانون2 2020
(الجزء الاول/ الاقتصاد)أدناه بعض المقتطفات للبرنامج الحكومي للحكومة القادمة الموقتة لفترة
91 زيارة 0 تعليقات
ان ما حدث موخرا وبالتحديد فى ٢٠ سبتمبر الماضى وبعد ركود طويل الامد وخوف وترقب واستكانة وقل
96 زيارة 0 تعليقات
12 كانون2 2020
سؤال يتكرر في أذهان الناس - ربما منذ بداية الحياة على سطح هذا الكوكب  -ألا  وهو
89 زيارة 0 تعليقات
برنامج العراق للأَسلحة البايولوجيةتبنى برنامج الأَسلحة البايولوجية العراقية دراسة مجموعة ش
111 زيارة 0 تعليقات

اخر الاعضاء المسجلين في الشبكة

أخر مقال نشر للكاتب

  الجمعة، 03 كانون2 2020
  109 زيارة

اخر التعليقات

رائد الهاشمي موازنة عام 2020 كارثة اقتصادية على العراقيين / رائد الهاشمي
22 كانون2 2020
شكراً لكرم المرور أخي العزيز استاذ منهل الطائي والحلول لانقاذ الاقتصاد...
رائد الهاشمي موازنة عام 2020 كارثة اقتصادية على العراقيين / رائد الهاشمي
22 كانون2 2020
شكراً لمرورك العطر أخي الكريم استاذ ياس العلي وأؤيدك تماماً بمبدأ مقاي...
: - ياس العلي بغداد موازنة عام 2020 كارثة اقتصادية على العراقيين / رائد الهاشمي
22 كانون1 2019
الحل الافضل تجارة المقايضة النفط مقابل الاعمار و المقايضة و لو بنسبة5...
: - Manal H. Al taee موازنة عام 2020 كارثة اقتصادية على العراقيين / رائد الهاشمي
21 كانون1 2019
العراق يغرق يوماً بعد يوم.. ولكن اين هو طوق النجاة ياترى!!!
: - علي العراقي ولكن لتكن الانوثة نعمة .. / اسراء الدهوي
18 كانون1 2019
مقال مهم ولم ينتهِ عنوان الموضوع عند هذا الحد بل هناك الكثير يمكن إضاف...

مدونات الكتاب

عبدالكريم لطيف
01 نيسان 2016
لا أحد ينكر ان الخطوات التي يتخذها السيد رئيس الوزراء الدكتور العبادي ما زالت  تصب بالاتجا
فلاح المشعل
31 أيار 2016
يأتي إنعقاد مؤتمر باريس ليومي 28-29مايس 2016 للمعارضة العراقية تحت شعار( معا ً لإنقاذ العر
طه رشيد
17 كانون2 2017
مسرحية خريف هو العرض العراقي الثاني المشارك في مهرجان المسرح العربي بدورته التاسعة الذي تق
ستار الجودة
14 تموز 2015
لو غصنا في سفر أغوار بعض صفحات التاريخ لوجدنا أنفسنا نغوص في مسالك مياه  أسنة حيث رائحة ال
رغم أن خبر تحرير الموصل كان يجب ان يطغى على كل الأخبار بل و كل تفاصيل حياتنا و كان يجب ان
قبل بضعة أسابيع اقتحمت كتيبة من البلدوزرات والجرافات شوارعنا وسط البصرة، وأخذت تنهش الطريق
وداد فرحان
23 أيار 2017
يحتفل العالم هذه الأيام بالأسبوع الدولي للعائلات تحت شعار "الصحة والتعليم للعائلات" حيث تو
كفاح محمود كريم
04 كانون1 2018
بعد ما يقرب من مائة عامِ على تأسيس مملكة العراق وستين عاماً من الحكم الجمهوري الدموي، وتجر
فلاح المشعل
27 شباط 2015
 إختراقات الأمن الحادثة في بغداد وغيرها من مدن العراق ، تتصل بطرق إمداد وتمويل وتجهيز ودعم
راضي المترفي
15 أيار 2016
اقتنع وهو ينتظرها انه وصل معها الى مفترق طرق وعليه الرحيل ووضع علاقة استمرت لسنوات على رفو

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال