الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

12 دقيقة وقت القراءة ( 2482 كلمة )

د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي (الحلقة الاولى)

من خلال قراءة اولية وبسيطة في التاريخ نستطيع التوصل الى ان جميع الاديان تقريبا ومنها ( السماوية ) كان كل منها في بداياته دينا واحدا، ولكن لم تمر الا سنوات ليست بالطويلة على نشوئها وموت مؤسسها او ( نبّيها ) ونتيجة الصراع على السلطة من قبل اتباعه، وهو وجه من اوجه الصراع الاجتماعي – الاقتصادي على مر العصور، حتى أنقسم ابناء الدين الواحد بسبب هذا الصراع سياسيا الى جماعات وشيع تتناحر فيما بينها. وغالبا ما كان هذا الاختلاف السياسي الذي هو من اجل التنافس على الغنائم والسلطة والهيمنة، يتحول الى صراع  دموي وحروب طويلة وقاسية بين ابناء الدين الواحد، كالحروب  الدموية وحتى فترة قريبة بين الكاثوليك والبروتستانت والحروب التي خاضها المسلمون ضد بعضهم البعض. اما في التاريخ القريب فقد شهدنا معارك مذهبية طاحنة بين الفرس الصفويين والاتراك العثمانيين والتي دفع فيها العراقيون دماءا كثيرة نتيجة خوض الدولتين معاركهما على ارضهم. كما لا يجب علينا ان نغفل الصراعات والحروب التي جرت بين ابناء الديانات المختلفة والتي كان ظاهرها  نشر الدين ونواياها الحقيقية السيطرة على البلدان الاخرى ونهب ثرواتها، إلاّ أن الدين لم يكن إلاّ الوسيلة الامثل لحشد جموع المؤمنين البسطاء في جيوش تحتاجها تلك الدول لتتوسع فيها على حساب البلدان الاخرى، ابتداءا من ما سمي بالفتوحات الاسلامية ضد بلاد فارس ( الزرادشتية ) وبلاد الروم  البيزنطية (المسيحية) وضد الهند ( البوذية والهندوسية ) بذريعة نشر الاسلام. وسارت الكنيسة الأوربية في قرون لاحقة على نفس الدرب في إشعال  الحروب الصليبية من أجل احتلال اراضي الشرق بحجة حماية القدس ونشر المسيحية. وتضاف إلى ذلك الحروب التي كانت تدور بين العثمانيين والاوربيين، والتي كان فيها العامل الديني حاضرا متمثلا بالمؤسسة الدينية ورجالها.  
    
لقد ادت الخلافات السياسية بين رجالات المسلمين الاوائل والتفاف المؤمنين حولهم الى نشوء حركات سياسية والتي سماها  العرب شِيَع، والتي تعني حسب اللغويين فرقة وصنف. ويقول الزَجّاجْ ( ان الشيع فرق وكل فرقة شيعة وأصله من المشايعة وهي المتابعة يقال شايع فلان فلانا على امره اي تابعه عليه ومنه شيعة علي وهم الذين تابعوه على امره ودانوا بامامته ) (1) . وقد وردت كلمة شيع باشتقاقاتها العديدة في آيات مختلفة من القرآن مثل " ولقد ارسلنا من قبلك في شيع الاولين ) (2) ، وجاء ذكرها في سور الصافات والقصص والروم ومريم وغيرها. وكانت هذه الشيع بحاجة الى برامج لم تكن تمتلكها في حينها كي تستطيع من خلالها رسم سياساتها لان العرب كانوا حينها حديثي العهد بالاسلام، وكانت الصراعات فيما بينهم ولازالت تحمل طابع صراع ما قبل الاسلام وامتداداً لتلك العصبية القبلية التي حاول محمد القضاء عليها ولم تنتهي إلى اليوم.

إن اسباب الصراع الذي بدأ برحيل النبي كانت كامنة في حياته او وبشكل أوضح في اعقاب الفتوحات الاسلامية وما تركته من غنائم تركت آثارها السلبية على شخصيات لها ثقلها مثل الامام علي واصحابه وشيعته من الفقراء ومواليه و على بني أمية وشيعتهم ومواليهم. ويؤكد هذا الصراع كما اثبت تاريخ الامويين والعباسيين لاحقا على انه كان صراعا طبقيا وقبليا في آن واحد بين الفقراء الذين يمثلهم علي الذي انحاز الى معسكره الفقراء من امثال عمار بن ياسر وابو ذر الغفاري وبني هاشم وغيرهم، وبين الاغنياء الذين كان يمثلهم الامويون بشخص عثمان بن عفّان الذي انحاز اليه أو أستقطب معاوية بن ابي سفيان وابيه وعبد الرحمن بن عوف وبني أمية وغيرهم. أما الصراع بين الامام علي وبين ابو بكر وعمر فكان سياسيا ومن أجل السلطة والأستئثار بها ولا كما يحاول البعض أعادته الى المذهبية التي لم تكن قد تحققت وقتها بعد. إن الصراع السياسي يحتمل، علاوة على الاختلاف، التوافق في بعض الامور اذا كانت في صالح المجموع  (الجماهير) وهذا ما كان قائماً بين الزعماء الأربعة. إن هذه الأحداث التي أثارت الفرقة بين المسلمين وأدت بعد عقود إلى بروز المذاهب الدينية جاءت بالاساس نتيجة لصراع اقتصادي وسياسي مما افرز افكارا مختلفة ومتباينة ليس من حيث تفسيرها للقرآن او قبولها ونفيها بما نقله الرواة من احاديث عن محمد وتفسيرها فقط، بل البحث عن المصالح والموقف السياسي من السلطة. وبعبارة أخرى، فمنذ اجتماع السقيفة وانعقادها اثناء دفن محمد وغياب علي وصحبه وبني هاشم عنها، فإن هذه الافكار او المذاهب المتصارعة لا زالت مستمرة منذ ان نشأت وحتى اليوم. وليس هناك في الافق ما يشير الى حسمها لصالح جهة طائفية او مذهبية محددة ومعينة، بعد ان لم يتم حسمها منذ ما يقارب الالف واربعمائة عام بالرغم من الحروب الطاحنة والقمع المنظم الذي مارسته احداهما ضد الاخرى
 
ان المذاهب السنية الاربع نشأت بعد القرن الاول الهجري، حيث كان الامام ابو حنيفة النعمان الذي ولد في سنة 80 للهجرة صاحب اول مذهب سني عند أهل السنّة والجماعة على الرغم من عدم ذكر أي شيء عن السنّة كطائفة في تراثه. ونشأ آخرها على يد احمد بن حنبل المولود سنة 164 للهجرة. أما المذهب الجعفري فقد بلوره وصاغه الامام جعفر بن محمد الملقب بالصادق وهو الامام السادس عند الشيعة الامامية الاثني عشرية، والذي تتلمذ على يديه كل من النعمان ومالك بن أنس. الا ان المؤرخين يعتبرون أن "السقيفة" هي بداية التشيع والتسنن، حيث اعتبر كل من ابي بكر وعمر وعثمان ومن حضر معهم في السقيفة ومن شايعهم من "السنّة، واعتبر الامام علي ومعه العديد من المهاجرين والانصار وبني هاشم ومن شايعهم "شيعة"، وأطلق عليهم منذ ذلك الحين وحتى اليوم "شيعة علي". وهذا يدل على ان الخلاف الفقهي لم يكن له دورا في نشوء التشيع والتسنن في البداية بقدر ما كان للدور السياسي وما تمخضت عنه نتائج "السقيفة" والتي مازالت وحتى اليوم موضع خلاف الطرفين .

لقد تعرض الشيعة "كتيار سياسي" للأضطهاد حالهم حال غالبية التيارات السياسية المناوئة لحكم عثمان بن عفان الأموي، الذي يعتبر اول حاكم مسلم يعتمد على اقرباءه في ادارة شؤون الدولة حتى وإن لم يكونوا مؤهلين لاشغال مناصبهم تلك. وهذا ما ادّى في النهاية الى تنامي المعارضة ضده لتنتهي بمقتله الذي تلاه معارك كبيرة بين المسلمين انفسهم واهمها معركتي "الجمل" و"صفين". الا ان الاضطهاد الحقيقي للشيعة بدأ بمقتل الامام علي وتنازل الامام الحسن عن الخلافة الى معاوية بن أبي سفيان، الذي لاحق شيعة الامام علي في كل مكان يستطيع رجاله الوصول اليه. وقد توج ابنه يزيد سلسلة المطاردات والتنكيل والقتل بحق الشيعة ورموزهم بقتل الامام الحسين ومن معه في كربلاء في العاشر من محرم سنة 61 للهجرة وسبي نسائه. واستمر الذين جاءوا من بعده من ملوك بني أمية بأستثناء عمر بن عبد العزيز وملوك بني العباس بأستثناء المأمون، وغيرهم من الملوك على مدى التاريخ الاسلامي المليء بالقتل والدسائس والدماء بمطاردة الشيعة والتنكيل بهم مع حفظ مقام أئمة الشيعة الأثني عشرية وأحترامهم خصوصا في العهد العباسي لكونهم لم يشكلوا خطراً يذكر على السلطة في حينها. ولذا أمسى التشيع مأوى لكل الناقمين على سلطات الاستبداد ومن الباحثين عن العدالة الاجتماعية والحرية ومركز جذب لهم. إننا لو القينا نظرة على غالبية الثورات والانتفاضات في تلك الفترة العاصفة من تأريخ الاسلام لوجدنا فيها نفس شيعي أو كاريزما شيعية، وهذا ما كان قائماً اثناء ثورات الاسماعيليين والقرامطة على سبيل المثال .

فهل استمر التشيع العلوي هذا بنفس الروحية والعنفوان؟، ام توقف في منعطف تاريخي معين ليفقد تلك السمة "الثورية" عندما إنحاز رجل الدين الشيعي إلى صف الفقراء وضد أقطاب السلطة الظالمة الجائرة؟.
في الواقع أن المؤسسة الدينية الشيعية قد تبنت تشيعاً جديداً وغريباً في طقوسه منذ العام 1501 م  مبتعدا عن جوهر التشيع السابق بعد أن اصبحت المؤسسة المذهبية الشيعية ورجل الدين الشيعي جزءا من السلطة التي تستحوذ على المال والجاه وتنكل بالفقراء.
يقول المفكر الاسلامي الإيراني علي شريعتي : (وهكذا يتبين ان التشيع العلوي لم يكن مجرد حركة ثورية استمرت على مدى ثمانية قرون - الى اوان العهد الصفوي -. ولم يقتصر على إعلان الجهاد فكرا وممارسة بوجه الأنظمة ذات الطابع الأستبدادي والطبقي، وهو الأستبداد الذي كان يمثّل قاسما مشتركا بين أجهزة الخلافة الأموية والعباسية والسلطنة الغزنوية والسلجوقية والمغولية والتيمورية والأيلخانية والتي أتخذت المذهب السني مذهبا رسميا للبلاد حينها) (3) . وهنا ينتهي التشيع العلوي بنظر شريعتي ليحل محله التشيع الصفوي، ولكن الذي ينفي صفة الثورية بشكل مستمر عن المذهب الشيعي لحين سيطرة البويهيين على بغداد على الاقل حسب ما جاء به الكاتب اسحاق نقاش في كتابه "شيعة العراق"، هو عدم تنصيبهم حاكما شيعيا على بغداد مع عدم مطالبة رجال الدين الشيعة منهم ذلك. وبذلك استمر الحكم العباسي المناوئ للشيعة ولطقوسهم من خلال ابقاء الملك العباسي الضعيف مكانه.

 وقبل الخوض في قراءة هذا الاثر الكبير والمهم للدكتور علي شريعتي؛ اي كتابه الموسوم بـ ( التشيع العلوي والتشيع الصفوي )، علينا ان نتعرف على سيرة هذا الرجل الذي تعرض لانتقادات وهجوم تيار كبير من رجال الدين المتعصبين الايرانيين وحتى اليوم، بسبب آرائه الاصلاحية الجريئة عندما وصف التشيع الصفوي بالتشيع المليء بالخرافة والابتعاد عن  نهج الامام علي وأخلاقه ومطالبته بإصلاح المؤسسة المذهبية الشيعية وغيرها الكثير والتي سنتناولها لاحقا .

 

علي شريعتي والعائلة

ولد شريعتي، واسمه الكامل علي محمد تقي شريعتي عام 1933 م في مزينان وهي قرية صحراوية صغيرة تابعة لمدينة سبزوار في محافظة خراسان وعاصمتها مدينة مشهد حيث يوجد ضريح ولي عهد المأمون العباسي الامام الثامن للشيعة علي بن موسى الرضا. كان والده محمد تقي شريعتي من كبار المفكرين والمجاهدين الاسلاميين وأسس في مدينة مشهد مع عدد من رجال الدين المناضلين مركز الحقائق الاسلامية ( كانون حقايق اسلامى ). وعمل علي شريعتي في بدايات نشاطه السياسي في شبيبة الجبهة الوطنية. وبعد سقوط حكومة مصدق انظم الى حركة المقاومة التي اسسها آية الله زنجاني وآية الله طالقاني ومهدي بازركان سنة 1958. وبعد قمع المقاومة اعتقل شريعتي ووالده لمدة سنة ونصف. وانهى بعد خروجه من السجن دراسته الجامعية في كلية الآداب بدرجة امتياز ليرسل في بعثة الى فرنسا، حيث نال شهادتي دكتوراه احداهما في علم الاجتماع والثانية في تاريخ الاسلام. وفي فرنسا واصل نشاطه السياسي حيث اسس حركة تحرير ايران فرعي اوربا و امريكا التي كان بازركان والطالقاني وزنجاني قد أسسوها عام 1961 م. وبعد وصوله إلى باريس، كان على صلة وثيقة بمجموعة من الناشطين الايرانيين الذين تسّلموا مواقع رسمية مهمة بعد نجاح الثورة الايرانية عام 1979 من امثال ابراهيم يزدي ( وزير خارجية في وزارة مهدي بازركان " معتقل لمرات عدة " ) وابو الحسن بني
صدر ( اول رئيس جمهورية في ايران ( الآن لاجيء في فرنسا) وصادق قطب زاده ( مدير الاذاعة والتلفزيون الايراني ووزير خارجية سابق (اعدم ) ومصطفى جمران ( وزير دفاع ومن مؤسسي حركة امل ( قتل اثناء الحرب العراقية الايرانية )، كما كان رئيسا لتحرير صحيفة ( ايران الحرة ) الناطقة بالفارسية والتي كانت تصدر في اوربا في عهد الشاه .

 

علي شريعتي في معتقل الشاه
وعند عودة علي شريعتي الى ايران في منتصف الستينات تم اعتقاله عند الحدود ليسجن لفترة ويطلق سراحه وتم تعيينه كمدرس بجامعة مشهد . وكانت محاضراته ودروسه مشاكسة للسلطة الشاهنشاهية، مما ادى بالسلطات الى فصله من الجامعة ليعين معلما في احدى المدارس الابتدائية في احدى القرى النائية. وبسبب عدم توقفه عن نشاطاته، تم نقله الى طهران ليعمل مدرسا في جامعتها وليكون تحت نظر السافاك الايراني . وفي العام 1969 افتتحت حسينية الارشاد التي ستلعب دورا مهما في كونها مركزا للاشعاع الديني العقلاني المتجدد، ومنها بدأ شريعتي محاضراته المنتظمة عن الاسلام وتاريخ التشيع . وراح ينتقد رجال الدين ووعاظ السلاطين وبدأ باستخدام مصطلح "التشيع العلوي" الذي اعتبره غريبا وقد طواه النسيان مقابل "التشيع الصفوي" الذي اعتبره تشويها للتشيع الحقيقي. سمح لشريعتي ان يغادر إيران إلى لندن في عام1977، ووجد مقتولا في شقته بعد ثلاثه اسابيع من وصوله إليها، الا ان تقرير مستشفى ساوثهامبتون قد ذكر ان سبب الوفاة هو نوبه قلبية قاتله عن عمر بلغ 43 سنة. و كان الرأي السائد أن الوفاة تمت على يد مخابرات الشاه. دفن الدكتور علي شريعتي في مقام السيدة زينب في دمشق .
إن شريعتي يمثل أحد أبرز التيارات الاصلاحية للمذهب الشيعي الذي غرق - كما يشير إلى ذلك شريعتي -  في دهليز الخرافات والشعوذة والطقوس الغريبة. لقد  حاول بعض الاصلاحيين تحقيق هذه المهمة منذ ثورة "المشروطة" في إيران عام 1905، وهي أول ثورة ديمقراطية في القارة الآسيوية. ولكن المؤسسة الدينية الايرانية المحافظة وانصارها وخاصة في الريف الايراني المتخلف وبدعم خارجي أحبطت كل محاولات الاصلاح الديني. وكانت المؤسسة الدينية حجر عثرة على طريق تحديث المجتمع وارساء دعائم الديمقراطية، وتجلى ذلك بشكل واضح في وقوف المؤسسة الدينية إلى جانب الانقلاب الذي دبّرته المخابرات المركزية ضد حكومة الزعيم الوطني الدكتور"مصدق" في آب عام 1953، ومن أجل ارجاع الشاه إلى كرسي العرش بعد هروبه خارج البلاد. ولكن ومنذ الستينيات من القرن الماضي، بدأت حركة جديدة للإصلاح الديني خاصة بين الشباب والمتعلمين وبدعم من القلة الاصلاحية لرجال الدين وعلى رأسهم المرحوم سيد محمود الطالقاني. ولقد تبلور هذا التيار الاصلاحي لأسباب عديدة. فقد حصل تغيير في البنية الاجتماعية في المجتمع الايراني جراء تنامي دور الطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية والطبقة العاملة وكل الفئات المرتبطة بالانتاج الحديث في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية التي تركت آثاراً فكرية واقتصادية على المجتمع الإيراني. وهذا ما أوجد الأرضية لنمو جديد للتيار اليساري في عقد الستينيات، وخاصة في صفوف الشباب. وكان ذلك بمثابة انذار للتيار الديني كي يفكر في عملية اصلاحية من شأنها الحد من انتشار التيار اليساري.
وهكذا تبلور هذا التيار الاصلاحي الذي سعى إلى تحرير المذهب الشيعي من الشوائب التي علقت به خلال القرون السابقة. وكانت أولى بدايات ذلك هو سعي هذا التيار الى التلفيق بين العلم والدين. وظهرت على سبيل المثال مؤلفات تشير إلى أن القرآن قد عالج "نظرية التطور" قبل أن يطرحها العام داروين في بريطانيا، بالاستناد إلى آيات قرآنية في مؤلف "التطور في القرآن" (تكامل در قرآن) الذي ألفه الدكتور يد الله سحابي أحد المقربين إلى شريعتي ومهدي بازركان والطالقاني. هذه النزعة في الحقيقة تماثل النزعة التي جرت لاحقاً في العالم العربي ضمن موجة "الاعجاز في القرآن". ولقد اعتبر هؤلاء الاصلاحيون الايرانيون أن لا مجال لهم في السير بعملية الاصلاح دون نقد المؤسسة الدينية التي هيمنت على المجتمع فكرياً وسياسياً وحتى مادياً، والتي تعتبر امتداداً للتشيع الذي فرضته السلسلة الصفوية على ايران منذ نهاية القرن الخامس عشر، وسارت عليه السلسلة القاجارية منذ 1779 وحتى سقوطها عام 1925. وتبنت أوساط واسعة من الشباب المؤمن وخاصة مجاهدي خلق الترويج لهذا التيار الاصلاحي الذين راحوا يروّجون لمؤلف الدكتور علي شريعتي "التشيع الصفوي والتشيع العلوي" وأصبح بمثابة المادة الفكرية الأساسية لهؤلاء الشباب. ولكن هذا التيار اصطدم بالتيار المحافظ المذهبي الذي سيطر على الحكم بعد الثورة الايرانية ليتولى هجوماً قاسيا ضد التيار الاصلاحي وضد كل افكار التنوير والحداثة.
لقد تحول الكتاب إلى موجز لعمل مسرحي في فصله الاول، وإلى خطبة قد القاها في حسينية الارشاد على امتداد ثلاث ساعات في فصله الثاني.
في الكتاب، أكد شريعتي مراراً على الفرق بين ما يطلق عليه لفظ الروحانيون (ومفردها روحاني " من الروح " وهو لفظ وتسمية جديدة في الفكر والادب الشيعي ) و لفظ علماء الدين ( مفردها عالم دين ) كبير جدا، بل هما على تضاد حسب رأيه حين يقول :(انا لا اساوي بين الروحانيون وعلماء الاسلام ، بل اراهما على تضاد). فلا (يوجد لدينا في الاسلام طبقة او فريق باسم الروحانيين. وهذا المصطلح جديد جدا. في الاسلام لدينا العالم مقابل غير العالم ، وليس الروحاني ضد الجسماني ، السيد روحاني ، طيب ما هو وجه الاستفادة منه ؟. هل هو مفكر اسلامي ؟ الجواب لا . هل هو عالم اسلامي ؟ الجواب لا. هل هو خطيب اسلامي؟ الجواب لا . هل هو كاتب او مترجم اسلامي ؟ الجواب لا . اذن ما هو ، انه.. نور بالكامل ، ومقدس ، وشخصية دينية ، انه ماء وجه الدين !). واستنادا إلى اقوال وافعال شريعتي هذه علل مهدي بازركان اسباب عداء بعض رجال الدين له قائلا ان: (الروحانيون وفي مختلف الاديان ومن خلال مختلف الادوار لهم دليلين في عدم توافقهم مع اشخاص من امثال علي شريعتي ، احدهما رؤيتهم للتجديد والتحديث من انه يتنافى واصالة وتقوية الدين ، ولخوفهم من تزلزل افكار ومعتقدات الناس " العامة " المبنية على التحجر والعادات والافكار البالية الى حد كبير. والسبب المهم الآخر هو انهم لا يريدون اي شخص من خارج المؤسسة الدينية " المقدسة " ان يدخل منطقة الوساطة بين الله وعباده غيرهم )  (4) .
يتبع

(1)  "ويكيبديا بالعربية"
(2) "سورة الحجر"
(3)  " التشيع العلوي والتشيع الصفوي ، علي شريعتي ص 29 "
(4)  "ويكيبديا بالفارسية"


الدنمارك
25/10/2014

د . علي شريعتي وأقطاب التشيع العلوي والتشيع الصفوي
النظام الطائفي في بغداد متعفّن وغير قابل للأصلاح /
 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأربعاء، 03 آذار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/