يمر هذا العام على الجزائر ست عشرة سنة تحت مظلة حكم الرئيس بوتفليقة ذي 77 عاما، الرئيس العاشر للجزائر، ولد بوجدة المغربية من أصول أمازيغية، خدم ضابطا بجيش التحرير وهيئة قيادة الأركان، وقائد الحدود الجنوبية مع مالي، أطول رؤساء الجزائر حكماً، تولى بسن الخامسة والعشرين وزارة الشباب والسياحة، ثم وزيراً للخارجية، شارك بانقلاب بومدين على الرئيس  بن بلة، وألقى كلمه الوداع بوفاته، فأصبح أثرا من آثاره ينبغي أن ينسى، فأبعد أو ابتعد إلى الإمارات سنوات. وبعد استقالة الرئيس الشاذلي واغتيال الرئيس بوضياف وفشل كل من على كافي، واليمين زروال بحفظ الأمن وتسوية معارضة الإسلاميين المسلحة الذين فازوا بانتخابات الرئاسة وأبطل نتائجها الجيش، عاد بوتفليقة بطلب من دوائر السلطة للمشاركة بالانتخابات الرئاسية،1998  مرشحا حرا. وقبل إجراء الانتخابات بيوم انسحب سبعة مرشحين منافسين أساسيين احتجاجا على دعم الجيش لبوتليقة وإضمار نية التزوير، ليبقى بلا منافس بارز، وقد وصف والرئيس بوضياف بالرؤساء المستوردين، أشارة إلى وقوف دولة العسكر العميقة خلف سياج انتخابهما. ورغم انخفاض شعبية بوتفليقة بين أوساط الشباب كونه غير معرف لهم فاز بالرئاسة.
واجه في فترة رئاسته الأولى مشاكل سياسية وقانونية مع الصحافة والحقوقيين، وفضائح مالية، واتهم  بالمحاباة بإسناد الحقائب الوزارية وصفقات مشبوهة، ولما نجح في عقد مصالحة وطنية مع أجنحة مؤثرة من الإسلاميين وأخذ الأمن يستتب نسبيا، بادر بإصلاح هياكل الدولة ومنظوماتها القضائية والتربوية والاقتصادية والمصرفية بهدف تحسين أداء الاقتصاد أسهم ببناء الاتحاد المغاربي، وأبرم اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي، واشترك في قمة الثمانية أعيد انتخابه 2004، وأصيب بوعكة صحية 2005 وتعالج في فرنسا، فدخلت البلاد في فوضى إعلامية لعدم وجود نائب للرئيس، تعرض لمحاولة اغتيال بمدينة باتنة 2007 خلفت 15 قتيلا و71 جريحا، وسمح بتعديل الدستور ليترشح لفترة رئاسية ثالثة وقد حددها الدستور بدورتين رئاسيتين لا غير، وفاز في 2009 بأغلبية90%، وتعرض ثانية لجلطة دماغية 2013 ونقل إلى فرنسا للعلاج، وعاد بعد 80 يوما على كرسي متحرك لا يقوى على الوقوف منتصبا، تفاقم الجدل حول قدرته على تولي مهام الرئاسة، ودفع وضعه الصحي أحزاب المعارضة للمطالبة بإعلان شغور المنصب وتنظيم انتخابات مبكرة لعجز الرئيس.
في البلاد العربية عامة والجزائر خاصة تبقى صناعة الرؤساء لغزا محيرا لا تفكه المقالات الصحفية إن لم تزده غموضا، فلا بن بلة رشح نفسه قبل انتخابه، ولا بومدين كما يقول عن انقلابه صحح الثورة سلميا، بل انتزع كرسي الرئاسة من حليفة بالقوة، ولا الشاذلي تولى الرئاسة واستقال عن طيب خاطر، وإنما أجبر بتدخل يد الجيش الطويلة الممتدة إلى مرافق الدولة.
 حصيلة الجزائر بعد خمسين عاما من الاستقلال سبعة رؤساء منتخبين بانقلابين واستقالتين واغتيال والشعب آخر من يعلم وما خفي أعظم، والحُكم من خلف الستار أجدى وأسلم، وكم أشيع أن وزير الدفاع خالد نزار هو الذي نحى الإسلاميين وأبطل نتائج الانتخابات، وبات يدير مصنع الرؤساء من نهاية عهد الشاذلي حتى مشارف بوتفليقة، أما رأي الشعب فيختزل بنسب التصويت 90%، والشعب دائما بيدق في رقعة الإعلام لتسخين المشهد السياسي، والاقتراع مسرحية كاريكاتورية. فعسكر جبهة التحرير وتابعيهم غير مستعدين  لترك السلطة لكفاءة المدنيين، وهم الأبطال وإن لم يحاربوا فرنسا كما حاربها غيرهم واختفوا من الساحة بالإعدام أو السجن أو النفي.
أعلنت الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، لكن الجمهورية أصبحت ملكية لا يغادر الرئيس موقعه إلا إلى القبر، ولم نشاهد رئيسا تخلى عن منصبه أو خسر انتخابات الرئاسة من موقع السلطة، وظلت الديمقراطية أمل الموعودين الغائب، وهكذا كأي بلد عربي، تزرع ممارسات الحكم الديكتاتوري من أول يوم بعد الاستقلال، يروى بورقيبة إن بومدين كان يريد التخلص من آيت أحمد، فغلبه بن بلة وحكمه بالإعدام وخفف إلى المؤبد، تسابق في التصفيات الجسدية والمعنوية، والسؤال اليوم بعد نصف قرن هل أصبحت الجزائر الغنية بثرواتها وطاقاتها العظيمة اليابان الثانية كما قال احد رؤسائها بعد التحرير؟ وماذا عن الانتخابات الرئاسية القادمة؟ هل يترجل حصان الرئاسة الأسود من عرينه؟ وهل يغسل حصان العسكر الأحمر يده من الدم؟ والجواب لانتخابات القادمة التي رشح لها بوتفلية من مقعد الإعاقة؟