إن هناك رجالاً يتركون في النفوس أثراً ويحفرون في القلوب ذكرى طيبة تجعلهم نموذجاً يقتدى به . و الوائلي شأنه شأن الأوفياء الذين لا تنسيهم الأيام مواقف من رسموا مسار حياته أو انعكس نبلهم وصفائهم في مرآة روحه ، فهو يتحدث عن صنفين من هذا النمط من الأفذاذ:

الصنف الأول : أساتذته ويخص بالذكر الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي الحكيم والدكتور حاتم الكعبي والشيخ محمد الشريعة و ………

الصنف الثاني : من تأثر بهم بشكل غير مباشر عن طريق الاجتماعات ويتعرض إلى نموذجين :

1. الشيخ محمد حسن المظفر والذي يقول عنه « كان كتلة إيمان أنا عندما كنت اجلس بين يديه اشعر كأني جالس في صقع قداسي لان الرجل كان يمثل الوضوح والقداسة والطهر ، وعندما رثيته في أربعينه في قصيدة مثبتة في الديوان كنت احدد بعض صفاته فأقول :

بقية الخلف الماضين ما اتخذوا غير الفضيلة من دنياهم لقبـــا
أبوهم الدين والتـقـوى قبيلتهم فما انتخوا عجماً يوماً ولا عربا

2. السيد الشهيد محمد باقر الصدر : والذي يصفه «كان طاقة وكتلة من النبوغ وكتلة من الطهر والوضوح والأيمان (قده) ولاتعوض الأمة عن خسارته وعن فقده» كما يأتي في موضع من كتاب تجاربي مع المنبر على ذكر هذا الشهيد العظيم ليتناول همّ الصدر بالنسبة إلى المنبر الحسيني .

«كنت أتردد على مجلس آية الله الشهيد الصدر السيد محمد باقر تغمده الله برحمته وخصوصاً بعد ان انتقل إلى دار المامقاني التي فيها مقبرتهم والواقعة في مدخل سوق العمارة للقادم من مسجد آل الجواهري وكانت عادته الجلوس في ساعات معينة لاستقبال عامة الناس أما من يختصهم برعايته فكانت لهم أوقات غير محددة واعتقد إني كنت منهم فقد كان يأنس بي ويبش في وجهي وان كانت تلك سيرته مع الكل تتسم بالبشاشة والعفوية وعدم التكلف والوضوح الكامل ولكني كنت اشعر بنوع خاص من التعامل معي وكان يطرح هموم الساحة من كل أبعادها ومن الهموم التي شغلت باله قضية المنبر الحسيني وكان يدعوني إلى تحمل شيء من مسؤولية المنبر ولو بعمل بسيط يتطور بعد ذلك ، وبعد مداولات كثيرة انتهى الأمر إلى أن قال عليّ الأمور التالية :

1) أن ادمج خطباء المنبر بالحوزة العلمية حتى يحصلوا على ما يحصل عليه طالب العلم من مكاسب مادية وروحية وعلمية وبذلك تزول كثير من المشاكل عن طريقهم .

2) أن اعمل على إيجاد صيغة تأمن لهم ضماناً لأيام عجزهم حتى لا يتعرضوا لذل أو ضياع كما هو الوضع السائد .

3) أن تكون لهم مؤسسة مركزية يصدرون عنها في مناهج موحدة وتوجيهات تصدر لهم في ذلك كما تعمل هذه المؤسسة على التعريف بهم في داخل العراق وخارجه مما يعطيهم زخماً ومكانة معترف بها وتكون المؤسسة تحت ظل المرجعية

هذه هي العناوين الرئيسية وفيها تفاصيل وملاحق تستوعب جوانب الفكرة .

أما الذي عليك – يخاطبني – فهو أن تضع خبرتك في هذا الميدان تحت أيدي طلاب هذه المؤسسة ، وتتعاون مع زملائك الذين تعرفهم بالكفاءة لسد الثغرات المحتملة ، وتقومون بأدوار تنويه عن هذه المؤسسة في المجتمعات ذات الشأن وفي الوقت ذاته ان تستمروا في تطوير أنفسكم .

هذه هي مجمل الخطوط العامة التي دار فيها الحديث مع الشهيد الصدر (قدس سره) . وانتهينا إلى اخذ فترة من الزمن للتوفر على دراسة إبعاد المسالة والعقبات المحتملة وطرق تذليلها وأسلوب العمل الممكن الذي تسمح به الأوضاع وتهضمه وقد دونت تفاصيل ذلك في وريقات تركتها في مكتبتي في النجف ولا اعرف مصيرها . وتابعت الموضوع معه يشجعني على ذلك صدره الرحب واستيعابه لمشاكل الساحة ووضوحه في المطارحة وشجاعته التي لا تعترف بالصعاب وفوق ذلك كله أيمان عميق ونزوع إلى خدمة الإسلام ومبادئ أهل البيت واستباق الوقت ينم عن شعوره واستلهامه لقصر المدة التي يعيشها فكأنه والشهادة على ميعاد وكان ذلك قبل خروجي من العراق بأشهر وقبل استشهاده بسنتين وتتابعت الأحداث بعد ذلك فاضطرتني للخروج من العراق إلى الكويت ثم إلى الشام وصورة المشروع ماثلة في ذهني والأمل والرغبة في زوال الغمة وإمكان تجسيد الفكرة يملأ جوانحي ولكني فوجئت باعتقال الشهيد مع شقيقته الطاهرة ورجوت أن تكون سحابة عابرة ولكن نزل علينا نبأ استشهاده نزول الصاعقة وشعرنا بفداحة الخطب وشراسة الهجمة واختفت عنا جبهة تشع بالأيمان ، وفكر يفجر المعرفة ، وخلق يملأ الحياة طهراً ورفعنا دماً طاهراً سال من اجل أن يعبد الله ولا تعبد الأوثان ومن اجل أن يوحّد المسلمون تحت لواء واحد وتطرد عنهم أصنام العصبية رفعناه لنضعه إلى جانب دماء آبائه التي سالت على نفس الدرب وسلكناه في قافلة تضم الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ولا حول ولا قوة ألا بالله . فانطوى الأمل وذهبت الفكرة واحتسبت مع حاملها عند الله وهو خير و أبقى . لقد كان تدفق هذا النبع في تربة النجف الطاهرة » .