الشرائع الدينية خرائط للطريق نحو الله , وضعها الرب واجراها على ايدي الصالحين من خلقه ( الانبياء ) للاخذ بيد البشرية وبالتالي الخليقة نحو مسار النجاة وحفظ الكرامة , والكرامة تكون عادة الضحية الاولى حينما يسلك البشر طريق البيهيمية . ولان الشرائع مشاريع بناء كبيرة كان اختيار القائمين على ايصالها يقع دائما على الافضل والازكى من البشر , الذين زادهم الله بسطة في العلم والجسم . واقرارا بخاصية المجتمع الايماني وتطوره تربويا وتدرجه في النضوج كانت القيادات الاصلاحية الكبرى تخرج من رحم مجتمعات خاصة , الا انها لا تعتمد الية الوراثة العشائرية , سوى في سلسلة المعصومين الخاضعة لفلسفة عقائدية خاصة , لها بحث منفصل . اما القيادات الاصلاحية دون المعصومين فكانت تعتمد مبدأ الكفاءة والقدرة والنضوج المعنوي , كما في اختيار ( يوشع ) مع موسى صاحب الحركة الاصلاحية العظمى والمفصلية , والذي ورث قيادة مجتمع بني اسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام . والمجتمع الشيعي بسبب حركيته وظروف المواجهة والتحدي التي عاشها تحت راية الاصلاح والحرية , والتي فرضت عليه ان يكون في الجانب المعارض باستمرار , استلزم ان تتوفر لقيادته مميزات وخصائص نوعية فريدة . الا ان ظهور الدولة الصفوية - بموروثها غير الشيعي - استدعى تداخل ابعاد جديدة لفلسفة الحركة الشيعية عموما , ولايران خصوصا , كان من الطبيعي ان يتم تعميمها تحت وطأة الاذرع السياسية . من هذه الابعاد كان انتشار ظاهرة تسلط ( البيوتات والعوائل الدينية ) , على هامش اطروحة الاستحقاق النسَبي للعائلة الصفوية , باعتبار انتمائها للبيت النبوي , بغض النظر عن حقيقة هذا الانتماء . ان وجود مجموعة من البيوتات العلمية والعوائل العلمائية امر لطيف ومقبول جدا , ويكون احيانا مهما في ايجاد عوامل دفع للمشروع الديني , كما رأينا ذلك المثال العائلي الناصع والمنتج ومثار الفخر ﻵل كاشف الغطاء . لكن بعد موجة خلط الاوراق وتعويم المفاهيم التي قادتها بريطانيا في المنطقة مستغلة البداوة والتصحر الفكري ومستفيدة من التجمعات والمؤسسات والكيانات النفعية والسطحية الساذجة صار من الطبيعي ان تتحول موضوعة البيوتات الدينية الى ظاهرة ذات طابع سلبي في كثير من الاحيان . وفي العقود الاخيرة رأينا كيف ان ابناء المحقق الخوئي قدس سره تسببوا في فوضى ادارية ومالية عند وفاة والدهم المرجع , وساروا خلاف ارادة المرجع الجديد ( السيد السبزواري ) , وقام احدهم بنقل اموال ضخمة خارج اطار المحيط الشيعي صاحب الاحتياج . كما تسبب باول خيوط الازمة المرجعية في العراق , حيث ساهم بايجاد قيادة غير صالحة لاحقا , لكنها خضعت لمبدأ الشراكة معه . وقد كان لهذه الظاهرة الغريبة دورا كبيرا في تشتيت جهود الاحزاب الاسلامية الشيعية التي قارعت نظام الهمجية البعثية , حيث تم الاستحواذ على منظومة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق , والذي كان يمثل اطارا جامعا للاحزاب الاسلامية وبرلمانا للشخصيات الفكرية المعارضة , وتحويله الى مؤسسة تُدار كليا من قبل ابناء السيد محسن الحكيم قدس سره وعائلته , تحت تأثير حسن ظن القيادة في الجمهورية الاسلامية في ايران بهذا البيت العلمائي , مما ادى الى انهيار المجلس الاعلى عمليا وانفراط عقد احزابه وشخصياته ,والحقيقة ان ذلك كان بداية انهيار جبهة المعارضة الاسلامية في العراق ونهاية عهد الانضباط الاخلاقي والقيمي في عالم السياسة العراقية . واستمرت هذه المعضلة داخل كيان المجلس الاعلى لتتم ازاحة القيادي البارز والمتوقع - طبيعيا - ( صدر الدين القبانجي ) عن صدارة الزعامات , تمهيدا لصعود نجم عمار الحكيم , بعد ان تولى زمام القيادة الفعلية السيد عبد العزيز الحكيم . وكانت هذه العملية الاستحواذية سابقة للإعلان عن انتقال هذه الظاهرة المرضية - نفوذ البيوتات - من المؤسسة الدينية الى المؤسسة السياسية , خصوصا ان العمل السياسي الاسلامي الشيعي لا يمكنه الابتعاد عن الاطار الشرعي الحوزوي كثيرا . ومن ثم بدأت مرحلة الصور واللافتات والقائد الضرورة ورجل المرحلة , كناتج طبيعي ومتوقع لسياسة الاستحواذ العائلي المرتبط بمفهوم القداسة . ورغم اختلاف المدرسة الصدرية فكريا وعمليا داخل الكيان الشيعي الا ان سريان ظاهرة البيوتات والفتها تسرّب تحت ضغط المصالح الشخصية الى هذه المدرسة , وتم توريط السيد مقتدى الصدر واستدراجه نحو هذه المساحة . فالسيد مقتدى هو ابن السيد محمد محمد صادق الصدر , والشهيد الصدر قدس سره حاز بصدقه ونبله ومسيرته العملية للإصلاح والنهوض بالامة على جماهيرية كبيرة جدا , خصوصا لدى المستضعفين من الناس الذين وجدوا فيه صورة لناصر المستضعفين علي بن ابي طالب عليه السلام , سيما بوجود قيادات دينية معاصرة له لا تسمن ولا تغني من جوع . لقد كانت العاطفة - فضلا عن الايمان الواعي - احد اسباب الالتفاف حول الشهيد الصدر , وهي الوتر الذي عزف عليه صانعو شخصية السيد مقتدى الصدر , مستغلين اسم الشهيد الصدر , رغم ان السيد مقتدى كان بعيدا جدا عن خصائص القيادة الشيعية التي اولها ( الاجتهاد ) كما عبّر والده الشهيد الصدر , حيث قال (( ..وأشياء كثيرة تحتاج إلى تعديل وإلى تقويم وإلى عدل....وهذا لا يكون إلا بفتوى حقيقية وقضاء حقيقي وولاية حقيقية، وهذا إلا بالاجتهاد ،أول درجاته الاجتهاد ... أما أنه تستطيع أن تعمل شيئاً من ذلك بدون اجتهاد؟ فهذا دونه خرط القتاد ولا يمكن أصلاً ومن يخالف ذلك ؟ إنما يتبوأ مقعده من النار، وليس بحجة ولا تجب طاعته حتى لو كان أفضل فضلاء الحوزة مالم يحصل على درجة الاجتهاد ... المجتهد فقط وفقط من له حق قيادة الناس في الفتوى والقضاء وكل شيء، أما غيره، أيا كان فلا يجوز له ذلك وليس على الناس طاعته )* . لذلك كان تمزق تياره وتشتته وفشله عمليا امرا متوقعا رغم ما يحاول بعض انصاره من محاولات الدفاع عنه , تحت عنوان المقاومة للاحتلال او مجموعة من القضايا المقبولة المفاهيم عندنا لكنها غير تامة المصاديق في مسيرة التيار . انشق التيار انشقاقا تاريخيا بخروج ابرز رموزه الصدرية الشابة , والتي هي من صنعت ظاهرة اسمها ( مقتدى الصدر ) في الحقيقة التي عشناها , لتؤسس تيارا اخرا يرتبط بمرجعية دينية وليس بظاهرة البيوتات . ولعلّ هذا الانشقاق التاريخي والاعلان الاخير للسيد مقتدى الصدر بحل الكثير من المؤسسات التابعة واهمها السياسية فضلا عن مجمل المسيرة المتخبطة والقرارات المتناقضة والتحالفات المتغيرة والتي تخالف المبادئ المعلنة للتيار يشكلان اهم الادلة على سلبية الخضوع لظاهرة البيوتات والنفوذ العائلي الاسمي . شخصيا لم اكن اتوقع مطلقا ان تتأثر المدرسة الفكرية والعملية المتحضرة لمرجعية السيد محمد حسين فضل الله لتأثير زحف ظاهرة البيوتات , لذلك تفاجئت كثيرا حين شاهدت كيف دخل السيد ( علي فضل الله ) دوّامة عالم العمامة الاميرية واصبح امتدادا اخر لظاهرة البيوتات . اما عائلة ( آل الشيرازي ) فهي مصداق واضح جدا للعمامة الاميرية , حيث تخضع هذه المدرسة كليا لبيت الشيرازي , ولا يملك طلبتها امل 1 % ان يصبحوا مراجعا لها , بل لا يملكون حق الاعتراض واقعا على البيت الشيرازي . وقد وصل الامر الى ظاهرة تقديس هذا البيت . لكن العمامة الاميرية الاخطر كانت هي العمامة الاكثر سرية والاكثر نفوذا وتأثيرا , انها عمامة ( محمد رضا السيستاني ) , والتي يمكن القول انها الاقوى في العالم واقعا والاكثر قدرة على التأثير . حيث يعلم المطلعون والمراقبون ان السيد علي السيستاني ليس موجودا عمليا , كما ان زائريه لن يحظوا بأكثر من تقبيل يده على الاكثر , لكن تخضع ادارة امور المرجعية ليد محمد رضا وحده . ويمكن القول انه يستحوذ على مؤسسات الطاقة في العراق من خلال حليفه وقريبه الشهرستاني بصورة عملية . ولا تملك باقي المرجعيات النجفية مواجهة ارادته , سيما وهو مصدرها المالي الرئيسي , كما انه يملك اسقاطها اجتماعيا من خلال اخطبوط المؤسسات المحلية والدولية التي يمولها او يتحالف معها . وتعده الاحزاب السياسية العراقية خطرا اكبرا وامانا اوفرا في نفس الوقت , حيث بسكوته عن ممارساتها ومسرتها تأمن جانب السخط الشعبي , اذ يملك وحده توفير جرعات الخدر الدينية المناسبة للجماهير الساذجة , والتي تطيل من عمر الاحزاب الماكرة والمخادعة , اذ على محمد رضا ( التدجين ) وعلى الاحزاب والساسة ( التجهيل ) , ليرتع الشيطان في لحى القوم بعد ذلك . وقد كان كل سياسي سيء حين يريد تلميع صورته يلجأ الى ( دربونة ) المرجع السيستاني شاكرا استقباله !! , ولا انسى كيف صرّح رئيس الوزراء عند رأس هذه الدربونة انه ( يستمد شرعيته من المرجعيات الكبرى في النجف الاشرف ) , حيث سار وعين الدربونة ترعاه , ولا من رادع ولا لاجم !!! . وقد انتقلت ظاهرة البيوتات والعمامة الاميرية لمستويات ادنى , فوصلت للوكلاء , الذين تنتقل الوكالة لأبنائهم بالوراثة ! , بل وصلت حتى لمستوى المؤذنين في المساجد . لكن لم تكن هذه الظاهرة بالقوة التي تؤثر في اهل الله حقا وحماة الدين واهل الورع واقعا , فكان ابناء السيد الخميني مثالا للزهد بكل بهارج النفوذ , وابوا ان يتسلطوا على الناس باسم الدين ووتر العاطفة , وكان ان سلّموا كل متعلقات المرجعية من اموال وغيرها الى المرجع الجديد بعد رحيل والدهم السيد الخميني قدس سره . كذلك فعل ذلك الرجل الورع السيد ( علي السبزواري ) بعد وفاة والده المرجع ( السيد عبد الاعلى السبزواري ) , واتجه لنفع المدرسة الدينية علميا . ان العمائم الاميرية وسيطرة ابناء المراجع على مقدرات المؤسسة الدينية القيادية في العراق والعالم ظاهرة دخيلة وغريبة ومستهجنة , كما انها لا تنسجم مع القواعد الشرعية الاسلامية وفق مدرسة اهل البيت عليهم السلام , ومخالفة للمنطق العقلي الانساني القويم , بل هي معرقلة للعمل الممهد لدولة العدل الالهي . وعلاج هذه الظاهرة يقع على القيادة المرجعية داخل الكيان الشيعي باعتبار مسؤوليتها في نيابة المعصوم , لكن باعتبار انها مقصرة في اداء حقوق هذه النيابة فيقع العلاج اليوم على الامة , لتقويم عمل المرجعية واعادة المسار الصحيح , خضوعا لمبدأ الشهادة المتبادلة بين الامة والمرجعية . (( اذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * واذا القوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا * قل أذلك خير ام جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاءا ومصيرا * لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا * ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ام هم ضلوا السبيلَ * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا ان نتخذ من دونك من اولياء ولكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا * وما ارسلنا قبلك من المرسلين الا انهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا )) الفرقان

علي الابراهيمي