مناقشات حادة، وأخرى خجولة، وثالثة متخبطة في لجة التبريرات لموضوعي الحشد الشعبي والتجنيد الالزامي اللذين يمسان حياة أبناء الفقراء بشكل مباشر. لافتات النعي السوداء تنتشر على جدران مدن الفقراء كالصدر والشعلة والشعب وما يماثلها في مدن الجنوب والفرات الأوسط. شباب في مقتبل العمر دفعوا حياتهم ثمنا للدفاع عن العراق في معركته ضد قوى الظلام القادمة من كهوف التاريخ المسماة "داعش". وإذا كان قرار مشاركتهم في القتال إيمانا بقضية وطن أو امتثالا لفتوى المرجعية، فان لهم حقوقا، على الدولة أن تسارع للايفاء بها وعدم ترك عوائلهم، ولاسيما المتزوجين منهم، تحت رحمة فساد ومزاجية الموظفين في الدوائر المختصة بهذا الشأن.
يحدثني صديق يعمل في أحد المصارف الحكومية عن رجل سبعيني حضر لاستلام استحقاقات ابنه الشهيد المالية، وهي بمجموعها لا تساوي ما يصرفه ابن برلماني على خطه الخليوي خلال شهر واحد. قال، ان الرجل بعد ان جرحته ملاحظات أمين الصندوق السمجة، قلب المبلغ بين يديه ثم أعاده الى الموظف مرددا بصوت منهك باك: خذوا أموالكم وأعيدوا لي ابني.
صعاليك العملية السياسية من برلمانيين ووزراء وأحزاب وكتل، لم يكتفوا بسرقة ثروات الشعب، ولم يلتفتوا الى هؤلاء الشباب الذين ضحوا من أجل العراق الذي يجثمون على صدره، بل يتجاهلون أبسط حقوقهم المتمثلة بمنح عوائلهم ما يستحقون من عيش كريم.
بالمقابل، مَن مِن أبناء البرلمانيين أو الوزراء أو السياسيين الآخرين استشهد أو شارك ضمن مجاميع الحشد الشعبي في ساحات القتال؟ بل مَن مِن هؤلاء المتشدقين جازف بزيارة جبهات القتال، باستثناء السيد حيدر العبادي وبعض أعضاء التيار الصدري؟
بالمقابل أيضا، كم من الفضائيين في الجيش والشرطة عادوا الى وحداتهم وشاركوا في القتال الذي يعد من أهم واجباتهم التي تطوعوا في القوات المسلحة للقيام بها؟ قد يقول قائل ان خطة رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة لاصلاح المؤسسة العسكرية تبدأ من الأعلى، وهنا قد أتفق مع هذا الطرح، لكنني أطالب أن لا يعني ترك حبل التسيب في التشكيلات العسكرية على الغارب، بل من الممكن ومن خلال تفعيل جهاز استخبارات الجيش مراقبة هذه الظاهرة بغية الحد منها أو القضاء عليها مع ضرورة سن القوانين الكفيلة بمعاقبة المسؤولين عنها، وبأثر رجعي.
تأسيسا على ذلك، يبدو قانون الخدمة العسكرية الالزامي، الذي تدور مناقشات واسعة حول تشريعه، فخا هو الآخر للدفع بأبناء الفقراء نحو محارق الحروب بين الدولة، التي تبدو وكأنها مختبرا للكشف عن قدرات الخنازير البرية التي تطلقها واشنطن وبدعم من عواصم دولية وإقليمية على أراضيها تحت مسميات مختلفة كتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين أو تنظيم الدولة الاسلامية "داعش"، وغدا قد نكتشف اسما جديدا لتنظيم قد يطبخ تشكيله الآن في الغرف السرية لجهاز الاستخبارات الأمريكي، وبين القوات العراقية التي سيكون الخاضعون للقانون الجديد ضمن تشكيلاتها.
هنا، أنا لست ضد القانون بالمطلق، لكنني أخشى أن يطبق على أبناء الفقراء حصرا، فيما يبقى أبناء الأغنياء والميسورين وصعاليك السياسة العراقية خارج نطاق تطبيقه، ويبقى الفضائيون يتمتعون بجزء من رواتبهم بعد ان يستقطع قادتهم جزءها الآخر، وأن يتمتعوا بالعلاوات والتقاعد وهم متنعمون بأحضان أمهاتهم على حساب "اولاد الخايبة" الذين يعيدون إنتاج مأساة آبائهم الذين قضوا أو أسروا أو عوقوا جسديا أو نفسيا في حروب ماضية.
إنها جنة العراق التي تبدو محرمة على فقرائه، ولا عزاء لهم سوى تقديم أبنائهم قرابين على مذبح الوطن الذي نهبه السياسيون من الوريد الى الوريد.