كثيراً ما سمعنا أن المحاصصة السياسية تكاد تكون هي المشكلة الرئيسة في فشل الحكومة العراقية، وتكررت الشكوى خلال الحكومات المتعاقبة حتى أصبحت هي الشماعة التي يعلق عليها كل فشل حكومي، وكم تعالت الأصوات للتخلص منها لكن ظروف البلد لا تسمح بتحقيق ذلك مما جعلها تستمر أشبه بواقع مفروض تجنبا لمشاكل كثيرة قد تكون اكبر من سلبياتها، ولهذا تحمل الشعب كل الضعف بالأداء الحكومي الذي يبرر دائما بسبب كون الحكومة حكومة محاصصة وتوافق..
إلى متى يستمر الأمر واقعا يفرض فشلا بالأداء الحكومي أو يتحمل نتائج الفشل على الأقل.. والحل بنظر الكثير من السياسيين هو التخلص من هذا الأسلوب في تشكيل الحكومة وهم يعلمون قبل غيرهم أن تشكيل الحكومة لن يتم إلا من خلال المحاصصة أو التوافق ضمن ظروف البلد المكبلة بغياب قانون للأحزاب وعدم تحديد قانون الانتخابات الثابت وما يعاني الشعب من ظروف.. وتبقى الموافقة على هذا الواقع وكأنها اتفاق ضمني على استمرار الضعف والفساد ما دامت الحجة موجودة ألا وهي المحاصصة وكأن الحلول أقفلت نهائيا..
فلو تعاملت الأحزاب على أن الموضوع شبه مفروض بسبب مجمل الظروف التي يمر بها العراق ويجب التعامل معه ما دام الواقع يحكمه ضمن هذه الفترة وبحثت عن حلول له، لكان أفضل من المناداة بالتخلص منه بلا جدوى.. فإلى متى تظل طريقة التعامل معه رديئة النتائج لتقود البلد من فشل لآخر.. فلماذا لا تتحرك الحكومة وأصحاب القرار لتحويل المحاصصة من عامل سلبي نشتكي منه (وندري جيدا أن الشكوى هباء في شبك).. إلى عامل ايجابي يجعل كل الأحزاب تشعر أنها مشاركة بالحكومة ولكن ضمن ضوابط تتفق عليها جميع الكتل السياسية.
هذه الضوابط توضع بمهنية عالية من قبل ذوي الاختصاص ومن السياسيين الذين لديهم خبرة بالأمور الإدارية بحيث تصبح لكل منصب مهم بالدولة ضوابط تتناسب مع ما يتطلبه ذلك المنصب ابتداء من منصب الوزير إلى الوكلاء إلى المدراء العامين ثم مدراء الأقسام وهكذا لكل الوظائف الحكومية.. وتكون الضوابط علمية مهنية تبدأ بالعمر والشهادة والخبرة العملية من خلال سنوات الخدمة القريبة او المتصلة بالمنصب اضافة لسمعة الشخص ونزاهته.. بحيث تضمن هذه الضوابط أن يكون الرجل المناسب في المكان المناسب.. عند ذلك ستفرغ المحاصصة من سلبياتها لأن الحزب الذي له حصة بأي منصب لا يمكنه أن يرشح كل من هب ودب إنما هناك ضوابط يتم التنافس عليها بين مرشحيه، فإذا انطبقت التعليمات على الجميع لن يكون هناك تخوف من المحاصصة إطلاقا طالما الأسس التي سيأتي بموجبها الوزير والوكيل والمدير العام وغيرهم هي ضوابط صارمة متفق عليها مسبقا ومن جميع الكتل السياسية، وليته يكون قانونا للإصلاح الإداري يصوت عليه البرلمان كي يكون ملزما للجميع.. هذا الموضوع لا يحتاج إلا لجهد مخلص ونوايا حقيقية لبناء العراق من خلال مؤسسات لها ضوابطها كي لا يدخلها الطارئون على المناصب وقليلو الخبرة أو المتسلقون أو المتملقون.. بهذا الأسلوب ستنتهي الشكوى من المحاصصة وتتحول من عامل سلبي إلى ايجابي لتشكيل الحكومة لأنها ستكون سببا لإرضاء الجميع وبنفس الوقت لا تسمح بالتصرف الفردي لإعطاء المنصب لهذا أو ذاك لأنها محكومة بتلك الضوابط. وهذا واجب الحكومة الحالية والبرلمان الحالي لتأسيس نظام يمكن أن تسير عليه الحكومات القادمة بكل انسيابية ولا تستمر عمليه إعطاء الوظائف حسب المزاج والعلاقة أو حتى الشراء كما يقال.. فهل ستضع الحكومة والبرلمان والقادة السياسيون الحجر الأساس لنظام إداري صارم يقضي على سلبية المحاصصة وينتهي به تأثير العلاقات الشخصية في الحصول على المناصب؟..
فبهذا الأسلوب ومن خلال تلك الضوابط سيتلاشى الفساد والمفسدون.. وتتحول المحاصصة من مشكلة إلى حل.
نتمنى مخلصين أن يتم الانتباه والعمل الجاد لتأسيس هذه الضوابط وكلما كان الوقت مبكرا للبدء بهذا العمل يكون أفضل كي تكون الخطوات مدروسة دراسة مستفيضة خدمة للعراق والعراقيين فكفانا ترهلا إداريا ومحسوبيات وقلة خبرة وفشلا بالأداء يتحمله الوطن والمواطن بلا ذنب، وما دامت المحاصصة السياسية داء فانه يستوجب الدواء