بعد أن أكملت دراستي الأولية في مدينة فايمر الصغيرة، ذات المغزى الكبير بالنسبة للتاريخ الألماني * ، إنتقلت عام 1966 الى برلين لإواصل دراستي في كلية الفنون التشكيلية والتطبيقية فيها. وقد منحتني هذه المدينة الكثير، الكثير من الإنطباعات العميقة والذكريات الجميلة التي ظلت ترافقني طوال حياتي بها، حيث تنامت معارفي، وتكونت معالم شخصيتي،  وفيها تعرفت على شريكة حياتي والتي رافقتني ولم تزل، في كل متعرجات ذكرياتي الحلوة و المرة.
واليوم عندما أستذكر تاريخ هذه المدينة، فإني أبحث عن السر في تأثيرها على تكوين سلوكياتي وشخصيتي. ويبقى السؤال قائما : هل حقا إن الأماكن هي التي تمنح للأشخاص هويتهم؟ شئ واحد أستطيع الإجابة عليه بنعم وبلا تردد: هل أن المتغيرات التي تطرأ على المكان يمكن لها أن تجعل من الإنسان متغيراً ومتقلباً، حاله حال المكان الذي يتلون ويتغير بإستمرار؟  نعم هي الظواهر التي تجتاح المكان بين الحين والآخر فتغير سلوكيات الإنسان وفقا لهذه الظواهر المتلونة والمتغيرة.
تعتبر برلين من المدن الحديثة (نسبة الى ما موجود من مدن لا تزال حية  في العالم القديم)، وقد شهدت تغيرات كبيرة رافقتها طوال عمرها القصير. ويرجع تاريخها الى عام 1415م حين أهدى الإمبراطور سيكسيموند قطع أراضي صغيرة على ضفتي نهر الشبري تدعى كولن و برلين الى عائلة هوهين تسوليرنز. ولم تكن هذه في الحقيقة هدية سخية، إذ كانت منطقة مستنقعات، ولم تطلها أصابع الحضارة التي تواجدت آنذاك في الأجزاء الجنوبية من أوربا. وطيلة خمسة قرون رعت تلك العائلة الأرض حتى حولتها من منطقة مستنقعات الى مدينة، ثم الى مركز براندينبورك، في المملكة البروسية، التي أصبحت فيما بعد الإمراطورية الألمانية، قبل أن تنتهي فترة نفوذهم وحكمهم الإقطاعي، مع إعلان الجمهورية نتيجة الحرب العالمية الأولى عام 1918م، فتصبح برلين وكامل الرايخ الألماني ديمقراطية. لتبدأ بعدها حقبة جديدة من التاريخ، حين أستلم الفاشيون دفة الحكم عام 1933م، وسرعان من إستبدلوا القيم الديمقراطية بالفاشية والوعود بالتقدم والرخاء الإقتصادي، مشيعين العنف والإرهاب ليطال الرعب كل الناس في أرجاء ألمانيا، ثم في أرجاء أوربا كلها، بسبب سعيهم الحثيث والجرئ وراء السلطة المتمثل بمقولة "اليوم نملك ألمانيا، وغدا نملك العالم كله" .بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وجدت ألمانيا نفسها محطمة، ومتضائلة ومقسمة.












ولتصبح برلين، شأنها في ذلك شأن ألمانيا كلها، مقسمة ما بين أربعة قوى منتصرة في الحرب العالمية الثانية، لتأتي بعدها مرحلة إعادة الإعمار، حيث أنتظر الناس في برلين بصبر إذا ما ستتحقق وعود النظامين الإشتراكي والرأسمالي وتصبح واقعاً. ففي حين كانت برلين الشرقية ترتقي لتصبح عاصمة المانيا الديمقراطية، أصبحت برلين الغربية مقاطعة تابعة للجمهورية للفدرالية الألمانية (المانيا الغربية). فأصبحت متميزة هذه المدينة بفضل المساعدات المالية الغزيرة من الدول الرأسمالية، أذ كان المقصود منها أن تصبح نموذجاً للغرب. ثم دخلت برلين بعدها مرحلة بناء الجدار الذي تخللها وأحاط بنصف هذه المدينة (برلين الغربية). ومثلما كانت دائماً أخبار التاريخ يكتبها المنتصر .. فبعد نهاية الحرب الباردة وتفكك النظام الإشتراكي وكتلة الدول المنظوية تحت مظلته، لقد إستطاعت الدعاية الغربية أن تهيئ في أذهان الناس أن هذا الجدار كان يحيط بسكان ألمانيا الديمقراطية ليمنعهم من الخروج منها وكأنهم في سجن دائم. ولكن حقيقة الأمر للمتتبع الحيادي، تُؤكد أن كافة شبكات التجسس الغربية كانت، قبل إنشاء الجدار، تعبر من مدينة برلين الغربية الى القسم الشرقي منها وتتوغل الى كافة عواصم ومدن الدول الإشتراكية الأخرى .. إضافة الى وجود عامل إقتصادي مهم، ظهر آنداك عندما تكونت هجرة داخلية كاسحة من أكثر مدن ألمانيا الديمقراطية الى مدينة برلين الشرقية، التي كان أهاليها يتمتعون برخص إيجارات السكن وتوفر خدمات النقل الميسرة وبأسعار زهيدة جداً، وليعمل هؤلاء النازحون في مؤسسات ومصانع برلين الغربية نهاراً، ويسكنوا برلين الشرقية مساءاً، مما ساعد ذلك على توقف عجلة الإنتاج في أكثر مدن ألمانيا الديمقراطية، وأصبح الإقتصاد فيها على وشك الإنهيار. وقد جاء قرار إنشاء الجدار من قبل سلطات ألمانيا الديمقراطية آنذاك ، ليؤكد صحة القرار، إذ بدأت الحياة الأقتصادية تتحسن بشكل مطرد، حتى أصبح الوضع الإقتصادي والإجتماعي والمعيشي في هذا البلد مثالياً نسبة الى باقي دول المنظومة الإشتراكية. وليكن فهذا ما وددت أن أذكره بشكل عرضي، كمفصل من مفاصل تاريخ هذه المدينة العريقة ..
في عام 1989م أصبحت برلين مرة أخرى موحدة. وحالياً يتمركز السياح في أحد مركزي المدينة اللذين خلفهما التقسيم، في غرب المدينة يوجد كنيسة الذكرى (Kaiser-Wilhelm-Gedachtniskirche) وفي شرقها توجد ساحة الكسندر بلاتس. ولكن الحياة العامة في برلين ظلت تتمركز في المراكز الثانوية. ولا يذهب البرليني الى مركز المدينة إلا في حالة إصطحابه لزوار أو سياح من خارجها.
 

أما مراحل نمو هذه المدينة في نشأتها الأولى فقد كان تخطيطاً تابعاً لإسلوب تخطيط المدن في عصر النهضة، ثم نمت المدينة حول تلك النواة بأسلوب هندسي شبكي مع مراعاة المقياس الإنساني. وبعد خضوع المانيا للحكم الفاشستي التي حاول النظام فيها فرض وجهة نظره في أن الانسان ضئيل أمام عظمة الإمبراطورية، وقد تجلى هذا في مخططاتهم لمدينة برلين من حيث شق الشوراع الشاسعة، والمباني الضخمة جداً، أن هذا التوجه جعل برلين تخسر جزءاً من نسيجها الحضري لمواكبة تلك التوجهات، كما أدى بها الى التخلي عن معايير المقياس الإنساني. وقد أثر تقسيم برلين بعد الحرب العالمية الثانية إلى إزدواجية الفعاليات الأساسية فيها. فكان لها مركزين أساسين أحدهما في الجانب الشرقي من الجدار والآخر في غربه فضلاً عن وجود دارين للأوبرا ومطارين وغير ذلك. مما أضطر إدارة برلين في مطلع التسعينات من القرن الماضي (بعد توحيدها) بإقامة مسابقات عالمية عدة من أجل إيجاد أسلوب ملائم لإعادة اللحمة بين شقي برلين، والتي شكل نهر الشبري ذاته فاصلاً طبيعياً بينهما أكده الجدار. فضلاً عن إعادة إعمار المناطق التي تعرضت للتهديم سواء نتيجة الحرب، أو نتيجة تجارب العمارة الحديثة التي سعت لهدم القطاعات القديمة وإستبدالها بمشاريع جديدة، وقد لاقت هذه التوجهات رفضاً قاطعاً من قبل السكان، مما إستدعى إعادة النظر في مسألة الهدم هذه وتبني تيار عمارة ما بعد الحداثة الذي حاول حل إشكالية الإرتباط بالماضي، فضلاً عن تشجيع حركة الحفاظ على المباني ذات القيمة التاريخية. فكانت مسابقة (شبري بوكن) الدولية التي تتعلق بإعادة تصميم قطاع الحكومة الخاص بمباني البرلمان الألماني الواقعة على نهر الشبري عام 1992-1993م التي فاز في الجائزة الأولى بها شولتس، وتيمرمان. وكانت الفكرة التصميمية تعتمد الربط بين ضفتي نهر الشبري عن طريق جسر يصل بين جزئي المدينة. الا أن هذه الفكرة لم تلق إستحساناً كونها عبرت عن تلك الفكرة من خلال الكتلة فقط في حين أن من الأنسب أن يكون الربط بفضاء عام.
من أهم الشواخص المعمارية التي تم الحفاظ عليها وإعادة الحياة لها بعد أن طالتها ويلات الحروب من هدم وحرق،
 كانت بوابة براندنبورك ((Brandenburger Tor فضلاً عن مبنى البرلمان (الرايشتاك) (Riechstag). حول تلك البوابة كان يتمركز تاريخ بروسيا وألمانيا وقد بنيت هذه البوابة عام 1791م وفقاً لمخططات المعماري كارل كوتهارد لانغهانتس وقد كانت هذه البوابة تدعى آنذاك فريدنس تور. أي بمعنى بوابة السلام. في آذار عام 1848م  أصبحت البوابة مسرحاً لأعمال العنف خلال ثورة آذار. وفي عام 1918م دمرت البوابة وأعُلنت الجمهورية في مبنى الرايشتاك المجاور للبوابة، لكن الديمقراطية لم تدم طويلاً. في كانون الثاني عام 1933م زحف جند العاصفة من خلال البوابة وبعد أربع أسابيع أصبح الرايشتاك في قبضة النيران. وفي عام 1918م أعلن فيليب شايدمان قيام الجمهورية من إحدى النوافذ العلوية، في هذا المبنى المتهدم والمرمم جزئياً.



منذ عام 1991م فصاعداً وبعد أن أصبحت برلين عاصمة المانيا مرة أخرى، بعد الوحدة، تم تجديد وتوسيع مبنى الرايشتاك وفقاً لمخططات المعماري الأنكليزي الشهير نورمان فوستر(Norman Foster) وإفتتاحه بقبته الزجاجية الضخمة التي ترمز لشفافية إتخاذ القرار. واليوم نجد بأن كلاً من بوابة براندبورك ومبنى الرايشتاك محاطين بالنصب التذكارية لقتلى الفاشية وللجنود السوفييت الذين قتلوا في الحرب العالمية الثانية.


لقد أهتم البرلينيون بالفضاء الحضري وسعته لإرتباطه في أذهانهم بمعاني الحرية والوحدة التي كانوا يتوقون لها طيلة ما يناهز الأربعين عام، كون الفضاء يمثل لديهم عنصرالربط الفعال للمدينة.
كما أهتم البرلينيون بالمقياس الإنساني، ونسب الإحتواء التي تراعى من خلاله. فبرلين كانت قد تعاملت إبان نشأتها الأولى من فضاءات واسعة نسبياً تتناسب مع ارتفاع الكتل المحيطة بها (والتي يزيد ارتفاعها عن طابقين). الا أن ما لم يحض بقبول أهلها هو نسب الاحتواء الجديدة، فضلاً عن ارتباطهم العاطفي العالي بموروثهم الحضاري المعماري مما دعائهم الى رفض المخططات الحديثة التي تستدعي إزالة ذلك الموروث وإستبداله بأبنية جديدة تكون أقدر على تلبية حاجات مجتمع اليوم، وبالتالي الأهتمام البالغ في الحفاظ على الشواخص المعمارية والمناطق التاريخية المهمة، كونها تمثل توثيقياً لما مرت به المدينة من أحداث.  
سلاما لك يا  معلمتي برلين (عاصمة أوربا كلها) .