يُحكى أن والياً غبياً من ولاة العرب، كان يرقُصُ عارياً أمام رعيته، ويتجاهل آلام الفقراء، فيصفق له التنابلة، حتى تمادى في رقصاته المتهتكة، فانهارت دولته، وأخذ أخذاً وهو يرقُصُ نحو حتفه، وكانت تلك رقصته الأخيرة من بين رقصاته الغجرية.
ربما يسألني سائل منكم، فيقول: كيف يجوع أهلي وبلادي من أغنى البلدان ؟، فأقول له: ألا تعلم إن أغبى الأغبياء، وأكثرهم جهلاً وحماقة، هو ذلك السياسي الذي ظن إنه بتسلقه فوق ظهورنا سيضمن التفوق العقلي علينا، وإنه سيضيف لخلايا دماغه المعطوب شحنات عالية الطاقة، ثم يعززها بذاكرة موسوعية جديدة، تجعله أعلى مرتبة من أصحاب الكفاءات النادرة، وأكثر مهارة من أصحاب المواهب الخارقة. وإن أغبى الأغبياء وأكثرهم تخلفاً هو ذلك المسؤول المتعجرف، الذي ظن إن الرياح الفوضوية، التي حذفته علينا ستخلق منه قائداً عبقرياً لا يُشق له غبار في كل الميادين، بما يمتلكه من ملايين مسروقة، وقصور فاخرة، وعربات مدرعة، وحاشية خانعة خاضعة.
وأكثرهم غباءً وتفاهة ذلك المرابي الذي يسرق لقمة الفقراء، ويتاجر بآلام اليتامى والأرامل، معتقداً إنه الأكثر نضجاً وحذاقة من غيره، ومعتقداً إنه الأكفأ والأنشط بحنكته في الغش والاحتيال والمزايدات الرخيصة.
وأكثرهم غباءً ذلك الوصولي، الذي ظن إن تلونه بألوان الطيف السياسي، سيجعله في طليعة المتفوقين علمياً، وفي مقدمة المبدعين والناجحين. معتقداً إن استثماره للفرص الرخيصة، سيفتح له خزائن العلوم والفنون والمعارف.
وأكثرهم جنوناً وغباءً هو ذلك المرائي المتصنع. المتفاخر بتدينه المزيف. المتفنن بانتحال خصال الورع والتقوى. معتقداً إنه سيضحك علينا بجلبابه وخواتمه وأحجارها الثمينة، ومعتقدا إن ألاعيبه ستنطلي علينا. وكأنه لا يدري أن الدين بجوهره وليس بمظهره ولا بمنظره.
وأغبى الأغبياء وأكثرهم تخلفاً وانحطاطاً هو المؤمن بصناعة الأصنام البشرية. المغالي في تقديم فروض الطاعة والولاء للحكام. المنصرف لتقديسهم بطقوسه الكهنوتية الغارقة في الذل والعبودية. الذي يظن إنه أذكى من الآخرين، وأكثرهم جدارة بلهاثه المتواصل وراء الحكام المستبدين بآرائهم، وكأنه لا يعلم إن رأس الحكمة مخافة الله. وإن الله جل شأنه هو الأعلى وهو الأسمى، وأن البقاء لله وحده.
أما الغباء المزمن فتجده دائماً تحت لسان الذين يحدثونك عن تسامح الأديان وتلاحم القوميات والطوائف، وهم من ألد أعداء الإنسانية، وأكثر الناس عدوانية. يحاربون الأخيار. يدعمون الأشرار. يثيرون الفتن. يأججون النعرات البالية. يبرعون بمساندة الإرهاب. يدعون لنشر ثقافة الموت والدمار بين الشعوب والأمم. يزعمون إنهم الفئة الناجية، وإنهم أفضل الناس، ولا يعلمون إنهم الأغبى والأكثر تحجراً وإجراماً.
مما يؤسف له إن الغباء عند بعض الناس موهبة عظيمة، يتمسكون بها من المهد إلى اللحد، ولا فائدة من توجيههم، وتعديل مساراتهم المنحرفة، فالغباء من أخطر إفرازات عقولهم المشفرة، وقلوبهم المتحجرة.