الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

5 دقيقة وقت القراءة ( 1044 كلمة )

لهاثُ الإيقاع في القصيدة / نجاح ابراهيم

 قراءة في قصيدة  " كلانا تمزق"
 للشاعر حميد يحيى السراب .
قرأتها سريعاً ..
فتراقصتْ أمام برودي، قبضتُ على معنىً، ثم تجاهلتها، لكنها وخزتني.

فعدتُ إليها أقلّب صفحة الشاعر، بحثاً عنها ، وجدتها فمنحتها ابتسامة ، وهطل السّحر كما المطر.

لم أستطع إغماض الجفنّ عنها ، شدّتني لهاثات الإيقاع كما المغناطيس، لهاث يصل حدّ تشقق الصّبر، فعدتُ لأصبغ أصابعي بالحبر، ولأجد أن " ليس للنصّ معنى واحد، وإنما معان متعدّدة مع فيض الحياة."

يبدأ الشاعر بالاعتراف الموجع والمضني، لست أدري من يعترف للآخر؟

هو ، أم هي ، أم الجرح المعمّق النابت بينهما، الذي أنسنه الشاعر تمجيداً له. وأودع كلّ أوجاعه في هذا النصّ القصير، عبر جملته الشعرية المتلاهثة ، المتقافزة، والمتعاقبة كما الخرز في العقد .

فجاءت العبارات متقطعة كذلك ، تحبس أنفاس الشاعر لحظة الكتابة ، حتى ليضعها دفعة واحدة، ثم يسترح بعد دقائق من ولادتها ، فيتألق إيقاعه الدّاخلي للغة ، متماهياً مع إيقاعه النفسي المأزوم.

على عجالة صاغ " حميد يحيى السراب " نصه المؤلمة بشكل مقتصد ، لافت ، ومركز.

ليضعنا أمام رمز لا يقارب غموضاً، ليدلي من خلاله على امتلائه القيمي وحجم الوجع الذي فيه ، وما هذا الائتلاق إلاّ ليمضي إلى عمقٍ من الانفتاحات.

وذلك عبر لغته المحمومة، تلك الصّهوة الرّاعفة، المحلقة، التي احتملت أكثر من إشارة، أو علاقة . ففي النصّ عالم باذخ من الدّلالات، والسؤال الذي يعترينا منذ البداية :

ما الذي يمزّق الشاعر؟ فننتظر الجواب، تأتينا من الكلمات بشكل مسرّب، كما قال " هنري بريمون" : " المعنى السّري الذي يفيض أو يُستقطر من الكلمات ."

لقد توضّحت لنا ما يعانيه ، ثمّة بؤرة معاناة قد تشكلت، معاناة شعريّة وحياتية معاً ، حيث لا يمكن تجزئتهما ، أي تجزئة الذات والموضوع. هناك قلبٌ يعاني من الحبّ ، وسقوط مدوّ جرّاء حزن معتق في جرار الفخار كما الخمرة.

وثمّة انحدار نحو الموت ، إذ كلّ شيء يشي بذلك ، فالشاعر تاه في الدّروب ، وما التيه إلا الموت .حيث الظمأ والجوع والانتظار، والقروح التي تشرئب دون وجل ، والشمس اللاهبة في صحراء الضياع، والتي لشدّتها تخفي الظلّ، إذ هنا يشير إلى تقزّمه في عالم ماديّ ، يفيضُ بالحروب ، ويغصّ بالاختناق.

بينما الحلم الذي ارتآه ، هو أن يلقى وجه الحبيبة، فكان الحلم ، واللقاء، سراباً ، وهماً ، كذباً، لهذا فاضت مآسيه ، و تناسلت في زمان أصابه ونال منه ، ولا شيء سوى الهجر والخطوات التي تمحوها ريحٌ تؤول إلى غياب.

اعتمد الشاعر على مفردات خاصّة ، تنبئ عن هذا التمزق ، وتتغاصنُ مع الاغتراب مثل: " فؤاد- معنى- حزن- معتق- تهاوى- موت- دروب- شحوب- ظلّ – تخندق- وهم- تسلق...."

وإذا ما نظرنا إلى العنوان، نجده يدلّ على الموضوع، حيث يقدّم ما تتضمنه القصيدة القصيرة ، المتدفقة من موضوعات، كموضوعة الحزن والمكابدة والجراح النازفة ، والانكسار، والاحباط ، حيث تدانى الشاعر من الموت والضياع ، وصعود الشحوب ، وتقزّم الإنسان فيه (ظلي تخندق)والتضليل حيث الرّكض وراء وهمٍ وسراب مخادع ، وعدم تحقيق الرّغائب بلقاء خلّ يؤوب أعطاء فسحة من أمل، علها ترتسم في الأفق، وجمالاً لهذا الخلّ الذي يطلع كالقمر، جميل المُحيّا ، مُتخففاً من الذنوب ، لكنه ابتلاه بالهجر والتمزّق وانطوى مع  أدراج ريح الغياب. 

كذلك تناول الشاعر موضوعة عدم التحمل، إذ تشقّق الصبرُ من الصبر وما عاد الشاعر يحتمل.

إنّ كلّ ما جاء في هذا النصّ القصير من موضوعات مختزلة في عبارات قليلة ، تلائم أيّ إنسان في العراق، أو في الوطن العربي، تلائمه من حيث أنها معاناة حقيقية، وأنقُ جرح، وعذاباتٌ نفسية . وما الشاعر إلا فرد من هذه الأفراد، حزين ومتوتر وقلق.

 وأكاد أجزمُ أنّ كلّ شعراء بلاد الرّافدين يتسمون بهذه الصفات، وخاصّة الحزن الذي له جذور عميقة ضاربة في القدم. فأيّ شاعر منهم  لم يدخل في موضوعة الموت، أو الاغتراب، أو الحزن ، أو أسئلة الصراع  الدّامي؟! لكن شاعرنا تميز إذ بعبارة واحدة  استطاع أن يختزل في قصيدته  جملة من الموضوعات ،وذلك لأن احساسه العالي بإيقاع الوجع قد تفاقم .

 قصيدة " كلانا تمزّق" تخرج عن التقليد، تبتعد عن الأصداء الخافتة ، تخرج عن قفص اللفظ ، وعن النمط التقليدي. قصيدة تجعل أنفاسك تتهدّج وأنت تلاحق المعنى، عبر حركة إيقاعية متصاعدة إلى آخر نفس في الصدر اللاهث ، تصعد معها ، تصعد.. إلى أن تهوي مُمزقاً بوهم السّراب ، وريح الفناء. لقد أرّث الشاعر نسقاً مجنوناً ، يتناسل حركة متواترة، وإيقاعاً صاعداً ، نازلاً في ذات اللحظة، الفؤاد المعنّى يتراقصُ على جرح معمّق ، يصّاعدا في النفس الموّارة ، ثم يهويان ملفوفين بحزنٍ قديم.

إنّ حالة التوتر عالية، والشاعر مشحون، وقلق، وراغب في أن يتدفّق صعوداً وهبوطاً ، بيد أنه مستلب من قوى سلبية راهنت على خساراته، ووقوعه في الغياب.

ومع ذلك فقد شعرنا بجمالية كامنة خلف كلّ حركة صعود ، أو عكسها ، ليثبت الشاعر أنّ ثمّة علاقة بين الشعر والعالم المحيط ، علاقة جعلته يّحسّ بكلّ الاستلاب الذي يقيّده ، والذي أغرقه بالاغتراب والحزن والقهر والانكسار ..الخ

حتى ليتبيّن لنا عمق معاناته، التي خلقت منه شاعراً منفعلاً إلى حدّ أن رقصَ على فوّهة جرحه. وقد دلّت المفردات  كما ذكرنا على هذا بشكل واضح ، وإن كان قد  شاب الشاعر بعض حيرة مما يدور حوله ، لكنه عاش حالة تقارب الخيبات وتملص الأحلام، وظلت حيرته معلقة ، ليظلّ الشاعر متأرجحاً دون وصول.

إنّ القصيدة لتشي بأنّ الشاعر يمتلك حساسية لغم قابل للانفجار، طاقة نفسية غنية ، متوثبة للانفلات، وبعثرة الشظايا، ولكنها لم تنفجر ، ولم تتمرّد ، استعجل الشاعر باللهاث وراء إيقاع سريع موارباً  وقوفاً عند حكايات قد تفضي إلى أمل.

لقد كشف الشاعر عن مكامن توتره ووجعه ، ولكنه بقي أسير الوجع والحزن، واكتفى بالصّبر حتى شرخ ، وظلّ يردّد معاناة فؤاده ورجوته بالوصل ، بيد أن الهجر قد طغى.

   استطاع الشاعر أن يغرف من معا
استطاع الشاعر أن يغرف من معاناته ، من قلبه المكلوم ، ولكنه لم يستحل إلى قنبلة، عبثاً  أراد الثورة ، وعبثاً اقترف الأمل ، لم يكن قوياً إلى حدّ انفجار ثورة ، ولا ضعيفاً مستسلماً ، إنه مهزوم من الدّاخل ، بمعنى أنّه يحلم بالكثير خلاف ما ذكر من غربة وتمزّق، راعفاً نحو حبّ ولقاء، لا هفاً للحرية ، ولكنه مقيد بآماله ورجواته، ما استطاع أن يُعتقها من داخله لأنها أقوى منه، لهذا وقف عند الموضوعات .

وإن لم يقدر الشاعر على اجتراح فرح قادم  وتفاؤل ، لكنه استطاع أن يجعل من النصّ مطهراً لروحه المتعبة الممزّقة ، التي ولا شك تشبه روح القارئ في هذا العصر.

قصيدة " كلانا ممزق" قدّم حميد  يحيى السراب من خلالها نموذجاً  لا فتاً وثريّاً لمخيلة مستعرة، ولغة قادرة أن ترتفع إلى مستوى المجاز ، وهذا يحفزنا كي نتعقب خطواته التالية، بل ونعود أدراجنا إلى قصائده السّابقة.

قصيدة نقية كما يقال، نقاء عين الديك ، لامعة ، شافّة ، شديدة الرّهافة كجناح فراشة ، اهتزازها يُغوي القارئ ، يطربه على الرّغم مما تحمل من مواجع ، ولهاث وراء سرابات.

وطن الدخان / وداد فرحان
تقرير مصور - شبكة الاعلام تشارك في احتفالية فوز ا

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الأحد، 09 أيار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الخميس، 26 أيار 2016
  4887 زيارة

اخر التعليقات

زائر - Aaron Perez حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
02 أيار 2021
لقد كان من الرائع معرفة أن هناك شخصًا ما يعرف عن السقوط والوقوف من جدي...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال