سلاما أيها البصرة *

عبد الأمير الديراوي"

البصرة_ مكتب شبكة الإعلام في الدانمارك

اسمحوا لي هذه المرة ان أتغزل في مدينتي فشوقي إليها يتزايد كل صباح وعند كل مساء وعلى مدار الساعة ورغم إعلاني عن هذا الحب مرات عديدة لكنها لا تكفي لان اصف لواعجي كلها وأعلن عن ما يكنه القلب من محبة خالصة لكل نخلة ولكل جدول يمر عبر مساحته المتداخلة ولكل قصبة في اهوارها ولكل طير يرفرف في جناحيه فوق أبنيتها ونخليها ويحط ويطير على أشجارها .

تخيلت نفسي ذات يوم كعصفور صغير يتنقل من بيت إلى آخر ومن غصن الى ثان يشارك الحمامات والنوارس في هديلها او متابعتها للسفن الرائحة والغادية

هنا تتحول النبضات إلى حياة تتدفق عبرها ممرات عديدة من الشوق والحنين الى الأحياء التي طافت بها أرجلي في الريف والمدينة وفي القرى المتهادية التي تمنحنا الدفء والعذوبة والكرم ومحطات التآلف الحميمة ، هنا في بلدتي تتجاور القلوب وتتحابب وتنطق بي أناشيد العشق العذري الطاهر ، هنا تتموسق الأحاسيس وتصبح مثل كرنفال فرح تدق نواقيسها عند كل باب وتسمع من بعيد ان اخرجوا الأحبة فقد حان موعد الحصاد وموعد جني التمر ، تعالوا لنلم الثمار من بساتين المحبة والطهر والأمنيات العذاب تعالوا الى بيت الحبيبة لنجمع معها الرطب ( القنطار) الذي لا مثيل لمذاقه في الدنيا كلها وان نحيط نخلة البرحي بالأشواك كي لا يمسها الآخرون فهي نخلتنا المقدسة التي يتداخل رطبها مع الدم فيصبح الغذاء الروحي لكل المحبين .

هنا تنهمر الدموع لان البصرة تحكي كثيرا وتقص حكايتها القديمة المحملة بصور الجمال والأناقة والمحبة فهي التي وصفوها بأنها عين الدنيا لكنها اليوم أصبحت عينا للدمار والخراب ووصفوها بأنها بندقية الشرق لكن الأحداث التي مرت بها أنستها كل هذه التسميات وتحولت إلى مدينة تكثر فيها المطبات والأحوال تخجل من ان تشرح لضيوفها عن حالها اليوم وكيف كانت في أمسها القريب ذلك هو عشارها الذي لا يحلو للناس الا أن تتنزه على جانبيه أصبح كحائط للمبكى وتحولت أناقته وجماله الى حالة يرثى لها ، تلك هي مدينتي التي تعطلت كل فعاليتها الثقافية والأدبية والفنية حيث هدمت كل المسارح ودور السينما وكأنها آتية للتو من العصر الحجري رغم مجاهدة أبناءها ان يفعلوا شيئا او يقدموا عملا مسرحيا او ثقافيا او شعريا ليعيدوا للمدينة بعضا من القها .

كنت أرى وأنا أقف قبالة الشط تلك السفن الراسية في مياهه تنتظر دورها لان تحملوا منتجات بلدي الى دول العالم كالتمر والقمح والجلود وغيرها اما الآن فالسفن آتية لتنقل إلينا ما يصنعه الناس ونحن نيام بعد ان عطلنا كل مؤسساتنا الصناعية الكبرى ،

لكنها مدينتي احن إليها وأنا أسير فوق أديمها ابكي على عتبات جسر المغايز واحن إلى سوق الهنود والقشله وأسياف الخندق ومصانع التمور في الرباط وشناشيل البصرة القديمة ومآذن الزبير وملتقى النهرين في القرنة وبدايات الهور في قضاء المدينة ومزارات سلمان ابن داوود وصاحب الزمان في الدير والحسن البصري وابن الجوزي .

تلك هي مدينتي التي أنجبت واحتضنت الخليل ابن احمد الفراهيدي والكندي وابو الأسود الدؤلي والفرزدق ومعقل ابن يسار والزبير ابن العوام وطلحة وعظماء الإسلام  والعرب   وشيد فيها  أعظم جامع في الإسلام هو جامع  الإمام علي "عليه السلام" .

 

إذن تلك هي مدينتي .. أفلا تستحق كل هذا الحب ؟ وهذا الغزل اللامع في العيون والمتصل بنبضات القلب نعم أنها هي التي تحمل كل هذا التاريخ تستحق ان تكون كعبة للمحبة والجمال والحنين الدائم ..