الدكتور المعماري خالد السلطاني : العمارة تقدم لنا التاريخ كحدث مرئي

حينما تتكلم العمارة .. يحضر التاريخ !

حوار أجريناه في كوبنهاكن مع المعماري العراقي الدكتور خالد السلطاني نشر في عدد اليوم في (الف باء) العراق..

رعد اليوسف / كوبنهاكن

• هل القراءة وحدها الاداة القادرة على ان ترينا وجه التاريخ ؟! .. التأريخ الذي يغفو في بطون الكتب .. وهل حقا ان الكلمات وحدها تمتلك الضوء لانارة حقب السنين لتنفض الغبار عن صور ترسمها ببهاء الحروف ، مطلقة العنان لخيالنا في الرؤية والتبصر ؟!
• رؤية جميلة وشفافة للاجابة على ذلك ، قدمها الدكتور خالد السلطاني مستندا الى تأريخه المعماري ذي الغنى والثراء ، وحسه المرهف في التعاطي مع تخصصه .. اذ يقول : اذا كانت القراءة تصور لنا التاريخ نظريا .. فأن العمارة تقدم لنا التاريخ كحدث مرئي..مجسم وواقعي ..فهي تعيننا على رؤية التاريخ بالعين لا بالعقل..العمارة تجسد الزمن وتحضره امامنا كبناء مشيد يرجع تاريخه الى الماضي .
• وبمفردات لغته المعمارية الادبية يشير الى انه يشعر بالبهجة حينما يجوب المدن ، حيث يستغرق في الامعان بالتاريخ والحاضر عبر التشكيلات المعمارية .. 
• للدكتور السلطاني قدرة على ان يحيل الاشياء المحيطة باية جلسة الى فيض معماري مدهش من خلال رؤية تفسر الاشكال المحيطة معماريا ، لن تخطر الا على بال المختص ..كالاعمدة والفضاءات وغير ذلك.. انه عاشق للمعمار ومن يعشق يواصل التعبير عن عشقه في كل لحظة .

• كيف بدأت رحلة السلطاني المعمارية ؟

- بعد ثوان من التأمل .. فتح سجله الخاص ليقرأ لنا .. كانت البداية من الصويرة حيث انتهاء الدراسة الاعدادية والحصول على بعثة دراسية ، بعد ثورة 14 تموز1958 ، الى موسكو..واستمرار الدراسة لسبع سنوات تم فيها الحصول على شادة الماجستيرفي هندسة العمارة ..وحينما عدت الى الوطن تم تجنيدي كضابط احتياط في مديرية الاشغال العسكرية ..واتذكر ، اني اشتركت في بناء مدينة الحرية ..وتحديدا دور النواب ضباط.
وفي عام 1968 تغيرت السياسات بفعل الانقلابات العسكرية .. فتهيأت لي فرصة جديدة من خلال طلب البعثات لايفاد من يمتلك شهادة من الدول الاجنبية لكي يرسل اليها ثانية لاكمال دراسته العليا ..فاوفدت ثانية الى موسكو واكملت دراستي العليا فيها ..وعدت في عام 1973 الى العراق .. وبعدها بسنة عينت في القسم المعماري بكلية الهندسة .. وبقيت فيه حتى عام 1996 ..ثم بدأت مرحلة جديدة في الاردن حيث درست في جامعة اهل البيت وجامعات حكومية اخرى .. ثم السودان فالدنمارك .
• للدكتور السلطاني انجازات في الاختصاص .. ترى ما ابرز تلك الانجازات ؟
- انجازي العظيم الذي افتخر به كوني اكاديميا ، هو ان 2000 مهندس تخرجوا على يدي (بكالوريوس ، ماجستير ، دكتوراه ) ..اني اعشق العملية التدريسية ، واسعى لنقل المعرفة..واشعر بسعادة كبيرة لتواصل طلابي معي حتى الان  رغم المسافات الشاسعة التى تفصل بيننا ..المودة تجمعنا دائما .

• عين التخصص تختلف عدستها عن بقية العيون ..كيف ينظر المعماري خالد الى العمارة الاسلامية ..؟
- انتمي الى العمارة الاسلامية ونجاحاتها .. ويرجع التأسيس الحقيقي معماريا الى زمن الامويين ..والامثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة ورائعة ..فبدايات (تنطيق) الجمال الراقي حدثت في دمشق وتحديدا عند المسجد الاموي ..وكذلك في القدس في قبة الصخرة وسامراء وقرطبة وشمال افريقيا وغيرها .
• يقال ان المسجد الاموي كان اصلا كنيسة ..هل تعتقد بصحة ذلك ؟!
- كلا ..فقد كانت هناك كنيسة صغيرة قرب ساحة كبيرة شيد عليها المسجد ..والكنيسة ليست جزءا منه ..وقد ظهرت في بنائه ضخامة غير معهودة في الابعاد ولاول مرة.
• وماذا عن القصور الاموية ؟!
- بلا تردد .. يقول الدكتور السلطاني ..انها رائعة المباني ..ويضيف : فيها خصوصية الابداع المدني.. ومفرح جدا انها الان في الصحراء .. اي بمأمن من ان تطالها معاول التهديم والخراب . انها تتضمن من معالم التزيين ما يجعلها من التحف النادرة والعمارة المتفردة الجمال ..وان ما يميزها اضافة للخصائص في الهندسة العمرانية ، احتوائها على لوحات فنية كقصر الحيرة الغربي (725م) في زمن هشام بن عبد الملك ، تصل الى 10 امتار طولا و4 امتار عرضا ..وان ما تتضمنه اللوحات من صور فنية عارية يشير الى ان العمارة كانت تصمم من قبل معماريين مسلمين وغير مسلمين لمجتمعات اسلامية وغير اسلامية ..وهذا ينعكس ايضا على عمارة الكنائس التي انشئت في الفترة الاسلامية حيث احتوت على مواصفات اسلامية .

• وماذا عن التأليف المعماري.. وما هي حصته في الاهتمام ..؟
- شغفي  بالهندسة المعمارية ، وحضارة وتاريخ هذه العلوم ، جعلني اتوجه لتحقيق احلامي في التأليف ، فوفقت في طبع 14 كتابا معماريا تهتم جميعها بالشأن المعماري ، ونالت كثير من الاعجاب ..وبفخر اشير في هذا المجال الى كتاب مائة عام من عمارة الحداثة الذي سلطت فيه الضوء على اهم منجزات الحداثة والاحاطة الموضوعية باحدى تجلياتها المؤثرة وهي (عمارة الحداثة) خلال القرن العشرين..كما افخر بمؤلفاتي الاخرى .. واشعر بالسعادة لاني تعلمت المثابرة وحب العمارة من الاساتذة السوفييت الذين تأثرت بمدارسهم العمرانية .
• في الدنمارك بدأت عام 2001 رحلة جديدة ..ماذا تقرأ لنا في سجلاتها ؟
- عملت كباحث في الاكاديمية الملكية للفنون الجميلة /المدرسة المعمارية الدنماركية منذ 2002 حتى 2014.. وخلال عملي كثفت جهودي لاصدار كتاب جديد يعبر عن اهتمامي الخاص بثقافة الاخر ..فولد باللغة الانكليزية تحت اسم (العمارة بصفتها قبولا للاخر) ..وقد تناولت فيه اعمال المعماريين الدنماركيين في الدول العربية وكيف تمكنوا من فهم ثقافتنا انطلاقا من مرجعيتهم الثقافية..وكذلك اعمالهم في الدول غير العربية ..انا ابحث في تفاصيل الارتقاء بمستوى العمل والثراء بمعرفة الاخر ورؤيته لموروثنا المعماري.
• في ختام اللقاء ،قال الدكتور السلطاني :بفخر اقول اني مكلف شخصيا باعداد كتاب عن الاستاذ رفعت الجادرجي ولدينا كمجموعة من المعماريين ، مشروع لتكريمه تثمينا لدوره الكبير في ميدان الاختصاص ، ولبلوغه السن ال 95 .
• الحديث عن الدكتور خالد وانجازاته يطول لانه يزخر بالعطاء والنجاحات ..مفصحا عن القدرات العراقية الاستثنائية التي تتفجر ابداعا وتميزا اينما حل ابن وادي الرافدين ..انه الحائز على جائزة محمد مكية للعمارة وحامل لقب شخصية 2014 المعمارية في العراق لجهوده في تطوير مهنة العمارة ، ودوره الريادي في توثيق الارث المعماري وتعريف المجتمع باهمية الحفاظ عليه .