عام 2008 ، وانا مازلت مهاجراً من العراق ، ومقيماً في العاصمة السورية دمشق ، صدرت الطبعة الاولى من كتابي الذي حمل عنوان ((موضوعات في الكتابة)) عن الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت . تحدثت فيه عن منجز حضاري يمثل قمة شاهقة من قمم العطاء الانساني ، ألا وهو (الكتابة). ذلك ((أن للكتابة علاقة مباشرة بالعقل الذي يقود الانسان نحو مصائره المعلومة منها والمجهولة، أو تلك المخبأة في عالم الغيب الى حين غير معلوم. ففي الكتابة ترجمة حقيقية للأفكار التي تتوالد في الذهن المتفاعل مع حوادث الحياة ومعطياتها المتجددة على الدوام))( *).
وحين تكون الكتابة على هذا النحو، فهي، إذن، بنت الحضارة التي ولدت من رحم المعاناة والحاجة البشرية لهذا الانجاز. وتضاعفت أهمية الكتابة، حين أصبحت وسيلة أساسية من وسائل (حوار الحضارات). فهي – أي الكتابة- منجز حضاري، وفي الوقت نفسه أصبحت وسيلة المعنيين لبيان أهمية حوار الحضارات من جهة ثانية، وخطأ بل وخطورة صراع الحضارات باعتباره نهجاً تدميرياً قاتلاً… من جهة ثالثة.
من هذه البوابة، دخلتُ ساحة (حوار الحضارات)، وهي ساحة مليئة بالمتحدثين: المؤيدين والمشككين. لكن الحضور فيها مطلوب وضروري، وتأسيساً عليه فإن المساهمة الايجابية في هذا الحوار أكثر ضرورة .
وأشعر بأنني مطالب كواجب علي، وهو في نفس الوقت حق لي، بالحديث عن صعوبات ولادة هذا الكتاب.
فأولاً: إن موضوع (حوار الحضارات)، فيه من التعقيد والحساسية الشيء الكثير. ولأنه بهذه السمة، كان الدخول اليه، والمساهمة فيه، تتطلب استعداداً بمستوى هذه السمة.
وثانياً: إن المعالم الأساسية لنتائج هذا الحوار لم تتضح بعد بشكل كافٍ. مما يجعل ترجيح خيار ما،إن كان متشائماً أو متفائلاً، أمراً في غاية الصعوبة. لكن ذلك يصبح مدعاة للمساهمة في الحوار وليس لمغادرته.
وثالثاً: هناك فارق كبير بين تجميع المعلومات وتكديسها في مستودع، وبين تحليلها والاستفادة منها. ((نحن أقرب الى النمل، وأبعد من النحل. فنحن نكدس المعلومات ولا نمتص رحيقها))(*).
لذلك كان القرار: أن ألقي دلواً بين الدلاء، في بئر عميق هو: حوار الحضارات. وهكذا كان… كانت الخطوة الأولى الضرورية تتمثل بأن أحدد: مفردات البحث. وحين تمّت هذه الخطوة، تلتها – مباشرة- خطوة ضرورية أخرى.. وهي: تحديد مصادر البحث. ولعل معظم الباحثين، إن لم أقل جميعهم، يبدأون مسيرتهم البحثية – طالت أم قصرت – بهاتين الخطوتين الأساسيتين، وبدونهما يفتقر البحث للبوصلة التي تحدد اتجاهه، وللمصادر التي تعززه.. وهكذا فعلتُ..  وحين أعددت قائمة بالمصادر، كان المصدر الأول، هو كتاب (قصة الحضارة) لمؤلفه ول .ديورانت، الموثوق به، وبكتابه.
وفي يوم  نيساني من عام 2008، وفي مكتبةٍ عامرةٍ من مكتبات الشام كان كتاب (قصة الحضارة) على الطاولة، وفي المقدمة التي كتبها في آذار (مارس)- 1935، قال ديورانت: ((مهمة كلفت نفسي منذ عشرين عاماً تقريباً،تكليفاً دفعني إليه التهور، وهي أن أكتب تاريخاً للمدنية… أردت فيه أن أروي أكثر ما يمكن من النبأ، في أقل ما يمكن من الصفحات)).
بصراحة وجرأة، تحدث ديورانت عن بدايات مشروعه الكتابي، واصفاً إقدامه على تنفيذ هذا المشروع، بأنه (استجابة لتهور). إنّ هذه الصراحة تسجل لهذه الشخصية التاريخية العالمية. وبالتأكيد، فإن ديورانت قصد من هذا (الاقرار)، توضيح صعوبات مشروعه التاريخي، ولكي يضع القراء عامة، والمستفيدين من مشروعه الكتابي تحديداً، في أجواء وظروف تنفيذ هذا المشروع.. وأضعه في (حَيِّز) التحوط المسبق لمواجهة إنطباعات القارئ!؟. 
هل كان ما فعلته تهوراً؟ هل كان مخاطرة؟ أجيب بالقول: نعم .. كان مخاطرة.. لكنها : محسوبة؟! وبين (التهور).. و.. (المخاطرة المحسوبة) مسافة كبيرة؟!.
وبحثت عمن يقدم كتابي ، ورشحت لدي اكثر من شخصية ذات صلة في الشأن الحضاري . لكني فضلت الباحث والكاتب العراقي الدكتور عبد الحسين شعبان ، لاسباب عديدة ، في مقدمتها طروحاته التي حملت عنوان : (العلاقات الدولية وحوار الحضارات) ، والتي ساهم فيها في الندوة الفكرية الدولية لـ ((حوار الحضارات)) التي اقيمت في مدينة الرقة السورية بين 25/3 و 30/3/2006  . 
وهكذا تواصلت معه ، بدءا من شهر تموز / 2009 . وكان ثالثاً في بداية هذا التواصل : السياسي والدبلوماسي العراقي المعروف الاستاذ صلاح عمر العلي . وفي معرض بغداد الدولي الثاني للكتاب الذي اقيم في شهر نيسان عام 2013 ، كنت بمواجة الدكتور عبد الحسين شعبان . وفي اللقاء اخبرني باستعداده لتقديم كتابي ، وهو ماحصل . مسجلاً امتناني له واعتزازي به . 
***
حين انتهى الكاتب والاديب الداغستاني رسول حمزاتوف من تأليف كتابه قال: ((لقد استلقيت. وبدأ الناس يمرون بي، وينظرون اليّ ويقولون: فلاح عمل ما عليه، ثم غفا))!.
والآن: أترككم مع كتابي، فقد يجد فيه نحلكم رحيقاً يمتصه. واتركوني أغفو كما فعل حمزاتوف، إن كانت الحياة، بتعقيداتها ومشاغلها، تسمح بغفوة ما…