لم أقرأ كثيراً عنهم ، لكن البيئة التي نشأتُ فيها ، أمدتني بما هو ضروري وموثوق ، لكي أُكوِّن قناعة ، ومن موقع رصدٍ قريب . وأول ساحات هذه الجغرافية ، كان ريف قضاء سوق الشيوخ . ويوم تفتَّح وعيي ، وأنا صغير ، سمعتُ من والدتي أنه كان لعائلتنا جار طيب  صابئي ، واسمه ، إذا لم تخذلني الذاكرة ، الشيخ زهرون .
    ومطلع خمسينات القرن الماضي ، دخلتُ (مدرسة اﻠﮕرمة الابتدائية)، وأتذكر من الذين علموني كتابة وقراءة الحرف ، المعلم : وَرِدْ عَنْبر . كان مجداً في عمله التربوي ، ودوداً في تعامله مع طلابه . وإختفى المعلم ورد فجأة ، حين أُعتقل عام 1953 . وعلمنا أن معلمنا المعتقل وَرِد ، كان صابئياً وشيوعياً .
    وقدمتُ إلى مدينة سوق الشيوخ ، طالباً في متوسطتها ، كان ذلك في العام الدراسي (1955 – 1956) . وحين كنا نخرج للدراسة بين البساتين ، نكون على تخوم (حي الصابئة) في هذه المدينة ، الذي يشغل الجانب الايسر من نهر الفرات . وعام 1959 ، وحيثُ المد اليساري في ذروته ، أطل المعلم الصابئي (وَرِدْ عنبر) مجدداً ، ولكن بصفة : قائد جماهيري يقود التظاهرات ويخطب في التجمعات . كان نائباً لمسؤول اللجنة المحلية للتنظيم اليساري (الحزب الشيوعي) في قضاء سوق الشيوخ وتذكرني كطالب سابق لديه ، رغم السنوات العجاف .
    بينما كان الكادح (طعمه مرداس) مسؤولها الاول .
    وحين وصلتُ الناصرية ، طالباً في ثانويتها ، في العام الدراسي (1960 – 1961) ، وهو العام الذي اكملت فيه الدراسة الثانوية ،   كان معنا معلمون وطلبة صابئة . وعن طريقهم ، وصلنا إلى حي السِيْف،
(1-2)
منطقة سكن الصابئة والأخر على ضفاف النهر . وحللتُ في بغداد ، طالباً في كلية الهندسة بجامعة بغداد . وجدتُ الصابئة المندائيين في معظم كليات بغداد ومدارسها وأحيائها ومؤسساتها . وكانت لي علاقات أعتز بها مع أبناء هذه الطائفة ، وفي مقدمتهم : الصحفي همام المراني والمهندسون : سلام ناصر وصباح مبارك ومحمود سلمان عاصي ، وغيرهم عديدون .
    تلك بعض محطات علاقتي بأبناء هذه الطائفة . كان هذا الشريط الاستذكاري يمر سريعاً على شاشة الذاكرة فيما كنتُ  في (مندى الصابئة المندائيين) ، على الضفة اليُمنى لنهر دجلة ، ألتقي (الشيخ ستار جبار حلو الزهيري)رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم ، المولود عام 1956 ، في قضاء الكحلاء بمحافظة ميسان . كنتُ أحاوره ، وكان ثالثنا في الحوار ، عبر الهاتف ، الباحث حميد المطبعي .
    وأمامنا على الطاولة ، إستقرت (موسوعة أعلام وعلماء العراق) بجزأيها : الاول والثاني ، وحضرتْ في سماء الغرفة ، أسماء لرموز مندائية في مقدمتهم : العالم الفيزيائي الدكتور عبد الجبار عبد الله ، والشاعرة لميعة عباس عمارة ، والنقاش العالمي حامد عبد الرزاق رويد ورئيس المحكمة المندائية في العراق (مؤيد فاضل عنبر) ، والمهندس سلام ناصر ، وعديدون .
    تعددت محاور النقاش ، وحين كان الشيخ المندائي ستار جبار يودعني عند مدخل المندى ، تبلور لدي عنوان لعمود أنوي كتابته ،  وهو : المندائيون عشاق شواطئ الانهار . وها أنذا أفعل . وحسناً فعلوا بهذا العشق الكبير .. وفي مصادري قرأتُ : من بعض المحرمات في الديانة المندائية : الجدف باسم الله (أي الكفر به) ، القتل ، السرقة ، الخداع ، الكذب ، شهادة الزور ، الحسد ، النميمة ، الغيبة ، خيانة الامانة ، تلويث الطبيعة والانهار .. وتعددت المحرمات .
    الصابئة المندائيون .. يا عاشقي شواطئ الانهار الجارية ، يا ملح طعام العراق : دمتم بسلام وأمان .. ودام كل العراق