الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 827 كلمة )

إضراب الأسرى خيار الصعب ومركب المضطر / مصطفى يوسف اللداوي

الحرية والكرامة "3"

الإضراب عن الطعام لم يكن يوماً هو الخيار الوحيد أمام الأسرى والمعتقلين، كما لم يكن هو الخيار الأول أو المفضل عندهم، وليس هو الأسلم والأقل كلفةً، ولا الأسهل والأيسر، بل هو الأصعب والأقسى، والأشد إيلاماً والأكثر ووجعاً، وهو محل قلق الأهل وخوفهم، ومبعث حزنهم وألمهم، ولا يلجأ إليه الأسرى إلا مضطرين وفي أضيق الظروف، وعندما تنعدم السبل وتتضاءل فرص التوصل إلى تسوية أو اتفاقٍ مع إدارة السجون والمعتقلات، وعندما يجدون أن أصواتهم لا تسمع، وصراخهم لا قيمة له، ولا يوجد من يصغي إلى مطالبهم أو يستجيب لها، وأنهم يخسرون مكاسبهم القديمة، ويفقدون إنجازاتهم السابقة، وأن ما حققوه في سنوات نضالهم الطويلة قد بات في مهب الرياح، وأن إدارة السجون تسحبها وتصادرها واحدةً تلو أخرى.

الإضراب عن الطعام وسيلةٌ موجعةٌ، وخيار المضطر، وسبيل الموجوع المتألم، إذ أنه يتعارض مع الفطرة ويخالف الطبيعة ويتصارع مع الغريزة، ويبقي الأسير في حالة معاناةٍ وألمٍ دائمةٍ، وفي صراعٍ محتدم بين الرغبة والحاجة، كما أن الإضراب يحط من قوة الأسير ويوهن من عزمه، ويضعف جسمه ويقلل من قدرته على الصمود أمام الأمراض والأعراض الصحية التي تنتابهم.

الأسرى والمعتقلون لا يهوون تعذيب أنفسهم، ولا يحبون أن يجوعوا أو أن يحرموا أنفسهم من متع الحياة رغم ضيقها ونذرتها في السجون والمعتقلات، كما لا يحبون أن يسقط منهم في السجون شهداء، بل إنهم يحبون كغيرهم من الخلق طيب الطعام، وشهي المأكولات ولذيذ الحلويات، ولكنهم يجدون أنفسهم من أجل كرامتهم وحريتهم، مضطرين للتنازل عن كل هذه المتع، والتخلي عن غريزة حب الطعام والشراب، علهم يتمكنون من تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم، رغم علمهم أن صحتهم ستتضرر، وأن أجسادهم ستضعف وتذوي وتهزل، وأن بعضهم قد يصاب بأمراضٍ مستعصية ومزمنة، وبعضهم قد يفقد حياته ويستشهد.

يلجأ الأسرى لخوض الإضراب عن الطعام دفاعاً عن حقوقهم، وصوناً لكرامتهم، وحفاظاً على بعض امتيازاتهم ومكتسباتهم، وحرصاً على حياة الأسرى من بعدهم، وتخفيفاً عنهم، ومنعاً لسلطات السجون من التغول عليهم، وإيقاع الأذى بهم، وفرض المزيد من العقوبات عليهم، والإمعان في سياسة العزل ضدهم، ولو أن الأسرى والمعتقلين وجدوا طريقاً أو وسيلة أخرى أقل إيلاماً من الإضراب لتحقيق أهدافهم للجأوا إليها، وجنبوا أنفسهم عناء الجوع والألم وتردي الصحة والوفاة أحياناً، ولكن إدارة السجن تلجئهم إلى هذا الخيار الصعب وتدفعهم إليه دفعاً.

أما الأسرى المرضى، أو الذين لا يمتلكون القدرة الصحية على الامتناع عن الطعام والشراب لأيامٍ طويلة، أو المعتقلون الجدد الذين انتهوا قبل أيامٍ قليلة من حفلات التعذيب في زنازين العدو، أو الجرحى والمصابون، فإنهم يكونون أكثر الأسرى حرصاً على المشاركة في الإضراب عن الطعام، ويرفضون أي محاولة من أي طرفٍ أياً كان لمنعهم من المشاركة في الإضراب، واستثنائهم من المواجهة، ولعل إرادة الأسرى المرضى أقوى بكثير من إرادة الأصحاء، وهو الأمر الذي كان يغيظ إدارة السجون، التي تعمل على عزلهم ونقلهم إلى أقسامٍ وسجونٍ أخرى، علها تتمكن من كسر إرادة الأسرى المضربين وإحداث خرقٍ بينهم وإضعاف صفهم.

يقترب الأسرى المضربون عن الطعام جميعهم من الموت، ويفقدون القدرة على الحركة والانتقال، بل إنهم يفقدون شهية الحديث والكلام، ويلوذون بالصمت ويلجأون إلى الله بالدعاء والصلاة، ولكنهم ومع تدهور صحتهم، وفقدانهم لأوزانهم، وإصابة الكثير منهم بالإغماء والإعياء والدوار، نتيجة ضعف الدم ونقص السوائل، فإنهم يصرون على مواصلة الإضراب، ويرفضون كسره مهما بلغت المعاناة، ومهما كان الموت منهم قريباً، فهم يرون أن الشهادة أعز لديهم وأفضل من العيش في ظروف السجن القاهرة المذلة.

ويرى بعض الأسرى أن الواجب يملي عليهم، وهم الأسرى القدامى أصحاب التجربة والخبرة، أن يضحوا من أجل الأسرى الجدد القادمين من بعدهم، فمن حق إخوانهم من الذين سيأتي الدور عليهم في الاعتقال أن يجدوا بعض حقوقهم في السجن متوفرة، وبعض امتيازاتهم محفوظة، وإلا فإنهم سيعيشون طيلة سجنهم في جحيمٍ لا يطاق، وعذابٍ لا يحتمل، ولهذا فإن الأسرى المضربين يكونون على استعدادٍ للتضحية بحياتهم من أجل ضمانٍ عيشٍ كريمٍ لمن سيأتي من بعدهم، وفي سبيل هذه الأهداف النبيلة التي قد لا ينعمون بها قبل غيرهم من المعتقلين الجدد، فإن بعضهم يسقط شهيداً نتيجة عدم الاحتمال أو أثناء الإطعام القسري أو بسبب الجفاف.

ولهذا فإن الإضراب عن الطعام يعتبر شكلاً نضالياً متقدماً، يكتنف المنخرطين فيه أخطارٌ كبيرة، قد تؤدي إلى وفاتهم، أو تدهور صحتهم العامة، وفقدانهم لجزءٍ كبير من أوزانهم، إذ يخوضون إضرابهم تحت شعار "نعم لآلام الجوع ولا لآلام الركوع"، متسلحين بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين، وفيه يتحدون الجلاد بجوعهم وعطشهم لأيام طويلة، قد تمد لشهرٍ أو أكثر في بعض الإضرابات، وفيه ينتزع الأسرى الكثير من حقوقهم، ويحققون الكثير من الإنجازات والمكتسبات التي تحسن من ظروف اعتقالهم، رغم أن هذه المكتسبات والإنجازات قد تكلفهم استشهاد بعضهم، وقد تلحق بهم أضراراً جسدية، وقد يتعرضون لعقوبات التفريق والتشتيت والتمزيق والبعثرة والعزل والإقصاء لتشتيت شملهم وتمزيق وحدة كلمتهم.

الإضراب عن الطعام ليس أمراً سهلاً، ولا يقوى على الإقدام عليه كل المعتقلين بسهولةٍ، بل يلزم سالكه العزم والإرادة والقوة واليقين، والإيمان بالهدف والاستعداد للتضحية في سبيله، وهو ليس قراراً فورياً آنياً عاطفياً، بل إنه قرارٌ يخضع للعقل الرشيد والتفكير الهادئ الرزين، ويلزمه الكثير من المسؤولية الأخلاقية الفردية والوطنية، وهو يتطلب قراراً جماعياً، ودراسة متأنية، وإرادة صلبة، ومعرفة تامة بالظروف السياسية ومدى ملائمتها لخوض مواجهة مع إدارة السجون الإسرائيلية، كما يتطلب تنسيقاً محكماً ودقيقاً مع بقية السجون والمعتقلات، واتصالاتٍ مضبوطة مع المحامين ووسائل الإعلام وذوي الأسرى والمعتقلين والجهات المتضامنة معهم والعاملة من أجلهم، الأمر الذي يعني أنه الخيار الأصعب، والطريق الأكثر وعورة، ولهذا يتجنب الأسرى خوضه مباشرة، إلا بعد أن يتأكدوا تماماً من فشل كل السبل الأخرى.

تعليق من الكاتبة والشاعرة إنعام كمونة رذاذ محبرتي
اردوغان وافرازات خيبة الاستفتاء / عبد الخالق الفلا

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 26 شباط 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...

مقالات ذات علاقة

حَذًّرت اليابان شعبها من احتمال انهيار النظام الصحي فيها بسبب جائحة كورونا وعجزت ايطاليا ر
891 زيارة 0 تعليقات
أعتقد ان عند كل الديانات والمعتقدات -- تجد الاخلاق الحسنة في اول مبادئها و أسس عقيدتها. سو
1532 زيارة 0 تعليقات
وصول وفد مكتب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات الى كوبنهاكن الشبكة / خاص علمت شبكة الاع
3067 زيارة 0 تعليقات
• ثلاثة ايام شهدت انجازا عظيما يحتاج انجازه الى وقت طويل • نثمن تعاون السفارة العراقية وال
3374 زيارة 0 تعليقات
الشباب في العراق يتجه نحو مرحلة جديدة الشباب في العراق بدأ يعي فكرة التغيير لمرحلة 15 عام
3897 زيارة 0 تعليقات
المرشح الصحفي صباح ناهي من هو صباح ناهي ؟ / مرشح ائتلاف الوطنية عن بغداد رقم القائمة (١٨٥)
4760 زيارة 0 تعليقات
القاهرة – ابراهيم محمد شريف عقدت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات / وحدة ادارة انتخابات
2494 زيارة 0 تعليقات
نتطلع بأعجاب الى بعض البدان المتحضرة وهي تطبق مبدا العدل بين افراد المجتمع في العصر الحديث
3231 زيارة 0 تعليقات
أجمل صدمة في العراق وما أكثر الصدمات هي الصدمة الرياضية اللاوقورة بالمشاركة الهزيلة لمنتخب
5365 زيارة 0 تعليقات
أُتيحت لي فرصة مميّزة كي ألتقي بالمخرج العربيّ العراقيّ "سمير جمال الدّين" الذي يحمل الجنس
5532 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال