الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

5 دقيقة وقت القراءة ( 987 كلمة )

قصة قصيرة - طواحين الرياح !/ صالح هشام

يسند أحمد ظهره المتعب إلى قاعدة عمود نور..مصباحه مشنوق ..لا يضيء سوى نفسه، يبحر في طلاسم (مغني اللبيب) يسْترِط ُحروف المعمم : (إنها بقرة لا دلول . تثير الحرث ولا تسقي الزرع ) .
على رأسه أقف مسمرا أتأبط الفراغ ، أتابع في هلع خفافيش تحوم حول الضوء الخافت ،تتضخم ظلالها على الحائط العتيق فتبدو كدراكولات ، تستبد بي رهبة المكان ، وينهش رَوْع الليل جوارحي ، تدور عيناي في محجريهما ، في رحلة مكوكية بين قرص القمر وهالة المصباح المتدلي .
تمتص فجأة غيمة شاردة ضوء القمر، فتستوي العتمة فوقنا تماما ، أشعربالبلل ساخنا يستقر في قاع حذائي ، أضع يدي فوق كتف أحمد انتزعه من غيبوبة الحروف .. يقفز مذعورا يشتم ، يتوعد ،ويتف ،يغلق الكتاب ، يتأفف ، يشعل سيجارة رخيصة ، ينفت دخانها في دوائر حلزونية تعانق الخواء ، تشكل أشباحا رهيبة ، تتلاشى شيئا فشيئا ، تزول تماما ، يشفعها بنفتة أخرى أقوى. !
، زعيقه ونرفزته يبددان ارتعابي بعض الشيء..واستعيد قليلا من رباطة جأشي.. !
كرة لهب كبيرة تمرق من داخل الأسوار كالسهم ، وتكاد تلامس وجهي، تند عني صرخة.. أحيد عنها ، أنزلق وأسقط أرضا ،أتابعها تستقر في مكان ما في هذا الفضاء المهول المخيف !
ينهضني أحمد ، أسمع مصمصته المستميتة لابتلاع ريقه..وأرى صعود وهبوط غصة هلع مكورة تسد حلقه تكاد تخنقه..يتظاهر بالشجاعة، تخونه ارتعاشة شفتيه و يتهدج صوته :
- كرة نار.. طائشة من .. من ..منجنيق المعممين ،ربما أحدهم لا.. يحسن التصويب !
يقولون :
- إنه من حين... لآخر تطيش كرة لهب كبيرة.. ليلا وتسقط كالنيزك ، يمكن أن تدمر كل شيء في طريقها حارس ..البوابة الجنوبية لمدينة شالة الأثرية، رآها و أيضا سواح ليليون...أروبيون.. !
أقول وأنا ألوك حروفي التي تركل في سقف حنكي :
- إن هذه نسخة من خرافة الصحون الطائرة جاءتنا من صحراء (نيفادا) لتستقر على أسوار مدينة شالة الأثرية ، المخيفة !
مرت كرة لهب أخرى بمحاذاتنا وهي تصفر، يصرخ علي أن أسكت وأكف عن سفسطتي وإلا ستمطر علينا لعنات أكثر مما حاق بنا في هذه الليلة المشؤومة !
فالمنجنيق في الجهة الشمالية لشالة لازال شامخا هناك ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه وعلماء الآثاربجلال قدرهم يخشون لعنته !
اجتاحتني برودة من الرأس الى أخمص قدميّ ! تماسكت نفسي ، تنفست بعمق لأعيد الدفء إلى دمي المتجمد، ومن ثقب أهمله المرممون في جدار سور شالة السميك ، استرق النظر إلى عمق متاهات المدينة التاريخية المعتمة :
تتبدى لي فجأة حشود من العمائم البيض في صف عسكري رهيب ، تقابلها فيالق ضخمة من الخوذ السوداء أظنها حديدية ،ويطرق مسامعي خَببُ آلاف الحوافر تجوب المكان ذهابا وإيابا وأصوات ، أشبه بالتكبير واضحة تماما ، طقطقة حوافر تشتد وصليل سيوف تتقارع وصهيل خيل وحمحمة ، لكن لا خيول ولا حمير ولا بغال،
ثم يومض نور باهت يخترق السور الضخم، يتلاشى كل شيء وتبتعله طيات العدم.. يرتد إلي طرفي ، أعيده وأحملق فلا أقابل إلا خواء في خواء.!
أنهر نفسي :
- ما دهاك ؟! إنك تهذي : تمكن منك الخوف . واستوطنتك وحشة شالة . !
-هاي أحمد ! إنه صليل السيوف ، وصهيل الخيل ، و صفير كرات اللهب تلفظها المجانيق ! ما هذه الفوضى المجنونة !
..هس ...هس .. إنه صهيل الجنون ، إنه عويل أشباح التاريخ !
لليل أسرار تحيا فيها الحياة الميتة ، وتموت فيها الحياة الحية..تشق صرخة صمت الليل..يلعلع عويل...وتحشرج أنفاس !
يدق قلبي في صدري بقوة، يركل في جنباتي ، أفقد ما استجمعته من شجاعة وتخور قوتي أحاول لملمة جسدي المتخشب ، أستعين بذاتي على حمل ذاتي ، تخونني قدماي تغوصان في الأرض ،أقتلع اليمنى ،فتنغمس اليسرى ، أراوح مكاني !
مسندا ظهري بيدي اليمنى ومطوقا عنق أحمد باليسرى ،أستمد منه شجاعة يفتقدها أيضا فهو ليس أحسن حالا مني !
نلتف على بعضنا البعض ، نرقص رقصة الهلع والخوف ، نتدحرج من أعلى التلة فتخلتط أطرافنا وتدق عظامنا، يتبعنا الصهيل والصليل ، والطقطقة ،وتحفنا الأشباح وتطوقنا ..نعدو هاربين متسللين من الممرات الضيقة في حقول القصب ،في اتجاه (عين جنة ) يسحبني أحمد ،من يدي ويصرخ في وجهي :
- اقتلع نفسك ،واخلع عنك بزة الخوف فكرة اللهب التي أخطأتك قد تعود إليك ( فليس كل مرة تسلم الجرة ) !
خرير ماء عين جنة سرب جمال مذعورة ، يعبرني عبر ثقب الأذن ، و يتسرب كالرصاصة من الجهة الأخرى ، يصيبني دوار شديد ، أشعر برغبة ملحة في الغثيان ، أصبح غريبا عن جسدي ، أتهاوى على الأرض ،يسحلني أحمد سحلا أستعيد وعيي ،أرمي بكل ثقلي على كتفه الواهن ، أ هوخرير الماء توقف ؟ أم هي حواسنا شلت تماما ؟ على مقربة من( عين جنة )، يلوح فارس ، تغمره العتمة ، أفرك عيني ، ثم أفرك ، نعم تبينته ،يمتطي حصانا أعجف نحيلا ، يسند جسده على كتف الفراغ اللامتناهي ، بيده رمح قديم مقبضه في الأرض ونصله يدغدغ النجوم في السماء ،مزروع أمامنا كتمثال قديم ،أكتم أنفاسي بقبضتي ، أحمل صمتي ، أدحرجه امامي ، اتحسس قلبي ،أحسبه يركل خارج صدري ؛ نصيح مرعوبين أنا وأحمد :
-السلام عليكم ، يا أهل المكان ! يا سيد الزمان !
لا جواب ، نظراته صارمة تمسح فوقنا ، تخترق المدى البعيد ، لا حركة ، لا صوت ، في خفر الرهبة نتجاوزه ، أفقد كوابح نفسي ، فيغمرني البلل كلي ، استدارة حرباء : لا شيء وراءنا .. فراغ قاتل .. خواء أسود قاتم :
-أين ذهب ؟ أ تلقفته شياطين السماء ؟ ربما امتصته الأرض !
زفير ، ونحنحة ، وصوت كقعقعة الرعد ، يضرب بالأكف على صفحة الماء الراكد ، يكاد يثقب طبلة أذني :
- أنا قاهر طواحين الرياح ! أنا القادم من زمن العواصف و الرياح ، أنا بروموثيوس أنا قاتل زيوس ، أنا الكبد المتجدد ، أنا الثورة ، أنا التغيير ... أنا... أنا ...أنا ، يتلاشى الصوت شيئا فشيئا ، يغشانا صمت الصمت تتلقفنا أكف خشنة غليظة، تطبطب علينا بشتائم وسباب وبعض من الصفعات على القفا والركلات على المؤخرة ، فنروح في نوبة هذيان هستيرية ، تلفنا برودة الجدار والظلام وتزكم أنفينا روائح الفساد والعفونة !!!!
توضيحات :--------------------------------------
-شالة : مدينة أثرية تاريخية ،بمدينة الرباط
-عين جنة :نبع مائي دافق قرب مدينة شالة
-برومثيوس وزيوس : علمان أسطوريان ..
بقلم الأستاذ : صالح هشام !
الاربعاء 27 ابريل 2016
الرباط !

من ذاكرة الزمن .. بماذا حدثني المذيع رشدي عبد الصا
دراسة: الإصرار الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيو

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الثلاثاء، 09 آذار 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الخميس، 27 نيسان 2017
  5113 زيارة

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...

مقالات ذات علاقة

في عام 2005 أكمل المشرعون في العراق صياغة مسودة الدستور النافذ في هذا البلد. وعلى الرغم من
3561 زيارة 0 تعليقات
** أن وضع خطوط حمراء في حياتنا ليست قيوداً وإنما ضوابط مطلوبة لإكمال شكل ومضمون الاحترام.
6098 زيارة 0 تعليقات
لأنه معتاد على نفس تلك الأوراق وذاك القلم فلم يحتاج إلا توقيعا ..بحبره الاسودا قرار حيك به
6030 زيارة 0 تعليقات
بدأت يوم جديد مملوء بالأحزان .. بحثت عن أضيق ملابس وإرتديتها .. ووضعت مساحيق التحميل لأول
7011 زيارة 0 تعليقات
لوحة لم تكتمل بعد   (كتبت عندما تم تفجير وزارة العدل وسبقتها وزارة الخارجية في نفس المنطقة
5731 زيارة 0 تعليقات
الطاغي لَمْلِمْ شِرَاعَكَ أيُّهَا الطَّاغي وارْحَل فانَّ الغَضَبَ نارٌ أسْعَر خَيَالُكَ ال
2365 زيارة 0 تعليقات
من كان همه قطعة أرض جرداء مهجورة مساحتها (200 م) كانت قيمته أن يراجع دوائر الدولة ويقدم ال
7546 زيارة 0 تعليقات
أجرت الحوار //ميمي قدريدرة من درر الأدب العربي ... ناهد السيد الصحفية والكاتبة التي اختزلت
5428 زيارة 0 تعليقات
شكراً.. لطوق الياسمين وضحكت لي.. وظننت أنك تعرفين معنى سوار الياسمين يأتي به رجل إليك ظننت
5633 زيارة 0 تعليقات
منذ الخليقة والكل يسعى شعوراً منه الى توفير فرص العيش لتأمين ديمومة الوجود بالتعايش مع الآ
5377 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال