دون خجل ، اعترف بأنني لم اجد فكرة اكتب فيها ، او عنها هذا الاسبوع ... فقد فعل بي القَيْظُ ، فعله ، فهربت مني الكلمات باحثة عن برودة وهواء منعش، وعصافير تزقزق وزهور ملونة في الحدائق .. واعتقد ان القارئ مثلي ، لا يلفت نظره موضوع جدي ، ولا يتفاعل مع قضية مهما كانت مهمة ، فعند درجة حرارة تتجاوز الخمسين ، تتضاءل كل الافكار ، مقابل نسمة هواء عليلة !
إنّ تأثير درجة الحرارة على الحياة تتمثل بتأثيرها على الإنسان بشكل مباشر، ونحن نعرف أن درجة الحرارة الطبيعية لجسم الإنسان هي 37 درجة مئوية، فإن زادت هذه الدرجة أو نقصت فإنها تؤثر سلباً على الإنسان ، وكنتُ احد هؤلاء الذين تأثروا .. وقد جربتُ الكتابة ، لكني حين كتبت ، سارعت بعد لحظات الى تمزيق الصفحة تلو أخرى ، وأغسل ما تعلق في مخيلتي من افكار .. فأبني دون ارادتي ، حائط صد لما اريد الكتابة حوله ... إنه الحر .. نعم ان حرارة الجو التي تلفنا ، شبيهة بالأثير الذي يتوارى خلف ضلوع الأسرار .. ماحياً كل أثر كان يوماً فوق الجـدار .. ويكتم اللوعة في صمت ، ثم يدفن بقايا الافكار في عمق جراح البوح!
هروب الكلمات من مخيلتك عندما تكون في أمس الحاجة لها .. كيف تعالجه؟ لا اعرف الجواب حتى اللحظة ، فها هي الكلمات والحروف تهرب من ذاكرتي ، وقلمي اصبح عاجزا عن تلبية اوامري ، واوزاني اصبحت مكسورة وحروفي اجدها مبتورة ، وربما مشوية في ( تنور) حر تموز!
اعرف ، ان قلب القارئ ، في هذا القيظ ، كالمرآة تنكسر من أصغر حجر يضربها.. فلا اريد ان اكون ذلك الحجر ، فهموم الوطن هي صخر جلمود .. فلنعطي استراحة للقارئ الكريم ، ولا نتعبه بسيل كلمات الشكاوى ، المتمثلة بنزف الروح ، فالقليل هو من يستقبل ذلك النزف و يقرأه و يقدر عمقه وحجمة وألمه ، مثلما ان القليل من يقرأ أنين الجواري على الورق و يقرأ صدق الحروف !
وعلى هامش درجة الغليان التي نعيش في اجوائها ، اذكر ان زميلي رعد اليوسف ، المقيم في الدنمارك ، هاتفني عصر امس مشيرا بمزاح المحب ، ان الدنماركيين ، ربما يبدأون اليوم ( الاحد ) سيرهم في الشوارع دون قمصان ، بسبب ارتفاع درجات الحارة .. وحين سألته هل ستتساوى مع حرارة جو العراق ، قال ضاحكا ، ان الدرجة المتوقعة ستصل الى 27 درجة ..!
وها انا اهرب من الكلمات... الى الكلمات .. رحماك ربي !