بعد ان اكملت قراءة النسخة الالكترونية لكتاب صور المثقف او المثقف والسلطة كما ينقله المترجم محمد عناني للمؤلف ادوارد سعيد, انقل هنا بعض السطور المختصرة منه لتعميم الفائدة. الكتاب المترجم صادر عن رؤية للنشر والتوزيع, الطبعة الاولى 2006.

جاء كتاب ادوارد سعيد باللغة الانجليزية تحت عنوان (Representations of the intellectual) ,وبالعربية (صور المثقف) لكن مترجم الكتاب الدكتور محمد عناني من مصر يرى ان العنوان الانسب له هو (المثقف والسلطة) لأن موضوعه يتمحور حول علاقة المثقف بالسلطة وعلى هذا الاساس جاء عنوانه العربي (المثقف والسلطة) ومهما اختلفت عناوين الكتاب فأن فحواه تبقى هي الاهم بالنسبة لنا.

الكتاب هو عبارة عن سلسلة محاضرات ألقاها ادوارد سعيد في إذاعة الـ BBC البريطانية عام 1992م. الكتاب مقسم الى 6 فصول أي الى 6 محاضرات بإشراف ادوارد سعيد وفيها يتطرق السيد ادوارد الى مهام وصور المثقف في المجتمع وطبيعة علاقته مع السلطة واهم التحديثات التي تواجهه كما يكشف النقاب عن اخطاء بعض المثقفين وتقلباتهم.

استهل المُنظر والناقد الادبي الفلسطيني الاصل الامريكي الجنسية المولود في مدينة القدس عام 1935 والمتوفي عام 2003 عن عمر يناهز 67 عاماً بعد صراع طويل مع مرض اللوكيميا الاستاذ ادوارد سعيد كتابه بإيضاح معنى مفردة (المثقف) بالاستناد الى تعريفان مهمان. التعريف الاول يعود للمناضل الماركسي الايطالي انطونيو جرامشي والذي بدوره يلخص تعريف المثقف بقوله ,,ان جميع الناس مفكرون ولكن وظيفة المثقف أو المفكر في المجتمع لا يقوم بها كل الناس,,. ويضيف جرامشي ان الذين يقومون بوظيفة المثقف ينقسمون الى قسمين: القسم الاول يضم المثقفين التقليديين مثل المعلمين والكهنة والاداريين واما القسم الثاني ينطوي تحت مسمى المثقفين المُنسقين اي الذين يحاولون دائما تنظيم ثقافة جديدة وتغير الافكار والاراء.

اما التعريف الثاني فيقتبسه ادوارد سعيد من الفيلسوف والروائي الشهير الفرنسي جوليان بندا والذي بدوره يزعم ان المثقفين ,,عصبة ضئيلة من الملوك الفلاسفة من ذوي المواهب الفائقة والاخلاق الرفيعة الذين يشكلون ضمير البشرية,,. فمثلا يرى السيد بندا الثقافة في سقراط او فولتير وغيرهم من العلماء من ذوي الشهرة والذين يتمتعون بصفات المثقف الحقيقي لأن ما ينادون به يمثل معايير الحق والعدل ويرى ادوارد سعيد ان بندا بهذا التعريف يفضح المثقفين غير الملتزمين والذين يكرسون حياتهم لأشياء غامضة.

ويرى الكاتب ان تعريف جرامشي هو اقرب للواقع من تعريف بندا , اذ يرى ان كل من يعمل اليوم في اي مجال يتصل بانتاج المعرفة او نشرها مثقفا بالمعنى الذي حدده جرامشي. كما يعتقد ادوارد سعيد ان الوقائع التي اشار لها جرامشي تمثل حقائق من الحاضر تتمثل في النظر الى المثقف بأعتباره احد المهنيين وحسب. وان الصواب هو ان يكون لدى المثقف رسالة وفلسفة خاصة يجهر بها بأسم المجتمع وان يكون فردا يصعب استقطابه. وان يكون خير ممثل للقضايا الاجتماعية التي عادة ما يتم تهميشها ونسيانها.

ثم يضيف ادوار سعيد ان المثقفون سواء كانوا يكتبون او يظهرون على شاشات التلفاز او يعطون الدروس للطلاب تكون لهم رسالة واضحة يخرجون بها علنا وهذه الرسالة تتضمن الالتزام وقد تصل بهم الى حد الضرر. وان المثقف يتوجب علين ان يكون يقض ونبه ولا ينساق وراء انصاف الحقائق.

ثم يردف ادوارد سعيد قائلا, ان مهمة المثقف في العصر الحديث ازدادت صعوبة بسبب التشعبات التي نعيشها. ويؤكد ان دور المثقف الحديث هو الطعن بالمعايير والاعراف السائدة المغلوطة لأن هذه الاعراف ترتبط ارتباطا وثيقا بالامة ودائما ما تسخرها الامة لأعلى المستويات. وان بعض التقاليد والقيم التي يُعتقد انها صائبة هي اصلا قائمة على النفاق والتعصب.

من جهة اخرى على المثقف ان لا ينساق وراء رجال الدين ذوي التطلعات والطموحات السياسية او مثيري عواطف الناس وأصحاب الشخصيات الجذابة. كما على المثقف ان لا يفكر فقط بطرد المستعمر من بلاده بل ايضا بابتكار نفوس جديدة لما بعد الاستعمار وان اكثر ما يتطلع له المظلومين اليوم هو صوت المثقفين الذي يمثل معاناتهم والدفاع عنها.

ثم ينتقل ادوارد سعيد في الفصل الثالث من كتابه الى مثقفي الغربة و المنفى ويشير الى صعوبة حياتهم ومأساتها وأحزانهم بابتعادهم عن اوطانهم وعوائلهم. وأنهم لا يستطيعون نسيان وطنهم ليصبحوا مواطنون جدد في مكان جديد. ويوضح الكاتب , على المثقف ان يواجه المنفى والابتعاد عن وطنه بشجاعة وان لا يكون هامشي يشعر بالعزلة والتوحد وعدم الانتماء للوطن الام وان التكيف في الوطن الجديد ليس مهما بقدر الانتماء لبلد الاصل والحفاظ على الولاء والوفاء له.

حسب زعم ادوارد سعيد فان المثقف يحمل رسالة فردية وطاقة يبذلها وقوة عنيدة تشتبك مع عدد هائل من القضايا الاجتماعية ترتبط جميعها بمزيج من التنوير والتحرر. وان الخطر الذي يتهدد المثقف اليوم على حد تعبيره هو ان ينظر المثقف لعمله الثقافي على انه مكسب للرزق وان يجعل نفسه قابلا للتسويق.

ويضيف السيد سعيد ان المثقف تتوطد مكانته الفكرية حينما يكون محاصرا من مجتمعه الذي يغريه بالجوائز والمنافع بأن يتخذ هذه الصورة او تلك وان عمل المثقف لا يمكن بناؤه إلا على هذه الاساس. ويعطي الكاتب مثالا على ذلك وهورفض سارتر لجائزة نوبل عام 1964 , حيث يرى ادوارد ان سارتر كان يطبق هذا المبدأ بدقة اي باعتباره مثقف او مفكر حقيقي لم يتأثر بأغراء الجائزة فهو يمارس عمله الثقافي ليس من اجل الكسب.

يرى سعيد ان  المثقف يمكنه التغلب على التحديات والضغوط عبر ما يسميه بــ (روح الهواية ). القائمة على عدم الاهتمام بالربح والفائدة ورفض القيود كما على المثقف ان لا يكتفي بتخصصه ويتحرر منه لأن التخصص بشيء واحد فقط يقتل الاحساس بالاثارة والاكتشاف كما انه حسب زعم الكاتب نوع من انواع الكسل ينتهي بأداء ما يأمرك الاخرون به وان الخبرة المتخصصة في النهاية لا تتصل الا بأوهى الروابط وان التخصص لا يعني الادراك الكامل للاشياء فمثلا اراء الفيلسوف نعوم تشومسكي عن الحرب الفيتنامية الامريكية كانت ارصن بكثير ممما كتبه الخبراء وحاملي الشهادات بهذا التخصص. ويضف لذلك : حين كان نعوم تشومسكي يصور السياسة الخارجية الامريكية من وجهة نظر معارضة,  كان خبراء السياسة الخارجية الامريكية يحاولون منعه من الحديث استناداَ الى انه لا يمتلك الشهادات التي يحملونها هم لكن بالمقابل لم يكن من بينهم من يستطيع ان يفند حجج تشومسكي بأستثناء مواقفه خارج الحدود المقبولة للمناظرة او توافق الاراء. كل هذه الامور تفسر قوة (روح الهواية) للمثقف والتي تجعله ملما ليس فقط باختصاصه الذي درسه.

يعتقد ادوارد سعيد ان من اخطاء (مثقفي الاحتراف المهني) كما يسميهم هو انجذابهم للأصحاب السلطة لتحقيق المزايا. ويرى ان المثقف عليه ان لا يعبد اي سلطان ولا يخدم اي سلطة. ويكرر الكاتب تأكيده على ان المثقف يجب ان يمتلك (روح الهواية) اي ان عليه ان يعتبر انتماءه الى احد المجتمعات , بصفته فردا يفكر بما يهم المجتمع ويثير جميع القضايا التي تمس قوته وبلده.

ثم يقر سعيد بأن المثقف ليس عاملا او موظفا لدى السلطات فعليه ان لا يستسلم للإغراءات وان الكاتب بنفسه (ادوارد سعيد) لم يكن يهتم بعروض الوظائف السياسية المقدمة له مقابل اجر ما وهذا الامر يختلف كثيرا عن القاء محاضرة في الجامعة لذا الكاتب كان يرحب بتقديم المحاضرات الجامعية ويرفض ما عداها وفي نفس الوقت لا يرفض حديث السياسة في هذه المناسبات لذلك كان دائم الحضور للجامعات الفلسطينية وجامعات في جنوب افريقيا للحديث عن مواضيع هامة. وان ما يحثه على هذه الخطوة هو الافكار والقضايا التي تتفق مع القيم والمبادىء.

ثم يواصل ادوارد بتفصيل مهام المثقفين وهذه المرة يقول ان المثقفين او المفكرين ليسوا من محترفي المهنة الذين يصيبهم الفساد بسبب خدمتهم القائمة على الملق والمداهنة مع السلطة , بل هم من يقفون عند المبادئ ويتحدون السلطة ويرى الكاتب ان من العادات الفكرية التي تعد مصدرا لفساد المثقف هو ان يكتسي سياسيا اكثر مما ينبغي ويظهر بصورة من يختلف الناس عليه ويحاول ارضاء من يمثل السلطة او يأمل بالحصول على شهادة فخرية او جائزة كبرى او منصب.

يؤكد ادوارد ان اظهار الحقيقة هي احد مهام المثقف التي لا يجب ان يغفل ويتهاون عنها ابدا ومثال على ذلك القضية الفلسطينية احدى اكثر القضايا الظالمة التي يخشى الكثير الافصاح عنها رغم ان البعض مؤهل لهذا الفعل. فيرى الكاتب ان حقيقة المطالبة بحق تقرير المصير للفلسطينيين هي مثلا حقيقة توجب المثقفين ازاحة الستار عنها دون اي تردد وان الكاتب نفسه واجه هذا التحدي العسير. ويكشف سعيد انه كان كمفكر يعيش خارج دائرة السلطة ولم يجند نفسه الى اي جهة ولم ينظم لحزب واعتاد العيش على الحافة وانه شغل موقع العضو المستقل في البرلمان الفلسطيني في المنفى لمدة اربع عشرة سنة وانه بقي في هذا المجلس للتضامن مع فلسطين وتحدي الباطل وكان يهمه ان يظهر كفلسطيني مثقف بهذا الاسلوب بمعنى اخر كشخص مكافح يقاوم السياسات الاسرائيلية ويقف مع حق تقرير المصير لشعبه. وبالمقابل رفض ادوارد سعيد كل عرض قُدم له لشغل مناصب سياسية رسمية. ويقول ادوارد انه بقي رافض للسياسات الامريكية والإسرائيلية التي اتت بالويلات لوطنه. ويرى الكاتب انه في هذا الموقف واجه المحال ورغم تحقيق بعض الانتصارات البسيطة للشعب الفلسطيني وان هذه المواقف التي اصر عليها تفسر قراره كمثقف بالانغماس التام في العقيدة وفي الالتزام.

ثم يضيف المُنظر الفلسطيني الاصل ان المثل الاعلى للمثقف او المفكر هو ان يمثل التحرر والتنوير. وان الصور التي يقدمها المثقف للجمهور ينبغي ان تكون مرتبطة بحياة المجتمع وينبغي ان يبقى عنصرا حيا من عناصرها. ويكون خير ممثل للفقراء والمحرومين الذين لا يستمع احد لصوتهم.

ويسلط ادوارد سعيد في السطور الاخيرة من كتابه الضوء على ازمة الثقافة العربية وكيف انكشف زيف بعض المثقفين العرب وانقلبت مواقفهم بمجرد حصولهم على اموال من دول الخليج ليتخلوا عن مناهضتهم للامبريالية الامريكية ونسيان القضية الفلسطينية وقضية القومية العربية التي كانوا يتغنون بها ويدعون لها. فمثلا قبل حرب الخليج كان الكثير من المثقفين العرب يدافعون ويستقتلون عن القومية العربية وبعد غزوا العراق للكويت تبدلت المواقف وبدء بعض القوميون العرب يكيلون المدائح للسعودية والكويت وهم بالأمس كانوا الاعداء البغضاء او بعض النظم الحاكمة كانت تتغنى بأمجاد العراق وعندما قدمت السعودية الدعوة لبوش لدخول جيوشه اراضيها اعلنوا رفضهم للقومية العربية !

ويرى ادوارد سعيد ان تعقيد الامور ازداد امام المثقفين العرب بعد بروز الدور الامريكي في الشرق الاوسط وانقلب العداء الى مناصرة لأمريكا بناء على اوامر سامية وانخفض النقد الذي كان يوجه للولايات المتحدة بل وتلاشى احيانا في الكثير من الصحف والمجلات في العالم العربي وخصوصا تلك المتهمة بتلقى الدعم المالي من دول الخليج العربي بتحريض امريكي.

كما يعتقد الكاتب ان هناك حرب ثقافية تدور رحاها بين المتحدثين باسم الغرب والمتحدثين باسم العرب والعالم الاسلامي . ويكشف ادوارد سعيد حقيقة مهمة , اذ يقول من السهل ان توجه النقد للعرب كشعب او ثقافة والإسلام كدين في البلدان الغربية لكن من الصعب ان توجه النقد لسياسات امريكا وإسرائيل في اجهزة الاعلام الغربية. وفي هذا الوضع الملتهب يصبح من اشق الامور على المثقف ان يتخذ موقف الناقد ويفضح السياسات الغربية المغلوطة.

في نظر ادوارد من المهم ان تكون للمثقف او المفكر القدرة على ترك مساحة معينة في ذهنه للشك كما يجب ان لا تستمد الشرعة الاخلاقية والمبادئ الثقافية الخاصة بالمثقف طاقتها من محرك يعتمد على مصدر واحد للوقود , بل على المثقف ان يكون حر يتجول كيفما يشاء وان الخضوع للسلطة يمثل اكبر خطر يهدد الحياة الفكرية  النشطة للمثقفين. ويقر ادوارد بصعوبة هذه المهمة للمثقف خصوصا اذا تبناها بمفرده وأما اصعب جانب من حياة المثقف او المفكر هو تجسيد ما يقوله في عمله وتدخلاته دون ان يتصلب ليصبح كالآلة الصماء التي تتحرك بناء على توجيهات محددة وان المثقف اذا حفاظ على اليقظة والصلابة فهو مؤهل لتحقيق الغايات. وفي النهاية يوجب ادوار سعيد المثقف بأن لا يتوقف عن تذكير نفسه بأنه مثقفا او مفكرا ويتحمل دون غيره مسؤولية الاختيار بين تمثيل الحقيقة وبين السماح للسلطة بتوجيهه.

 

المصدر: 

المثقف والسلطة/تأليف ادوارد سعيد/ رؤية للنشر والتوزيع/الطبعة الاولى 2006/ترجمة محمد عناني

http://www.pdf2book.online/ebooks/fev2018/kotob_mot/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9%20%D8%A5%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF%20%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF.pdf