لم يخبرني صديقي، كيف عرف بموعد ذكرى يوم مولدي، فهذا اليوم لا يشكل لغيري شيئا، لكنه بالنسبة لي، يثير الفرح والمواجع .. الفرح، يتمثل في بهجة عائلتي، من خلال قيامهم باحتفال تقليدي، يحيوه في كل سنة، حيث تعلو على وجوههم البسمات، وهم يطفئون الشموع، إيذانا بمقدم سنة جديدة لرب الاسرة، اما المواجع التي تعتريني، وتجعلني فاقدا لهدوئي، فهو بأنني سأغلق صفحة من حياتي … اليس للإنسان عمر محدد؟
قلت لصديقي : انا الان في عمر، أتوسل أيامه ان تطول، وساعاته ان لا تنتهي … ولا اريد احدا يشعرني بأني إقتربت من نهاية طريق الحياة وانا حي، وهذا الشعور، الذي يشبه الاعتراف الصريح، يعيدني الى خارطة جدلية الحياة التي نعيش، ففي مرحلة الطفولة، نتمنى ان تسرع الحياة، لمسك خيوط الصبا والشباب، ثم نحث الخطى لبلوغ الرجولة، وبعدها تبدأ تخيلات ما بعد ذلك !!
لكن العاقل هو من يفهم حقيقة البداية والنهاية في كل شيئ.. مثل الربح والخسارة … فالربح يثير الفرح، والخسارة تسبب الألم ..
حين حدثني صديقي، عن ذكرى ميلادي، تذكرتُ رواية الرائع ديستوفيسكي “الإخوة كارامازوف ” التي فسر فيها تناقضات النفس البشرية حيث ذكر ” نحن أناس على حالة الطبيعة، يختلط فينا الخير والشر اختلاطًا غريبا. نحب الثقافة، لكننا نعربد في الحانات، نكره أن نكون مضطرين إلى العطاء، ولكننا في مقابل ذلك نحب أن نأخذ كل شيئ” ويعني الكاتب الكبير اننا ازاء أناس قادرين على أن تضم نفوسهم جميع تناقضات الحياة، وترنو بأبصارهم إلى الهوتين المتناقضتين في آن واحد… الهوّة العليا التي تحلق فيها أنبل المثل، والهوة السفلى التي تغوض فيها أحقر الملذات وأدنى أنواع السقوط ..
أعرف ُ ان في حياة كل منا، لحظة، لا تعود الحياة بعدها كما كانت… هي سيرورة الدنيا منذ الخليقة،. والذكي، من يدرك ان الحياة خداعة، فهي تسرنا دقائق، وتسؤنا ساعات، ولا يمكن تأمين مكرها فهي مثل أمواج البحار ما تفتأ تهدأ، ثم تعود الى الهياج!
اقنع نفسي دوما، ان اعيش يومي، وان افكر بالغد بما هو نافع وخير، ولدي قناعة بان هناك من يحس بيّ دون أن انطق بكلمة، وهناك من لا يسمعني ولو تحدثت أمامه العمر كله، فعليّ ان لا اضيع وقتي في التفكير بما هو آت … فعلاً !
شكراُ صديقي، لأنك جعلتني ابوح، بما لم ابح به سابقاُ .. ومرحبا بالسنة الجديدة.