كنا مجموعة من اصحاب ورؤساء تحرير صحف ومجلات ، جمعتنا دعوة وجهها البنك المركزي العراقي ، لحضور لقاء بعيد عن الاضواء مع محافظ البنك المركزي د. علي العلاق .. الجميع ، سعدتهم الدعوة ، اردنا ان نسمع من المحافظ ، ما خفي من امور المال والاقتصاد ، باعتباره صاحب ( بيت المال العراقي ) .. ومع ظهيرة الاثنين ( 26 آذار الحالي ) التم الشمل ، فنعمنا بمعلومات قيمة ، كانت فائتة علينا ، كإعلام ومجتمع ، وضاعت على من لم يحضر من الزملاء لسبب او آخر ، تفاصيل مهمة ، هي مدار حديث الكواليس ، وطروحات الاعلام والفضائيات . وفي مقالة لاحقة ، سأتناول حيثيات اللقاء المهم ، لكني هنا اتحدث عن جزئية ، افرحتني ، وهي سعة استيعاب البنك المركزي ، محافظاً وكادراً لكل صغيرة وكبيرة ، في ما يخص العمل المصرفي ، وتداعياته وسيرورته ، ومؤثراته ، وتأثيره المجتمعي ، لاسيما في الظرف العصيب الذي مر به الوطن ، في حربه مع عصابات داعش ومع صراعات القوى السياسية التي تحاول ، القفز على مآسي المجتمع ، تحقيقا لمكاسب وقتية بعيدة عن النهج الوطني .! كان د. علي العلاق يتحدث ، بانسيابيه عن تفاصيل دقيقة ، دون ان يقع نظره على ورقة .. حديث كله ارقام ، ورؤى مالية ، وتصورات اقتصادية للمراحل القادمة ، مبنية على اسس في مراحل ماضية ، كان البنك ينتهجها دون ان نصل الى نتيجة ، واضحة ومرضية ، بل تسببت في توسع ظاهرة تذبذب سعر صرف الدولار وتباين الاسعار في مختلف صنوف الحياة المعيشية للمواطن ، ما افقد السوق الاستقرار المنشود .. لقد مسك د. العلاق ، الخيط الناظم ، بعقلية اقتصادية ، ومالية متمكنة ، بين الانكماش الاقتصادي الذي نتج عن انخفاض اسعار النفط عالميا وبين الكتلة النقدية المتأثرة بالظروف التي يعيشها العراق ، متخذا إجراءات تحفيزية نقدية اسميها شخصيا بالسياسات غير التقليدية، حيث عمد إلى الابتعاد على نحو ملحوظ من تزايد التضخم ، وتنفيذ عدد لا يُحصى من السياسات والممارسات النقدية غير التقليدية من أجل تخفيف العواقب الناجمة عن الانهيار وتيسير التعافي الاقتصادي.. من منظور لا نفع للمعرفة من دون عمل تطبيقي ! ودعا ، في حديثه العميق الى فهم مجتمعي من خلال الاعلام لعملية بيع العملة ( ما يطلق عليه المزاد) لاسيما بعد ان تكاثرت الاتهامات الكبيرة التي يتعرض لها البنك ، حول ذلك ، فالقول ان بيع العملة هو هدر للمال العام خطأ اقتصادي ومالي كبير ، وقول بعيد عن الفهم الدولي للاقتصاد ، فهناك الكثير من الدول تمارس هذه العملية ، وهي من الوظائف الرئيسة للبنوك المركزية في العالم ، لان الاستقرار المالي هدف منشود ، ويمثل نقطة الانطلاق نحو الرخاء الاقتصادي ، ما يتطلب استقراراً نقدياً يتمثل في قدرة السلطة النقدية على تحقيق نمو الاسعار عند مستويات مستهدفة من خلال السيطرة على التضخم. لقد طبق هذا الرجل الصامت ، نظرية الاخفاء ، ثم التحدي ، ثم الاخفاء ثم التحدي ثم النجاح ، فحاز على ثقة صندوق النقد الدولي، ومتطلباته الصارمة ، بصبر مع فريقه في البنك ، والصبر هو أول ميزة يتحلى بها رجل المال الناجح و تجعل منه مميزا و قادرا على الوصول إلى أهدافه .. فاجتاز المنطقة الرمادية التي كان يصنف فيها العراق حسب منظمة العمل المالي المعنية دولياً بمكافحة غسل الاموال الى منطقة المتابعة ويسعى قريباً في الخروج حتى من هذه المنطقة ..وهو مسعى كبير لبلد ، خاض المعارك ، ووفر مستلزمات المواطنين ، في ضوء موارد شحيحة بسبب الازمة المالية العالمية المعروفة . تحيات لرب المال العراقي ، د. علي العلاق ، وحرام ان نحسبه على المحاصصة ، التي تعصف بنا ، فأنني أراه نبع عراقي بامتياز .