الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 802 كلمة )

عامل الإشارة / عبد الرازق أحمد الشاعر

لا أعرف إن كنت أيها القارئ العزيز تؤمن بالأشباح، ولا أريد أن أدخل معك في محاولات بائسة لإقناعك بوجودها، لأنني لم أر في حياتي شبحا أنا الآخر، ولا أعتقد أن شبحا سوف يتنازل يوما فيقرر لقائي عند أي مفترق طرق. لكنني والحق يقال، كنت أستشعر وجود تلك الكائنات كلما سرت وحدي ليلا فوق رمال سيناء. كنت أشعر أن أرواحا معذبة تسكن تلك الرمال، فتتلظي بالرمضاء نهارا، وترتعد فرائصها بقر الليل، فتخرج لتأنس بالمسافرين وتذهب وحشتهم. كنت ألتفت كل عشر خطوات لأتيقن أن رأسا لا تختبئ خلف أي تل، وأن الأصوات التي تجلجل من حولي مجرد هلوسات مردها الخوف لا أكثر. وسرعان ما كنت أنسى خواطري المخجلة، وأتكلف إخفاءها كلما تحدث الرفاق عن مشاعر مماثلة.

لم ارد هنا أن أقص عليك يا صديقي خواطري المزعجة التي لا تقدم ولا تؤخر في مسار أي حدث، ولا تبيض أو تفقس في أي سلة، كما لم أرد أن أضيع وقتك الثمين في مناقشة قد تراها عابثة. لكن الشيء بالشيء يذكر، وما فرط عنقود الذكريات سوى قصة قرأتها لثاني أعظم كاتب في التاريخ بعد شكسبير، وهو الرائع دوما تشارلز ديكنز. ففي قصة قصيرة، صنفها النقاد على أنها من العشرة الأفضل على مر العصور، تحول الأشباح حياة عامل تحويلة بسيط إلى جحيم لا يطاق.

البطل رجل بسيط، لا يعرف من الحياة غير بيته وصندوق من الحجارة يقضي فيه قسطا لا يستهان به من ليله المخيف. وقرب نفق مظلم آناء الليل وأطراف النهار، كان الرجل يجلس في انتظار إشارة من عامل المحطة المجاورة ليخبره بقدوم قطار ومغادرة آخر. وبدوره كان صاحبنا يرسل برقيات مشابهة لعامل المحطة التالية. لكن الوقت كان يمر ببطء وكآبة، لا سيما حين تتباعد صفارات القطارات وهديرها. لم يتأخر صاحبنا يوما عن عمله، ولم تأخذه أبدا سنة من نوم لأنه كان يعلم جيدا أن إغفاءة واحدة تكلف مئات الجثث.

وذات ليلة غاب عنها القمر، رأى صاحبنا شبحا يخرج من فوهة النفق ويلوح بيده اليسرى، بينما يضع يمناه فوق عينيه. ينزل صاحبنا مندهشا، ويتوجه ناحية الظل، لكنه عندما يقترب من النفق، يتلاشى الشبح. فيسير بين القضيبين الباردين بخطوات راعشة بحثا عن المستغيث، فلا يرى أحدا. ويعود الرجل إلى صومعته العاليه ليحرك عصا الحديد فيمر القطار مسرعا ليصطدم بقطار آخر ضل قضيبيه في عتمة الليل البهيم مخلفا كومة من الجثث وعشرات الجرحى.

وبعدها بأيام يظهر الشبح واضعا كفيه أمام وجهه في مظهر المنتحب، فيتبعه عامل التحويلة حتى يتلاشى مرة أخرى عند النفق، فيقع في روع صاحبنا إحساس مبهم بأن شيئا مريعا سيحدث ذلك المساء. وبالفعل، ينزل الرجل من قفصه مسرعا ليتفقد ما خلفه قطار الليل، وليلملم ما تناثر من جثة فتاة كان وجهها كالقمر. وهكذا، يربط صاحبنا بين ظهور الشبح والموت. ويدرك أن الظل نذير بأن الموت يتربص بقمرته الداكنة.

يجلس الرجل ليقص على صديق له تلك الرؤى المفزعة، وكيف أنه طارد الظل حتى تيقن أنه ليس لرجل من لحم وعظام. فيسخر صديقه منه، وينصحه بالذهاب إلى طبيب نفسي ليعالج خياله المتوعك. لكنه في تلك الأثناء يسمع صوت الجرس الذي رافق ظهور الشبح في المرتين الأوليين، فيصخي سمعه، ويطلب من صديقه الإنصات. لكنه الصديق الذي لم يسمع صوت الجرس يعجز أيضا عن رؤية الشبح الذي يواصل التقدم نحو مقصورة الرعب ملوحا بيديه.

لماذا ترسل لنا الأقدار بالنذر تلو النذر إذا كنا عاجزين عن إيقاف عجلة القدر أو إدارتها إلى الخلف، وماذا يستطيع عامل بائس لا يجيد من الحياة إلا تحريك الأذرع الحديدية يمينا ويسارا في مواجهة قطارات لا تكف عن الصهيل وإراقة الدماء؟ ولماذا اختار النذير بائسا كهذا ليعلمه بقرب وقوع الكارثة دون أن يمنحه القدرة على تحويل مسار القطارات أو إيقاف دورانها نحو الهاوية؟ أسئلة دارت في خلد المسكين التعس وهو يتوقع طوال الليل كارثة جديدة.

في الصباح يأتي الصديق ليثبت لصديقه أن ما رآه مجرد خيال، وأن الأشباح وهم غزله ليل الوحدة والخوف. لكنه قبل أن يقترب من التحويلة، قرر أن يلقي بنفسه نظرة على النفق. وهناك، رأى صاحبنا ظلا طويلا يتمدد بطول النفق، فلما دنا، رأي أن الظل لم يكن لشبح، وإنما لضابط منهمك في لملمة قطع متناثرة من لحم صديقه عامل التحويلة.

هل كان ديكنز يحاول إقناعنا بوجود الأشباح في قصته الرائعة؟ في رأيي أن رأسا بحجم تلك الرأس لم تكن لتخرج غثا بهذه الضحالة. لعل الرجل كان يشعر بالعجز الذي نشعر به الآن، وبالألم الذي انتاب عامل التحويلة وهو يرى القطار ينحرف عن مساره، ويدرك في الوقت ذاته أنه عاجز عن فعل أي شيء يوقف دائرة الجحيم.

ربما كان ديكنز يجتر حادثة أليمة مرت به شخصيا حينما اصطدم قطار كان يقله داخل نفق بقطار لم يخرج من النفق عام 1961، لا سيما وأن تلك الحادثة قد سبقت صدور تلك القصة بخمس سنوات. لكن الأمر في رأيي يتجاوز الحادثة والزمان، ويسمو فوق الأشباح والمكان. لعلها قصة تجسد حجم المعاناة التي يمر بها المفكرون الذين يقفون على جانبي قطار الأحداث، ويرون مآلات الهمجية البشرية، ويلوحون بأيديهم في عجز مؤسف، لأنهم يدركون أن السائقين المتهورين لا يرون ما يرونه، ولا يسمعون ما يسمعونه. مؤسف أن يضطر المبصر العاجز إلى إلقاء نفسه تحت عجلات القطار في نهاية المأساة لأن قدره أن يرى النذر ويتوقع المأساة، ورغم ذلك يبقى عاجزا عن فعل أي شيء.


عبد الرازق أحمد الشاعر

طريق الموتى / عبد الرازق أحمد الشاعر
بلاد تحكمها الأساطير / عبد الرازق أحمد الشاعر

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الإثنين، 19 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - Ravindra Pratap Singh Tomar حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
18 نيسان 2021
أود أن أشكر شبكة الحرية المالية من أعماق روحي على التوجيهات القيمة منذ...
زائر - Anitha حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
16 نيسان 2021
اسمي Anitha من الولايات المتحدة الأمريكية! قبل ثلاث سنوات تم خداعي وفق...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...

مقالات ذات علاقة

في الأزمات المستعصية على الحل لعقود يشتد فيها اعادة انتاج خطاب الكراهية للمكونات الاجتماعي
1279 زيارة 0 تعليقات
لا يخفى على الجميع أن النظام العشائري في العراق يعد من الأنظمة الاجتماعية التي دأبت الجماع
2186 زيارة 0 تعليقات
هبت عاصفة لامبرر لها في مواقع التواصل الاجتماعي بعد الاعلان عن اصابة اللاعب العالمي احمد ر
806 زيارة 0 تعليقات
 زرعها الإنكليز(كخلية نائمة) في أحشاء دولتنا عند الولادة لقد وجد الإنكليز ، عندما شرعوا بإ
3880 زيارة 0 تعليقات
شهد أحد أحياء بغداد الاسبوع الماضي حدثاً مؤلماً قد يكون الأول من نوعه في عموم العراق ، فقد
4721 زيارة 0 تعليقات
"احسبها زين".. عبارة لطالما سمعناها ممن هم بمعيتنا، في حال إقدامنا على خطوة في حياتنا، وسو
3864 زيارة 0 تعليقات
مصطلح الأستدامة المالية        Financial  Sustainabilityأو الحكومية هو أحد المصطلحات المست
3615 زيارة 0 تعليقات
لماذا نتعلم؟حينما وجهنا هذا التساؤل لاب لم تتاح له الفرصة للتعليم والتعلم وهو من الرعيل ال
1645 زيارة 0 تعليقات
قيل في الأثر أن ثلاثة تجلي البصر: الماء والخضراء والوجه الحسن. وأصبح هذا القول مثالا يبتهج
1929 زيارة 0 تعليقات
على أرض مساحتها 437,072 كم مربع، يقطن منذ بضعة آلاف من السنين شعب اختلفوا في قومياتهم وأدي
2297 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال