الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

4 دقيقة وقت القراءة ( 814 كلمة )

الانقسامُ المؤبدُ والمصالحةُ المستحيلةُ / مصطفى يوسف اللداوي

لم يعد الفلسطينيون عامةً يثقون أن المصالحة الوطنية ستتم، وأن المسامحة المجتمعية ستقع، وأن الاتفاق السياسي سينجز، وأن الشروط المشتركة لمختلف الأطراف ستحفظ، وأنهم سيعودون لممارسة حياتهم الطبيعية، وسيستعيدون علاقاتهم البينية الطيبة، وستعود الألفة إلى البيوت الفلسطينية، والدفء إلى العلاقات الفصائلية، وسينتهي الانقسام البغيض المزمن وستطوى صفحاته السوداء إلى الأبد، وسيلتزم طرفا الانقسام بتعهداتهما، ولن ينكصا على أعقابهما أو ينقلبا على اتفاقهما، إذ سيحفظان كلمتهما، وسيعود الفلسطينيون كما كانوا جبهةً واحدةً وأرضاً موحدة وعدواً مشتركاً، لا شيء يفرقهم، ولا عدو يقوى على زرع الخلافات بينهم، ولا من يشتت جمعهم ويفرق صفهم ويهدد وجودهم، ويستهدف وطنهم أرضاً وشعباً ومقدساتٍ.

لا يضحك الفلسطينيون على أنفسهم، ولا يخدعون بعضهم البعض، ولا يصدقون الكذبة التي يروجها المستفيدون ويدعيها المسؤولون، ولا يحاولون تزيين واقعهم أو تلميع صورتهم، فهم يدركون حقاً أن قيادتهم مريضة فاشلةٌ، وأنها عييةٌ عاجزة عن الفعل الجاد والالتزام الصادق، وأنها تفتقر إلى النوايا السليمة، وتعوزها الثقة والمصداقية، فهي لا تسعى إلى المصالحة ولا تريدها، ولا تخطط لها ولا تذلل العقبات من أمامها، بل إنها تسعى بطرفيها لتكريس الانقسام وتأبيد الانفصال، وتأكيد الخصوصية، وادعاء الاستقلالية، وفرض الهيمنة وبسط النفوذ، بمساعي واهمةٍ وأحلامٍ بائسةٍ بالسيطرة والتمكين، أو الاستحواذ المنفرد والسيطرة الأحادية.

لقد ملَّ الفلسطينيون ويأسوا من اسطوانة الحوار المشروخة وخطابات الوحدة الممجوجة، وأصابهم القنوط من أمل المصالحة المنشود، ولم يعد لديهم أي أملٍ بانتهاء هذه الحقبة، وطي هذه الصفحة من التاريخ، والبراءة من سنوات الفرقة والخصام، والخلاص من الضيق والمعاناة، والنجاة من قوانين الحصار وأشكال العقوبات، وأدركوا أن الانقسام قدرهم، والانفصال مصيرهم، والمصالح تحكمهم، والأهواء توجههم، والمنافع تحركهم، والعدو وحلفاؤه فرحٌ بواقعهم، وراضي عن حالتهم، ويسعده بقاؤهم على ما هم فيه من انقسامٍ سياسي وانفصالٍ جغرافي، وعداوةٍ مستحكمةٍ، وممارساتٍ كيديةٍ، وإجراءاتٍ استفزازيةٍ، واعتقالاتٍ تبادليةٍ، تذهب بريحهم، وتضعف صفهم، وتفرق جمعهم، وتجعل بأسهم بينهم شديداً، ولقاءهم معاً محرماً ومستحيلاً.

لا ينكر المواطنون الفلسطينيون أن هناك اختلافاً في النهج السياسي بين طرفي الانقسام، وأنهما يتناقضان في سبل المقاومة واستراتيجية التحرير، وأن أحدهما يؤمن بالتنسيق الأمني والآخر يجرمه ويخون فاعله، وأن أحدهما يصر على استعادة الأرض كلها من بحرها إلى نهرها، وتحرير الوطن كله واستعادة السيادة الكاملة عليه، بينما يقبل الآخر ببعضٍ من الوطن صغيرٍ، وبقطعةٍ من الأرض محدودة، وبسيادةٍ منقوصةٍ، وعاصمةٍ مقسمةٍ وسلاحٍ منزوعٍ، وحدودٍ رخوةٍ مستباحةٍ، وحريةٍ لجيشِ العدو بالاقتحام والاجتياح مصانة.

وبينما يرفض طرفٌ الاعتراف بالعدو والجلوس إليه والتفاوض معه، يعترف الآخر به ويجلس معه ويفاوضه، ويثق به ويتعاون معه، ولا يقبل الأول ضمان أمنه وسلامة جنوده ومستوطنيه، في حينٍ يلتزم الآخر بأمنه ويقلق على حياة مستوطنيه، ويسلم التائه منهم ويعيد المعتدي على أهله، ولا يرضى بانتقام شعبه وثورة أبنائه، بل يحاسب من يفكر بالانتقام ويعتقل من يخطط للثأر، ويعاقب بقسوةٍ من ينفذ ويعمل جاداً ضد العدو وجيشه، بينما يستعد الطرف الأول ويتهيأ، ويتدرب ويتهيأ ويعد العدة، ويطور الصواريخ ويزيد في ترسانة السلاح.

لكن كلاهما بات يؤمن بالمقاومة الشعبية والنضال السلمي، ويعتمد المظاهرات والاعتصامات، والمسيرات والاتفاقيات، ولا يستثني حركات التضامن ومواقف الدول، وإن كان أحدهما يصر على تمسكه بالمقاومة المسلحة وعدم تخليه عنها، إلى جانب تجربته الجديدة في المقاومة السلمية والنضال الشعبي.

بينما الطرف الآخر الذي يحترم الاتفاقيات ويلتزم المعاهدات الدولية، يرى المقاومة المسلحة عملاً تخريبياً، بل عملاً عبثياً يضر بالقضية الفلسطينية ويعيدها سنين طويلة إلى الوراء، ويفقدها الأنصار والمؤيدين، ويدفع بالعدو الإسرائيلي للقيام بخطواتٍ وإجراءاتٍ أحادية الجانب، قاسية الأثر وعنيفة الشكل، يصعب تجاوزها ولا يسهل تراجعه عنها.

وكلاهما يعتقد أنه لا يستطيع وحده مواجهة العدو الإسرائيلي وهزيمته، ولا يقوى على التصدي له ولجمه، أو منعه من الاعتداء على شعبهم وقضم أرضهم وقتل واعتقال أبنائهم، وأنه لا بد من وحدة قوى الشعب واتفاق فصائله، والتئام شمل الجميع، ليشكلوا معاً قوةً كبيرةً وجبهةً مشتركة، تملك القدرة على ردع العدو وقهره، وإجباره على الانكفاء والتراجع بدل الاعتداء والتغول، والعدو قادرٌ على قواهم وفصائلهم متفرقين، وزعيمٌ بهزيمتهم أجمعين، فهو منهم فرادى أقوى، وعليهم متنازعين أقدر.

وكلاهما يرى أن الشعب يعاني ويقاسي، ويتألم ويتوجع، ويضعف ويخسر، ويفقد أبناؤه الأمل وأجيالهم الهدف، ويضيع مستقبلهم ويتبدد غدهم، إذ ذهب شبابهم وتشابهت أيامهم، وتعطلت حياتهم وجمدت أحوالهم، وباتت أسرهم تتفتت وعائلاتهم تتمزق، وساءت الأحوال بينهم، وانتشرت الأدواء وعمت البطالة فيهم، وسادت أمراضٌ وظهرت فيهم جرائم غريبة ومسلكياتٌ شاذةٌ غير محمودة، سببها الفقر وباعثها الحصار والقهر، وقد كانوا قادرين أن يكونوا صفوة الأمم وشامة الشعوب، وهم كذلك كانوا وإلى مكانتهم القديمة يتطلعون، ولكن الانقسام قهرهم، وقيادتهم قتلت الأمل فيهم وزرعت اليأس والقنوط مكانه في قلوبهم.

يدركُ الشعب الفلسطيني الذي دفع وحده ثمن الانقسام، وعانى دون غيره نتائجه وقاسى آثاره، وهو الذي ابتكر مختلف الوسائل للمواجهة والتحدي، وابتدع أغرب السبل وخاض أصعب المسالك ليستعيد حقوقه، ويرفع الحصار عن نفسه، أن المشكلة ليست في رواتب موظفين، ولا في تمكين حكومة وصلاحيات سلطة، وهي ليست في جبايةِ ضرائب واستيفاء رسومٍ وتحصيل جمارك، ولا هي ازدواجية سلطة وتفوق سلاحٍ.

إنما هي رغبةٌ متأصلة في بقاء الانقسام واستدامة الحال، وحاجةٌ ملحةٌ تفرضها القوى وتنفذها الأدوات، وهي محاولاتٌ للاستقواء ومساعي للبقاء، وهي منافعُ مستحكمةٌ ومصالحُ مقدمةٌ، وإلا فما الذي يعميهم عن حاجة الشعب ويصر آذانهم عن صراخه، وما الذي يمنعهم من الاتفاق والمصالحة، وجلب النفع ومنع الضرر، اللهم إلا أن يكونوا هم طهاة طبخة الحصى، وأعلم الناس أنه لا خير منها أبداً يرتجى، وأن بقاءهم رهنُ الانقسام وانتهاءه آذانٌ برحيلهم وبلاغٌ بزوالهم.

خطبة الجمعة للمعرض الدولي للكتاب بالعاصمة / معمر ح
الحكومة العراقية بين استحقاق بناء الدولة والاستحقا

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 26 شباط 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...

مقالات ذات علاقة

ﻳﻌﻴﺶ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ ﺣﺎﻟﺔ ﻓﻮﺿﻰ ﻭﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﻓﻴﻪ ﻣﺘﺄﺯﻡ ﺟﺪﺍ . ﻭﻧﺤﻦ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﻧﺪﺭﻙ ﺇﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺣﻖ ﺃﺣﺪ ﺇﻳﻘﺎﻑ
2195 زيارة 0 تعليقات
في العراق الذي أثخنت جراحاته بسبب الفاسدين والفاشلين، يطل علينا بين فترة وأخرى الحوكميين ب
495 زيارة 0 تعليقات
متابعة : شبكة الاعلام في الدنمارك - كشفت صحيفة “الإندبندنت” عن أنها ستنشر تقريراً، ينقل عن
5580 زيارة 0 تعليقات
تصعيد سياسي واضح تمارسه الإدارة الأمريكية ضد الدولة السورية و حلفاؤها قُبيل انطلاق معركة ت
2251 زيارة 0 تعليقات
تعد المسرحیة ، نموذجاً کاملاً لأدب شامل ، تقوم على الحوار أساساً ،کما تكشف الشخصيات بنفسها
2315 زيارة 0 تعليقات
الأمراض التي يعاني منها إقليم كوردستان العراق، هي في الحقيقة نفس الأمراض التي يعاني منها ب
847 زيارة 0 تعليقات
لعل من البديهيات السياسية ان تخسر الحكومة جمهورها مع استمرار توليها السلطة فتنشأ المعارضة
1994 زيارة 0 تعليقات
لا تكتبي حرف العشق على شفتيولا تضعي اسمك بين حروفيفالحرف الاول اشعل ذاكرتيبشغف عينيك البحر
5920 زيارة 0 تعليقات
  حسام هادي العقابي - شبكة اعلام الدانمارك دان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحد
5474 زيارة 0 تعليقات
الشمسُ عاليةٌ في السماء حمراء جداً قلبُ الشمس هو  ماو تسي تونغ هو يقودنا إلى التحرير الجما
547 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال