الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

5 دقيقة وقت القراءة ( 1098 كلمة )

تاريخ عريق وذاكرة حيّة ..الصحفي المخضرم محسن حسين جواد / د. ضياء خضير

لم أكن قبل مجيئي إلى جبيل اللبنانية عام 2015 ومجاورتي في السكن لأبي علاء، محسن حسين جواد، قد عرفت الرجل عن كثب . كنت اسمع به واقرأ له اشياء متفرقة حينما كان في وكالة الأنباء العراقية ، واحدا من مؤسسيها وأعمدة نجاحها، وحين كان كذلك صحفيا مميزا في مجلة (الف باء) التي عملتُ في قسمها الثقافي بعضا من سنوات السبعين قبل انتقالي للعمل بجامعة الجزائر عام 1976 ، فيما أنفق أبو علاء قرابة ربع قرن من عمر عمله الصحفي الطويل في هذه المجلة، قبل أن ينتقل للعمل في وكالات ومؤسسات صحفية آخرى. كنت أعرف أخاه عبد الجواد الفتلاوي المهندس المعروف الذي عمل في وزارة الإسكان وأسس بعد خروجه من الخدمة واحدة من أنجح شركات المقاولات الوطنية العراقية .
وانا اكتب عن أبي العلاء الآن ليس فقط باعتباره جارا وصديقا ربطتني به مشاعر مودة واحترام عميق بعد أن تعرفت عليه عن كثب وتعلمت الكثير منه، وإنما أيضا باعتباره ظاهرة صحفية وثقافية نادرة في تاريخنا العراقي المعاصر، سواء في عمرها الزمني الطويل الممتد من العهد الملكي حتى هذا العهد الذي أعقب تغيير نظام البعث في العراق ، مرورا بعهد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وصدام حسين ، حيث كانت للصحفي محسن حسين جواد علاقات عمل مهني مميزة مع كل هؤلاء وغيرهم من الحكام والمحكومين ، أم على مستوى موضوعيته ومهنيته واتزانه وقدرته الخاصة على صنع المسافة الضرورية اللازمة بينه وبين الحاكمين والسياسيين الذين يلجئه عمله كصحفي على العمل معهم ، ومرافقتهم والسفر معهم وتغطية أخبارهم وأخبار البلد من خلالهم، ويحظى في الوقت نفسه بتقديرهم واحترامهم جميعا.
هي ميزة لم تتوفر لكل الصحفيين (وغير الصحفيين من المشتغلين بالإعلام عندنا) على ما فيها من خطورة في وضع مثل وضعنا الاجتماعي والسياسي العراقي المؤقت والمتقلب والمضطرب، وغير الثابت في أيديولوجية حكامه وثورية الكثير منهم وردود فعل معارضيهم بالفكر والسلاح . فليس من السهل أن تكون الصحفي الأول الذي يختص بالعلاقةالمميزة مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وعبد السلام عارف كليهما، بعد ساعات أو أيام من ثورتها أو انقلابهما على النظام الملكي السابق، وأن تقترح على عبد السلام عارف في مرحلة لاحقة خلال وجوده في القاهرة إقامة حفل خاص بمناسبة عيد ميلاد جمال عبد الناصر، وأن ترافق عبد الرحمن عارف في زيارته الشهيرة لإيران أيام الشاه الإمبراطور ، وأن تكون صحفيا مقربا من صدام حسين ومرافقا له في بعض زياراته الخارجية، نعم ليس من السهل أن تقوم بكل ذلك دون أن ينالك أذى أو يقف في طريقك عائق يبعدك عن العمل طيلة هذه العهود، وبرفقة كل هؤلاء الرجال الرؤساء والكبراء، مع كل ما يرافق هذا العمل من محاذير ومفارقات وتفاصيل وقصص صغيرة وكبيرة من شأن بعضها أن يطيح بالصحفي صاحب الشأن، أو يضعه في مآزق لا مخرج سهلا منها، ما لم يكن مسلحا بالعدة المهنية والفكرية المناسبة .


وهي قصص ومآزق ومواقف سيجعل أبو علاء منها موضوعات لا تنضب لكتاباته وذكرياته المعروضة في كتبه الموضوعة أو المنشورة في بعض الصحف والمواقع الالكترونية. وهي تنطوي على مواقف عملية وصور شخصية، ومفارقات وتمثل، في مجموعها، ما يشبه قاعدة بيانات وبيوغرافية شخصية متحركة وحيّة. وإذا أضفنا إليها ما كتبه ويكتبه أبو علاء عن بعض زملائه الصحفيين الأوائل، والفنانين المعروفين مثل يوسف العاني وزينب وناهدة الرماح والشاعر بدر شاكر السياب وغيرهم من من الرجال والنساء الذين رافقهم أبو علاء أو شاهد أعمالهم وربطته بهم علاقات عمل وصداقة، تبين لنا مقدار ما في مدونته الشخصية هذه من غنى وحيوية.
لقد كان الالتزام الأخلاقي والإخلاص والبساطة والروح الإنسانية المتفهمة والمتسامحة، والدقة والتنظيم في العمل والأمانة في الطرح والتماس الحقيقة في أقرب مواردها القابلة للتطبيق في الوضع المعني، وبعدها بالقدر الممكن عن التعارض أو النبو، هي الميزات الشخصية الأساسية التي مكّنت أبا العلاء من الاستمرار وتجاوز المطبات والتناقضات التي كان الوضع السياسي العراقي، وما زال، حافلا بها.


وكانت نظافة اليد والخلق الرفيع والاستقامة الشخصية والبعد عن الانتماءات الحزبية الضيقة والزهد في الحياة والابتعاد عن الصغائر هي الضامن الأول للثقة بالرجل واستمرار العمل والعلاقة معه. إنه جزء من ذاكرتنا العراقية اليومية الحية في واحدة من أخطر مراحلها، وأكثرها ارتباكا وتناقضا .
وليس مثل أبي علاء من الصحفيين العراقيين أحد في قدرته وبراعته المهنية على صياغة (الخبر) الذي يتعلق بالسياسة والسياسيين وما يتصل بهما من أحداث ومواقف وتصريحات، بشكل خاص. فقد يكون الخبر الذي كان أبو علاء يتولى صياغته خلال عمله في وكالة الأنباء العراقية ووكالة نينا التي كان واحدا من مؤسسيها ومراقبي أخبارها، فخا يمسك بتلابيب ناقله أو كاتبه ما لم يعرف كيفية التعامل معه، أو يكون هذا الخبر في أقل تقدير عرضة للتأويل والتقولات، ما لم تجر صياغته بطريقة مهنية تتحوط لكل ما يمكن أن تجره هذه الصياغة من تبعات ومسؤوليات. وهي تبعات ومسؤوليات يعرفها العاملون في الوسط الإعلامي العراقي بصحفه وإذاعاته ومحطات تلفزيونه، ويتذكرون المشكلات والالتباسات الناتجة عن صياغة هذه الأخبار بطريقة خاطئة أو محرّفة بطريقة مقصودة وغير مقصودة، وما حدث لأصحابها في هذه الميادين المختلفة.


ولا بد أن يكون وراء كل هذا الانجاز سرٌ يستدعي تأمل شخصية صاحبه والتفكير به حين يكون الصحفي والمثقف صاحب الشأن قادرا ، هكذا، على النجاة بنفسه وتأكيد ذاته ومشروعية وجوده إنسانا وصحفيا، عابرا وسط عمله في هذا الزمن أو ذاك، لعهود طويلة من البؤس والنعيم التي توالت على العراق الحديث ، وشاهدا عدلا على كثير من وقائعها وفصولها الدراماتيكية، وغير محسوب على جهة دون اخرى أو متورط في الالتصاق حدّ الذوبان ببعض رجالها وظواهرها السياسية والفكرية العابرة التي أطاحت بالكثيرين من الصحفيين والعاملين في الوسط الإعلامي وسحقتهم، أو وقفت بينهم وبين إكمال مشاريعهم في الحياة وفي العمل وخدمة الوطن .


نعم ، نحن نكتب عن أبي علاء بكثير من الإعجاب والحب لأنه ليس لدينا في بلدنا الممتحن بالحروب والأحزاب والايديولوجيات المتناحرة والطائفية المقيتة صحفيون وإعلاميون كثيرون مثله، قادرون على التعامل مع الجميع على أساس من المعايير الإنسانية والخلقية الرفيعة والوطنية الأصيلة في عراقيتها وعراقتها وإحساسها بالمسؤولية في عرض الحقيقة وتقدير أصحابها، وإنزال الرجال الذين عرفهم وعمل معهم في رحلته الطويلة التي نيفت الآن على الستين عاما، منازلهم التي يستحقونها في حياتهم وبعد حياتهم . وليس مثل أبي علاء من يتفقد الأصدقاء والزملاء ، يحفظ لهم جميلهم وما نسوه أو تناسوه من ذكرياتهم وأعياد ميلادهم ، ويجدد عهد العلاقة معهم، مهما شاب علاقتهم به من ألوان المد والجزر أو الأخطاء التي يمكن القول إن أبا علاء لم يكن بادئا بها أو سببا فيها.
ومن المفارقات العجيبة أنني كنت قد كتبت هذه الكلمة قبل سنتين في لبنان عن أبي علاء حينما كان في كندا، وقد قلت فيها يومئذ (إن أبا علاء 
العابر في عمره الطويل، إن شاء الله، لأزمان وعهود طويلة، قد صار الآن عابرا لقارات بعيدة بعد أن طال مكوثه لدى ابنته الوحيدة في كندا . وهذه التغريدة هي نداء وطلب للعودة إلى معاهده ومضطربه القديم والجديد).
أما اليوم فقد تغير الوضع تماما ، وأصبح معكوسا، فأنا أكتب لصديقي أبي علاء من كندا، فيما هو في لبنان، ولا أخفي رغبتي في مجيئه إلى كندا ...! فأية أقدار هذه التي كتب علينا فيها نحن العراقيين في هذه المرحلة المتأخرة من أعمارنا أن نكون مقذوفين هكذا عبر القارات بعيدا عن أصدقائنا وأحبائنا!؟ وهل كتب علينا أن نلتقي عبر الكلمات والمشاعر المجردة وحدها ..؟

رحلة سيبويه إلى بغداد / د. ضياء خضير
أستاذنا الطاهر، علي جواد / أ د. ضياء خضير

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الإثنين، 19 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الجمعة، 01 شباط 2019
  1289 زيارة

اخر التعليقات

زائر - Ravindra Pratap Singh Tomar حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
18 نيسان 2021
أود أن أشكر شبكة الحرية المالية من أعماق روحي على التوجيهات القيمة منذ...
زائر - Anitha حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
16 نيسان 2021
اسمي Anitha من الولايات المتحدة الأمريكية! قبل ثلاث سنوات تم خداعي وفق...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...

مقالات ذات علاقة

يروي ما نقل لنا من تاريخنا, أن العرب وصلوا مرحلة من التراجع, الأخلاقي والإجتماعي, خلال فتر
4690 زيارة 0 تعليقات
يذهب البعض الى ان  مؤتمرات التقريب بين المذاهب الاسلامية هي مؤتمرات رتيبة تعبر عن الترف ال
5081 زيارة 0 تعليقات
اطفال يتلكمون الفصحى (ماتموتين احسن الك ) لايخفى للمتتبع للعالم الذي يحيط بنا ما للقنوات ا
4670 زيارة 0 تعليقات
فوجئنا خلال الأيام القليلة الماضية بخبر اندلاع النيران في مبني صندوق التأمين الاجتماعي لقط
4469 زيارة 0 تعليقات
من المفارقات العجيبة التي تحصل في العالم الإسلامي ان كل الفرق والطوائف الإسلامية تدعي التو
4653 زيارة 0 تعليقات
كانت وما تزال ام المؤمنين خديجة (عليها السلام ) من النساء القلائل التي شهد التاريخ لهن بال
4796 زيارة 0 تعليقات
استقبال العام الجديد بنفسية جيدة وبطاقة إيجابية امر مهم، والبعد قدر الإمكان عن نمط التفكير
5135 زيارة 0 تعليقات
عش كل يوم في حياتك وكأنه آخر أيامك، فأحد الأيام سيكون كذلك".   ما تقدم من كلام ي
4679 زيارة 0 تعليقات
عن طريق الصدفة- وللصدفة أثرها- عثرت على تغريدة في مواقع التواصل الاجتماعي، للسيد احمد حمد
5393 زيارة 0 تعليقات
دستوريا يجوز الغاء مجالس الاقضية والنواحي وتعيين قضاة في مجلس مفوضية الانتخابات وتقليص عدد
6236 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال