كتبتُ يوما ، ان ظاهرة الكاتب والناقد العراقي د. حسين سرمك ، ستبقى عصية على الدراسة ، والغوص في أعماقها ، فهي تتسارع في الإبداعات ، وغزارة في الانتاج ، وتفرد بالرؤى ، بحيث يصعب اللحاق بها ، او مسك ( بعض ) جوانبها .. كونها معجونة بالمرئي واللامرئي .. واظن انها في لاحق السنين ، ستكون مدارا لدراسات اكاديمية ، وعنوانا لمراكز ابحاث .. قد يتهمني البعض بأنني اكتب بعواطفي ، قبل قلمي .. ولهذا البعض ، ادعوهم ان يبحثوا في نتاجات الكاتب والناقد ، ثم يتحدثوا بضمير نقي عن د. حسين سرمك .. صدر له في النقد 32 كتابا ، تنوعت مضامينها على اتجاهات شتى ، ابحر في شاطئ المعرفة ، متكئا على اختصاصه في الطب النفسي ، وعلى قراءات معمقة تستند على فهم ذو طابع إنساني على الرغم من أنه يصدر من ذات مبدعة فردية ، فالكتاب عنده يجب أن يتجاوز في معالجته للقضايا كل الحدود والخصوصيات والإقليميات، ويهتم بالفرد الإنسان ، لا فردا بعينه ، فالملاحظة والخيال منهما يولد ما يسمى بالأبداع ، والدليل هو جعله التجربة البشرية تشمل: التجربة الشخصية والتجربة التاريخية والتجربة الأسطورية والتجربة الاجتماعية والتجربة الخيالية.. ، لذلك جاءت نقوده متنوعة ، ولم تقتصر على نمط واحد ، كما عند الاخرين ، انه ناقد شمولي ، وهذه احدى خصوصيات تفرده .. فعلى سبيل المثال انني قرأت له كتابا نقديا في العام 2000 ? اثار دهشتي ، لغرابة موضوعه .. كان عن التحليل النفسي للأمثال الشعبية العراقية ، وقبلها قرأت له كتابا نقديا على النقيض تماما ، من الكتاب الذي اشرت اليه ، موضوعه تضمن تحليلا نفسيا لملحمة كلكامش … وتختفي الغرابة من تضاد الموضوعين ، حين نجد البراعة في النقد الموضوعي في الكتابين ، عن كلا الحالين ! وفي جانب مؤلفاته العلمية ، التي بلغت حاليا تسعة كتب ، نلحظ استخدامه للمصطلحات العلمية الدقيقة الحديثة ، بلغة سلسة ودقيقة وواضحة، و إيجازها مركز ، ويبتعد عن التكرار ، مع حسن تنظيم المعلومات و الأفكار و الحقائق العلمية بصورة منطقية تناسب المنهج المستخدم ، و العناية بالبرهنة ، و التماسك ، والتأكيد على التسلسل و التناسق بين أجزاء الكتاب مع البعد عن الحشو ، و التناقض… ويمكن لقارئ كتب د. سرمك ، العلمية ، ان يكتشف حقيقة الحياة بمؤثرات متغيراتها و ضروريات معيشتها المتفاعلة مع مكونات النفس البشرية ، في تدافع وظائفها الحسية و المعنوية و العضوية ، بين الروح و العقل و الجسد ، ما يسهم في إحياء الضمير الإنساني الملهم للقيم الأخلاقية في ضمير الإنسان ، وحين انتهيت من قراءة كتابه الانساني القيم ( المشكلات النفسية لأسرى الحرب وعوائلهم ) الصادر في القاهرة سنة 1991 تفاعلت عندي نوازع انسانية ونفسية شتى ، بقيت عالقة في ذهني الى الان ، فجراح الاسر التي لا تُرى ولا تُسمع ولا تُعرف، تبقى راسخة في الوجدان العائلي مدى الحياة ! اما في سياحته الفكرية ، فقد الف د. سرمك ، ثمانية كتب ، خمسة منها ، كانت بعنوان ( موسوعة جرائم الولايات المتحدة الامريكية ) تحدثت بإسهاب عن الفكر الامريكي ، وعلاقته بجرائم الحروب .. كان بحق من اهم الكتب التي تناولت العقلية الامريكية ، بروية فكرية ، شاسعة المدى .. , ومع كل هذا النشاط ، احتفل الناقد سرمك ، قبل ايام ، بالذكرى العاشرة ، لانطلاق موقعه الالكتروني الرائد ( الناقد العراقي ) ففي هذا الموقع تتجادل الأفكار في محيطها الواسع وتسمح لمتلقيها أخذ المفيد منها وترك الغث ، والابتعاد عنه ضمن طروحات بعيدة عن التعصب، نائية عن ضيق الأفق المريض، ويسعي الموقع لأن يكون شاهدا وتسجيلا لتأريخ فن نقدي عراقي جديد. ويحاول أن يبين أن الناقد الواعي هو الجسر الذي تنعقد عليه تجربة أدب مقارن، مغن للأدب والأدباء وأنه البؤرة التي تتلاقي عندها أشعة الأدباء من كل طرف لتضيء كل منها بنور جديد، خصوصا بعد تزايد الأصوات التي تؤكد أن حالة النقد في العراق حاليا، ضعيفة بل هي في اشد حالات الضعف وإننا لم نجد نقادا مؤثرين ولم نجد كتابا مؤثرين، على قاعدة “إن ضعف النقد يجيء من ضعف الأدب”! واخيرا، اقول لمناسبة ، صدور كتابه الـ 49 تحت عنوان ( من اغتال أميرة القلوب : ديانا ) الذي قدم له ا.د. احمد عبد المجيد، ان الرؤى النقدية ، عند د. حسين سرمك ، تعتبر واحدة من واحات التأثير المنطقي في ادبنا الحالي ، فالعدالة فيها من أبرز الصفات، وهي بعيدة عن التعصُّب والتحيُّز والمُجاملة، والجميع يدرك ان حكم د. سرمك على الأعمال الأدبية هي بدافع الارتقاء بالعمل الأدبي بعيدًا عن العاطفة.