ترددتُ كثيرا ، في طرح ما ستقرأونه، فالوضع العام الذي فرض سطوته على العالم برمته ، واعني به فايروس (كورونا) الذي يتنقل منذ مدة ، ولا زال ، عبر القارات ، دون استئذان ، لا يسمح بنقد ظاهرة ، رافقته هنا ، او حالة لازمته هناك .. لكني مع ذلك ، عزمتُ على الجهر بما اعتمل بيّ من خلال متابعتي لبعض اجهزة الإعلام لاسيما الفضائيات العراقية ، على كثرتها !
فعلى مدى الايام المنصرمة ، رصدتُ عشرات من الذين ضيفتهم تلك الفضائيات ، يلوكون ذات العبارات التي يسمعونها من بعضهم بعضا، ناشرين جملاً محددة ، واقوالاً مسموعة ، حتى بات المشاهد ، لا يعير اهمية لما يسمع، وما يزيد من الاستغراب ان بعض من يتصدون لهذا الفايروس الغامض ، نجد من يطلق عليهم (خبراء الاعشاب) او من رواد (الطب البديل) وبعضهم من اختصاصات مجهولة النسب مثل ( اخصائية في الغذاء الصحي) واخرى في (العلاج عن بعد) وباختصار اقول ، ان عدد الذين تحدثوا في فايروس كورونا ، في فضائياتنا زاد عن عدد المتحدثين في الصين!
ان الكثير ممن ضيفتهم الفضائيات ، تحدثوا بأصوات عالية مرتجفة ، خائفة ، فيما يؤكد علماء النفس إلى أن علو الصوت يدل على بطلان حُجة صاحبه , وأن الصوت الهادئ المعتدل يدل على ثراء المعلومة وصدق صاحبه ، وقوة حجته , وثقته بنفسه .. وان المتكلم الذى يتسم بالهدوء ويعبر عن الثقة بالنفس والتحكم في العبارات ، البسيطة ، المفهومة شعبيا ، ووضوح النبرات ومرونة الأداء ودقة المعاني هو الاكثر تأثيرا , لذلك نجد ان المشاهدين يقبلون عليه ويصغون له .. وهذا ما نبحث عنه في هذه المحنة الصحية ، او في غيرها من الازمات.
لقد اتخذت الصين ، وهي الدولة العظمى ، حين انتشر فيها فايروس (كورونا) لأول مرة ، قرارا ، ان ينحصر الحديث في تلفزيونها الرسمي بموضوع الفايروس ، وسبل الوقاية منه بست شخصيات فقط ، وهم من اساتذة الطب في الجامعات الصينية ، هم وحدهم يتحدثون الى المواطنين بلغة بسيطة ، عن أخطار الفايروس والاحتياطات اللازمة بشأنه ، وقد اثمرت جهود هؤلاء في الاعلام الصيني ، وادت الى اتساع رقعة تفهم خطورة هذا الفايروس ، وطرق الوقاية منه ، وباتت توصياتهم محط الاهتمام الشعبي ، حتى ان الصين التي تعتبر بؤرة الوباء ، اصبحت على مسافة قريبة من الاعلان عن تجاوزه نهائياّ !
الذي آمله من الاخوة الافاضل في الفضائيات العراقية ، ان يدققوا في اختصاصات ضيوفهم ، قبل ان يطلقوا العنان لهم، في توصيفات غير حقيقية.. وان يتركوا الصداقات والمحسوبية ، عند تضييفهم لشخصيات معينة ، تبحث عن وجاهة او شهرة ، وتجعلهم يخوضون في موضوع شائك ، مثل اخطار ( كورونا ) .. فالأمر اكبر منهم ..وان المواطن أمانة في أعناقهم ، كما ارجو من ( خلية الازمة ) المسؤولة عن ادارة مخاطر هذا الفايروس ، ان تبادر بتكليف صفوة من المختصين بهذا النوع من الفايروس ، مهمتها ، الحديث عنه وسبل مقاومته ، وان يكون هذا الحديث معتمدا في كل الفضائيات ، وبذلك نبتعد عن الاجتهادات التي تضر ولا تنفع.