مسلسل الفندق وتبخر الذوق العام ... لا أعلم من أين ابدأ الحديث عن مسلسل الفندق للسيناريست الكبير حامد المالكي الذي يخاطب الواقع بفكرته العبقرية الغير مطروحة سابقا . ولعل خير بداية القول إنه دراما جميلة من نوعها وفريدة وذات رسالة توعية لمجتمعنا . ولا يهمني ما اثير حوله من انتقادات سلبيةبقدر ما يهمني أن اذكر إنه عمل درامي رائع جسد أدواره فنانين كبار منحو المسلسل نكهة رائعة .وإنه عمل واقعي ابتعد عن المثاليات المصطنعة بالعراق واظهر حقيقة الواقع المزري للبلد وما تحت السواهي دواهي . وقد تباينت الاراء حوله واتجه الكثير للقول انه مسلسل خادش للحياء . وكان من الأحرى أن لا يطلقوا عليه الاحكام القاسية قبل مشاهدته , لأنه مسلسل واقعي جسد واقع المجتمع بكل جرأة , ولكن هنالك للأسف بعض الصفحات حاولت وبكل الوسائل تسقيطه منذ الحلقات الاولى كي تذهب الجهود سدى ولا يتابعه أحد , ولكنه نجح إلى حد ما في لفت الانتباه رغم كل ما حدث حوله من جدل ولغط كبير . والدليل على نجاحه إن أغلب الذين انتقدوه اعترفوا فيما بعد ان المسلسل كان عمل درامي متكامل ومميز بكل عناصر النجاح سيناريو وإخراج .  

لذلك أوجه كلامي إلى دعاة الثقافة وأصحاب الحجة الدامغة وأقول لهم لا تتعبوا أنفسكم كثيرا وأريحوا عقولكم التي لا تهدأ ولا تصدأ وهي تبحث عن الهفوات في المسلسل . أريحوها قليلا فالكثير بعد الإطلاع عليه أصبح يعلم إن مسلسل الفندق هو رسالة موجهة للدولة العراقية . ومن خلاله تم تسليط الضوء على الظواهر السلبية التي انتشرت برؤية فنية تخاطب فئات من المجتمع وخصوصاً الشباب.على الرغم من انه مسلسل فكرته بسيطة تدور أحداثه في فندق يملكه روائي يقوم بتسجيل ورصد حياة ضيوفه وهم يصارعون ضد العنف او يقعون في الحب , لكنه مسلسل تميز بالجرأة بالطرح أبدع فيه الكاتب حامد المالكي وأستطاع كسر الاعادة أو الروتين الذي يسيطر على الدراما العراقيه . حتى إن نهاية المسلسل كانت مفاجئة غير مسبوقة ، (ابتعدت) عن الروتين والنهايات السعيدة وانتصار الحق على الباطل والخ ... وما جاء في مضمون احدى الحلقات انه القصة من خيال كريم نعمان ( الفنان محمود ابو العباس ) كان لها معنى عميق عند تفسير الحلقة الاخيرة من جانب فني ادبي مع وجود الوعي . حيث النهاية الوهمية والحقيقية في نفس الوقت . تجعل المتلقي ينتفض بفكره ويسأل ايضا ان كان يعيش وهما ام خيال ام واقع .

ومن الجدير ذكره إن مسلسل الفندق كانت فكرته عبقرية للكاتب حامد المالكي الذي جعلنا نعيش مع جميع الشخصيات بتفاصيلهم وآلامهم . وفي النهاية يتضح لنا ان تلك الشخصيات هي من نسج خياله . لتكون بذلك نهاية عظمى كنهاية روائع الروايات العالمية المليئة بالألغاز . ورغم إن النهاية غير متوقعة لكن اتضحت الغاية من مسلسل الفندق وهي طرح الواقع بطريقة تلامس مشاعر المتلقي . وقد تباينت الآراء حوله والبعض اعتبره إنه يركز على الدعارة وتجارة المخدرات . والبعض قال : ان المسلسل تناول مواضيع حساسة مثل عمليات الاتجار بالبشر ولمحو ورائها سياسيون فاسدون . وفي هذا جرأة حقيقية للسيناريست حامد المالكي الذي تعرض مؤخرا لهجمة شرسة .. والبعض ذهب ليقول إن نص المسلسل مأخوذ من فلم جزيرة شاتر لبطل الفلم ليناردو ديكابريو .جزيرة شاتر فيلم إثارة نفسية أمريكي صدر عام 2010 من إخراج مارتن سكورسيزي .كما اتهم المسلسل بأنه مأخوذ عن رواية بنفس العنوان للكاتبة دينيس ليهان.وليس هذا فقط بل ظهر أكثر من شخص يدعي إن النص يعود له .

أعتقد إننا نعيش في عصر الفوضى ونحن نتساءل لماذا تبخر الذوق العام ؟ من نفوس الكثير من الناس وكأنهم جاءوا وخلقوا للسخرية وينسون إن الله يراهم . وهم يدعون إنهم ابناء الكتب والثقافة والعلم .وهم أبناء الكتب هؤلاء كطفل الانابيب لا تعرف له علما ولا ثقافة ولا تربية ولا تهذيب .

 .  

حامد المالكي

في رأيي المتواضع إن السيناريست حامد المالكي يعتمد في أغلب كتاباته على المنهج الأرسطي التقليدي في صراع البناء الدرامي المتصاعد .بالإضافة إلى الولوج إلى عوالم ساحرة عصية على الفهم المتكامل . وليس ذنب الكاتب الذي حاول نقل صورة الواقع كما هو وتسليط الضوء عليه من كافة الجوانب. لكي يفسر مسلسله انه خادش للحياء ويشجع على الرذيلة والفسق والفساد لأنه كان عصي على الفهم . و لربما هنالك بعض الأدمغة المتحجرة التي تحتاج للتوعية اكثر ولا ينفع معها إلا هذا الاسلوب الخطابي . كما شاهدنا في المسلسل الذي يخاطب تجار المخدرات ومراكز المساج المشبوهة .

أعتقد لكل كاتب له اسلوبه في ايصال فكرته وهدفه وغايته المنشودة . وما يفعله حامد المالكي مربي الاجيال هو تهذيب سلوكهم ومخاطبة ضميرهم لا تشويه أفكار المجتمع كما يدعي البعض وتعرية الحقائق وفضح السلبيات . لأنه بطرحه ل هكذا مسلسل الذي يعتبر نقلة نوعية في الدراما العراقية هو كسر لقوالب التقليد بأفكار مبتكرة ومختلفة عن السائد . ومن الظلم اتهام المسلسل بأنه يقع في فخ التطويل كما أدعى بعض النقاد الذين قالوا : المسلسل كأنه رواية ويجب الالتزام بأجوائها من حيث الايقاع والحوار والتأملات والأبطال . وفي الحقيقة لم يكن المسلسل كرواية لأنه يصور الجانب الخفي والقاتم لبغداد. وينبش في عوام المخدرات و البغاء والاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء . وتدور الاحداث فيه ويكتشف الصحفي في المسلسل انتشار عصابات تسوّل ودعارة وبيع مخدرات داخل الفندق . كما يتفطن الى وجود جرائم انتحار وقتل داخل نفس المكان. ويحاول الصحفي سبر أغوار مافيا متشعبة ونافذة تدمر الأرواح والأجساد والعقول . ولأن هذا العام شهد عودة الحياة للدراما العراقية بعد توقفها لما يقارب من خمس سنوات وأكثر فقد ظهر جدال كبير وصل إلى القضاء. وأيام مضت ومواقع التواصل الاجتماعي انشغلت في خبر سرقة المسلسل ، والمالكي لم يعلق على الموضوع إلا بعد أيام حيث أعلن هو أيضًا عبر حسابه الشخصي عن إقامة دعوى قضائية ضد بعض المدعين . وبينما أعتبر البعض أن هنالك حلقة مفقودة بين النقل من نص أدبي إلى دراما تلفزيونية . لهؤلاء أقول لهم دعوا الدراما التلفزيونية تعود إلى ينابيعها الصافية . وارحمونا يا دعاة الثقافة . أين أنتم ؟ لماذا لم تلفت القنوات التلفزيونية لكم . وما الغرض من مهاجمة كاتب كبير قدم على مدار سنوات دراما تلفزيونية تشويقية. وأبهرنا بمسلسل السيدة وأبو طبر وسارة خاتون وفوبيا بغداد والقائمة تطول …

وإن مهنة صناعة مسلسل درامي ليست بالسهلة كما تضنون .أقول لكم يا أصحاب الحجة الدامغة أتركوا المهنة لأصحابها .واتجهوا للسينما أو التلفزيون وستقابلون بالرفض عندها ستعرفون قيمتكم الحقيقية . لأنكم تعيشون على النقد ليصبح لكم اسم معروف وتكسبون قراء لكم . وانتشرتم عبر جيوش الكترونية عبر منصات التواصل الاجتماعي في محاولة لتسقيط الكاتب حامد المالكي . وبداخلكم تتمنون لو تحققون ربع ما حققه المالكي الذي صنع مجده بذكائه لأنه يركز الكتابة للدراما وبالأخص العراقية .فهو يعلم جيدا الكتابة للسينما وبالذات في العالم العربي قد تجلب من 15 الف دولار إلى 25 دولار , ولكن بعد ذلك الكاتب قد يجد نفسه عاطل عن العمل من سنتين الى ثلاثة . وهذا يعني أنه من الأفضل الاتجاه للدراما التلفزيونية و لاداعي ابدا القول ان حامد المالكي لا يستطيع أن يكتب فلما سينمائيا . اذا كان الأمر هكذا كما تقولون يا اصحاب الحجة الدامغة فهذا يعني أنه بارع بالمسلسلات وهذا ينافي أقوالكم أنه فشل في موسم رمضان وتحديدا بمسلسل الفندق . وهذا التناقض في كلامكم يتوج السيناريست على عرش الدراما لأنه كاتب متجدد وعبقري ولا يكرر نفسه في النصوص والأفكار . حتى لو كانت حالات اجتماعية وسايكولوجية وعبارة عن هوس مجاني ولا تحمل أي طابع كوميدي . لذلك تمهلوا ايها النقاد في نقدكم لأنه يجب أن يكون ابداعا جديدا لفكرة المؤلف وخصوصا أنا لا أؤمن بقدرة الانسان على الموضوعية والتجرد , لأن أي شيء يخرج من الكاتب إنما هو نتيجة ثقافته وقناعته وأفكاره وحكمه هو حتى تجرده .

وحبذا لو يكون نقدكم بناء ذلك النقد الجمالي الذي يضيف لمسة جمالية على الطرح الموضوعي . ولا تنسوا إن النقد لأي عمل مكتوب يجب أن يكون على مهل لمعرفة هل نجح الكاتب في إيصال فكرته ؟ ولكن النقاد لا يلتفتون إلى هذا ويتركون كل ذلك ويتجهون فطريا إلى السلبيات والسقطات والهفوات ، وهذا في تصوري إن الناقد بهذه الطريقة جعل ثغرة نفذ من ِخلالها من أجل التطاول على الكاتب وازدراء فكرته وهذا ما يجب أن لا يحدث. لذلك تمهلوا ودعوا المهنة لأصحابها والله من وراء القصد .