الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

3 دقيقة وقت القراءة ( 619 كلمة )

قصة : الشهود! / محمد فلحي

صوت المطرب الشاب يتردد، عبر مذياع الحافلة المزدحمة :( أنا مش كافر لكن الجوع كافر))..حشد من البشر، محشورون في علبة صفيح، في صيف آب اللهّاب،الحافلة تهتز، السائق يتلوى، الركاب يتخدرون برائحة العرق والدخان والغبار، ويستنشقون عفونة القمامة التي تراكمت على الطرق،واختلطت مع بقايا الأجساد والدماء البشرية الممزقة.. كل هؤلاء الركاب، وأنا من بينهم، يعرفون الموت، منذ طفولتهم،وقد ربطتهم معه صداقة قسرية (( ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى.. عدّوا له ما من صداقته بدُّ ))..يعرفونه من خلال الحروب الخاسرة،والسجون المظلمة،والتجويع المنظم.. السائق يدعو الركاب لدفع الأجرة، ثم يطلق سيلا من الشتائم والزفرات والبصاق الموجه إلى هدف مجهول، ربما يكون أحد السواقين الطائشين قد استفزه بحركة غير متوقعة.. الأجرة..الأجرة..هذه هي مشكلتي اليومية في رحلتي بين دائرتي في وسط المدينة ومسكني في الضاحية الفقيرة..اليوم تدبرت المبلغ من جاري البقال،الذي يماطل في تسليفي، لكنه يوافق أخيرا عندما أخبره أنني سوف أسدد ديونه المتراكمة عليّ،عندما أبيع بضاعتي في السوق.. لم يسألني مطلقا عن نوع هذه البضاعة.. وكان يكتفي بنظرات حائرة إلى الحقيبة الثقيلة التي لا تفارقني!
دفعت المبلغ إلى الصبي الذي يجمع الأجرة، شعرت بارتياح، حيث تخلصت من كابوس ثقيل،رحت أمسح الحقيبة الجلدية التي تنام فوق ركبتي، في حين كنت أتجاهل نظرات بعض الركاب، الذين ربما كانوا يتخيلون محتويات حقيبتي ..ولمَ لا يتوهمون، ما دام الحرمان يدفع البشر إلى تخيل أشياء غريبة..ورقة صفراء على الرصيف قد تبدو رغيف خبز حار..حذاء عتيق ممزق يكاد يتحول، في المخيلة، إلى قطعة من اللحم المشوي..خرقة من القماش تدفعها الريح يمكن تصورها فستان سهرة أنيق على جسد أنثوي ..وعلى ذلك،فإن هذه الحقيبة لا بد أن تكون فيها ثروة..ضحكت..تهامس الركاب: مجنون!
أضاف أحدهم:ويحمل كل هذه النقود؟!
قال آخر:هزلت والله!
لم تشغلني النظرات والهمسات والتعليقات،غرقت في حلم لذيذ..سوف أبيع البضاعة، ولكن ماذا سأفعل بالنقود؟..رائحة الكباب تنبعث من مطعم على الطريق..سأتناول وجبة من الكباب إذاً..وأطلب كمية أخرى ( سفري) لعائلتي..ملابسي العتيقة سوف أرميها في القمامة، بعد أن أشتري قميصاً وسروالاً جديدين..أما الحذاء الضيق اللعين ذو الرائحة الكريهة فسوف أرميه في النهر، عندما ألبس حذاءا لماعاً مريحاً،وأعبر فوق الجسر ماشيا بين جانبي المدينة.
صحوت فجأة على زعيق السائق الذي يدعوني للنزول بسرعة، فقد وصلت الحافلة إلى المحطة الأخيرة، وسط المدينة، وقد غادرها الركاب وتفرقوا بين الزحام..وجدت نفسي واقفا على رصيف المحطة، حقيبتي الثقيلة في يدي، تسحبني نحو الأرض،في حين أحاول رفعها بصعوبة..تدحرجت، مع الحقيبة، نحو شارع المتنبي..كانت الكتب والمجلات متناثرة على الأرصفة..البائعون يصرخون..الزبائن يمرون بأنظارهم على الأغلفة أو يتصفحون المطبوعات، ثم يمضون ولا يشترون..اتخذت لنفسي مكاناً قصيّاً على الرصيف .. وقفت.. تراكض الصبية نحوي يعرضون المجلات القديمة ويتوسلون لكي أشتري.. تجاهلتهم تماماً، ورحت أفتح الحقيبة وأنثر الكتب على الرصيف، وسط دهشة الصغار والكبار..بائع جديد ينضم إلى سوق الكتب .. بضاعة جديدة.. ولكن من يشتري؟..رجل كهل تقدم، ليتفحص بعض الكتب، ثم اختفى، دون أن ينطق بكلمة!.. رأيت الباعة ينادون ويصرخون، قلت: لماذا لا أنخرط في اللعبة مثلهم؟..صرخت: كتب مفيدة .. كتب جديدة..سياسية ودينية وأدبية.. روايات ودواوين شعر.. المعلقات ..نهج البلاغة.. فلسفتنا..الشيخ والبحر.. الجريمة والعقاب..بين القصرين ..أرخص الأسعار..ادفع ولا تحتار!
لم يتوقف أو يلتفت أحد لتلبية النداء..آه من ذلك النداء!..أطنان من الكتب والكذب لا يمكن أن تحجب الحقيقة المريرة!
هذه الكتب تحتوي عمراً كاملاً..كنت أقتطع من مصروفي اليومي لأشتري كتاباً أو مجلة بدلاً من لفة الفلافل أو قنينة البارد..عشت بين الكلمات..ترعرعت بين المؤلفين..حلقت معهم في أحلامهم وآلامهم..تجرعت سخرية الجهلاء..وتحملت الكثير من المرارة والعذاب..أمسكت القلم، ذات يوم، وكتبت..لم أجد صعوبة في الكتابة..كانت مهنة لذيذة وساحرة.. تمتص رحيق العمر، ولا تمنحك سوى شيئاً من الشهرة، وكثيرا من القلق والسهر.. في حين يحصد الآخرون ثمرات الدنيا..المال والبنون والملذات.
دوي انفجار هائل في أذني..صفعة قوية..ترنحت وسقطت على وجهي..الأذرع المفتولة حملتني بخفة عجيبة، ورمتني في صندوق سيارة..ضجيج الشارع ..ضحكات الخاطفين..دهاليز الظلام.. صرخات التعذيب..أسئلة المحققين..التهمة: المتاجرة بالكتب الممنوعة..الجريمة: تهديد الأمن العام.. العقاب:رحلة إلى المجهول.
في المحكمة..القاضي هو الجلاد .. ليس هناك محام..الكتب مرمية على الطاولة..والشهود هم الجواهري والبياتي والماغوط والصدر وهمنغواي ودستوفسكي وماركيز وغيرهم كثيرون!..
فهل يستطيع أحد أن يشك في أن هؤلاء من أعدل الشهود؟!
( انتهت)

أنقلاب الميليشيات على الشرعية / حيدر الصراف
سياسيو الخط الثاني وتداعيات العملية السياسية / د.

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الخميس، 25 شباط 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  الثلاثاء، 07 نيسان 2020
  694 زيارة

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...

مقالات ذات علاقة

يومَ كان طفلاًكان الفراتُشقياًيتمرّن على القفزِبين التلالليس بالوَلدِ العاقّـ كما يُزعَمُ
5088 زيارة 0 تعليقات
وجعْ وطن/أليك حبيبي ... ودعني أصلي .!! نحن جيلٌ خارجٌ من رحم الحروب ، مثقلون بمسؤولية أخلا
5208 زيارة 0 تعليقات
لم أعر اهمية الى تجنيس نصوص كتاب "الرقص مع العجوز" لعمار النجار من اليمن، قدر اهتمامي بسمة
830 زيارة 0 تعليقات
صحراءٌ مقفرةٌ كانتْ...لا خُضرةَ فيها أو ماءهاجرها الغيثُ ولم يبقَ...يُسعفها غير الإغماءعلّ
2989 زيارة 0 تعليقات
ليس هنالك أي اختلاف في تعريف المثقف بين أهل اللغة، إلا ما جاء فيما نسبه مجمع اللغة العربية
1899 زيارة 0 تعليقات
مقابلة ميشيل فوكو مع جيل دولوز   " ما اكتشفه المثقفون منذ الحملة الأخيرة هو أن الجماه
623 زيارة 0 تعليقات
مقداد مسعود/ 1954 شاعر وناقد عراقي معروف ومشهور يحمل رقماً ثراً متلئلئاً وساطعاً في أرشفة
4432 زيارة 0 تعليقات
(حوار مع الروح)، هو الوليد الثاني ، وهي المجموعة الشعرية التي واظبت الإعلامية المتألقة هند
443 زيارة 0 تعليقات
"رواية " كم أكره القرن العشرين"للروائي عبدالكريم العبيدي/والصرخة المكبوتة" لزمن العتمة وأس
2488 زيارة 0 تعليقات
مجموعة "قافلة العطش" مجموعة قصصية للدكتورة سناء كامل الشعلان ، صدرت في العام 2006 عن مؤسسة
884 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال