الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

7 دقيقة وقت القراءة ( 1498 كلمة )

بشر تحت الحظر! / د. طه جزاع

سألني صديق عزيز : كيف حالك في أيام الحظر , هل تشعر بالضجر والملل ، وماذا تعمل في هذه الأيام ، وأنت محاصر بين جدران البيت ؟ . والحق يقال أن تجربة بمثل هذا الحظر القاسي الذي عطَّل الحياة ، وغيَّر عاداتها ، وكسر روتينها اليومي المعتاد ، ليست تجربة سهلة لمن إعتاد الدوام الرسمي ، أو اعتاد الخروج من البيت ، سعياً وراء رزقه اليومي ، أو طلباً للترويح عن نفسه ، أو التفنن بقتل الوقت بما ينفع ، أو لا ينفع !

لذلك فإن الجواب ، لابد أن يكون مختلفاً ، وأحياناً متناقضاً تماماً ، بين إنسان وآخر ، كلٌ بحسب ظرفه وعمله ، وكلٌ بحسب صلابته النفسية ، أو فلسفته ، أو مزاجه ، وأحياناً كلٌ بحسب عُدَّتهُ من الهوايات والعادات والانشغالات التي قد تجعل من أيام الحظر أيام ممتعة ، ومفيدة ، ومنتجة ، لا يتسلل إليها الضجر ، ولا الملل ، ولا ينغصها شيء ، باستثناء الحنين للقاء الأحبة والأصدقاء ، بعد أن حلَّ مفهوم التباعد الاجتماعي ، بدلاً من اللقاء والتواصل والتواعد ، وأصبح عالم الكورونا مختلفاً عما سبقه ، بل أن هناك من الباحثين والمفكرين المرموقين من بَشَّرنا بأن عالم ما بعد الكورونا سيكون أقل انفتاحاً ، أقل حرية ، أكثر فقراً !

تجربتي الشخصية تحت الحظر ، قد لا تكون مثالية ، ولا مُلهِمة ، وهي ليست إنموذجاً يُحتذى ، إنما هي مجرد تجربة شخصية جداً ، ولا تعني أحداً غيري ، لولا الطلب المُلح من الأستاذ الدكتور أحمد عبد المجيد رئيس تحرير جريدة الزمان لتدوينها ، ذلك أني أعتدتُ فرض الحظر على نفسي ، ولا أقول العزلة ، منذ أن أخترتُ التقاعد الوظيفي قبل بلوغ السن القانونية بأربع سنوات

د. طه جزاع

وتفرغتُ للسفر والتأمل والقراءة والكتابة ، ولما لم يَعُد السفر ممكناً في العصر الأقل حرية ، والأقل انفتاحاً ، والأكثر فقراً ، فقد كان الحظر فرصة ممتازة لأعيد ترتيب الكتب المُبعثرة ، أو المُرتَّبة بلا ترتيب ، محاولاً أن أضع بين يديَّ ما أشتهي قراءته من كتب أو روايات مكدسة تنتظر دورها في القراءة ، وأخرى قرأتها منذ سنوات ، فوددتُ اعادة قراءتها من جديد ، برؤية جديدة ، ووعي جديد ، ومتعة جديدة ، هذا فضلاً عن محاولة بث الروح بمشاريع كتابية كنتُ قد خزنتها في الحاسبة الشخصية كوديعة إلى أن يحين وقت بعثها ، أو دفنها إلى الأبد !

غير أن الأمر لم يمضِ بمثل هذه السهولة ، فبعد يومين من الحظر وصلني عبر التراسل الإلكتروني طلب من صديق مِعماري بارز في العِمارة البغدادية ، لأكتب له مقدمةً لكتاب مذكراته الذي يحكي يومياته ، منذ أن كان طالباً في انكلترا ، وعنصراً بارزاً في قيادة الحركة الطلابية اليسارية ، حتى عودته إلى بغداد ، ثم تكليفه بمشروع القرى النموذجية في مناطق الأهوار ، وعدد من المشاريع الأخرى ، وبالطبع لم أجد نفسي إلا مستجيباً لرغبة هذا الصديق العزيز بشرط أن أطلع على الكتاب كاملاً من أجل مراجعته أولاً ، ولكي أتمكن من كتابة مقدمة تستوعب أحداثه الكثيرة التي تتضمن أموراً مهمة ومثيرة ، وتصحح معلومات تاريخية حول بعض شخصيات اليسار العراقي ، ودورها فيما سمي بثورة الأهوار منتصف الستينيات من القرن الماضي - وهي الثورة التي أخذت صفحات طويلة من رواية أثارت ضجة في وقتها للأديب السوري حيدر حيدر ، ظهرت بداية الثمانينيات تحت عنوان " وليمة لأعشاب البحر .. نشيد الموت " - وكانت المذكرات مثلما توقعتها ممتعة بأحداثها ومفارقاتها ، وغنية بالمعلومات عن الأهوار ، ورجال الأهوار ، وعادات أهلها الاجتماعية ، ومضايفها ، وطبيعتها ، وأغانيها ، وأسماكها ، وطيورها ، وغير ذلك من أمور تفصيلية كتبها الصديق المِعماري بلغته المبسطة ، بهدف أن يكون الكتاب تتويجاً لمسيرته الطويلة في الهندسة المعمارية ، والعمل الطلابي والمهني والسياسي . غير أن التفرغ لكتاب صديقي المِعماري ، تطلب مني أن أنقطع عن مواصلة قراءة رواية تاريخية عن " الحروب الصليبية كما رآها العرب " للكاتب والروائي اللبناني أمين معلوف الذي كرمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوسام الاستحقاق الوطني نهاية شباط الماضي ، تقديراً لإنجازاته الأدبية ، وكنتُ قد أنهيت قراءة القسم الأول من هذه الرواية – التاريخية الزاخرة بالحوادث المأساوية التي شهدتها تلك الحروب في أوج اشتدادها على بلاد الشام ، وأجَّلت مواصلة قراءة بقية الأقسام إلى ما بعد الانتهاء من عملي في كتاب صديقي ، ومن حسن الحظ أنني ، وقبل هذا العمل ، كنتُ قد أنهيت تواً اعادة قراءة رواية معلوف الشهيرة " ليون الأفريقي " بكتبها الأربعة ، كتاب غرناطة ، وكتاب فاس ، وكتاب القاهرة ، وكتاب رومة ، وبُهرتُ مجدداً - بعد سنين طوال من قراءتي الأولى لها - بأحداثها الغريبة التي تلت سقوط غرناطة ، وهجرة أهلها إلى المغرب هرباً من قسوة القشتاليين الإسبان ، وما شاهده وعاشه الغرناطي حسن بن محمد الوزّان " ليون الأفريقي " من حوادث وأهوال ومصادفات شخصية وعامة ، في غرناطة وفاس والقاهرة ورومة ، لتكون هذه الرواية واحدة من أروع روايات أدب الرِحلات ، فضلاً عن كونها رواية تاريخية في غاية الأهمية والإثارة .

أما ذلك الصديق صاحب القلم الجميل ، بلغته الغنية ، واسلوبه المتين ، ومفرداته البليغة ، فبين يديه كتاب جاهز منذ سنوات ، يتضمن انطباعاته عن شخصيات عراقية وعربية مهمة في الأدب والصحافة والفلسفة والفقه والفكر الإسلامي ، لكنه يتكاسل عن جمع مقالاته - التي نشر أغلبها في الصحف منذ سنين – وعن اعدادها وتوضيبها وتنسيقها لكي تنشر في كتاب ، وكلما حثثته على انجازه واصداره ، فإنه يتراجع في اللحظات الأخيرة ، غير أنه أعلمني قبل أيام ، أن الحظر سيضطره للتفرغ من أجل انجاز كتابه الموعود ، راجياً مني مراجعة تلك المقالات قبل صدور الكتاب ، وبالتأكيد سررتُ بذلك ، وأبديتُ استعدادي الكامل لهذا العمل ، ومضت على ذلك أيام ، ولم يصلني منه شيء ، ولم أستغرب ذلك ، فقد عملها سابقاً مرات كثيرة ، وسيمضي عصر الكورونا ، ولن يصلني منه شيء ، ليبقى كتابه حبيس حاسبته الشخصية وأوراقه المبعثرة ، بانتظار عصر ما بعد الكورونا !

أحياناً ، وأنت منهمكٌ في قراءة كتاب أو رواية ، يحدث ما يجعلك تركن القراءة جانباً ، لتواكب حدثاً طارئاً ، هذا الأمر كان عاملاً مضافاً لطلبات الأصدقاء الذين تفتقت قرائحهم في مدة الحظر ، ليجعلني أقطع قراءة الحروب الصليبية وأركنها جانباً ، ذلك هو وفاة المِعماري البغدادي رفعة الجادرجي ، فقد حدث أن نشر أحد الأصدقاء منشوراً في الفيسبوك عن الراحل ، تضمن معلومة غير دقيقة حول دخوله السجن ، ولما كنتُ أنا وهذا الصديق نتحدث يومياً عبر الواتساب ضمن مجموعة محددة من الاصدقاء " كروب " ، فقد طلبت منه تصحيح المعلومة ، - فليس من طباعي أن أصحح منشوراً على العام – وتدخل أعضاء الكروب في النقاش وتقديم المعلومات ، وهذا ما ذكرني بكتاب كنتُ قد قرأته منذ سنتين ، فعدتُ لأبحث عنه في مكتبتي ، ووجدتُ نفسي بعد ساعة منكباً على قراءة كتاب بلقيس شرارة ، عقيلة المعماري الراحل " هكذا مرت الأيام " الصادر سنة 2015 وكانت حين انتهت من كتابة مذكراتها هذه في الثمانين من عمرها ، تقول بلقيس بنبرة حزينة " مرت السنون بعجلتها التي سحقت بدورانها طفولتي وشبابي ، ولم يبق أمامي إلا الشيخوخة . فقد انقضت ثمانية عقود من حياتي ، رافقتُ رفعة ستة منها . إنها رفقة طويلة ، غنية بالفكر والعاطفة والانتاج ، رفقة مليئة بحب الحياة ، التي عصرنا رحيقها سوية " .

لا أريد أن أكون مبالغاً لأخبركم بكتب وروايات أخرى قرضتها على عجالة أيام الحظر ، وأخرى لازالت على الطريق تنتظر ، فلكي أكون طبيعياً مثل بقية البشر تحت الحظر ، لابد من القول أنني متواصل يومياً مع عدد كبير من الأصدقاء داخل العراق وخارجه ، يكسرون عزلتي ، واكسر عزلتهم ، بفضل عطايا التكنولوجيا وهباتها الكثيرة ، واقلب صفحات الفيسبوك ، وأتابع أخبار الفضائيات التي لا تسر صديقاً ولا عدواً ، واشاهد بعض الافلام الوثائقية ، واللقاءات التلفزيونية في عدد من القنوات الفضائية العربية والأجنبية الناطقة بالعربية ، وتفرغت ليلة كاملة لمشاهدة مسلسل من انتاج شركة " نتفليكس " عملاق الانتاج التليفزيوني الأمريكي ، وهو مسلسل حديث من ست حلقات فقط تجمع بين الدراما والوثائقيات عن فتح القسطنطينية ، وعن حياة وشخصية السلطان العثماني محمد الفاتح ، يحمل عنوان النهضة العثمانية " Ottoman Rising " . ليس هذا فحسب ، إنما أطالع الصحف العراقية التي تصدر بطبعات إلكترونية ، إذ تصلني روابطها يومياً من أصدقاء أعزاء ، كما أتابع تقرير الموقف الوبائي اليومي للإصابات المسجلة لفايروس كورونا المستجد في العراق الذي تصدره وزارة الصحة والبيئة .

وبعد ... هناك أشياء كثيرة يمكن عملها تحت الحظر ، ليس من بينها إطالة اللحى ، وتفليس الباقلاء ، وتقريم رؤوس الباميا ، وكثيراً ما أقول : إن الذي منحه الله متعة القراءة والشغف بها ، لا يمكن أن يعاني من الضجر والملل والكآبة ، ففي كل رواية جديدة ، حياة جديدة ، وفي كل كتاب جديد ، فتح جديد ! .

يتوهم من يظن أن الحكومات وسلطاتها التنفيذية ، هي التي تفرض الحظر على البشر ، العكس هو الصحيح ، البشر القابعون في بيوتهم ، هم الذين يفرضون الحظر الشامل على الحياة ! .

تُرى هل يسمح لي الوقت تحت الحظر ، لاستكمال قراءة رواية " الحروب الصليبية " ؟!

التنين الأكبر يقدّم وصفة جاهزة لقمع الإنسان / د. ط
بشر تحت الحظر! / د. طه جزاع

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الخميس، 25 شباط 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  السبت، 18 نيسان 2020
  775 زيارة

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...

مقالات ذات علاقة

هذه الايام والاشهر من العمر تمر بثقلها علينا ...وهي تحمل في مكامنها الخوف والرعب ، والعصبي
23 زيارة 0 تعليقات
الكهرباء مختفية كعادتها مع كل صباحات بغداد, مما يصعب من مهمة الوصول للملابس كي اخرج للدوام
24 زيارة 0 تعليقات
في وطن إسمه العراق...الباسق.. العريق.....بقيت فقط منه الأطلال... يفكر الكي بورد قبل الانام
24 زيارة 0 تعليقات
كثيرة هي الاحداث في ذاكرتي ارويها حسب مشاهداتي وحسب شهود عيان ممن شاهدها أو سمع عنها ,وبهذ
32 زيارة 0 تعليقات
في سنوات قليلة خلت ,  اعلنت الكثير من  دوائر الدولة ووزاراتها وهيئاتها الرسمية وشبه الرسمي
56 زيارة 0 تعليقات
الجمال، يُعد أحد أهم الصفات، التي خلقها الله على هذه الأرض، ترى الأشياء كما هي، تتطور في ذ
64 زيارة 0 تعليقات
" شهيد المحراب كان زعيما للمعارضة بشقيها الإسلامي والعلماني" المفكر والسياسي العراقي حسن ا
65 زيارة 0 تعليقات
بكل مرارة وألم نشاهد إن عبث الأحزاب السياسية اليوم يلغي كل شيء وكل مقومات الوطن لحساب أجند
55 زيارة 0 تعليقات
"البطة" تسمية محلية لسيارات تويوتا كراون من موديلات 1994 – 2002، استخدمت خلال حقبة الحرب ا
58 زيارة 0 تعليقات
منظمة اليونوسيف ذكرت ان هنالك اكثر من 818 مليون طفل لا يحصلون على ماء للشرب ، لاحظوا طفل ا
73 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال