الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

16 دقيقة وقت القراءة ( 3207 كلمة )

شهر رمضان شهر الانتصارات الاسلامية وانتصار الذات البشرية

لقد أظلنا شهر عظيم مبارك، نزلت فيه آيات القرآن الكريم، شهر ارتفعت فيه رايات المسلمين عالية خفاقة، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، فما أعظمه من شهر، وما أعظم فضله. شهر انتصارات المسلمين التي ما زالوا يفاخرون بها، ويمنون أنفسهم بالرجوع إلى زمنها، ليس فقط في شهر رمضان بل في الشهور كلها. ولم تأت هذه الانتصارات إلا بعد أن تمسكوا بشرع الله القويم، وبكتابه الحكيم، وسنة رسوله الكريم.
عندما يذكر الإنتصار يتبادر الى ذهننا انتصارات المسلمين في رمضان ، يصرف الذهن مباشرة إلى الإنتصارات العسكرية التي حققها المسلمون على أعدائهم في هذا الشهر، من بدر إلى فتح مكة إلى عين جالوت إلى حرب العاشر من رمضان الى تحرير الفاو
أول حلقة في سلسلة الانتصارات الرمضانية، وأول معركة وقعت بين المسلمين والمشركين، معركة الفرقان بين الحق والباطل، هي غزوة بدر الكبرى، التي وقعت بالقرب من ماء بدر، صبيحة يوم الجمعة 17 رمضان 2هـ (13 مارس 624م). ورغم قلة عدد المسلمين مقابل المشركين، فقد كان النصر حليفًا لهم، وخرج المسلمون من هذه الموقعة بكثير من المغانم. وقد قال الله تعالى في شأنها: { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران: 123).
بعد ستة أعوام من الحلقة الرمضانية الأولى، والانتصار الرمضاني الأول، كانت الحلقة الثانية، وهي فتح مكة، بقيادة المصطفى ص، فبعد أن غدرت قريش ونكثت العهد الذي أبرمته في صلح الحديبية بمساعدتها قبيلة بكر على قبيلة خزاعة حليفة المسلمين كان لابد من نجدة خزاعة وإذلال الشرك والمشركين في العام الذي سُمي بعام الفتح.
وفي 8 رمضان 9هـ (18 ديسمبر 630م) كانت غزوة تبوك أو العسرة على حدود الأراضي البيزنطية، وهناك أعلنت القبائل العربية خضوعها للمسلمين، واكتفى الرسول الخاتم ص بذلك، ولم يتوغل المسلمون في أراضي الدولة البيزنطية، وقد ترتب على هذه الموقعة اتساع رقعة الدولة الإسلامية لدرجة أنها عمت كل أرجاء بلاد العرب
أما أبرز المعارك التي انتصر فيها المسلمون إبان عصر الخلفاء الراشدين، فهي معركة القادسية، على الضفة الغربية لنهر الفرات، التي وقعت في شعبان واستمرت إلى رمضان 16هـ (637م) بين المسلمين والفرس، وكان قائد المسلمين الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وبلغ جيش المسلمين فيها نحو عشرة آلاف، وكان قائد الفرس رستم ذا الحاجب، ويتكون جيشه من مائة وعشرين ألف مقاتل، وقد مات المثنى بن حارثة الذي جرح في موقعة الجسر قبل المعركة، ومن الصحابة الذين كانوا يساعدون سعد بن أبي وقاص، المغيرة بن شعبة، وقيس بن هبيرة، وطليحة بن خويلد، الذي كان قد ادَّعى النبوة ثم تاب وأناب، وقبيل المعركة تم الاتصال بين المسلمين والفرس بُغية الوصول إلى اتفاق يمنع الحرب، ولكن هذا الاتصال لم يسفر عن نتيجة، فقامت المعركة، وهي من المعارك المهمة في تاريخ الصراع بين المسلمين والفرس، فرَّ فيها رستم وعشرات الآلاف من جنوده إلى المدائن عاصمة الساسانيين، وغنم فيها المسلمون مغانم كثيرة
وفي 2 رمضان 82هـ (9 أكتوبر 701م) كانت الجيوش الإسلامية في شمال إفريقيا تواجه الروم من جهة، والبربر من جهة أخرى، وكانت زعيمة البربر تسمى الكاهنة, حيث لم يستطع القائد المسلم زهير بن قيس أن ينتصر عليها، حتى جاء الحسان بن النعمان فصمم على فتح جميع بلاد المغرب إذ انطلق متوجها إلى أواسط المغرب والتقى بجيوش الكاهنة وانتصر عليها.
وفي 28 رمضان 92هـ (18 يوليو 711م) نشبت معركة شذونة أو وادي لكة بين المسلمين بقيادة طارق بن زياد والقوط بقيادة لذريق، وكان النصر حليف المسلمين، وقد هيأ ذلك النصر أن يدخل الإسلام إلى إسبانيا، التي كانت تسمى بشبه الجزيرة الأيبيرية، وأن تفتح الأندلس وتضم إلى كيان الدولة الإسلامية، وأن تظل دولة مسلمة ثمانية قرون، وتكمن في الفتح الإسلامي للأندلس معجزة الإسلام، فالإسلام كدين وحضارة يحقق به الإنسان، وبقدرة الله، المعجزات.
وفي 2 رمضان 114هـ (26 أكتوبر 732م), كانت معركة بلاط الشهداء بقيادة القائد المسلم عبدالرحمن الغافقي, والفرنجة بقيادة شارل مارتل، وجرت أحداث هذه المعركة في فرنسا بين مدينتي تور وبواتيه واستمرت المعركة 10 أيام, من أواخر شعبان حتى أوائل شهر رمضان، وانسحب المسلمون بالليل، ولم تنته المعركة بانتصار أحد الفريقين.
وفي 9 رمضان 212هـ (1 ديسمبر 827م) فتح المسلمون صقلية على يد القائد زياد بن الأغلب، حيث نزل المسلمون على شواطئها واستولوا عليها لينشروا الإسلام بها.
ومن أعظم المعارك الإسلامية الرمضانية التي تسببت فيها امرأة، صرخت، وقالت: وامعتصماه، فحركت نخوة الخليفة العباسي المعتصم بالله فحرك جيشًا عرمرمًا من قصر الخلافة إلى منطقة عمورية، وحاصر مدينة عمورية، إحدى مدن الدولة البيزنطية استجابة لنداء المرأة المسلمة التي استغاثت به، إنها معركة فتح عمورية.
وغيرها من الملاحم الإيمانية التي كتب الله فيها النصر المؤزر لعباده المؤمنين وهذا حق
وفي 10 رمضان 648هـ (6 ديسمبر1250م), انتصرت شجرة الدر، زوج الملك الصالح نجم الدين أيوب، على لويس التاسع قائد الحملة الصليبية التاسعة، في معركة المنصورة، حيث أسر لويس نفسه وقتل عدد كبير من جنوده.
ثم كانت المعركة التي أنقذت الإسلام والمسلمين، المعركة التي قامت أمة الإسلام بعدها من غفلتها واختلافها، وقامت تحت قيادة واحدة، هذه المعركة هي معركة عين جالوت في 25 رمضان 658هـ (3 سبتمبر 1260م) واحدة من أكثر المعارك حسمًا في التاريخ، أنقذت العالم الإسلامي من خطر داهم لم يواجه بمثله من قبل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم الأوروبي أيضًا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذ أن يدفعه.
وفي 4 رمضان 927هـ (8 أغسطس سنة 1521م), فتح السلطان العثماني مدينة بلجراد، التي تعد مفتاح أوروبا الوسطى، وعقبة في طريق التقدم العثماني إلى قلب أوروبا: فيينا وبودابست والقسطنطينية، وصاحبة أقوى قلعة على الحدود المجرية العثمانية، وقد حاصرها العثمانيون ثلاث مرات: 1441 و1456 و1492م، ولم يتمكنوا من فتحها إلا في عهد السلطان سليمان القانوني، وبعدها تدفق العثمانيون إلى أوروبا كالسيل الجارف.
وفي 27 رمضان 1093هـ (29 سبتمبر 1682م)، فتح المسلمون بقيادة القائد العثماني «أوزون إبراهيم باشا» قلعة فولك الحصينة في سلوفاكيا، إضافة على 28 قلعة أخرى واستطاع هذا القائد تحقيق السيطرة الكاملة على سلوفاكيا.
وفي 10 رمضان 1363هـ (6 أكتوبر 1973م)، عبر الجيش المصري قناة السويس وحطم خط بارليف وألحق الهزيمة بالقوات الصهيونية، في يوم من أيام العرب الخالدة التي سطرها التاريخ في أنصع صفحاته بأحرف من نور؛ ففي هذا اليوم وقف التاريخ يسجل مواقف أبطال حرب أكتوبر الذين تدفقوا كالسيل العرم يستردون أرضهم، ويستعيدون كرامتهم ومجدهم؛ فهم الذين دافعوا عن أرضهم وكافحوا في سبيل تطهيرها وإعزازها، فضربوا بدمائهم وحفظوا لأنفسهم ذكرًا حسنًا لا ينقطع، وأثرًا مجيدًا لا يمحى، هؤلاء الأبطال الذين خشعت لذكرهم الأصوات، وأجمعت على فضلهم القلوب، لأنهم قضوا نحبهم لحفظ مجد مغتصب، ولطلب حق مسلوب، ذلك اليوم المجيد من أيام التجلي الأعظم، وقف الله فيه مع جنوده المخلصين يشد أزرهم، ويقوي عزائمهم، ويثبت أقدامهم، ويرد كيد عدوهم، ويقذف فيه بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
ولكن مجالات الإنتصار في رمضان بالنسبة للمؤمن غير مقتصرة على هذا الجانب فقط، بل إن الإنتصارات التي تحققت وتتحقق على أعداء الأمة والمتآمرين عليها خلال شهر رمضان منذ بدء الرسالة إلى يوم الناس هذا ، بقدر ماكانت نتيجة للأجواء الروحانية التي يصنعها رمضان بفيوضاته ورحماته وجوائزه ومآثره التي يغدقها المولى عز وجل فيه على عباده المؤمنين الصائمين ، مما يهيء لهم أسباب النصر لينتصروا ،فإنها محصلة كذلك لكم الإنتصارات التي يحدثها وينجزها العبد المؤمن على مستواه الفردي والجماعي في شهر الصيام كما قال سبحانه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )(محمد7).
ومدى نجاحه في مجاهدته وجديته وإيجابيته للوصول إلى ذلك.
ويبدو أن الإنتصارات بشتى أنواعها وإختلاف مجالاتها في شهر رمضان ، مرتبطة إرتباطا وثيقا ببعضها البعض ، فكلما إرتفع مؤشر هذه إرتفع منسوب تلك وإقترب موعدها وتوفرت أسبابها ، وكلما حدث فشل وتقصير في هذه ، أصبحت الأخرى بعيدة المنال وهكذا، وقد قيل : من لم ينتصر في حي على الفلاح ، لاينتصر في حي على الكفاح ، كمثال على هذا الإرتباط.
لذلك فإن مدرسة الصيام محطة مهمة ليجعل العبد المؤمن لنفسه فيها برنامجا عمليا لتحقيق الإنتصارات بمفهومها الشامل ، وقد أحصيت عددا معتبرا من الإنتصارات التي يجب على المؤمن الصائم أن يحققها وينجح في إمتحانها ، ليتاكد ويطمئن أنه فعلا إستطاع أن يستثمر أجواء الإنتصارات الإيمانية الرمضانية وخرج منها بحظ وافر : ومن هذه النتصارات
1 ــ الإنتصار على الرياء:
رمضان شهر الإخلاص بلا منازع ، وقد توفرت كل عوامل النجاح للمؤمن فيه على كل دواعي الرياء وأسبابه، وتنمية عنصر المراقبة والتجرد لله عز وجل لديه ، فإمتناع الصائم عن الطعام والشراب والشهوات المادية والمعنوية طيلة يومه، إستجابة لأمر ربه هو عين الإخلاص ، وإن تحقيق هذا النوع من الإنتصار هو الأساس الذي تنبني عليه كل الإنتصارات الأخرى ، فإن تربى العبد على الإستحضار الدائم لعامل المراقبة هذا، وذلك بعدم جعل الله أهون الناظرين إليه ، وتجنب مالايرضيه من فعل أو قول أو خلق أو سلوك سرا أو علانية ، فيكن بذلك قد تجاوز عتبة الإنتصار الأول والمهم في مدرسة الصيام ليصحبه صحبة دائمة لازمة طيلة العام.
2 ــ الإنتصار على الشيطان:
وقد هيأ المولى سبحانه وتعالى ذلك للصائم ، فصفده له ليسهل له وعليه هذا النوع من الإنتصار ،ولكي يقوي عناصر المناعة الإيمانية لديه ، ويستحضر كل مسببات القوة اللازمة لينتصر في معركته مع شيطانه بشكل دائم أو غالب على الأقل، ورمضان فرصة مواتية لتنتقم من شيطانك وتغلبه وتصرعه بسهولة ويسر، لأنك إن فشلت في معركتك معه في شهر الصيام ، فأنت فيما سواه من الشهور أفشل ، تصور نفسك في حلبة تصارع خصما مكبل اليدين والرجلين وأنت حر طليق في كامل قوتك ولياقتك وعافيتك ونشاطك، يكن من العيب والقصور والحرمان أن لاتنتصر عند ذلك.
فأعمل جاهدا وأستغل الفرصة لتذق طعم الإنتصار على الشيطان ، كي يغريك ذلك في الإستمرار في صرعه فيما سوى ذلك من الأوقات.
3 ــ الإنتصار على الشهوات:
رمضان تمرين عملي للصائم على التغلب على شهواته المختلفة من شهوة البطن والفرج والنظر والسمع والكلام والقلب والنفس وغيرها، بحيث يتحرر من أسرها له ، ويتعالى على جواذبها التي تجذبه إلى مستنقعها الآسن ، ويخلص نفسه من كل دواعي الإستجابة لإغراءاتها .
والإنتصار في معركة الشهوات قضية مصيرية بالنسبة للمؤمن ، لأنه إن انهزم فيها وفشل في مقاومتها وسلم العنان والخطام لها ،أدى به ذلك ـ دون شك ـ إلى الإنهزام في كل معاركه الأخرى، فالشهوات حواجز تحجز عنه موارد التوفيق ، وصوارف تصرفه عن النجاح في أمر آخرته الذي هو رأس الأمر له.
وماانتصر أسلافنا على أعدائهم إلا بعد ما انتصروا في معركة الشهوات هذه، وماانهزموا وإنكسرت شوكتهم إلا لما إستسلموا لشهواتهم وانهزموا أمامها ، وما خسارتنا للأندلس السليب إلا خير دليل على ماأقول.
4 ــ الإنتصار على الشح والبخل:
إن التخلص من داء الشح والبخل، وتطهير النفس منهما ، والذي عده رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهلكات، والمتسبب في كثير من الموبقات ، لما قال:( إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا)(أبوداود من حديث عبد الله بن عمرو)، من مقاصد الصيام المهمة ، لذلك كان صلى الله عليه وسلم أجود مايكون في رمضان ، حتى كان كالريح المرسلة ، فليتأسى المؤمن به ، ويعلنها حربا لاهوادة فيها على كل ماله علاقة بالشح والبخل ، فالفلاح الذي هو غايته ومبتغاه في الدنيا والآخرة ، لايمكن أن يحوزه إلا إذا نجح في معركته مع الشح ، كما قال تعالى:( وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(التغابن16).
فالصيام مدرسة يتعود فيها العبد على السخاء ، وإطلاق اليد بالعطاء، ويتعمق لديه فيها الشعور بمعاناة المحرومين ، ويدوس فيها على أنانيته وحبه لذاته ، لأن الروح السخية المعطاءة التي تستلذ رفع العنت والقهر عن المحتاجين ، وتأخذ بأيديهم وتسد حاجتهم ، هي معيار القرب من الله عز وجل، كما جاء في الحديث:( السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل)(الترمذي عن أبي هريرة).
فتحقيق الإنتصار في هذا الجانب هو ديدن العبد الصائم في شهر السخاء، والهزيمة في المعركة مع الشح والبخل أدعى لتوالي الهزائم فيما عداها.
5 ــ الإنتصار على اللسان وآفاته:
عندما نسمع حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)( رواه البخاري والترمذي وأبو داود وابن ماجه وأحمد).
ندرك أهمية هذا النوع من الإنتصار في شهر رمضان ، فمن لم يستطع أن ينتصر في معركته مع لسانه ــ خاصة وهو صائم ـ لايمكنه أن ينتصر في معركته مع شيطانه وشهواته ، بل إن الإنهزام أمام اللسان وآفاته يؤدي بصاحبه إلى الإفلاس الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:( أتدرون من المفلس ؟ قالوا:المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع , قال صلى الله عليه وسلم : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة , ويأتي وقد شتم هذا ,وقذف هذا , وأكل مال هذا , وسفك دم هذا , وضرب هذا , فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ) (رواه مسلم).
لذلك كان الصيام تدريبا عمليا للعبد على ممارسة عبادة:(أمسك عليك لسانك)، وإمتلاك القدرة على التحكم فيه وكبح جماحه ، وتوظيفه في الخير والطيب من القول ، وقد ربط القرآن الكريم بين الهداية إلى صراط الله المستقيم ، وبين الهداية إلى الكلام الطيب ، وكأنه يريد أن يؤكد لنا أنهما متلازمان ، لايمكن أن يتحقق الثاني ، حتى يتم الإلتزام بالأول، فقال سبحانه:( وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ )(الحج24).
فالإنتصار على اللسان وآفاته من عدمه ، معيار مهم يعرف من خلاله المؤمن الصائم مدى توفيقه ونجاحه في مدرسة رمضان، وحصوله على كنوزه ومنحه ونفحاته وجوائزه التي لاتعد ولاتحصى.
6 ــ الإنتصار على السلبية واللامبالاة:
الصيام ميدان رحب لتحقيق كل مظاهر الجدية والإيجابية لدى المؤمن ، من خلال مضاعفة أجر الطاعات ، وفتح أبوابها على مصراعيها ، وترغيبه فيها من طرف مولاه ، بأن صفد له الشياطين ، وأكرمه بجملة من التكريمات ، رحمة ومغفرة وعتق من النار وفرحتان وباب الريان وخلوف فمه كريح المسك وغيرها .
فالصيام ينمي روح الإيجابية والفعالية والشعور بالمسؤولية ، فيتعلم فيه الفرد فن الإنتصار على السلبية واللا مبالاة وتبلد الشعور بالتبعة والتفريط في القيام بالواجب، ويحدث ببركات الصيام وفضله وأجوائه ، نقلات نوعية في الإنتقال بنفسه إلى مراتب العاملين العابدين المتحركين النشطين ، فيستشعر طعم الإيجابية ويتعود ويتدرب عليها ، فيصاحبه ذلك حتى بعد رمضان ، فيتخلص إلى غير رجعة ،، إن شاء الله ــ من كل صفات القعود والإنعزالية والإنسحابية وإنسداد شهية العمل والحركة ، فيغرس فيه الصوم كل عوامل الجدية، ليصبح عنصرا فعالا نافعا مؤثرا صانعا للحياة من حوله.
7 ــ الإنتصار على أمراض القلوب:
بما أن القلب السليم هو العملة الرابحة التي تنفع صاحبها يوم القيامة وتنقذه من عذاب الله ، كما قال تعالى:( يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ،إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)( الشعراء88، 89).
وبما أن القلب الأسود المظلم بأمراض الأحقاد والبغضاء والكراهية والحسد والكبر والإستعلاء على الناس وغيرها حاجز لرحمة الله حائل دون توفيقه مانع لمعيته الخاصة للعبد، وبما أن هذه الأمراض حالقة للدين كما جاء في الحديث:( دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)(رَواهُ البزار).
فإن شهر الصيام فرصة ذهبية للتخلص منها والإنتصار عليها ، لأن وسائل التنظيف والتطهير للقلب متوفرة بكثرة ، والمحفزات المساعدة على ذلك ميسرة إلا من أبى.
ومعركة أمراض القلوب ، معركة فاصلة في تحديد قيمة العبد ومقامه عند مولاه، وماتفاضل من تفاضل من الصالحين إلا بها ، ومابشر من بشر بالجنة وهو حي إلا بها ، لذا أحرى بالعبد المؤمن أن لايتهاون في الفوز بها ، مهما كانت التضحيات ، لأن لها مابعدها ــ كما قلنا ــ في ضمان موقعه الريادي في الدنيا والآخرة ، فسيد القوم من لايحمل الحقد هذا في الدنيا، فمابالك في الآخرة التي قال الله عز وجل في حق أهل جنته:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ )(الحجر47).
8 ــ الإنتصار على اليأس والإحباط:
فمن لم يستطع أن يتجاوز روح اليأس والإحباط ، وينتصر عليها في رمضان ، فهو فيما سواه أعجز ، لأن ما يوفره الشهر من أجواء إيمانية وفرص ربانية وشفافية روحية ، تساعد المؤمن الصائم وتدفعه دفعا إلى الأمل والتفاؤل ، وتكون سندا قويا له على التعافي من كل مظاهر اليأس والإحباط ، التي تكون قد لازمته قبل رمضان.
وبما أن من صفات شهر الصيام أنه شهر الإنتصارات ، فإنه يتنافى وكل عوامل اليأس والإحباط ، وماتحققت هذه الإنتصارات للأمة على مدار تاريخها كله ، إلا لما تخلصت من الروح اليائسة المحبطة المستسلمة للواقع ، وتجاوزت حالتها المنكمشة المكتفة الأيدي ، المنتظرة مصيرها على أيدي أعدائها دون أن تنتفض وتنهض ، بل إنها لما كسرت طوق اليأس هذا ، ونزعت عن نفسها قيود الإحباط والذل والهوان ، إنطلقت تحقق النصر تلو النصر ، وتكسب الجولة بعد الجولة، والمؤمن كذلك على مستواه الفردي ، إذا أراد أن يحقق الإنتصارات التي ذكرناها ، فماعليه إلا أن يتحرر من شرانق الإحباط ، التي حبس نفسه فيها ، ليرى أنوار الأمل المشرقة البراقة من حوله تملأ الدنيا ببركات ونفحات هذا الشهر الفضيل.
9 ــ الإنتصار على سوء الخلق:
فرمضان مدرسة الأخلاق الفاضلة كذلك، فيه يتعلم الصائم ويتدرب ويمارس كل أنواع الخلق الحسن ، التي رغب فيها الإسلام وحث عليها ، وقد يجد بعض الممارسات والأفعال من الناس لتختبر فيه مدى تمسكه بحسن الخلق ، سواء مع جيرانه أو أهل بيته أو زملائه في العمل أو معامليه في الأسواق ، لذلك كان الحديث :( الصيام جُنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب -وفي رواية: ولا يجهل- فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، مرتين)(متفق عليه عن أبي هريرة)،كدلالة على أن سوء الخلق يمحق بركات الصيام ، وأنه ـ أي الصيام ـ مافرض إلا ليتدرب فيه الصائم عمليا على حسن الخلق ، وذلك لما له من عاقبة حميدة ، تقربه من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، وهو والله العز والشرف ، كما أنه يثقل ميزانه عند الحساب وهو عين النجاة ، كما جاء في الحديث:( إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً )( رواه أحمد والترمذي وابن حبان).
وقال أيضا:( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء)( رواه الترمذي).
لذلك فإن الإنتصار على السيء من الأخلاق ، وعلى العادات السيئة كذلك التي يكون العبد قد تعودها قبل رمضان من الغايات العظمى التي ينبغي أن يجعلها المؤمن على سلم أولوياته في هذا الشهر.
10 ــ الإنتصار على التآكل والهزال الروحي:
إن هموم الحياة ومشاغلها وضغوطها ، تنحت من الجانب الروحي والإيماني للمؤمن، فإن لم يتعهدها دائما بالتجديد والتزود فإنه الهلاك بعينه ، فتأتي نفحات رمضان وفيوضاته الروحية ، ليستدرك بها وفيها مانقص من إيمانه ،وماتآكل وهزل وجف من روحه، فيجدد التوبة والأوبة والرجوع إلى مولاه، ويكثر من الإستغفار والتذلل والإنكسار والإنابة إليه، ويتصالح مع الصلاة والقرآن والأذكار ، ويكثر من الصدقة والإنفاق في سبيل الله، فما يمر عليه الشهر إلا وهو ممتليء روحيا يقظ إيمانيا ، ويجد نفسه وقد ردت إليه روحه التي كاد أن يفقدها في زحمة المغريات والشهوات والجواذب والصوارف ، وتخلص من تآكلها وهزالها وجفافها ، بعد أن كانت قاحطة جدباء، وأنها قد أشرقت بنور ربها ، بعد أن أظلمت وأدلهمت بكثرة الذنوب والمعاصي والآثام والتقصير في جنب الله عز وجل، فيخرج من محطة الصيام وهو أقوى إيمانا وأرق فؤادا وأنور قلبا وأهنأ بالا وأكثر إطمئنانا وأشف روحا وأشد عزما وأصلب عودا وأوفر سكينة وأعظم زادا ، فما عليه إلا أن يواصل الترقي الروحي ويحافظ على كل ذلك لينتفع بها بعد رمضان.
فالحذر كل الحذر أن يخرج عليك رمضان ـ أخي المؤمن ـ وأنت تراوح مكانك روحيا، فلا أنت تخلصت من جفافها وتآكلها ، ولاأنت إستطعت أن تتفوق في عمليتي التخلية والتحلية ، فإن كان ــ وهو مالانتمناه لك ــ فأعلم بأنك قد إنهزمت في معركة الروح ، وأنك حرمت بركات الشهر وفضائله .
فهذه جملة من الإنتصارات ينبغي على العبد المؤمن الصائم أن يحققها ، وأن تكون برنامجه العملي في رمضان ، حتى يحكم له بأنه قد كتب في عداد الفائزين والناجحين والحاصلين على الجوائز ، وأنه قد قدم الدلائل العملية البينة والقوية للقبول في مدرسة الثلاثين يوما ، ووضع لبنة صالحة لتقريب موعد النصر وزيادة فرصه للأمة ودينها ، وبأن لايكون حجر عثر في طريق تحقيق ذلك بتكاسله وهزائمه المتكررة أمام شيطانه وشهواته ونفسه وهواه ولسانه .
المصادر
1- القران الكريم
2- مسند احمد وابن ماجة
3- صحيح مسلم
4- المغازي للواقدي
5- السيرة النبوية لابن هشام
6- الطبقات لابت سعد
7- تاريخ الرسل والملوك للطبري
8- البداية والنهاية لابن الاثير
9- تارخ فتوحات العراق
10 فتوح الشام

قهر وهموم / صالح العطوان الحيالي
يا امة الاسلام تذكروا تاريخكم المجيد لتعرفوا .. طر

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 26 شباط 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...
زائر - 3omarcultures الثقافة الأجنبية تسلط الضوء على أدب الاطفال
19 كانون1 2020
سقطت دمعتي عندما وقفتُ بشاطئ بحر من بحار الهموم فرأيت أمواجاً من الأحز...
زائر - هيثم محمد فن الكلام / هاني حجر
14 كانون1 2020
نعم هناك مشكلة حقيقية تتمثل في التعصب للرأي وعدم احترام رأي الآخر اشكر...

مقالات ذات علاقة

فى كثير من الفرق والتيارات متطرفون قد يكونون قلة لكن صوتهم يكون مسموعا وعاليا لأن أثره كبي
6805 زيارة 0 تعليقات
الأعياد والعادات في اللغة جمع عادة, وهو ما يعتاده الإنسان أي يعود أليه مرارا وتكرارا. وتمث
5348 زيارة 0 تعليقات
ما ان دخلت دار الضيافة حتى نهضوا بكل ادب واحترام لاداء السلام والابتسامة تفترش وجوههم الا
3005 زيارة 0 تعليقات
ابعادا لسوء الظن وتجنبا لسوء الفهم اقول ان الكاتب عباس شمس الدين كاتب موسوعي ومؤرخ رائع ول
3106 زيارة 0 تعليقات
حين يعيش المرء مع الكتب قراءة وتلخيصا ونقدا ومناقشة فلا ضير أن تكون كتاباته وأيامه عن القر
2542 زيارة 0 تعليقات
منهج ألتَّفسيِر ألكونيّ لِلقُرآن: للأسف وقع معظم – بل – كلّ – ألمُفسّرين للقرآن في أخطاء ج
2278 زيارة 0 تعليقات
كثر الجدال العقيم واصبح الجسد الاسلامي سقيم والاسوء هو من يعتمد التعميم سنة وشيعة بالتسليم
2358 زيارة 0 تعليقات
مهما قرأ الإنسان الأدب العربي بشقَّيه النثري والنظمي وقلب في سجلات التاريخ وتنقل بين صفحات
2836 زيارة 0 تعليقات
جزماً ويقيناً أنَّ الفتوى موضوعة البحث لاعلاقةَ لها بالمراجع العِظام والمرجعيات الشريفة ,
2249 زيارة 0 تعليقات
هم النور نور اللّه جل جلاله **** هم التين والزيتون والشفع والوتر مهابط وحي اللّه خزان علمه
2606 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال