لغرض اعطاء القارئ فكرة عن ما حصل ويحصل من تظاهرات وأعمال عنف وقتل في أمريكا نتيجة التمييز العنصري ، اشرح بشكل بسيط ومختصر تاريخ وجذور العبودية وهي اساس مشكلة التمييز العنصري القائمة منذ ستة قرون .

تم اكتشاف أمريكا في عام 1492 من قبل الرحالة والمستكشف والبحار الايطالي " كرستوفر كولومبس ( 1451 - 1506 ) من خلال تمويل واسناد رحلته وحملته من قبل ملكة اسبانيا ، واعتمادا على ما نسب لقصة الاكتشاف بان كولومبس كان ينوي الوصول الى الهند جنوبا ، ومع اختلاف البوصلة والطقس والظروف وجد نفسه في ارض ليست بلاد الهند ، بل في قارة جديدة ، وعاد بعد توغله في اراضي ما سمي فيما بعد امريكا الى اسبانيا ليعلن اكتشافه ، واعاد كرة الرحلة والعودة الى الارض الجديدة التي اكتشفها للوصول الى امريكا ثلاثة مرات فيما بعد وذلك في أعوام في عام 1493 وفي عام 1498 واخرها في عام 1502 .
ويقال بان هناك أكثر من رحالة سبق كرستوفر في الوصول الى امريكا ، ولَم تثبت لكونها محاولات شخصية .

ولكن وبعد سنوات وبحملة ممولة من ملك البرتغال ، تم وصول البحار المكتشف الايطالي " أمريجو فيسبوتشي " ( 1454 - 1512 ) الى الارض الجديدة التي سميت باسمه " أمريكا " في عام 1507 .
وكان هدف الرحلتين من قبل اسبانيا والبرتغال ، لغرض نشر الدين المسيحي وسيادته على سكان الاراضي المكتشفة .

وقام كولومبس خلال رحلاته الاربعة من رسم خرائط واضحة ودقيقة ما بين اوربا وامريكا والتي اصبحت فيما بعد الخطوط البحرية لنقل البضائع وتجارة العبيد .

ومع وصول الاسبان والبرتغاليين ، الى الارض الجديدة ، وصلت ايضا قوافل من دول اوربا ذات القدرة العسكرية في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر ، وكانت هذه القوافل واهمها من انكلترا ، وفرنسا ، والمانيا ، وهولندا مؤلفة من :
- فصائل عسكرية من اجل انشاء معسكرات .
- وفود من العلماء والباحثين والاطباء والمهندسين ورجال تعليم وبقية الاختصاصات
- مهاجرين مسالمين من اجل لقمة عيش ومستقبل افضل لهم ولعوائلهم .
- منفيين من بلدانهم لاسباب سياسية .
- مجرمين وقتلة انتهت محكومياتهم ، أو تم اطلاق سراحهم وتسفيرهم الى امريكا لغرض تفريغ السجون منهم والتخلص من مشاكلهم أو استمرار الصرف عليهم ليهم .

ومباشرة بعد اكتشاف امريكا ، بدأت اعمال جلب العبيد من افريقيا ووصلت اول باخرة محملة بالعبيد " المصطادين " في عام 1521 , وذلك لغرض استخدامهم في الخدمة والزراعة والمصانع , وخدمتهم وعملهم بدون مقابل فقط توفير لهم الطعام المتبقي من موائدهم ، لان المستعمرين دفعوا ثمنهم للبائع كأي بضاعة اخرى .
كان استيراد العبيد يتم من خلال " اصطيادهم " من مدن ساحلية بمساعدة تجار العبيد الموجودين في افريقيا وهم اكبر من ساهم في صيد وبيع ابناء مدنهم وجلدتهم الى تجار العبيد الغربيين .

من ساعة وصول كرستوفر كولومبس الى الارض الجديدة " أمريكا " وعودته الى اسبانيا وابلاغ ملكتها عن الاكتشاف العظيم ، أعلنت اسبانيا بان جميع الاراضي التي تم اكتشافها اصبحت ملكها وتحت اشرافها .

ومع وصول قوات بعض القوات الاخرى اعلنت دولها ملكيتها واشرافها على الاراضي التي وصلتها وبنت قواعدها عليها .

وهكذا منذ اكتشاف امريكا ولحد القرن الثامن عشر ، مرت البلاد غير الموحدة في حروب طاحنة فيما بينها وحرب اهلية على حقوق الاراضي والمياه والمعادن ، وانتهت 13 مقاطعة اعطت تسمية " ولاية State " لكل منها ، باتفاق الاتحاد واعلان جمهورية الولايات المتحدة الامريكية ، واعلنت الاستقلال من بريطانيا ، وتم أصدار أول دستور تقرأ الفقرة الاولى منه الجملة التي اشتهرت " نحن الشعب " .

وبدأت الدول الغازية في الانسحاب تدريجيا :
- بريطانيا انسحبت كليا بعد معركة صغيرة فاشلة ، مباشرة بعد الاستقلال .
- المانيا ، اول من سحب قواته ، ولكن المهاجرين بقوا ليؤسسوا مدن لهم واصبحوا مع الوقت جزء من السكان .
- البرتغال ، انسحبت في عام 1791.
- اسبانيا ، انسحبت في عام 1800.
- فرنسا ، انسحبت في عام 1803.

ألكس هيلي ، المؤلف الامريكي المشهور وهو أسود ومن أصول ما يسمى " أمريكان أفارقة " ، بدأ البحث عن جذوره وصرف سنوات طويلة من البحث والسفر للوصول الى اصله ومن اي مدينة ودولة في افريقيا قد جاؤا ، وأصدر كتاب قيم في عام 1976 ، تحت عنوان " الجذور The Roots " تحول الى مسلسل تلفزيوني ناجح وكان بعدة حلقات ، بعض الملاحظات اقتبسها من المسلسل :
- كان تجار العبيد الاوربيين ، يشتروا البضاعة من تجار العبيد في بلدان افريقيا ، والحقيقة لم تكن دول او بلدان بل مستعمرات فرنسية وبلحيكية وانكليزية ، وهذه البضاعة كانت صيد الاطفال والصبايا الاصحاء ومن كلا الجنسين ، مثل ما يصطادوا اي حيوان بحري او بري .
- ان جد المؤلف التاسع كان يحمل اسم " كونت كنتي Kuant Kinte " ، وهو من مناطق كينيا .
- كان يتم تعبئة أحواض البواخر المعدة لهذا الغرض بالعبيد المختطفين ، وعادة من الاعمار الصغيرة وذوي الصحة وكمال الاجسام ليرتفع سعرهم عند بيعهم في المزاد حال وصولهم .
- كان يتم حشر عدد كبير من العبيد في هذه البواخر لدرجة الاختناق ، ومن يموت فالبحر طريقة لتأكله اسماك البحر .
- كان بعض العبيد يصلي ويقرأ القرأن في البواخر ، وهذا يعني بانهم من مدن اسلامية في افريقيا .
- كان ربابنة البواخر يرمون العبيد المتمردين اثناء الرحلة الى البحر وهم احياء .
- عند الوصول الى موانئ امريكا ، يتم اعداد العبيد بشكل جيد لغرض بيعهم في المزاد .
- بعد عملية المزاد ، يأخذ اصحاب المزارع حصتهم من ما يحتاجون .
- العبد لا حقوق له مطلقا ، ويخضع من قبل مالكه للعقوبات والتعذيب والسجن وقطع الطعام ، والاغتصاب .
وهنا انتهت ملاحظاتي المقتبسة من كتاب الجذور .

كان 375 هو عدد عبيد اول باخرة وصلت سواحل امريكا في عام 1521 ، ووصل العدد الى 600,000 وصلوا جميعا الى 13 مستعمرة تسمح قوانينها بالعبودية وقبل عام الاستقلال 1776 .

وبعد أكثر من 25 جيل ، وصل حاليا عدد المواطنين الامريكان السود الى 45 مليون ، وهم يمثلون 15% من سكان الولايات المتحدة الامريكية ، ولكن هذه النسبة ستتضاعف خلال جيل واحد نتيجة الوضع الاجتماعي لهم ، وعدم السيطرة على عدد الولادات .
تم تعديل الدستور في عام 1861 , في فقرة تحمل رقم 14 لالغاء الرق والعبودية والمتاجرة بهم .
للاسف عمليا لم يتم التطبيق ، وتوالت تعديلات الدستور في الحقوق المدنية .

لحد سنوات مضت ، ومع كل تعديلات الدستور ، كانت بعض البنوك لا تمنح قروض بيوت للمواطنين السود .
ولحد الان بعض وكلاء العقارات ، لا يشجع ولا يساعد المواطنين السود في بيع وشراء عقارات لسكنهم او عملهم .

منذ حرب فيتنام حصل تطور كبير ، بعد ان اصبح اكثر ضحايا الحرب من السود ، وبدأت بعض المؤسسات في ولايات مثل نيويورك من اعداد برامج تأهيل المواطنين السود ، واعطاء نسبة من المشاريع الى المواطنين السود مع قروض معينة لدعمهم واسنادهم .
وللاسف استغل الاخوان الهنود والباكستانيين هذه الخدمات باعتبارهم اقليات مضطهدة واصبحوا من كبار رجال الاعمال ، تاركين المواطنين السود على وضعهم المزري .

للاسف ولحد اليوم ونحن في عام 2020 ، فهناك نسبة ليست بالقليلة من مواطني الولايات المتحدة وسياسيها من اعضاء برلمان ، واعضاء مجلس شيوخ ، وحكام ولايات ، وعمداء مدن ، ورجال اعمال ، ومدارس ومعاهد وجامعات ، لديهم النزعة العنصرية وروح الكراهية للسود بصورة خاصة ولبقية الاقليات بصورة عامة .

ومع ذلك ، فان هناك عامل ايجابي يقابل ذلك التمييز والكراهية ، فهناك نسبة لا بأس بها من المواطنين السود ، تحتل مراكز جيدة في ادارة مؤسسات الدولة والولايات وبكل الاختصاصات , ناهيك عن الرئيس باراك اوباما الذي حكم دورتين كاملتين لمدة ثمانية سنوات ، ووجود اعضاء في مجلس النواب ومجلس الشيوخ ، وحكام ولايات وعمداء مدن كبيرة ، وايضا رجال اعمال واصحاب شركات كبرى ، اضافة الى الاطباء والمهندسين والاخصائيين وبقية المهن ، وهذه النسبة في زيادة وصعود كبير .

ومع الوقت بدأت تقل امور التمييز العنصري مقارنة بخمسين سنة مضت .

وعسى ان يأتي الوقت الذي تزول فيه الفروقات المبنية على اللون او الجنس او اللغة او الدين ، لتطابق ما ينص عليه الدستور في المعاملة والرعاية المتساوية للجميع وبدون تمييز او تفريق ، وان تزول روح الحقد والكراهية .

تحياتي واحترامي ،
د. مأمون الدليمي
أمريكا 5 حزيران 2020