مساء يوم الاربعاء الثالث والعشرين من شهر حزيران عام ٢٠١٧، أكتبُ هذه الرسالة وأنا في طريقي إلى الموصل ، أنا علي مراد المُلازم في الجيش العراقي . إلى زوجتي العزيزة : أعلم أنكِ لستِ راضيةً عني ، فلم يمضِ على زواجنا اسبوعاً ، حينما كنتُ آتيكِ أوقات العشاء أمام نافذتكِ البهيّة ، وكان لقاؤنا لا يدوم أكثر من ربع ساعة ، سأشتاق بالتأكيد لخبز أمي فقد وعدتني بخبز المزيد حالما أعود ، وإلى اخوتي الصغار ، سأشتاقُ لكم كثيراً ، أرجو أن تتركوا مشاكساتكم ولا تقربوا مكتبتي فتبعثروا كتبي وأوراقي . أحبكم جميعاً ، واللقاء قريب . 

سارَ علي في الخط المتقدم مع جنوده على أطلال بعض المناطق المحررة بالقرب من مدينة ربيعة ، حينها عَجَّت برأسه ذكرى حرب البسوس ، وما جاء من تراث الزير سالم وكليب بن ربيعة وعمرو بن كلثوم . يصدُّ مع جنوده بعضاً من التعرّضات في الساتر الامامي رغم قلة الذخيرة  ، وهم في منطقةٍ مفتوحة تماماً في ظلمة الليل البهيم الذي لا تكاد أن ترى فيه من الذي بجانبك ، لكنهم عند طلوع الفجر وجدوا شفاه النصر تبتسمُ في معركةٍ دموية كانت نتيجتها استشهاد عشرة جنود وجرح ثمانية آخرين . كل معركةٍ تُذكرّه بأسطورة أو حرب قديمة ، يمتزج عقله بالماضي والحاضر، يخوض صراعاً بين الحداثة وما بعدها ، يحاول التعبير عن كلماته التي تأكل رأسه كدودة الخمر ، يعصر ذهنه ليجد بيتاً للشعر أو اقتباساً في رواية يساعدانه على الصمود مجدداً أمام أكوام القتلى والانهيار النفسي ، نفض سيجارته وقال : أنا لي وطن في وطني . فهل لك في وطني وطن ؟

 لكن هذا البيت الذي كتبه الشاعر العراقي جواد الحطاب لم يكن معنوناً إلى رامسفيلد فقط كما تقول القصيدة ، بل كان يمثل تاريخاً لكل المآسي والاحتلالات والحروب التي مرت على هذه الارض ، كان سؤالاً عصيَّ الجواب لكل غازٍ ، أو طاغٍ على مملكة الحب والحرب . 

في غمرةِ تفكيره الشاعري الممزوج بالخوف والاشتياق ، تلك الثنائية التي تدقُّ صدر الانسان بالحجارة ، يفاجئه احد الجنود مسرعاً وهو يصرخ : 

_ سيدي ، سيدي ، الدواعش قادمون ! 

_ حضّروا الذخيرة ، وأجمعوا كل المقاتلين . 

يحمل هاتفه ليتصل بفرقة الرد السريع علَّها تُسرع بإرسال الامدادات ، تُرفعُ السماعة فيقول علي مسرعاً: 

_ ألو، سيدي نحن في مدينة ربيعة ، منطقة رقم ٤٥ ، نحتاج إلى امدادات بالذخيرة والجنود ، الدواعش دخلوا الساتر، اسرعوا ! 

_ لا تخف .. ستصل لكم بأقرب وقت ، اصبروا  ( وشدوا حيلكم اخوتي ) !  . 

تُغلق السماعة . وموسيقى القيامة بدأت تعزف لحنها ، والبنادق تهلهلُ من الطرفين ، يختلط الدم بالخوف والعزيمة ، تلك هي رغبة الحياة مع مجد الوطن ، الشتائم العابرة تُمثل تفريغاً لشحنات الكراهية لمغتصبي هذه الأرض . الرصاص مستمرٌ كالمطر ، يستشهدُ الجندي عبد الستار العاشق للشعر الشعبي حيث يلقيه بنبرة عالية في فترات الاستراحة ، رآه علي وهو يلفظ انفاسه الأخيرة .. قال له وهو مغرورق العينين : 

_ تتذكر عندما قلتَ : "ضمني بليل ثاني وحل حلال الخل؟"  الآن ضمّتك الجنة وقلوبنا . كانت إحدى اللقطات التراجيدية التي دفعت عليّاً لأن ينتقم بكل عنفوانه ، ثأراً لعبد الستار الذي خلفَّ وراءه أمّاً يائسة واخوة صغار وخطيبة . علي الذي يرى وجوه أهله والتائه بين حلم التحرير ووجوه الغزاة ، يحاول أن يجدُّ مخبأً من ذكرياته وافكاره لا من الرصاص ، تتعبُ إحدى الرصاصات التي كانت خائفة ان تصطدم بجدارٍ قاسٍ ، فتختار في معركة الحياة هذهِ ، جداراً أقلّ سُمكاً .. جدارٌ مصنوعٌ من فكرةٍ وذكرى ....  رأس علي .