الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

3 دقيقة وقت القراءة ( 597 كلمة )

ثقوب سوداء في محيط العقل / عبد الرازق أحمد الشاعر

العقل حاوية مطاطة تتسع لكل الحكايا، ولا يضيق أبدا بشئوننا التافهة، وباستطاعته مط الروايات الصغيرة ليجعل منها جبلا من القصص تملأ حواشيه الواسعة، فإذا لم يجد طحنا، أعاد اجترار الأحداث البعيدة ليشغلنا عن اللحظة المعاشة. فيذكرك بمعركة دارت بينك وبين صديق تلقيت فيها أول صفعة، أو يجسد من هلام ذاكرتك وجه امرأة تركتك عند أول محنة؛ أو يفتح نافذة على مخاوف غدك، فيذكرك باختبار قاس عليك اجتيازه أو مقابلة مرتقبة ترتجف لها أوصالك أو سفر إلى مجهول ستضطرك الظروف إليه. والتحكم في النشاط العقلي أمر شاق للغاية، وإن كان مفيدا، لأن العقل يأخذك غالبا إلى بقع مظلمة تدور في رحاها ساعات وساعات، لتخرج منهك القوى خائر العزم، وكأنك خارج للتو من معركة حامية الوطيس مع غريم بئيس. فلماذا لا يأخذك العقل في شطحاته إلى أول نظرة عاشقة أو أول حضن دافئ؟ ولماذا لا يستدعي ذكرى تكريم كنت فيه البطل على منصة التتويج أو تفاصيل أول رسالة تلقيتها من ابنة الجيران بعد شهور من الضنى؟ لماذا يحملنا العقل غالبا إلى دوامات رمادية ليعيد اجترار مآسي الحياة وكأننا في حاجة إلى مزيد من الوجع؟ ربما تكون تربيتنا الخطأ التي جعلتنا ننظر في نصف المرآة المكسور، وإلى بشاعة الشرخ لا إلى جمال السور. ربما تكون نظرتنا الناقدة الناقمة لاكتشاف ثغرات في الرسم وسبعة فروق بين لوحتين هي التى حرمتنا نعمة تذوق جمال الزهرة في محيطها الشوكي والشمس فوق بساطها القرمزي. فنحن قوم تشغلنا الفاصلة بين عبارتين عن نبرات القائل أو صدق المقال، ونبادر طواعية إلى تأويل النص والقفز فوق الحروف لانشغالنا الدائم بإثبات استنتاجاتنا السوداوية المحبطة. ينشغل معظمنا بالفيء التافه، ويتغافل عن الخيل التي تدور في حمية حول الجبل لتسحق الأحلام والجماجم. فإذا سألنا صديق عن رأينا في ساعة معصمة، أو صديقة في ثوب زفافها، انبرت أعيننا لتفتش في التفاصيل الدقيقة عما يؤكد تفاهة أحكامنا وسخائم قلوبنا. ولعلنا اكتسبنا تلك العادة البائسة من محيطنا المشحون بالخيبات والمآسي. فبين حرب تدق طبولها، وأرض توشك أن يغيض ماؤها، وعدو متربص عند الحدود، وأمراض فتاكة وعلاقات هشة، تتأرجح أفكارنا صباح مساء، فلا تلفت أنظارنا نبتة جديدة بجوار مقلب القمامة، ولا شجرة سرو بين بنايتين شاهقتين، ولا عينين بريئتين لكف طفل يسألنا كسرة خبز فوق الرصيف. فطواحين رؤوسنا الهرمة لا تكف عن إنتاج الضجيج، وكأننا خُلقنا في الحياة لنتأملها لا لنعيشها. يحكى أن أرسطو كان يمشي على الشاطئ ذات غروب، منشغلا عن حمرة الشفق وزرقة البحر، فإذا به يلتقي وجها لظهر مع رجل شغله البحر عن نداء السماء. كان الرجل يذهب إلى البحر ويعود بحماس لا يفتر، مما استرعى انتباه صاحبنا الفيلسوف. اقترب أرسطو من الرجل، وسأله عما يصنع، فأشار إلى حفرة صغيرة بين الرمال، وقال: "أحاول جاهدا أن أنقل ماء البحر كله إلى الرمال، فأحمل ما أستطيع منه في هذه الملعقة وأعود لألقمه فم هذه الحفرة الشرهة." تعجب أرسطو، وقال ساخرا: "لو نقلت الماء بالسطل لكان جهدك أنفع! كيف تريد أيها المأفون أن تنقل ماء البحر كله إلى حفرة ضيقة كهذه؟" فأجاب الرجل: "قد أنجزت مهمتي. وكيف تريد أنت أن تنقل علوم السماء وما حوت والأرض وما طوت إلى عقلك الصغير يا هذا؟" كان الرجل هيراقليطيس، وكان يعلم المعلم الأول درسا حتما لم ينسه طوال تأملاته. يمكننا إذن أن نمارس كدنا الغبي من طلوع الشمس وحتى الغسق لنجني ما نشاء من خيبات. وبمقدورنا كذلك أن نصاحب الحياة، وأن نروض عقولنا على رؤية الأسنان البيضاء في جيفة كلب ميت. فإذا صوب عقلك عينيك على نقطة سوداء فوق سبورة الحياة يا صديقي، فذكره أن البياض يحيطها من كل جانب، ولو شدك من يدك إلى ذكرى، فاجعلها ذكرى باسمة، وإن دفع بك إلى جرف المستقبل فعلمه حسن الظن بالله. فخلف أستار المحن، حتما تختبيء آلاف العطايا. وعند الصباح، كما يقول المثل، يحمد القوم السرى. روضوا عقولكم على السباحة في محيط الأفكار الإيجابية، وانبذوا الطيرة والتشاؤم، فرب الخير حتما لا يأتي إلا بالخير.
عبد الرازق أحمد الشاعر

فكرة الحرية عند هيجل من خلال جدلية العبد والسيد /
أنت المسؤول عن قتل طفلك / شهد حيدر

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الجمعة، 23 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

اخر التعليقات

زائر - Gustavo Correa حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
20 نيسان 2021
أود أن أشكر شبكة فريدوم المالية على الخدمة الرائعة والممتازة التي قدمت...
زائر - Gustavo Correa حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
20 نيسان 2021
أود أن أشكر شبكة فريدوم المالية على الخدمة الرائعة والممتازة التي قدمت...
زائر - Ravindra Pratap Singh Tomar حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
18 نيسان 2021
أود أن أشكر شبكة الحرية المالية من أعماق روحي على التوجيهات القيمة منذ...
زائر - Anitha حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
16 نيسان 2021
اسمي Anitha من الولايات المتحدة الأمريكية! قبل ثلاث سنوات تم خداعي وفق...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...

مقالات ذات علاقة

تزمَّلَ رأسي ترواده النبوةملأ الخوفُ زوايا المكان فيا أيها الْمُزَّمِّل ايها العقل المقدس 
11 زيارة 0 تعليقات
في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي ، حللتُ في دائرة السياحة ، للعمل مهندساً. وعلى هام
31 زيارة 0 تعليقات
  ماذا أقولُ وقد ترنَّحَ الكلامُ ما بينَ الشفاهِ والمُقل ؟ ماذا أقولُ وقد تداعَى القلبُ مُ
38 زيارة 0 تعليقات
سنرحلُ في قطار الفجر قسراً  إلى مدن يضجُّ بها العويلُ  سلاماً أيها الولدُ العليلُ... تنادي
41 زيارة 0 تعليقات
حل رمضان ، ومعه تحل الحكايات والذكريات ، فمكانته عميقة في الوجدان، وله عبق خاص، وحضور مميز
65 زيارة 0 تعليقات
 مؤيد عباس الغريباوي / خاص شبكة اعلام الدانمارك صدر عن دار الرافد للمطبوعات ببغداد كت
67 زيارة 0 تعليقات
 يؤمن كونفوشيوس بنزعة البشرية الى الخير، قام هو واللوتسا مؤسس الطاوية بدمج مفهوم (الت
81 زيارة 0 تعليقات
الحالمون نحن الله في خاطرنا قريب منا رغم تحكم طغمة بارعة في كسر الخواطر لا نطلب الكثير ولا
81 زيارة 0 تعليقات
جنى الميلاد تهنئة رمضان كل عام والحب بخير وسلامللطفل للحياة للآمال نحننسير في طريق تعبده ل
87 زيارة 0 تعليقات
خذني ألم خذني شجن خذني خذ قلبي الحزين وأنت في شرياني دمعة كسحائب المُزنِ تمطر كل حينِ خذني
90 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال