‎الطبيعة تستمتع بهواء نقي، خالٍ من التلوث وما صنعت يد الإنسان، والطيور تحلق في السماء بأصنافها، بعيدة عن فوهة بندقية الصياد، والنبات يتنفس النقاء، ما خلق الله يعيش ويستمتع بعيدا عن عبث الإنسان، فالشوارع تسمع صداها، والخوف يخيم على الأبنية التي اختفى فيها بنو آدم، رعبا وخشية من مخلوق يكبره الإنسان بملايين المرات.

‎ اختفى الإنسان الذي خلقه الله فسواه فعدله، وبأية صورة شاء الله ركبه، تساوى مع الجميع بالهلع والفزع.

‎لحظة في المذياع كانت القشة التي كسرت ظهر الإنسان، والشرارة التي نفخها الهواء في هشيم العالم. هل يعقل أن الإنسان بفكره وعلمه وعظمته يكون بهذا الضعف؟

‎الأرض تتنفس الصعداء والماء عاد كما ينزل من المزن، والحياة في ديمومتها الطبيعية إلا الإنسان الذي تهشمت جمجمة تفكيره أمام جدية الموت التي تحاصره.

‎لقد جاء الموت اليه ولو كان في حصون مشيدة، هكذا كان فعل هذه الجرثومة اللامرئية، لكنها لم توقف فكر الإنسان الذي أصيب بغيبوبة الحدث، وكأن الناس سكارى وماهم بسكارى.

‎أصبحنا غرباء عن بعضنا، نتجنب اللقاء، وغابت الحميمية الإنسانية، وسلمنا أمر أمواتنا إلى بارئها وهي تدفن بلا وداع.

‎ورغم كل الألم والصدمة والدهشة والهذيان الذاتي، بقيت الثقافة سر وجود الإنسان، ورغم احتجاب المطبوعات الورقية، جف حبر بعضنا، وبقينا ننثر مقالاتنا في ذاكرتنا التي أتعبها التفكير، فإن غاب الإنسان هل تغيب ثقافته؟ وهل غابت الثقافة بغياب الإنسان من مشهد الحياة؟

‎كانت دوامة من الأسئلة الفكرية، تتلاطم في بحر التفكير المحبوس بين جدران البيوت. 

‎وبدلا من لعن ظلام فايروس كورونا، وجدتني أوقد شمعة أمل الحياة مجددا لأشاطر أخي الإنسان، أخي المفكر، المثقف، المؤرخ، الشاعر، الطبيب الذي يعيش ضمن دائرة الحيرة، كي أشاطره الرأي، او وجهة النظر، وربما دراسة مستفيضة حول "قراءة خاصية جائحة كوفيد-19 وتأثيرها على الثقافة بشكل عام، وما التصورات المستقبلية في ديمومة التعاطي معها".

‎ فكانت المحصلة مشروعا لإنتاج عددنا السنوي لعام 2020 من بانوراما التي احتبست عن الظهور الورقي بسبب هذه الجائحة العالمية، وشهد هذا العدد نخبة من أقلام عراقية وعربية من مختلف بقاع المعمورة..ا.

‎ وستظل بانوراما منبرا حرا نزيها لجميع المشاركين بكل حرف فيها، وسيظلون كتابها الذين رافقوها طيلة أكثر من عقد من السنوات أعمدتها وأركانها، وقطعا لن يكون الانقطاع عن الإصدار في الأشهر العجاف السابقة حاجزا عن استئناف العودة، والعودة ستكون أكثر تلاحما وتواصلا مع الجميع، وللجميع التحية والسلام، و

‎كل عام ونحن معا وأبدا