الرئيسية

الأخبار

محليات

المقالات

الثقافات

عالم حواء

منوعات

علوم صحية

تكنلوجيا

في الدانمارك

بطاقات

فنون

منظمات

اقلام

RSS

دليل الكلمات

المقالات السياسية
Arabic Danish English German Russian Swedish Turkish

 

7 دقيقة وقت القراءة ( 1305 كلمة )

الحضور المقدس وكورونا - التأويل والنجاة / حكمت البخاتي

لم يكن وباء كورونا الحدث الأول القابل للتأويل فكل الأحداث التي تبدأ في حركتها خارج إرادة الانسان تخضع الى التأويل أو تكون قابليتها للتأويل أكبر وأخصب من الأحداث والوقائع التي تجري بحضور الانسان أو بسببه ، وكونها خارج مديات الفعل الانساني فانها تنتمي الى اللاحضور الانساني او بلغة الأديان فانها تسكن بأسبابها في عالم الغيب وانتماءها خارج الشهود ، من هنا يكون التأويل في فهمها والتعامل التأويلي عاملا أوليا وفاعلا بل في ذلك الغياب للفعل الانساني أو اللاحضور الانساني كانت تنشأ فكرة التأويل وفق معطيات السلوك الكوني الموجه للوجود والكون .

لكن الفعل الانساني إمتد الى مديات تلك الأحداث والوقائع وأحرز الخوض فيها وأزاح عنها وبمساحة واسعة مكنونات أو مفهوم الغيب حين تطور العلم واكتشف مكونات وتكوينات هذه الأحداث والوقائع الكونية .

لكن هل انتهى الميل الى التفسير بأسباب الغيب والبحث عن الغامض والمجهول في الحدث الكوني ؟

لقد ظل هذا الميل مهيمنا على تصورات الانسان ولعل كلمة ميل أكثر انطباقا على هذا السلوك الانساني من غيره من الألفاظ والكلمات التي تكون أدوات في التفسير والتحليل يمارسها أو يستثمرها الباحث والكاتب . فالميل جذره نفسي ولا نجد له أصل أو مندوحة في أشياء العقل التي تؤدي وظيفة المعرفة العقليةفي الايضاح والتوضيح بينما يتسم الميل الغيبي بالغموض في التعليل والتحليل في جذره وأصله ، فالميل الغيبي دافع بدئي في الانسان تستوجبه وتقتضيه كينونة الانسان وما هويته كوجود حي باحث عن العلل والتحليل ويستشعر بعمق صلته بالوجود ككائن باحث عن انتمائه الوجودي . من هنا ينشأ القصد فيالتأويل ويكون التأويل موظفا باتجاهه أي باتجاه تلبية طموحات هذا الميل في استغراقه بصلته في الوجود وفي اثنائها ينشأ الميل نحو الغامض والمجهول لما تثيره من أسئلة وجودية كبرى واستغراق أوسع في الوجود أو في كينونة الوجود . وفي ثنايا هذا الميل الغيبي يتم التركيز على صياغة العلل والتحليل وفق متبنيات أو مشتهيات الذات التي تمارس التأويل وهو ما يؤدي الى مفارقة الموضوعية السمةالأولى في ظاهرة التأويل الممارس استجابةالى الميل البدائي في مجتمعات الشفاهية والنقل لغرضتكريس مقولة اعتقادية كرستها تصورات الشفاهية والنقل . مع ملاحظة تحولات هذا الميل من البدئي – الطبيعي الى البدائي – الثقافي الذي يعمل على تغييب العقل لصالح الغامض والمجهول من أجل استدامة الاتباع وبقاء التبعية المعرفية رهينة بجملة أيقونات التفسير والشرح والتحليل وهو ما يفسر سرية التعاليم الدينية في الملل والنحل القديمة والبدائية .

وفي ظل هذا البدائي – الثقافي كان اللاهوت المسيحي يقدم تفسيراته وشروحاته لظاهرة الوباء لاسيما الطاعون الذي كشف عن أسبابه هذا اللاهوت في مبدأ العقوبة وأن الاله غضب على بني اسرائيل فاصابهم بالطاعون وفق معلومات الكتاب المقدس وهو المبدأ الذي تم تعميمه على كل ظاهرة الأمراض والأوبئة في التأويل الكنسي – المسيحي وهو ما وجد تناغما وانسجاما مع الميل البدائي في تلك المجتمعات القديمة في ارجاع كل الظواهرالعجائبية والغرائبية الى علل فوق طبيعية قبل تطورات العلم واحالتها أي تلك الظواهر الى عللها الطبيعية ومن ثم ازاحة العجائبي والغرائبي عنها . وفي هذا السياق التاريخي للاوبئة والأمراض كان العقل البشري يبحث في أسرارها وأسبابها دون أن يصل الى نتيجة مقنعة آنذاك فكان يفسح المجال للتأويل اللاهوتي – الكنسي بالانتشار والبقاء ومن عوامل انتشاره ليس الصحة في التفسير والاستنتاج بل استجابته الى المنظومة الثقافية التي تتوافر عليها مجتمعات النقل والشفاهية فالكون وفق هذه المنظومة يسير وفق منظومة فرعية أخرى تعكس تفسيرات الشفاهية والنقل لمجموعة العلل المتتابعة والمنتجة للأحداث والوقائعوتوظف تلك المنظومة باتجاه منح طاقة تفاؤلية في الحياة ناتجة عن فكرتها بأن كل شيء مخطط له في الكون وأنالكون يسير وفق آلية ترابطية خاصة به أو وفق عناية خاصة أو وفق رعاية خاصة أو وفق أسباب عليا لايمكن قهرها أو تجاوزها وبذلك تستمد تلك المنظومة قدرتها على التماهي مع الوجود باعتباره كلي السلوك وترابطي الأداء وهي جزء من هذه الكلية ومن تلك الترابطية بصيغتها الشفاهية – التأويلية واذا كانت تلك محاور العقل البدئي - الطبيعي التي تتوافق مع الأديان التوحيدية بل ان هذه المحاور هي جذر التوحيد فيها فأن العقل البدائي – الثقافي يُجيّر أو يسحب تلك المحاور الوجدانية باتجاه عالمه الخاص وباتجاه متبنياته الخاصة ويحصر العناية والرعاية والاسباب العليا بوجوده الخاص به وحرمان الوجود العام والعوالم الفردية والجماعية الأخرى من كل تلك الآليات المسؤولة عن السلوك الكلي للكون وعن مصير الكون ، وهنا يتم تخصيص النجاة كمعنى مرادف للوجود الذي ترادفه التحديات العديدة فالوجود خارطة من التحديات التي يسعى الانسان الى النجاة منها ويكون تخصيصها وحرمان الأخرين منها هو وظيفة اللاهوت االبدائي – الثقافي .

النجاة ومبدأ التعالي الذاتي ....

التفاؤل واستهداف النجاة هما وظيفة المنظومة المعرفية في مجتمعات الشفاهية والنقل وتكرس وظيفتها بشكل أكبر التحديات التي تواجهها تلك المجتمعات وفي ظل هذه التحديات وتوقعات تجاوزها التي تضمنها هذه المنظومة الشفاهية يتشكل مبدأ التعالي الذاتي في الذاكرة الجمعية لهذه المجتمعات وهو مكمن الوظيفة الاجتماعية التي تؤديها الرواية أو النقل عن السلف وبموثوقية عالية قد تستبيح حتى مكانة العقل وأهميته وباستباحة العقل تزدهر الأسطورة وتراكماتها في الخرافة ،

وكلما اتسعت العلاقة بالأسطورة وكلما توغلت في الوعي المصنوع بواسطتها يتم استحضارها دائما في الشرح والتأويل واستعادة السلوك والموقف ذاته بازاء كل تحد حديث أو حدث متحد ، فالنجاة التي طورتها الأسطورة شفاهيا ونقليا في هذه المجتمعات تسمح بتوقعات النجاة الجازمة وفق رؤيوية اسطورية غير عابئة بالعقل بعد الثقة المطلقة بالنقل الذي يخصص النجاة الجازمة بهذه المجتمعات حصرا وهو ما دعا تلك المجتمعات أو بالأحرى تلك المجموعات الدينية الى الاعتقاد الجازم بعدم مرور وباء الكورونا بنقاط تجمعاتها وغياب مواقعها على خارطة تحركات كورونا فالحصانة التي تمنحها لهم وثوقية النجاة في أساطيرهم تغلق كل الأبواب بوجه كورونا في امكانية المرور بمجتمعاتهم ولذلك كانت تلك المجموعات الدينية شديدة الهزء بالتباعد الاجتماعي وترى أن اجتماعاتها بما توفره لها طقوسها من استحضارات جذرية للاسطورة لا تسمح للفيروس الخفي عن الأنظار بالتسلل الى ذلك الحضور المزعوم مقدسا وهو ما كانت تمارسه عمليا طائفة الحيرديم اليهودية في القدس بالتأكيد على مناعتها الدينية من فيروس كورونا ولذلك رفضت فكرة المناعة البشرية في وسائل التباعد الاجتماعي أو ارتداء الكمامة الواقية .

فالحضور المزعوم مقدسا يتضمن فكرة التعالي الذاتي لهذا الحضور الاجتماعي فهو متعالي عن المخلوقات الأخرى غير اللائقة بهذا الحضور المقدس ومنها ذلك الفيروس المزدرى في نظرها وهو ازدراء يعبر عن ثقافة ازدرائية ومتعالية عن كل الأشياء الدنيا التي هي شديدة الحضور في مفاهيم تلك المجموعات باعتبارها تسمح بالمقارنة دائما لهامع التعالي الذاتي الذي تبثه الأساطير في تلك العقائد الساذجة .

وهو ما ينتج أو يتأسس عن مبدأ أخر في التعامل الأسطوري وهو القدرة على امتلاك الحقيقة امتلاكا حصريا ينتج عنه أو يتأسس من خلاله ومرة أخرى مبدأ أخر عصي على التحول في العقل الأسطوري وهو مبدأ احتكار الحقيقة المطلقة احتكارا مطلقا وحينها تتحول الأسطورة الى دور أو صيغة الخرافة لأنها تقلب معادلة الأسطورة رأسا على عقب فالأسطورة تؤمن بامتلاك القوة العليا للحقيقة لكن في الخرافة تتأسس فكرة أو مبدأ احتكار الشخص الانساني أو مجموعته الخاصة به والمتقاة ليس للحقيقة فحسب بل للقوة العليا الموجه للكون من خلال توظيفها في تحقيق الرغبات والأمزجة البشرية .

فالآله لا يعمل وفق ارادته الخاصة في المحتوى الخرافي باحتكار الحقيقة والقوة بل هو رهن ارادة الشخص الانساني ويعمل وفق رغباته وأمزجته وأوهامه وتلك ثيمة العقل الوثني التي تسمح للانسان أن يتقمص هوية الآلهة وقوة الآلهة وقدرة الآلهة وأن الآلهة حاضرة وفي استعداد دائم لاداء خدماتها للانسان الوثني وهذا هو العمق الراسخ في أديان أو مبدأ الوثنية .

وفي اتساع مديات الخرافة باحتكار الحقيقة وانحسار هذا الامتلاك بها وما ينتج عنها من التكلم باسم الآله أعلنت تلك المجموعات التي تنتمي الى مجتمعات الشفاهية والنقل ويترسخ في مبادئها تعطيل العقل كمصدر أساسي من مصادر المعرفة ، أعلنت أنها خاضعة الى حماية خاصة من الله تعالى ورفعت ادعاءاتها بأنها لها حصانة خاصة تمنعها من الكورونا وأن الكورونا لايصيبهم وأنهم بمنأى عن ذلك الوباء لأن خالق الوباء وصانعه قد حظوا برضاه بشكل جازم وأنهم امتلكوا أو احتكروا الوسائل والدروب المؤدية اليه وأنهم وفق توقعاتهم أو جزمهم بأنهم قد أدوا كامل حقوقه وما بقي عليه إلا أن يؤدي كامل حقوقهم هكذا يستشف من خطابات ممثليهم الدينيين لكنهم أصيبوا بالدهشة االبالغة أو بالأحرى المفاجأة حين أدركوا أن الله تعالى لم يميزهم عن سائر البشر وأن الوباء طرق أبواب مدنهم ودولهم ودخل الى أجسادهم وصاروا محال نقله وعدواه .

ليعلموا أن وعد الله بالنجاة للمؤمنين انما هو رجاء يبثه الايمان في النفوس وليس شرطا مطلقا وأن النجاة فضلا من الله تعالى في حقيقة الدين الالهي وليس واجبا مفروضا على الله تعالى وأن النجاة بوسائلها هي وظيفة الانسان في الدار الدنيا وأن الله يلزم الانسان بشرط هذه الوظيفة في النجاة .

كارين آرمسترونغ" فكرة الله تاريخ حقيقة ذاتية" / حك
التأويل وإمكانية بناء العقل الاسلامي/ حكمت البخاتي

المنشورات ذات الصلة

 

شاهد التعليقات

( أكتب تعليق على الموضوع )
زائر
الثلاثاء، 13 نيسان 2021

صورة كابتشا

By accepting you will be accessing a service provided by a third-party external to https://iraqi.dk/

أخر مقال نشر للكاتب

  السبت، 05 كانون1 2020
  381 زيارة

اخر التعليقات

زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - احمد يوسف مصطفى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
07 نيسان 2021
Freedom Mortgage Corp هي شركة خدمات إقراض جيدة جدًا ؛ لقد أجروا بحثًا ...
زائر - مصطفى محمد يحيى حديث علي نار هادئة / محمد سعد عبد اللطيف
04 نيسان 2021
شكرا جزيلا [Freedom Mortgage Corp ؛ البريد الإلكتروني على: usa_gov@out...
زائر - عباس عطيه البو غنيم بحيرة البط في كوبنهاكن تجمدت وأصبحت ساحة ألعاب
21 شباط 2021
حقاً سيدي يوم جميل بين جائحة كورونا وبين متعة الحياة التي خلفتها الطبي...
زائر - حسين يعقوب الحمداني الولايات المتحدة.. نقل السناتور الذي سيترأس جلسات محاكمة ترامب إلى المستشفى
30 كانون2 2021
الأخبار الأمريكية أخبار لاتتعدى كونه كومة تجارية أو ريح كالريح الموسمي...

مقالات ذات علاقة

بفضلِ حجي بوش في عام 2003 تم العثور على اسلحة الدمار الشامل نعم كانت أسلحة دمار المجتمع دم
43 زيارة 0 تعليقات
يساعدنا علم النفس على معرفة ردود افعال الانسان و مايدور في داخله ، فمثلاً الطفل حينما يمنع
119 زيارة 0 تعليقات
خلال تصفحي للمقالات عبر الشبكة العنكبوتية, صدمني مقال منشور على موقع براثا نيوز بعنوان (أب
110 زيارة 0 تعليقات
كل انسان يشعر بفراغ روحي مهما كان معتقده فيحاول ان يملا هذا الفراغ اما باللجوء الى الفطرة
124 زيارة 0 تعليقات
" التعليم عن بعد " هو مفهوم متداول بين أصحاب الشأن منذ مدة وليس غريبا على الاسرة التعليمية
123 زيارة 0 تعليقات
أن المنظومة المطبقة حاليًا بالسكة الحديد سواء الربط الكهربائي أو الميكانيكي تعتمد على العن
116 زيارة 0 تعليقات
ليس للاستحمار أنواع حتى يكون زنكَلاديشي او غيره، فهو اما ان يكون الشخص مستحمراً لنفسه او ا
136 زيارة 0 تعليقات
في يوم 19-3-2021 عرضت الحلقة 17 من برنامج البشير شو الكوميدي السياسي الساخر, وخلاله تم عرض
132 زيارة 0 تعليقات
من قال انه الكلام مجرد كلام ولاقيمة له هذا شخص لايوزن كلامه لذلك يعتقد انه غيره مثله كلام
131 زيارة 0 تعليقات
تاريخ الحضارة الأشورية تاريخ عريق لأمة عريقة، وقد انطلق فكر هذه الأمة بتاريخها الخالد من خ
132 زيارة 0 تعليقات

 

 

                                                                                                    

 

                                       عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. -     المقالات  التي  تنشر  في الشبكة  تعبر عن  رأي الكاتب  و المسؤولية  القانونية  تقع  على عاتق  كاتبها    /    الاتصال