التقاعد ثقافةٌ قبل أن يكون فكرة مرتبطة بالوظيفة والحياة. هو سلوك مرتبط بطريقة حياة وممارسة. والبشر اتجاهاتٌ وأذواقٌ ورغبات مختلفة. وهو جدلية حياة، وطبيعة بشرية. فما يرضيك قد لا يرضي الآخرين، وما تحبه ليس بالضرورة يحبه الأقرب لك في الجينات! هذه هي الحياة: صراع وتناقضات وجدليات في الرؤى. فالتقاعد قد يشكل أزمة نفسية للبعض. إلّا أنّ آخرين يجدونه فرصة لحياة هادئة ومريحة، وفرصة للتفرّغ للإبداع والعطاء، وتحقيق ما لم يسمح الوقت السابق بإنجازه. بل إن الدراسات العلمية هي الأخرى اختلفت في نتائجها، فبعضها ربط التدهور في الصحة النفسانية مع التقاعد. ودراسات أخرى أكدت أن الصحة النفسانية للذين تجاوزت أعمارهم الستين قد تتحسن بعد التقاعد.

وكي لا يصيبنا الإحباط من كلمة (متقاعد)، فقد فسر في فقه اللغة والموروثات الصورية المقولبة بكلمة (تقدم السن)، أو ما قيل إنها كلمة مؤلفة من مقطعين (مت) و(قاعد). والمقصود بها: (مُتْ وأنت قاعد). مع أهمية إخضاع مفهوم التقاعد لنسق ثقافة الشعوب التي تمر عبر بوابات السلوك والثقافة والتنشئة الاجتماعية. فالتقاعد عندنا هو الموت.والصورة النمطية عنه: الرجل المتكرش الذي توقف عن الاهتمام بمظهره، والمهمش الذي لا يؤخذ برأيه. والمتطفل الذي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في المنزل. والمكتئب الذي يتوارى عنه أهله وأصدقاؤه. والمصاب نفسيّاً بأفول مكانته وحضوره الاجتماعي. بينما ثقافة الآخر تعطي بعداً أكثر إشراقا لمفهوم التقاعد، حيث فلسفة الحياة تبدأ بعد الستين. وهي فرصة لحياة جديدة، وإعادة صياغة لعطاء آخر؛ تعلم مهارات جديدة، وممارسة أنشطة مختلفة؛ كالقراءة والسفر والرحلات، وممارسة هوايات قديمة. مثلما هي فرصة نادرة للتفرغ للأعمال التطوعية والخيرية، كما فعلها (بيل غيتس) عنما قرر أخيراً التقاعد من مايكروسوفت!

وبلغة العلم والأرقام، تكشف لنا الدراسات الميدانية مأساة المتقاعد العربي ونظرته السوداوية للحياة بعد التقاعد؛ فوفقاً لعينة من المتقاعدين العرب، يعاني 83,84 بالمئة  من المتقاعدين من تفاقم المشكلات العائلية بعد التقاعد، و58,37 بالمئة  يعانون من توتر عصبي بعد التقاعد بسبب الفراغ، ويشعر 64,57 بالمئة  أن العمل يحقق لهم ذاتهم، ويعتقد 62,79 بالمئة  أن ذهابه للعمل فرصة للخروج من العزلة والوحدة. كما أظهرت أن المتقاعدين الذين لا يملؤون أوقات فراغهم بأي عمل أو ممارسة الرياضة أو هوايات تزيد نسبة الاضطرابات النفسانية لديهم بمعدل 6 إلى 9 بالمئة . ومن أهم صور هذه الاضطرابات: الاكتئاب، والقلق، والانزواء الاجتماعي. بينما الاتجاه العام للدراسات الأوروبية والأمريكية يشير بشكل عام إلى أن المتقاعد يرى في التقاعد فرصة لتجديد حياته لإطالة العمر 88.6 بالمئة ? وتشعره بأنه أعطى للمجتمع. كما هي تضحية لإعطاء فرصة للجيل الجديد للعمل والإنتاج 86.3 بالمئة . وهي تتيح له التعمق والاهتمام بجوانب أخرى لم يتسنَّ له فعلها أيام الوظيفة، كالسفر وممارسة الرياضة، وتعزيز العلاقات الأسرية بشكل أفضل من ذي قبل 81 بالمئة . وهناك من يعتقد أنها سببت له مشكلاتٍ اجتماعيةً ونفسيةً أبرزها الوحدة والاكتئاب 34.6 بالمئة .

والحق أن الأمر لا يتوقف على نظرة المتقاعد لظاهرة التقاعد فقط، وإنما على البيئة التي يعيش فيها، والقوانين التي تحميه من كآبة الوحدة والقلق؛ ففي التجربة الألمانية هناك هيئة تسمى (هيئة الخبراء المتقاعدين الألمان) مقرُّها مدينة بون أسست عام 2003 تضم أكثر من 5000 خبير ألماني يعملون على تقديم خبراتهم للصالح العام، وتقديم المساعدة للشركات والمؤسسات والإدارات الرسمية في العالم الثالث في 93 دولة. أما اليابان فلها تجربة مثيرة في اهتمامها بالمتقاعدين، من خلال برامج اجتماعية واقتصادية تعتمد إضافتهم إلى المعادلة التنموية الشاملة في مواقع متنوعة، وذلك بإعادة تعيينهم مستشارين في مؤسسات الحكومة والمجتمع المدني والجمعيات الأهلية، مع تغيير طفيف في مواعيد دوامهم يتماشى مع المرحلة العمرية، بجانب شمولهم بمظلة الأمان الاجتماعي والاقتصادي. والتجاربُ العالمية كثيرة ومتنوعة، وكلها تصب في إدماجهم بالمجتمع، وعدم إشعارهم بالإهمال والنسيان. ومهما قلنا عن المتقاعد العراقي ومآسيه المالية والنفسية والصحية، فإنها لن تكون له مبرراً للانتحار بمفهوم التقاعد التقليدي. والاستسلام لفلسفة الواقع المزري.فالمتقاعد أمامه حلولاً لبرمجة الوقت في القراءة والكتابة، وترتيب أولويات العلاقات الاجتماعية، والبحث عن برامج علمية ومجتمعية وتطوعية للمشاركة فيها، بدلاً من الاهتمام بموائد الطعام الدسمة التي تغلق العقول وتضخم الكروش، وقضاء الوقت بثرثرة المقاهي والمنتديات التي تحولت إلى فضاءات للنميمة والقيل والقال. وتحويل حياته للبكاء على الماضي وندب الحظوظ، وتثوير الأحزان والمآسي حتى في مناسبات الأفراح. ومع ذلك هناك من يقول لنا بلغة التفاؤل والعلم: جدد حياتك بطرد الهموم حتى تهدأ المقل، ودع القلق وابدأ الحياة!

بالمقابل؛ كان صديقي مُحقّاً في رفضه لفكرة التقاعد عندما كنت أدعوه للتقاعد، نظراً لشكواه المستمرة من فساد المؤسسة والمحسوبية وتدخل الأحزاب، فقد كان يصر بقوة على أن التقاعد عندنا يعني الموت، وكان يبرر الأمر بأن المقارنة ظالمة بين المتقاعد العراقي والأجنبي، فالمتقاعد العراقي ليس له دخل مناسب يمكنه من أن يعيش برفاهية الفقراء. فالدولة مصابة بهوس تأخير الرواتب شهريا، وتأكل أمواله بالحرام بجدولة ظالمة في رواتبه ومهنه ومنزلته الثقافية والعلمية. كما تحجز أموال البعض التي دفعوها من عرق جبينهم أثناء الوظيفة لرأي مخالف. كما أنه ليس لديه ضمان صحي لمواجهة أمراض الشيخوخة والفيروسات. ولا حدائقُ وملاعبُ لممارسة الرياضة في أماكن العيش. ولا إمكاناتٌ ماديةٌ للسفر والرحلات. ولا مؤسساتٌ لرعايتهم واستثمار عقولهم. لكن الشيء الوحيد المحقق كما يقول صاحبي بسخرية لاذعةٍ، هو أن المتقاعد العراقي يعيش غيبوبة الموت السريري، يعُدُّ أيامه الأخيرة ليودع الحياة غير نادم عليها!

قرأت مؤخراً كلاماً جميلاً لصديق يستعرض كتاباً بعنوان (مُت فارغاً) صدر عام 2013 لكاتب أمريكي يدعى (تود هنري)، يلخص فكرة قيمة للمقبرة باعتبارها أغنى أرض في العالم؛ لأن ملايين البشر رحلوا إليها، أي ماتوا، وهم يحملون الكثير من الأفكار القيّمة التي لم تخرج للنور، ولم يستفد منها أحد سوى المقبرة التي دُفنوا فيها. لذلك يطلب من المتقاعد قبل أن يموت تسليم أمانة الحياة بقوله : اذا كان لديك فكرة فنفِذّْها، أو عِلمٌ فبلّغْهُ، أو هدف فحقّقْهُ، أو حب فانشره ووزّعْهُ، وإن كان لديك موقف مبدع وخلاّق فأعلِنْهُ، فلا تكتم الخير والعطاء في داخلك فتموت ممتلئاً مُتخَماً، وتكون لقمة سائغةً لذيذة لدود الأرض. بمعنى: لا تذهب إلى قبرك وأنت تحمل في داخلك أفضل ما لديك. اختر دائماً أن تموت فارغاً! الحياة معلِّم قاسٍ جداً، لا يمنحنا درساً من دون مقابل، ما علينا سوى أن نتأمل كيف تسير أحوال العباد في العراق بالمقلوب، وتنتهك إنسانيتهم، وتصبح الحياة كأنها الموت الأبدي! للأسف. 

شتان ما بين موت الآخر المتخوم بالسعادة، وموتنا المتخوم بالبؤس والأحزان !