وسط ما مشاع حول الانتخابات المبكرة التي موعدها شهر حزيران من العام المقبل، يعلو دخان ينم عن عدم إمكانية إجرائها في هذا الموعد، وقطعا هذا ليس غريبا وسط تخبط قادة البلاد في التحضيرات لها، ولعل أول التحضيرات التعداد العام للسكان، وثانيها عدم إجماع الآراء حول آلية الاقتراع، وثالثها تلكؤ قراءة قانون الانتخابات، فضلا عن التلكؤ في إقراره بالإجماع، إذ أن أغلب الكتل ترفضه جملة وتفصيلا، وأخرى تعترض على فقرات فيه، وثالثة (تجر بالطول) ورابعة (تجر بالعرض).

وكل هذا ليس (من أجل سواد عيون العراقيين) حيث بات من البديهي انحياز كل كتلة وحزب إلى مصلحته أولا، ومصلحته ثانيا، ومصلحته ثالثا وعاشرا، وليذهب العراق والعراقيون إلى الجحيم، إذ أن أغلب أرباب الكتل والأحزاب يرفعون شعار أبي فراس الحمداني:

معللتي بالوصل والموت دونه

إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر

لقد تعودنا قبل وبعد كل عملية اقتراع او انتخاب او ترشيح او فوز او حتى خسارة -على ما تنقضي عليه من سلبيات وايجابيات- ظهور كم هائل من التصريحات الرنانة في وسائل الإعلام على اختلاف مصادرها المرئية والمسموعة والمقروءة، وهي تصريحات تبطنها تخمينات، بعضها تطمينات وبعضها تحذيرات وأخرى تأويلات وتحريفات، ورابعة لاتنتمي الى صنف من أصناف النقد او المدح او القدح، وهي كلها على لسان رؤساء كتل وأحزاب وقوائم او أعضائها أو شخصيات سياسية، كان لها يد في كل ما من شأنه التأثير على سير العمليات السياسية او غيرها فيما يخص البلد. ويتنوع القائمون بها بين من يريد الخير والفلاح للعراق ولشعبه، ومن يتأبط شرورا يحوكها ويدبرها مع رفاق له في الداخل، او رفاق آخرين من الخارج -وهم كثر-. والغريب في مايحدث ان الجميع يناشد بالولاء للوطن وخدمة المواطن، والعمل لصالحهما، ومقارعة الذين يقفون ضدهما، وكلهم قادمون بخطط يقضون فيها على الفساد بأنواعه، ويقوّمون الانحرافات في أداء مؤسسات الدولة، وقطعا لم يفُتهم كلهم أن يرفعوا شعار محاربة الطائفية، والقضاء على الإرهاب. وقد أتوا بمفردة (لا) ولصقوها بكل ظاهرة سلبية، كما أتوا بمفردة (نعم) ولصقوها بأخريات ايجابيات كما يرونها بمفاهيمهم. فكان الناتج؛ لاللمحاصصة.. لاللطائفية.. لاللفساد.. لاللمحسوبية.. لاللسراق... يقابلها من الـ (نعم) اضعاف تلك اللاءات فيما يخص الخدمات والسياسات التي ستتبع في إدارة البلد.

والغريب أيضا أن كل من جاء للعمل من أجل البلاد وملايين العباد، يشهر -أول مايشهر- سيف الاتهام وسلاح التنكيل ضد السابقين من الحكام والساسة والمسؤولين الذين سبقوه في المنصب والمسؤولية، وكأن اللاحقين لايرتقون بما يعوّل عليهم إلا بالإساءة الى سمعة السابقين، ونشر غسيلهم أمام الملأ -حقا او إفكا-. وهم بهذا يتبعون كل السبل والوسائل بغية إبراز ما يريدون إبرازه من دعاوى. وهذا الأمر يذكرنا بما حدث في الدورة الانتخابية السابقة، والذي بدوره يذكرنا أيضا بما حدث قبلها بأربع سنوات، حيث مافتئ المسؤول اللاحق من التشهير بسابقه كيف مااشتهى.

إن من المفترض أن يستعين اللاحق بالسابق منهم، في الاستفادة بما يعينه على إكمال مشوار وظيفته الجديدة، وفي الوقت ذاته، على السابق أن يتحلى بالروح الوطنية والمهنية العالية، ليبدي استعداده في التعاون مع زميله الجديد وخليفته بالمنصب، ليتسنى للأخير العمل بمقتضيات الحالة التي وصل اليها السابق -سلبا او إيجابا- وبذا يكون السابق قد أدى رسالته بما يرضي الله والناس ونفسه، ويكون اللاحق بالمقابل قد تنور بما قد يكون خافيا عنه في مسؤوليته الجديدة. فهل هم فاعلون هذا فيريحون أبناء البلد من العناءات التي لازمتهم عقودا؟ أم سيبدأ كل مسؤول جديد بإنشاء هرم جديد في مؤسسته، يتمثل بمملكة جديدة بشخوص جدد وخواص جدد، بدءًا من أثاث مكتبه الى موظفيه الخاصين، وليس انتهاءً بطاقم حرسه وأفراد حمايته! فإن كان هذا الأمر بغية تحقيق نقلة نوعية وقفزة للأحسن وخطوة للأمام، فمرحى بها، أما إن كانت موضة او حصرا للنفع والفائدة له ولخاصته.. فبئس الحال وتعس المآل.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.